سينمائيو هوليوود في وضع حرج. فهم إذا ما أفتوا في المسألة الفلسطينية والصراع الدائر أمام خيارين، إما الدعوة لإيقاف الحرب على غزة، أو مباركة الغارات الإسرائيلية على هذا القطاع أو سواه.
إذا ما اختاروا الحل الأول ووجهوا بتهمة العداء لدولة إسرائيل وبحملات إعلامية معادية لهم لجانب أن بعضهم يخشى أن يشمل «العقاب» حرمانهم من العمل. في حالة تأييد الحل العسكري الإسرائيلي، فإن الرأي العام اليوم ليس كما كان في سابق أوانه، من عام 1948 وما بعد. قد يجد أصحاب هذا الخيار ملاذاً في مواقف الإعلام السائد، ورضا أهل القمم في شركات واستوديوهات الإنتاج، إلا أن النقد الشعبي المتزايد للحل العسكري الإسرائيلي يضعهم في موقف حرج.
طبعاً هناك الخيار الثالث وهو الصمت، وهذا ما تقوم به الغالبية، إمّا بدعوى أن للسياسة أهلها، أو على أساس إدانة الطرفين معاً أو حتى على أساس عدم الرغبة في زج الفن بالسياسة.
حقائق
55 اسماً
في عالم السينما الأميركية والبريطانية وقّعوا على رسالة تطالب الرئيس الأميركي جو بايدن، التدخل لوقف إهدار الدم في فلسطين.
رسائل تنديد
خيار الانتماء إلى تأييد إسرائيل أو انتقادها لم يكن سارياً إلا في مناسبات محدودة خلال العقدين الماضيين. سوزان ساراندون ومارك روفالو وتشارلز دانس، هم أسماء كلاسيكية في مضمار انتقاد الهجمات الإسرائيلية على غزة في الماضي، وهم من بين المنتقدين لهذه السياسة والداعين لنجدة الغزّاويين اليوم. في الأيام القليلة الماضية انضمّت أسماء أخرى تدعو إلى إنقاذ ضحايا القصف الذي تتعرض له غزّة. من بين هؤلاء كريستن ستيوارت، وكايت بلانشت، وواكين فينكس، وجون ستيوارت. هؤلاء من بين 55 اسماً في عالم السينما الأميركية والبريطانية وقّعوا على رسالة تطالب الرئيس الأميركي جو بايدن، بالتدخل لوقف إهدار الدم في فلسطين. الرسالة مكتوبة بتوازن دقيق، حتى لا تُعدّ منحازة سياسياً، بل إنسانياً فقط، وتقول في إحدى فقراتها التي تخاطب الرئيس الأميركي مباشرة: «نحث إدارتك، وكل زعماء العالم، لاحترام حياة أبناء الأرض المقدّسة، وتسهيل وقف إطلاق النار بلا تأخير، وإيقاف قصف غزّة، والإفراج الآمن للرهائن. نصف سكان أهالي غزة (البالغ عددهم) مليوني مقيمٍ هم من الأطفال، وأكثر من ثلثيهم لاجئون أجبروا على الهرب من بيوتهم».

سبق هذه الفقرة الطلب المباشر من الرئيس الأميركي الدعوة لوقفٍ شامل للهجوم على غزة، التي «ذهب ضحيتها 6 آلاف شخص في الأسبوع الماضي». وتضيف الرسالة: «نؤمن بأن الحياة مقدّسة، بصرف النظر عن العرق الإثني، وندين قتل المواطنين الفلسطينيين والإسرائيليين».
هذه رسالة مهذّبة لرئيس لديه أولويات لا تتضمن العمل بمشورة آراء غير تلك التي يراها البيت الأبيض المستمدة من مبدأ ثابت للدفاع عن إسرائيل في كل الحالات وبصرف النظر عمن أطلق الرصاصة الأولى في نزاع طويل بدأ من قبل إعلان دولة إسرائيل في عام 1948.
وكانت مذكّرة موقّعة من ألفي شخصية فنية وثقافية بريطانية، أدانت الهجوم الإسرائيلي على غزة، وموقف الحكومة البريطانية لها. في تلك المذكرة إدانة لكل عنف مسلح حيال أي فريق من المواطنين، لكن الجزء الأكبر من الرسالة حمل إدانة مباشرة للفريقين الإسرائيلي والبريطاني خصوصاً في الفقرة التي ذكرت: «حكوماتنا (بما يعني ذلك تلك الحكومات السابقة - المحرر) لم تتسامح فقط من جرائم الحرب بل تجاهلتها وتحرّض عليها». وأضافت المذكرة «أن الوقت سيأتي لمحاسبة المسؤولين عن هذا التواطؤ».
من بين الموقعين على هذه العريضة تيلدا سوينتن، وستيف كوغان، وأحمد ريز، وعاسف قبضايا، وسام هيوغن، وتشارلز دانس (وهو واحد من المؤيدين القدامى للقضية الفلسطينية).
يهود ضد الحرب
ما هو لافت للنظر وجود أسماء لشخصيات يهودية في العريضة الأميركية، التي عاملتها وسائل الإعلام الأميركي باهتمام ظرفي لا بدّ منه. من بين هؤلاء أندرو غارفيلد وديفيد كروس، وإيلانا غلاز،ر وجيمس شاموس، ووالاس شون، و(أشهرهم) أوسكار أيزاك.
«لا أؤمن بمذبحة تنال من أي شعب. وما يحدث حالياً هو بالتأكيد أقسى فظاعة مقصودة للنيل من أبرياء حسبما أتذكّر، وحكومتي تدعم ذلك. حتى في فيتنام لم تعترف (الرئاسة) أنها كانت تقتل الأبرياء».
المخرج والممثل والاس شون
في مظاهرة جرت في واشنطن العاصمة مضادة للسياسة الإسرائيلية قامت بها جمعيتان يهوديتان هما «إن لم يكن اليوم» (If Not Now) و«الصوت اليهودي للسلام» أعلن المخرج والممثل والاس شون في خطاب «شخصياً، لا أؤمن بالانتقام، وهذا ما يحدث الآن»، مضيفاً: «لا أؤمن بمذبحة تنال من أي شعب» وتابع: «أعتقد، أننا هنا لأننا لا نؤمن بالمذابح التي تنال من أبرياء. ما يحدث حالياً هو بالتأكيد أقسى فظاعة مقصودة للنيل من أبرياء، حسبما أتذكر، وحكومتي تدعم ذلك. حتى في فيتنام لم تعترف (الرئاسة) أنها كانت تقتل الأبرياء».

مواقف معتادة
في المقابل، كان هناك موقف داعم لإسرائيل. أمرٌ لا يخلو منه تاريخ الصراع بين العرب وإسرائيل، انعكس على رهطٍ كبير من الأفلام التي، إما وقفت مع السياسة الإسرائيلية وبطولات الموساد، أو تناولت العرب والمسلمين من منظور عدائي واضح، فهم إرهابيون أو معادون للسامية في عدد غير محدود من الأفلام، بدأت حتى قبل عقود من إنشاء دولة إسرائيل، أو أثرياء يحاولون شراء الذّمم واستحواذ السُّلطة الإعلامية (كما في Network)، أو سلطة السياسة (Power)، أو سلطة الاقتصاد (Rollover).
هذا الموقف المعتاد زاده حدّة رسالة نشرها رئيس «رابطة معاداة التشهير» (Anti-Defamation League) جوناثان غرينبلات موجهة إلى هوليوود (ككل) تحت عنوان: «كيف تستطيع هوليوود مساندة إسرائيل خلال الحرب».
بعد تقديم يتضمن كيف تسلّلت «حماس» إلى داخل إسرائيل، وتهديدها لـ22 قرية على الحدود الجنوبية لها، حيث (تبعاً للرسالة التي نشرتها مجلة وموقع The Hollywood Reporter)، قتلت 1400 شخص «معظمهم من المدنيين، بينهم 30 أميركياً». بعد أن يسرد كيف أن هوليوود «لعبت دوراً في صياغة الرأي العام» مضاد للعداء للسامية يستشهد بفيلم «اتفاق جنتلماني» كعمل رائدٍ في هذا الصدد، أثنى على رسالة تأييد وقّعها عدد من الممثلين والشخصيات السينمائية من بينهم الممثلة غال غادوت، والممثلة والمغنية مادونا، والممثلة إيمي شومر، مطالباً بتكثيف التأييد لإسرائيل، ولافتاً النظر إلى أن «الوقت ليس للصمت».
الصوت الصامت
لكن هناك أصوات صامتة كثيرة أهمها، صوت «نقابة الكتّاب الأميركية» التي قررت التزام الصّمت وعدم تأييد أي طرف في الوضع الراهن. بالنسبة للقطاع المؤيد لإسرائيل في هوليوود، فإن هذا الصّمت مُدان ويقترب من التأييد الضمني للفريق الآخر في الصراع. لكن بالنسبة لآخرين كثيرين هو حبل نجاة من التورط في شؤون قد تحدث انشقاقاً واسعاً في صفوف النقابة التي كانت خرجت حديثاً رابحة من معركة كبيرة ضد رابطة المنتجين لتثبيت حقوق الكتّاب في مواجهة تعدد الوسائل التكنولوجية، التي ستتيح استنساخ السيناريوهات من دون العودة إلى كاتبيها.
قرار النقابة، التي تضم أكثر من 16 ألف عضو مسجّل فيها، وجد معارضة من بضعة أعضاء حضر بعضهم (يتردد أن عدد الحضور كان نحو 70 شخصاً، لكن بعض المصادر تقول إنه كان أقل من ذلك بالتأكيد)، اجتماعاً للتنديد بموقف نقابتهم حجب تأييد إسرائيل في حربها الحالية وهي، حسب مقال كتبه ليسلي غولدبيرغ، كانت صوّتت بغالبية أكثر من 11 ألف عضو لتأييد حركة Black Lives Matter «حياة السود مهمّة».
العدد المحدود من المنتقدين لعدم تعرض النقابة من قريب أو بعيد للحرب القائمة، يعكس أنّ غالبية الأعضاء موافقون على هذا الموقف المحايد.







