غزّة بعيون أطفالها ودموعهم

فيلم «مولود في غزّة» على «نتفليكس»... الفاجعة تعيد نفسها

على إثر الحرب عاد فيلم «Born in Gaza» ليتصدّر المشاهدات على «نتفليكس»
على إثر الحرب عاد فيلم «Born in Gaza» ليتصدّر المشاهدات على «نتفليكس»
TT

غزّة بعيون أطفالها ودموعهم

على إثر الحرب عاد فيلم «Born in Gaza» ليتصدّر المشاهدات على «نتفليكس»
على إثر الحرب عاد فيلم «Born in Gaza» ليتصدّر المشاهدات على «نتفليكس»

مَن لم يشاهد غزّة بعيون أطفالها، ومَن لم يسمع قصصها على ألسنتهم، لا يعرف شيئاً عنها. في فيلم «مولود في غزّة» (Born in Gaza) للأرجنتيني هيرنان زين، أطفال القطاع الفلسطيني هم الحكاية، بندوبها الكثيرة وبسماتها التي تكاد لا تُرى.

صحيح أن «الوثائقي» الذي تعرضه منصة «نتفليكس» هو من إنتاج عام 2014، لكن وسط التطوّرات الدامية في غزّة، عادت الأنظار لتشخص إلى الأعمال الفنية التي ألقت الضوء على معاناة الغزّيّين العابرة للعقود والأجيال. وقد دخل الفيلم قوائم الأعمال الأكثر مشاهدةً في عدد من الدول.

لا دراما في الفيلم، ولا مؤثرات خاصة، ولا خيال ولا تشويق. كل تلك العناصر متوفّرة من دون افتعال. يوميّات أهل القطاع هي الدراما بذاتها، مع العلم بأنّ أحداث الفيلم تدور أثناء الهجوم الإسرائيلي على غزّة بين 8 يوليو (تموز) و26 أغسطس (آب) 2014. سقط آنذاك 2251 قتيلاً من بينهم 551 طفلاً، أي الرُبع.

أما مَن نجا من أطفال، فبقي ليشهد على فظاعة ما رأى وعانى. تتراوح أعمار أبطال الفيلم ما بين 6 و13 سنة. نال كلٌ منهم حصّته من شظايا، وجروح، وبؤس، ورعبٍ ممتدٍّ من أقصى جباليا، إلى رفح، مروراً بالشجاعيّة وخان يونس، وليس انتهاءً بشاطئ البحر. بحر غزّة الذي يتوهّم بعض صيّاديها وأطفالها بأنّه الخلاص، ليستفيقوا إلى واقع أنهم لا يستطيعون الإبحار أبعد من 9 كيلومترات عن شاطئه، بسبب الحصار الإسرائيلي.

بحر غزّة المحاصر، فسحة أمل لأهلها وأطفالها (صفحة المخرج هيرنان زين)

قد يتبادر إلى ذهن المُشاهد أمام تلك الساعة التوثيقيّة أسئلة مثل: أين هم هؤلاء الأطفال الآن؟ هل كبروا ليقاتلوا؟ أم قتلتهم رصاصة قبل أن يشهدوا على هذه الحرب المدمّرة؟ هل وجدوا طريقاً يخرجون عبره من الكابوس ويُنقذون بعضاً من أحلام الطفولة؟

يقول محمد، الذي يعمل في جمع النفايات البلاستيكية، إنه يحلم بأن يصير صيّاد سمك «لأنّي بحب البحر والبحر بيحبني». مقابل 5 شياقل في اليوم، يمرّغ محمد (12 سنة) يدَيه، اللتَين ما عادتا طريّتَين، في المكبّات لينتشل ما يمكن بيعه لإعالة العائلة بعد أن عجز الوالد. «بشتغل، تعب مش تعب، بضلّني أشتغل حتى أساعد أهلي وما نموت من الجوع».

يجمع محمد النفايات البلاستيكية لبيعها وإعالة عائلته (نتفليكس)

لا شيء يمتّ إلى الطفولة بصِلة في عينَي حمادة، الذي لم يبلغ العاشرة. كرجلٍ صغير، وبنظرةٍ امتزجت فيها القسوة بالحزن، يواجه كاميرا المُخرج ليعلن: «أنا نفسي أطلع مقاوم. أجيب حق أولاد عمّي». لعلّ القصة التي يرويها حمادة وابنُ عمّه منتصم هي الأفظع من بين القصص؛ كان الإخوة وأبناء العمّ يلهون على شاطئ غزّة، عندما استهدفتهم غارة إسرائيلية قتلت 4 منهم، ولم يبقَ سوى حمادة ومنتصم.

يعرض «الوثائقي» لقطات حيّة لعمليّة إنقاذهما ونقلهما إلى المستشفى. لكن ليست جراح الجسد هي التي خلّفت ندوبها على الولدَين، بل الصدمة النفسيّة. تعود إليهما الكاميرا بعد 3 أشهر على الضربة، لتجد منتصم في وضع نفسيّ يُرثى له. «كل يوم بقول لأمّي بدي أموت»، وهو حاول فعلاً أن يرمي بنفسه من على الشرفة، قبل أن تردعه شقيقته.

لم يجد الطفل الغزّيّ الذي يريد الانتحار مَن يحمل قضيّته ويجاهر بها، سوى ابن عمّه الصغير حمادة. يضع معاناته الخاصة جانباً ليقول إن «منتصم هو أصعب حالة بيننا. بيضلّ يصرخ وبيقول إنو بيشوف روح خيّو».

في فيلم «Born in Gaza» الأطفال هم الحكاية والأبطال (صفحة المخرج)

على علوّ منخفض تحلّق الكاميرا الطيّارة «الدرون» فوق غزّة، لتصوّر أحياء القطاع وأبنيته المطحونة. لو وظّفت استوديوهات هوليوود كل مواهبها وملايينها، لما حصلت على ديكور كهذا... لكن في «مولود في غزة»، كل ما تشاهده العين حقيقيّ، وكل ما تسمعه الأذن صادر من أفواه أطفالٍ لا يعرفون شيئاً عن التمثيل. حكاياتهم توحي بأنّ الحرب هي حربٌ ضدّ الأطفال.

بيسان (6 سنوات)، تروي والضمّادةُ تلفّ جبينها، كيف قُصف البيت وأصيبت فأنقذها المُسعف علاء. يحاول أقرباؤها أن يحيطوها بالعاطفة والدُمى والألعاب، بعد أن خسرت والدَيها في القصف. في غزة حيث لا كهرباء، ترسم بيسان والدَيها على ضوء الشمعة، لكنّ اكتئاب ما بعد الصدمة يمنعها من ذكرهما.

دمار غزة بعد عدوان 2014 (نتفليكس)

يشير الفيلم إلى أنّ أكثر من 400 ألف طفل في غزّة يعانون من اضطرابات نفسيّة. وكلٌ من شخصيات الفيلم أو أبطاله الصغار، نموذجٌ عن ذلك. يحكي عديّ (10 سنوات) قصة مصنع المرطّبات حيث كان يعمل وينام. يتحدّث من بين الركام عن المصنع الذي سُويّ بالأرض، وعن شقيقه الذي قُتل؛ «شفته مقصوف ومقطّع».

أما الصغيرة سندس فتشارك آلامها ودموعها من على سرير مستشفى «الشفاء». أصابها القصف الإسرائيلي في أمعائها. يرافقها سؤال واحد: «أنا طفلة مش مجاهدة. ليش بيعملوا فينا هيك؟». تتراكم التساؤلات على ألسنة أطفال غزّة، كمحمود الذي جرفت الدبّابات الإسرائيلية أرض والده، الذي يقول: «إحنا منزرع خضرا، منزرعش متفجرات». يحلم بإصلاح الأرض وبأن يصبح مهندساً زراعياً.

ملصق الوثائقي «Born in Gaza» للأرجنتيني هيرنان زين (نتفليكس)

اللافت في فيلم هيرنان زين، الذي عمل مراسلاً حربياً كذلك، أنه يحصر الشهادات والمقابلات بالأطفال، على قاعدة أن الحقيقة تخرج من أفواههم. يلحق بهم، يرصد المآسي التي عايشوها وهم لا طاقة لهم عليها بعد. كما راجاف، الذي يسترجع قصة والده المسعف، الذي قُتل في قصفٍ استهدف سيارة الإسعاف. بين مشاهد قصف المسعفين المتكرّرة منذ عقود، ولقطات زيارة راجاف قبر والده وسكب الماء عليه، يُسمع صوت الطفل يقول: «أبوي بطل الأبطال لأنو انقتل هو ورايح ينقذ أرواح ناس، يعني بدّه يقلّل من نسبة الأموات».

من صف الرسم في مدرسة الأونروا حيث تلجأ، تحكي ملك المصابة بالسرطان، أنها تحلم بأن تصبح طبيبة أطفال. تتمنّى كذلك ألّا تحصل حرب من جديد، لكن «إحساسي بيقول انو الحرب راجعة، لأنو هيك العادة». تحدّثت ملك عام 2014. لا ندري ما إذا حققت حلمها بدراسة الطب، أم إذا كان المرض قد سبق أحلامها، لكنّ المؤكّد أن إحساسها صدَق.


مقالات ذات صلة

إسرائيل تصعّد الخروق والقتل في غزة منذ بداية 2026

المشرق العربي مخيم للنازحين في النصيرات بقطاع غزة بعد أمطار غزيرة الجمعة (أ. ب)

إسرائيل تصعّد الخروق والقتل في غزة منذ بداية 2026

خلال أول ثلاثة أيام من العام الجديد 2026، قتلت القوات الإسرائيلية 6 فلسطينيين من سكان قطاع غزة، وأصابت العشرات.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي طبيبة تتبع منظمة «أطباء بلا حدود» خلال عملها في مستشفى شهداء الأقصى بغزة (حساب المنظمة عبر منصة «إكس») play-circle

«أطباء بلا حدود» تنتقد «الضربة الخطيرة» من إسرائيل للعمل الإنساني في غزة

وصفت منظمة «أطباء بلا حدود» قرار إسرائيل حظر أنشطة 37 منظمة إنسانية دولية في غزة لكونها لم تزوّد السلطات بقوائم أسماء موظفيها الفلسطينيين، بأنه «ضربة خطيرة».

«الشرق الأوسط» (القدس)
شؤون إقليمية فلسطينيون يحتفلون على ظهر دبابة إسرائيلية على الجدار العازل قرب خان يونس في جنوب قطاع غزة يوم 7 أكتوبر 2023 (أ.ب)

قبل شهر من «7 أكتوبر».... إسرائيل طلبت زيادة الأموال من قطر لغزة

كشفت مصادرفي تل أبيب أن إسرائيل كانت قد طلبت من قطر، في بداية شهر سبتمبر (أيلول) من عام 2023 زيادة مبلغ الأموال التي تنقلها إلى قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
خاص مقاتلون من «حماس» في غزة (أرشيفية - رويترز)

خاص «حماس» لـ«الشرق الأوسط»: أسلحتنا في غزة خفيفة لا تهدد إسرائيل

قالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن ما تمتلكه الحركة في قطاع غزة هي أسلحة خفيفة، ليس لها أي تأثير حقيقي أو يمكن أن تشكل خطراً حقيقياً على الاحتلال الإسرائيلي.

«الشرق الأوسط» (غزة)
تحليل إخباري شاحنات محملة بالمساعدات الإنسانية على الجانب المصري من معبر رفح (أ.ف.ب) play-circle

تحليل إخباري «اتفاق غزة»: «فتح معبر رفح» خطوة مرتقبة تختبر إمكانية بدء المرحلة الثانية

تسريبات إسرائيلية جديدة تتحدث عن استعداد لفتح معبر رفح من الجانب الفلسطيني الذي تحتله إسرائيل منذ مايو 2024 تحت ضغوط أميركية

محمد محمود (القاهرة)

مصر: تعزيز المقومات السياحية بالأقصر لإبراز معالمها الأثرية

مدينة الأقصر تتمتع بمشاهد خلابة إلى جانب طابعها الأثري (رئاسة مجلس الوزراء)
مدينة الأقصر تتمتع بمشاهد خلابة إلى جانب طابعها الأثري (رئاسة مجلس الوزراء)
TT

مصر: تعزيز المقومات السياحية بالأقصر لإبراز معالمها الأثرية

مدينة الأقصر تتمتع بمشاهد خلابة إلى جانب طابعها الأثري (رئاسة مجلس الوزراء)
مدينة الأقصر تتمتع بمشاهد خلابة إلى جانب طابعها الأثري (رئاسة مجلس الوزراء)

تتابع الحكومة المصرية أعمال تطوير كورنيش النيل بمدينة الأقصر (500 كيلو جنوب العاصمة القاهرة)، لإبراز معالمها الأثرية وتعزيز مقوماتها السياحية، وتابع رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، أعمال التطوير لكورنيش النيل بالبر الشرقي والبر الغربي للمدينة.

وأكد رئيس الوزراء، في بيان، السبت، أن «أعمال تطوير كورنيش النيل بمحافظة الأقصر تأتي في إطار جهود الدولة لإبراز مدينة الأقصر ذات الطابع الأثري والحضاري العريق»، عاداً الكورنيش «متنفساً طبيعياً لأهالي المحافظة، وتم مراعاة تنفيذه بما يتماشى مع الهوية البصرية للأقصر، وبما يسهم في توفير تجربة سياحية مميزة للزائرين من الأهالي والسائحين».

وتضم الأقصر العديد من المعالم الأثرية التي تجذب السائحين، وتتميز بأنها أكبر متحف مفتوح فى العالم، فهي تحظى عالمياً بأكبر نسبة من الآثار، بها مجمع معابد الكرنك وهو أكبر مجمع معابد فى العالم، وبها الكثير من المعابد الشاهقة العريقة مثل معبد الأقصر ومعبد مدينة هابو ومعبد الرامسيوم ومعبد الدير البحري للملكة حتشبسوت، والعديد من المعابد الأخرى، وفق تقرير عالمي عدّها من أهم المزارات السياحية في 2025.

وأوضح محافظ الأقصر، عبد المطلب ممدوح عمارة، أن «أعمال تطوير كورنيش البر الشرقي شملت الجزئين العلوي والسفلى للكورنيش، حيث تمت صيانة ورفع كفاءة الأجزاء المتهالكة من الأرضيات، واستبدال أعمدة الإضاءة الموجودة على أسوار الكورنيش ووضع أخرى تتناسب مع الهوية البصرية لمدينة الأقصر، إلى جانب زيادة مساحات التشجير بالكورنيش».

تطوير كورنيش الأقصر ليناسب هويتها البصرية (رئاسة مجلس الوزراء)

وعدّ رئيس غرفة شركات السياحة بالأقصر، ثروت عجمي، أعمال تطوير الكورنيش، «تمثل طفرة كبيرة تساعد السائحين على التنقل من البر الغربي للشرقي في إطار بصري يحافظ على البعد التاريخي والأثري للمدينة وفي الوقت نفسه يمنحها سمتاً معاصراً».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «تطوير الكورنيش، سواء البر الغربي أو الشرقي، مهم جداً للسياحة، فهو يساهم في جذب السائحين، لما يقوم به من توحيد الصورة البصرية للمدينة بما يلائم معالمها الشهيرة التي يزورها الملايين».

وخلال جولته بالأقصر، أجرى رئيس الوزراء المصري حواراً مع مجموعة من السائحين الأجانب الموجودين بمنطقة البر الشرقي للكورنيش، حيث أوضحوا أنها الزيارة الأولى لهم لمدينة الأقصر، وأعربوا عن سعادتهم بزيارة المدينة وما تتميز به من مقومات سياحية وثقافية وحضارية فريدة، وتمنى رئيس الوزراء لهم قضاء وقت ممتع والاستمتاع بما يتوافر في مدينة الأقصر من خدمات ومزارات سياحية وتاريخية لا مثيل لها.

وتعتبر مدينة الأقصر من أهم المزارات المرتبطة بالسياحة الثقافية، فإلى جانب المعابد والآثار الكثيرة التي تضمها تحتوي أيضاً على مقابر وادي الملوك ومقابر وادي الملكات ومقابر النبلاء وكلها تحكي عن معجزات الفن والهندسة المعمارية فى مصر القديمة، ومتحف الأقصر الذى يحوي العديد من الكنوز الرائعة، وكورنيش الأقصر الذي يعدّ من أجمل أماكن التنزه، وفق تقرير لهيئة الاستعلامات المصرية.

وتضمنت أعمال تطوير كورنيش الأقصر في البر الغربي تنفيذ ممشى زجاجي، وعدد 21 بازاراً سياحياً، ومطاعم سياحية، ومسرح مكشوف، ونافورة مضيئة، وجراج، وبرجولات، ومقاعد للزائرين، ومسطحات خضراء، إلى جانب تطوير ورفع كفاءة المراسي السياحية، وهي أعمال وصفها رئيس الوزراء بأنها «تسهم بشكل ملموس في تعزيز المقومات السياحية لمحافظة الأقصر».


تذاكر طيران وإيصالات للدفع... دون كيماويات ضارة

شعار المعهد مطبوع على ورق حراري مصنوع من مادة اللجنين (المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا)
شعار المعهد مطبوع على ورق حراري مصنوع من مادة اللجنين (المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا)
TT

تذاكر طيران وإيصالات للدفع... دون كيماويات ضارة

شعار المعهد مطبوع على ورق حراري مصنوع من مادة اللجنين (المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا)
شعار المعهد مطبوع على ورق حراري مصنوع من مادة اللجنين (المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا)

طوّر فريق من الباحثين من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في لوزان (EPFL)، بدائل للورق الحراري من مكونات الأخشاب الطبيعية، تتّسم بأنها آمنة صحياً وبيئياً، ومستقرة في أثناء التخزين، وقادرة على الامتزاج جيداً مع مكوّنات الطلاء الأخرى، كما أنها تتجنّب تغيّر لون الخلفية.

وتُشير دراستهم المنشورة في دورية «ساينس أدفانسيز»، الجمعة، إلى إمكانية تصنيع تركيبات ورق حراري أكثر أماناً من «اللجنين» المشتقّ من الخشب باستخدام خطوات معالجة بسيطة.

ورغم الحاجة إلى مزيد من العمل لتحسين جودة الطباعة وزيادة الإنتاج، تُشير النتائج إلى إمكانية إنتاج وتصنيع منتجات ورقية تؤدي وظيفتها دون أي مواد كيميائية ضارة.

ويستخدم ملايين الأشخاص الورق الحراري يومياً في العديد من التطبيقات دون وعي بأضراره على الصحة والبيئة. ولعل أبرز هذه التطبيقات الإيصالات الورقية، وملصقات الشحن، وتذاكر الطيران، والسجلات الطبية، والتي تعتمد على طبقات حساسة للحرارة لإظهار النصوص. وبشكل أدق، تُحفز الحرارة تفاعلاً بين صبغة عديمة اللون ومادة مُظهِرة للألوان، مما يُنتج نصاً داكناً في المناطق التي تتعرض لحرارة الورق.

في عام 2022، بلغت قيمة سوق الورق الحراري العالمي نحو 4 مليارات دولار، ومن المتوقع أن ينمو إلى نحو 6 مليارات دولار بحلول عام 2030.

ويُعدّ الورق الحراري منتجاً ذا تأثير بيئي كبير؛ إذ يُنتج بكميات هائلة، ويُتداول يومياً، ويُعاد تدويره في كثير من الأحيان، مما يسمح لمواده الكيميائية بالانتشار في الماء والتربة.

ولعقود، كانت أكثر المواد المُظهِرة للألوان شيوعاً هي ثنائي «الفينول أ» (BPA)، وثنائي «الفينول س» (BPS). ويُمكن أن تؤثر كلتا المادتين على الكائنات الحية من خلال تعطيل الإشارات الهرمونية، وتُكتشف في البيئة وفي الأشخاص الذين يتعاملون مع الإيصالات بشكل متكرر.

وقد بحث المصنّعون عن بدائل، لكنّ التقدّم كان بطيئاً؛ إذ يجب أن يتّسم أيّ بديل بأنه أقلّ سمية بالتفاعل عند درجة الحرارة المناسبة، وكانت العديد من المواد المقترحة لا تستوفي واحداً أو أكثر من هذه الشروط، إلى أن أظهر علماء من مجموعتَي جيريمي لوتيرباخر وهارم-أنتون كلوك في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في لوزان (EPFL) أنّ المواد المشتقّة من الخشب يمكن أن تستوفي هذه المتطلبات. وكشفت دراستهم عن طلاءات ورق حراري تستخدم «اللجنين»، وهو مكوّن رئيسي في الخشب، بالإضافة إلى مُستشعرات مُستخلصة من سكريات نباتية.

يقول لوتيرباخر، الذي اشتهر عام 2014 بعد تطويره طريقة لاستخلاص «اللجنين» من النباتات بتكلفة منخفضة مع تجنب تدميره، نُشرت في مجلة «ساينس»: «لقد طورنا تركيبات ورق حراري - شائعة الاستخدام في المنتجات اليومية مثل إيصالات الدفع، وملصقات الطرود، وتذاكر الطيران، وغيرها - مصنوعة من جزيئات نباتية ذات سمية منخفضة جداً أو معدومة».

ووفق نتائج الدراسة، أنتجت الطبقات القائمة على «اللجنين» صوراً مطبوعة واضحة عند تسخينها، بقيم كثافة لونية في نفس النطاق المطلوب للورق الحراري التجاري. كما حافظت الطبقات على استقرارها عند تخزينها بالقرب من نافذة لعدة أشهر، وظلت الشعارات المطبوعة قابلة للقراءة بعد عام.


علي الحجار يستعيد روائع سيد مكاوي في «100سنة غنا»

علي الحجار يحتفي بالموسيقار سيد مكاوي (دار الأوبرا)
علي الحجار يحتفي بالموسيقار سيد مكاوي (دار الأوبرا)
TT

علي الحجار يستعيد روائع سيد مكاوي في «100سنة غنا»

علي الحجار يحتفي بالموسيقار سيد مكاوي (دار الأوبرا)
علي الحجار يحتفي بالموسيقار سيد مكاوي (دار الأوبرا)

حظي أوبريت «الليلة الكبيرة» بتفاعل لافت من جمهور الأوبرا خلال حفل «100 سنة غنا»، الذي خصصه الفنان علي الحجار، للاحتفاء بروائع الموسيقار الراحل سيد مكاوي، واستعان مخرج الحفل أحمد فؤاد بفرقة لـ«عرائس الماريونيت» مع ديكورات مصغرة تحاكي المولد الشعبي، لتكتمل أجواء الأوبريت الشهير مع غناء الحجار والأصوات الشابة على المسرح وسط تصفيق الجمهور.

الحفل الذي أقيم، الجمعة، على المسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية، بحضور وزير الثقافة، أحمد فؤاد هنو، شهد حضوراً جماهيرياً رفع لافتة «كامل العدد»، وحل عليه ضيفاً المطرب طارق فؤاد، كما شارك به 3 من الأصوات الشابة الواعدة، هم عبد العزيز سليمان، وأمنية بكر، وعلياء ندى، بقيادة المايسترو وجدي الفوي.

وبدأ الحجار بتقديم أغنية «أول سلامي كلام» من كلمات فؤاد حداد، ليعيد إلى الذاكرة الألحان الخالدة للموسيقار سيد مكاوي من الأغنيات الوطنية والعاطفية، ومن بينها «اسأل مرة علي» لمحمد عبد المطلب، و«قال إيه بيسألوني» لوردة، و«يا مسهرني» لأم كلثوم، و«وحياتك يا حبيبي»، و«حلوين من يومنا والله» اللتان غناهما سيد مكاوي. كما تجوَّل بين الألحان التي قدمها مكاوي عن رباعيات صلاح جاهين، ومن بينها «حاسب من الأحزان»، و«أنا كنت شيء»، و«بحر الحياة»، و«أنا اللي بالأمر المحال اغتوى»، و«يأسك وصبرك»، و«غمض عينيك»، واختتم الحفل بأغنية «الأرض بتتكلم عربي» من أشعار فؤاد حداد.

تقديم أوبريت «الليلة الكبيرة» ضمن ليلة الاحتفاء بسيد مكاوي (دار الأوبرا المصرية)

وأعاد الحفل المطرب طارق فؤاد إلى الأوبرا مجدداً بعد غياب، وقد جمع بين العزف على العود وأداء أغنيتَي و«حياتك يا حبيبي»، و«ليلة إمبارح». وقال فؤاد لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا الحفل شهد أول عودة له للأوبرا منذ 10 سنوات»، موضحاً أن الفنان علي الحجار دعاه للمشاركة في حفل الموسيقار الكبير سيد مكاوي، وأنه تحمَّس كثيراً لدعوة الحجار. وقال إن «سيد مكاوي كان قد سمعني خلال غنائي مع فرقة (أم كلثوم) في بداياتي أغنية (فين طريقك فين) لعبد الوهاب، ثم فوجئت بعدها بفترة باتصال من شيخ الملحنين سيد مكاوي يشيد بأدائي للأغنية».

وأشار فؤاد إلى أنه سبق له غناء «وحياتك يا حبيبي» في حياة مكاوي، لكنها المرة الأولى التي يغني فيها «ليلة إمبارح»، موجهاً شكره للمطرب علي الحجار الذي أتاح له هذه الفرصة، ومثمناً على مشروعه الغنائي الناجح «100 سنة غنا» الذي «يبذل فيه جهداً كبيراً، ويرد الجميل لكبار نجوم الموسيقى والغناء في القرنين الـ19 والـ20»، على حدِّ تعبيره.

وجاء الحفل ليعكس عبقرية سيد مكاوي وبراعته في تنوع وثراء موسيقاه وأغنياته التي رددها كبار المطربين والمطربات. وحضرت الحفل ابنتا الموسيقار الراحل سيد مكاوي، إيناس وأميرة. وعبَّرت أميرة عن سعادتها بالحفل قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «لقد كانت ليلة رائعة، وجاءت اختيارات الفنان علي الحجار لتبرز التنوع الفني والزمني من خلال أعمال قديمة وحديثة مثل (المسحراتي) و(الأرض بتتكلم عربي) و(يا مسهرني)». وأضافت: «لقد بذل الحجار جهداً في البحث ليقدم أعمالاً غير معتادة لوالدي مثل أغنية (الفن هنا)، و(أول كلامي سلام) و(الرباعيات)، وهي أعمال لم يعتد الجمهور سماعها، بل اعتاد سماع أغنياته التي غناها أو الأغنيات الشهيرة التي لحنها لمطربين آخرين»، مشيدة بمشروع «100 سنة غنا» الذي يوثِّق تاريخ الموسيقيين والمؤلفين الذين ترك كل منهم بصمة مهمة في مسيرة الغناء المصري.

الحفل شارك فيه كثير من المطربين (دار الأوبرا المصرية)

ولفتت إلى تميز الأصوات التي شاركت الحجار الحفل، ما عدته «جانباً مهماً في المشروع، كونه لا يقتصر على غناء الحجار، بل يدفع بأصوات منتقاة واعدة قادرة على أن تواصل المسيرة». وتابعت أميرة: «كان تقديم أوبريت (الليلة الكبيرة) لفتةً مهمةً في وجود العرائس على المسرح، وشعرت بروح والدي في المكان، وأن الناس تشتاق لفنه».

ولُقب سيد مكاوي (8 مايو / أيار 1937 -21 أبريل / نيسان 1997) بـ«شيخ الملحنين»، وقد وُلد كفيفاً وبدأ مسيرته من خلال الإنشاد الديني، واستطاع حفظ كثير من الموشحات، وتم اعتماده مطرباً بالإذاعة حيث كان يقوم بغناء أغاني التراث الشرقي على الهواء مباشرة، وقدم كثيراً من الألحان للإذاعة، لتنطلق مسيرته ويقدم ألحاناً لكبار المطربين مثل أم كلثوم، ومحمد عبد المطلب، وشادية، وفايزة أحمد، ووردة.