بعد رحلة تمتد لنحو 4 عقود، تمكّن التشكيلي السعودي نايل ملا من وضع بصمة مختلفة باعتباره أحد رواد الحركة التشكيلية في البلاد، وفناناً يُصنّف من الرعيل الثاني للفنانين الذين حملوا على عاتقهم مسؤولية إرساء مفاهيم الفن التشكيلي السعودي، إلا أنه توقف لفترة من الزمن نتيجة إصابته بالسرطان، الذي انتصر عليه، ليعود يوم غد (الأحد) في افتتاح معرضه الشخصي الثامن «تشاكيل»، بغاليري «داما آرت» في جدة، الذي يضمّ أحدث مجموعة من مصغراته الجديدة.
انعكاس المرض على أعماله
يتحدث ملا لـ«الشرق الأوسط» عن رحلته الأخيرة مع المرض قائلاً: «أجريت استئصالًا لورم سرطاني، ومكثت في المستشفى لنحو شهر ونصف الشهر، حينها أدركت كيف أن المرض يُغيّر الإنسان ويدفعه لعدم الاستسلام، وألا يكون حبيس الجدران، فعليه أن يقاوم ويعود لممارسة حياته الطبيعية، ويقرر أن يعيش من جديد». وعن تأثير هذه التجربة القاسية على عطائه الفني، يوضح ملا أنه اشتغل على مجموعة أعمال بعد فترة تعافيه من المرض، وخرج بلوحات مختلفة عمّقت لديه تجربه الشعور بالمعنى، مبيناً أن معرضه الجديد يضمّ أكثر من 120 عملاً من المنمنمات (أو المصغرات).

قصة المنمنمات
فن المنمنمات الذي يتقنه نايل ملا هو فن قديم ازدهر منذ بداية القرن الـ16 حتى منتصف القرن الـ19، لكن ملا يقدمه اليوم بروح عصرية مختلفة، ما يجعله رائداً سعودياً في هذا الاتجاه الفريد، الذي رافقه منذ صغره وطوّره بمرور الزمن، قائلاً: «تلك المصغرات أو المنمنمات كانت عشقي وشغفي في الحياة، وطغت اللوحة الصغيرة على أغلب مشاركاتي الجماعية، حتى اشتهرت بها».
وقاده ذلك إلى تنظيم أول مهرجان للأعمال الفنية المصغرة في السعودية، شارك به أكثر من 50 فناناً وفنانة من جميع مناطق البلاد، وذلك عام 2003 في مدينة جدة، ويضيف: «حقق هذا المهرجان نجاحاً كبيراً شجعني للخروج بفكرة أكبر في عالم المصغرات، ومن هنا جاء (المهرجان العربي الأول للأعمال الفنية المصغرة) الذي نُظّم لأول مرة على مستوى العالم العربي وشارك به 230 فناناً وفنانة، بنحو 1750 عملاً من المصغرات، وذلك في جدة عام 2008». وما زال نايل ملا يحلم بأن تتحول أفكاره هذه إلى بينالي عربي ضخم وتظاهرة عالمية تعيد إحياء المصغرات أو المنمنمات، مبيناً أن أرشيفه الفني بات يضمّ اليوم نحو 2000 مُصغرة.

ابن مكة المتخم بالحكايات
جدير بالذكر أن الفنان السعودي نايل ملا هو ابن مكة المكرمة التي وُلد فيها عام 1957، ونشأ وترعرع في حواريها، تحديداً في حارة أجياد - السد، القريبة من الحرم المكي الشريف، حيث عاش في بيئة مكية صرفة، بدءاً من أسرته الهادئة التي اكتسب منها روح الإبداع وفن الزخرفة، إلى المحيط المليء بجماليات البيوت الحجازية المكتسية بالرواشين المزدانة بالتصاميم الجمالية الفريدة، والمطلة على أزقة مكة العتيقة وحاراتها.
كما أثّر هذا التنوع السكاني المكي المختلط بالثقافات والأنماط المتنوعة في الناس وألوانهم وحركاتهم ولغاتهم ومأكلهم وملابسهم الزخرفية المبهجة، في ميول نايل ملا وتوجهه وموهبته في الرسم التي بدأت منذ كان صغيراً، وهو خريج جامعة الملك عبد العزيز في جدة عام 1980، وشارك في كثير من المعارض والمسابقات والفعاليات المحلية والدولية، كما حصل على جوائز عدّة، من أهمها؛ الجائزة الكبرى في مسابقة المفتاحة التشكيلية بأبها (2001)، وجائزة المتحف السعودي للفن المعاصر- المستوى الأول (2002)، وجائزة شرفية من بينالي طهران الدّولي للفنون الإسلامية (2005)، وكذلك حاز على درع تكريمية من مؤسسة مسك للفنون بالرياض (2021).

ومقتنيات ملا حاضرة في أهم المواقع السعودية، منها 12 عملاً من مجموعته «تقاسيم شرقية» في قصر ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في العلا، وكذلك جداريتان (منسوجتان) في مطار الملك خالد الدّولي بالرياض، و4 جداريات (موزاييك وفسيفساء) في مطار الملك فهد الدّولي بالدمام، و4 جداريات (منسوجات) في جامعة الملك عبد العزيز بجدة، وغيرها من المواقع الهامة.





