الرياض تستعيد ذاكرة المكان... المسعري ومغربل في احتفاء بروّاد الفنّ السعودي

71 عملاً في «مسك للفنون» تتتبَّع التحوّلات البصرية والروحية في تجربة الفنانَيْن

تفتح جدران صالة الأمير فيصل بن فهد للفنون النوافذ للتعرُّف إلى الفنانَيْن (الشرق الأوسط)
تفتح جدران صالة الأمير فيصل بن فهد للفنون النوافذ للتعرُّف إلى الفنانَيْن (الشرق الأوسط)
TT

الرياض تستعيد ذاكرة المكان... المسعري ومغربل في احتفاء بروّاد الفنّ السعودي

تفتح جدران صالة الأمير فيصل بن فهد للفنون النوافذ للتعرُّف إلى الفنانَيْن (الشرق الأوسط)
تفتح جدران صالة الأمير فيصل بن فهد للفنون النوافذ للتعرُّف إلى الفنانَيْن (الشرق الأوسط)

71 عملاً فنياً لاثنين من روّاد الفن الذين أدُّوا دوراً محورياً في تشكيل المشهد الفنّي في السعودية، تفتح جدران صالة الأمير فيصل بن فهد للفنون نوافذ للتعرُّف إلى عطائهما، من خلال النسخة الثالثة من سلسلة المعارض الفردية التي أطلقها معهد مسك للفنون للإضاءة على مسيرة الفنانَيْن.

وتضمّ هذه النسخة من السلسلة أعمال الفنانَيْن سعد المسعري والدكتور فؤاد مغربل، اللذين أسهما بشكل بارز في تطوير الفنون البصرية في السعودية لعقود، من خلال أعمال إبداعية ومسيرة زاخرة، عكست في كثير من تفاصيلها الهوية الثقافية والتجارب الإنسانية العميقة.

وأطلق معهد مسك للفنون، التابع لمؤسّسة محمد بن سلمان غير الربحية «مسك»، الأربعاء، النسخة الثالثة من سلسلة المعارض الفردية، التي تُقام في صالة الأمير فيصل بن فهد للفنون من 6 مايو (أيار) حتى 1 أغسطس (آب) المقبل.

المعارض الفردية التي أطلقها معهد مسك للفنون تُضيء على مسيرة الروّاد (الشرق الأوسط)

يحمل المعرض الأول عنوان «فضاءات فكرية» للفنان سعد المسعري (الشرق الأوسط)

فضاءات فكرية

ينقسم الحدث إلى معرضين؛ الأول بعنوان «فضاءات فكرية» للفنان سعد المسعري، الذي انطلقت ممارسته الفنية من اشتغاله بالتقاليد الهندسية والزخرفية، حيث يعيد تأويلها ضمن رؤية معاصرة، وتتميّز أعماله بتوظيف النِّسَب والتكرار والتناظر في صياغة تكوينات بصرية تجمع البُعد الهندسي والتأمُّل الروحي.

وُلد سعد المسعري في المزاحمية بالسعودية عام 1953، وتخرَّج في معهد التربية الفنية بالرياض ضمن الدفعة الرابعة، ثم واصل دراسته في أميركا، حيث حصل على درجات علمية من كلية لوريتو هايتس في دنفر، كولورادو (1979)، ومن جامعة ولاية يوتا (1981 و1983). وشارك في أكثر من 50 معرضاً دولياً، وأقام معارض فردية في أميركا والسعودية، كما نال عدداً من الجوائز، من أبرزها جائزة عام التراث الإسلامي عام 1990.

ويُعدُّ المسعري رائد التجريد الهندسي في الفنِّ السعودي، ويستكشف في أعماله الهندسة والنِّسَب مُستلهماً العمارة النجدية والمشهد الصحراوي، في أعمال تجمع بين الأصالة والحداثة.

ويُقدِّم معرض «فضاءات فكرية» 36 عملاً تُجسِّد امتداد ممارسته عبر وسائط متعدّدة، تشمل الرسم والمجسَّمات والخزف، وتظهر فيها الهندسة أداةً للتفكير وإطاراً لتشكيل المعنى. وقد تشكَّلت حساسية المسعري البصرية في بيئة صحراوية غنية، إذ أسهم تفاعل الضوء والظلّ وتدرُّجات الألوان الترابية في بلورة تكوينه الفنِّي. ومن هذا السياق، طوَّر مقاربة معاصرة للفنون الإسلامية، تتعامل مع الهندسة على أنها نظام معرفي، وتستعيد التكرار على بكونه مبدأ جوهرياً في التصور الإسلامي، وفعلاً تأملياً يُجسِّد مفاهيم الوحدة والامتداد اللامتناهي.

تضمّ هذه النسخة من السلسلة أعمال سعد المسعري وفؤاد مغربل (الشرق الأوسط)

ويوظِّف المسعري في أعماله أنظمة تناسبية وبنى متناظرة تعتمد على الخطّ واللون في بناء فضاءات بصرية تتجاوز البُعد المادي، موظِّفاً الضوء على أنه حالة من الكشف والتجلّي. وتنخرط أعماله في حوار عميق مع ميتافيزيقا الشكل، بما يجعل من الإدراك البصري مجالاً للتأمل والمعرفة.

وتبرز حساسيته الهندسية بوضوح في مقاربته للعمارة المحلِّية، إذ يستلهم من البيوت النجدية التقليدية بعناصرها المثلثية وخطوطها الأفقية المتكرّرة، إلى جانب السمات المعمارية لمحافظة المزاحمية ومناطق جنوب غربي السعودية. وقد أصبحت هذه العناصر جزءاً من معجمه البصري، مثل أنظمة شكلية تؤسِّس لتجريد هندسي متجذِّر في الثقافة المادية المحلية. وفي تمثيله للشخصيات والمناظر الطبيعية والعناصر المعمارية، تظهر البنية الداخلية القائمة على التناسب والتناظر، وإنما توظيفه للهندسة يتجاوز المحاكاة الشكلية ليغدو نظاماً حيّاً يربط بين البنية والمعنى، وبين الحسّ البصري والتجربة الروحية.

مغربل والمسعري أسهما بشكل بارز في تطوير الفنون البصرية بالسعودية (الشرق الأوسط)

طيبة: أطلال وسلوى

يحمل المعرض الثاني عنوان «طيبة: أطلال وسلوى»، ويستعرض أعمال الفنان الدكتور فؤاد مغربل، الذي انطلقت ممارسته الفنّية من ارتباطه بالمدينة المنوَّرة حيث وُلد ونشأ، ويتنقَّل في أعماله بين التشخيص والتجريد، مستلهماً إبداعه من عمارتها ونسيجها الاجتماعي والتاريخي، في حين تركز أعماله على أحياء المدينة القديمة وما تحمله من أبعاد ثقافية وروحانية.

وُلد فؤاد مغربل في المدينة المنوَّرة، وتخرَّج في قسم النقش والزخرفة في المدرسة الصناعية، فكان ذلك من أسباب تعلًّقه الشديد بالفنّ. وحصل على شهادة الدكتوراه في التربية الفنّية في لندن، وتولَّى مناصب عدَّة، منها إدارة جمعية الثقافة والفنون بالمدينة المنوَّرة. ولأكثر من 6 عقود، وثَّق تحوّلات المدينة عبر أعمال تتنقَّل بين التشخيص والتجريد، مستلهماً من الذاكرة والضوء والتجربة المعيشة.

من هنا، اتسعت تجربة مغربل الفنّية واتّخذت مسالك متعدّدة، فلامست موضوعات شتّى وتجلَّت في صيغ تشكيلية متنوِّعة، وإنما مدينته الأولى، المدينة المنورة أو «طيبة»، ظلَّت الحضور الأرسخ لمنابعه البصرية، بما تحمله من إشارات النور والخير والسكينة، فغدت محوراً تتركَّز حوله رؤيته، وتنعقد به صلته العميقة بالمكان.

أعمال إبداعية ومسيرة زاخرة عكست الهوية الثقافية والتجارب الإنسانية العميقة (الشرق الأوسط)

وفي المعرض، تتجلَّى المدينة المنورة، ثاني الحرمين قداسة بعد مكة المكرمة، في 35 لوحة، استعاد الفنان ملامحها عبر مساجدها وعمارتها التاريخية وأزقتها، التي انطوت في ذاكرة الزمن، إلى جانب ما احتوته من حرف وتقاليد اجتماعية شكَّلت إيقاع الحياة اليومية في جنباتها. وقد عايش مغربل التحوُّلات العمرانية الكبرى التي شهدتها المدينة عن قرب، فحمله ذلك على استحضار أحيائها التاريخية، مثل الساحة والمناخة وزقاق السلطان، بوصفها بنى بصرية يعيد تشكيلها انطلاقاً من تجربة معيشية وذاكرة شخصية. وتظهر هذه الفضاءات في أعماله على هيئة تكوينات متعدِّدة الطبقات تتأرجح بين التمثيل والتجريد، وتنتظم ضمن مساحات حيَّة من الخطّ واللون والضوء.


مقالات ذات صلة

عالم سحري مسكون بالدببة وطيور الأوريغامي الورقية في معرض لندني

يوميات الشرق «غابة الجوارب» وعائلة الدببة (المعرض - الفنانة)

عالم سحري مسكون بالدببة وطيور الأوريغامي الورقية في معرض لندني

في أرجاء معرض «البيت السعيد» (Home Sweet Home) المقام حالياً في صالات عرض «ذا مال غاليريز» بلندن، تتناثر ألعاب الأطفال الضخمة وطيور الأوريغامي الورقية.

عبير مشخص (لندن)
يوميات الشرق إحدى لوحات المعرض للفنانة لينا أسامة (الشرق الأوسط)

معرض يحتفي بـ«اليوبيل الذهبي» لنقابة التشكيليين المصريين

بجوار تمثال مكوّن من الحديد الخردة، يمثل عازف الربابة بهيئته التراثية المعهودة، يقف الفنان سعيد كامل ممسكاً بما يشبه الدف، ليستكمل مع تمثاله معزوفة فنية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق جيلبير الحلبي أمام إحدى لوحاته في معرض «أصداء الوجود» (الجهة المنظّمة)

معرض «أصداء الوجود»... حين تعبق رائحة الصنوبر في المتحف الوطني

أعمال معرض «أصداء الوجود» ستنتقل في يناير (كانون الثاني) 2027 إلى المتحف الوطني في روما...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق من أعمال كرمة عمرو في المعرض (الشرق الأوسط)

«ابن الوز عوّام» لاكتشاف مواهب أبناء الرسامين بمصر

يُحيل عنوان المعرض القاهري «ابن الوز عوام» إلى المثل الشعبي الشهير، لكنه يوظفه هذه المرة في حقل الفن التشكيلي.

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق هوانغ يولونغ حوّل الـ«Hoodi» إلى رمز فلسفي (الصور من موقع الفنان)

شخصيات تقف على خط تماس بين معبد قديم ومحطة مترو

هناك من المعارض ما يجعلك تشعر بأنك أمام فن مختلف. وبالأحرى أمام فن شبابيّ. هذا هو الحال مع النحات الصيني هوانغ يولونغ ومعرضه المقام في باريس حالياً.

«الشرق الأوسط» (باريس)