رجلٌ يرى بلا عينَيه... سينما ويس أندرسون تسحر شاشة «نتفليكس»

المخرج الأميركي يقتبس من روايات روالد دال مقدّماً رباعيّة من الأفلام القصيرة

يستغلّ شوغر موهبته الخارقة للغشّ على طاولات الميسر (نتفليكس)
يستغلّ شوغر موهبته الخارقة للغشّ على طاولات الميسر (نتفليكس)
TT

رجلٌ يرى بلا عينَيه... سينما ويس أندرسون تسحر شاشة «نتفليكس»

يستغلّ شوغر موهبته الخارقة للغشّ على طاولات الميسر (نتفليكس)
يستغلّ شوغر موهبته الخارقة للغشّ على طاولات الميسر (نتفليكس)

لا يدخل الاعتياديّ في قاموس ويس أندرسون. منذ «ذا رويال تننباومز» (2001)، و«ذا غراند بودابست أوتيل» (2014)، يُثبت المخرج الأميركي أنّ كل تفصيل في السينما التي يصنع لا يشبه سواه. مرةً جديدة يخرج من علبة المألوف، ليقدّم فيلمه الجديد «القصة الرائعة لهنري شوغر» (The Wonderful Story of Henry Sugar).

بهذا الفيلم الذي لا يتخطّى 37 دقيقة، استهلّ أندرسون رباعيّة من الأفلام القصيرة التي توجّه التحيّة إلى أدب الكاتب البريطاني روالد دال (1916 - 1990) على «نتفليكس». هذه ليست المرة الأولى التي يُخرج فيها أندرسون روايةً لدال، لكنها المرة الأولى التي يتعاون فيها مع «نتفليكس» ضمن أحد إنتاجاتها الأصليّة. وكانت المنصة العالميّة قد استحوذت على مؤسسة دال الأدبيّة قبل عامَين مقابل 686 مليون دولار، لتتولّى تحويل رواياته إلى مادّة مصوّرة. أطلق أندرسون على تلك الصفقة عبارة «زواج المصلحة»، إلا أنه بدا شغوفاً بتنفيذ «القصة الرائعة لهنري شوغر» وما تبقّى من الرباعيّة؛ «البجعة» (The Swan)، «صائد الجرذان» (The Rat Catcher)، و«سمّ» (Poison).

تحوّلات السيّد شوغر

يروي فيلم الفانتازيا القصير التحوّلات التي تطرأ على حياة هنري شوغر (41 عاماً)، بعد أن يكتشف كتاباً بعنوان «الرجل الذي يرى من دون استخدام عينَيه». هنري المقامر والطامع بالمال يلتهم الحكاية علّه يتعلّم من بطلها الهنديّ إمداد خان، حيَلاً تساعده في كسب المزيد على طاولة الميسر.

ما إن يغلق شوغر الكتاب على صفحته الأخيرة، حتى يعتزل حياة الصخب والبذخ ويمضي 3 سنوات في عزلة تامّة داخل شقّته بلندن. يتدرّب على تقنيّة خان، إلى أن يتمكّن منها ويصبح قادراً على تخمين ورق اللعب وهو مقلوب. وعندما يصبح جاهزاً، يعود إلى طاولات الميسر والكازينوهات حيث تبدأ عملية الغشّ وكسب المبالغ الطائلة.

يستغلّ شوغر موهبته الخارقة للغشّ على طاولات الميسر (نتفليكس)

لكن، ماذا يفعل رجل وحيد اكتسب أسلوبه من خبير روحانيّات هنديّ بكل هذا المال؟ يملّ بسرعة من رزم العملة فيقرر أن ينثرها من على شرفته ليلتقطها المارّة، ما يُحدث جلبةً في الشارع. يطرق شرطيٌ بابه موبّخاً: «في البلد مستشفيات ودور أيتام غير قادرة على شراء هدايا للأطفال في العيد، وأنت ترمي المال من النافذة؟».

في هذا السؤال يجد هنري شوغر خريطةً للطريق التي ستُسلك. «لا أريد أن أصبح رجلاً ثرياً»، يقول. تحت أسماء مستعارة وأزياء تنكّرية، يجول كازينوهات العالم مكدّساً الأموال لينشئ مستشفيات ودور أيتام. لم يتعلّم من إمداد خان أن يرى الورق وهو مغمض العينَين، بل تمكّن كذلك من إبصار روحه والتخفّف من المادّيّات التي كانت تكبّلها.

رالف فاينز بدور الشرطي وبنديكت كمبرباتش بدور هنري شوغر (نتفليكس)

بهلوانيّات أندرسون السينمائيّة

يتنقّل المخرج بين الشخصيات والحكايات بخفّة ساحر، يُمَسرح السرديّة بديكورات ملوّنة ومتحرّكة. ليس اللعب بالأشكال والألوان غريباً على أندرسون، فمن المعروف عن صورته أنها سلوى للعين. في كوخ الراوي، أي روالد دال الذي يلعب دوره رالف فاينز، يتكدّس الأثاث والأوراق والصور والأقلام. كوخه حيث يختلي للكتابة، أشبه بديكور مسرحيّ من الكرتون. هكذا هي الخلفيّة في المشهد الأول الذي يطلّ فيه «هنري شوغر»، مؤدياً دوره بنديكت كمبرباتش؛ جدارٌ كرتونيّ رُسمت عليه رفوف من الكتب، يقف البطل أمامه فيما يتحرّك خلفه عمّال ديكور يضيفون أثاثاً إلى المشهد، كما لو كنّا في كواليس عملٍ مسرحيّ.

في تركيبة أشبه بدمية الماتريوشكا الروسيّة، يبدأ دال بسَرد الحكاية، ليسلّم الدفّة إلى شوغر، الذي ينقلها بدوره إلى الطبيب الذي اكتشف حالة خان الخاصة، ثم يحين دور خان (يؤدّي الدور بن كينغسلي) ليتلو ما لديه. كل ذلك، وسط التزامٍ شبه حرفيّ بنصّ دال الأصليّ، كما لو كان الممثّلون يقرأون الكتاب، بما فيه عبارات مثل «قلت له» و«أجابني» وما شابه. لا يحاول أندرسون المسّ بنصّ دال الحذق والذكيّ، خصوصاً أنه لا يعيق الإيقاع السريع الذي أراده المخرج لعمله.

يلعب فاينز دورَين في الفيلم: هنا بشخصية الراوي أي الكاتب روالد دال (نتفليكس)

ما بين الديكورات المتبدّلة مع كل مشهد والسرد الوفيّ على ألسنة الشخصيات، يُخيّل للمشاهد كأنه يستمع إلى حكاية مسجّلة، مقلّباً في الوقت ذاته صفحات كتابٍ من الصور الجميلة التي تجسّد القصة. إلا أن الاكتفاء بديكورات مسرحيّة متحرّكة ونقّالة ليس من باب الاستخفاف الإنتاجي، بل مساحة إبداعية اخترعها أندرسون بدقّةٍ وانتباهٍ فائق إلى التفاصيل، ليعطي الرواية حقّها. يوظّف المخرج تلك الوسائل البصريّة المتعدّدة كي يعكس البُعد المرح الذي يميّز كتابات دال.

يشكّل إيقاع الفيلم السريع جزءاً من سحره كما أنه يتوافق مع مدّته القصيرة، ويحفّز خيال المتفرّج. وبعد أيام من بدء عرضه على «نتفليكس»، استطاع أن يحظى على إجماع النقّاد الذين رشّحه بعضهم إلى المنافسة على أوسكار أفضل فيلم قصير.

«البجعة» و«صائد الجرذان» و«السمّ»

الأفلام المتبقية من الرباعيّة أقصر قليلاً من قصة «هنري شوغر»، وقد بدأ عرضها كذلك على «نتفليكس». لا تتخطّى مدّة فيلم «البجعة» 15 دقيقة، وهو يدخل في خانة أفلام الرعب، ضمن تجربةٍ هي الأولى لأندرسون في هذا النوع. يروي الفيلم قصة «بيتر واتسون» الذي تعرّض خلال طفولته لتنمّر عنيف من قبل ولدَين آخرين.

مشهد من فيلم «The Swan» من إخراج ويس أندرسون (نتفليكس)

في «صائد الجرذان»، يغوص المشاهد في عالم الألغاز التي يحبّها أندرسون. يتعرّف إلى شخصية صائد جرذان محترف ومتأثّر بطباع طرائده، توظّفه السلطات الصحية للتخلّص من غزو القوارض. وفياً لصداقته بأندرسون ولشراكتهما المهنيّة، يبدع الممثل رالف فاينز في أداء الدور، وهو يطلّ في كل أفلام الرباعيّة.

«صائد الجرذان» ثالث أفلام رباعيّة ويس أندرسون المقتبسة من روايات روال دال (نتفليكس)

أما «سمّ» وهو آخر أفلام الرباعيّة، فتدور أحداثه في الهند خلال الاستعمار البريطاني. تلاحق السرديّة ذات الإيقاع السريع، رجلاً لدغته أفعى وهو يرزح تحت ثقل سُمّها. لا أمل بنجاته سوى في صديقٍ يزوره ويطلب نجدة طبيب للتخلّص من الأفعى الجاسمة فوق صدر الرجل المسموم.


مقالات ذات صلة

أفلام مصرية جديدة تبحث عن نصيبها من الإيرادات بنهاية «موسم الصيف»

يوميات الشرق محمود حميدة وشيرين في أحد مشاهد فيلمهما الجديد (الشركة المنتجة)

أفلام مصرية جديدة تبحث عن نصيبها من الإيرادات بنهاية «موسم الصيف»

رغم اقتراب موسم الصيف السينمائي في مصر من نهايته، فإن دور العرض تستقبل خلال سبتمبر الحالي عدداً من الأفلام الجديدة.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق ركز الفيلم على 3 حكايات مختلفة (الشركة المنتجة)

غورفيندر سينغ: «رحمة» يتحدى سرديات الانتقام والكراهية

قال المخرج الهندي غورفيندر سينغ إن اختياره الرحمة، بدلاً من الانتقام، لتكون القوة العاطفية المحركة لفيلمه «رحمة» (Rehmat)، جاء رغبة في تحدي السرديات الشائعة.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق بطلتَا «غضب» في مواجهة لا تخلو من المخاطر (ملف «مهرجان فينيسيا»)

ثلاثة أفلام تختبر الغضب والخوف والمصير في «فينيسيا»

كما العادة، يوفّر «مهرجان فينيسيا» أفلاماً كثيرة لا يمكن لأي امرئ مشاهدتها في 10 أيام أو حتى أسبوعين. لكنّ الأمر ليس في العدد، إنه في النوعية أولاً.

محمد رُضا (فينيسيا)
يوميات الشرق مرَّر «الأسد» إلى يدٍ أخرى واصطاد ابتسامتها (إ.ب.أ)

4 لقطات «مثالية» تفتح لجورج كلوني باب «وظيفة» جديدة

سلَّم النجم الأميركي جورج كلوني جائزة إنجازات العمر الممنوحة له إلى مصوِّرة «وكالة الصحافة الفرنسية»، تيزيانا فابي، ثم تولّى بنفسه مهمّة التصوير بكاميرتها...

«الشرق الأوسط» (فينيسيا)
يوميات الشرق حينما تبادل كلٌّ من بطليه الأدوار (الشركة المنتجة)

سينما الشباب لكسب رهان الإيرادات في الموسم الصيفي بمصر

يواصل فيلم «محمود التاني» تصدره المركز الأول في الإيرادات اليومية لأفلام الموسم الصيفي بالسينمات المصرية، بعدما حقق أكثر من مليون ونصف المليون جنيه.

انتصار دردير (القاهرة )

كيف تتعافى بسرعة بعد تمرين شاق؟

التدريب المكثف قد يؤدي إلى الشعور بالتعب والإرهاق (بيكسلز)
التدريب المكثف قد يؤدي إلى الشعور بالتعب والإرهاق (بيكسلز)
TT

كيف تتعافى بسرعة بعد تمرين شاق؟

التدريب المكثف قد يؤدي إلى الشعور بالتعب والإرهاق (بيكسلز)
التدريب المكثف قد يؤدي إلى الشعور بالتعب والإرهاق (بيكسلز)

يُشعرك إنهاء تمرين شاق دائماً بالرضا، إلى أن تبدأ آلام العضلات المزعجة في الظهور بعد بضع ساعات من انتهاء التمرين. وقد يستمر هذا الشعور لأيام، مما يجعل المهام اليومية البسيطة تحدياً كبيراً.

وبحثاً عن الراحة، يلجأ بعض رواد الصالات الرياضية إلى تقنيات التعافي التي كانت حكراً على الرياضيين المحترفين. وقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار تلك الممارسات، بدءاً من حمامات الثلج والملابس الضاغطة وصولاً إلى التدليك. ومع أن هذه الممارسات تعد بتعافي أسرع، وتقليل الألم، وتحسين الأداء، فإن الأدلة العلمية غالباً ما تكون أكثر تعقيداً.

في هذا التقرير، يفند ماكس ديفيس، طالب الدراسات العليا في مركز التغذية والتمارين الرياضية والأيض بجامعة باث، بالأدلة الممارسات الأكثر انتشاراً للتعافي بعد تمرين رياضي شاق، ويقترح أخرى أكثر فاعلية.

حمامات الثلج

كتب ماكس، في مقال له، الجمعة، على موقع «كونفيرزيشين»: «قلما حظيت استراتيجيات التعافي باهتمام كبير مثل حمامات الثلج، التي تتضمن غمر الجسم في ماء تقل درجة حرارته عن 15 درجة مئوية (59 درجة فهرنهايت) لتعزيز التعافي. لكن الأدلة على هذه الفائدة متضاربة؛ إذ تساعد حمامات الثلج على تخفيف الالتهاب، ووفق الأبحاث فإنها تقلل ألم العضلات وتساعد الرياضيين على استعادة وظائف العضلات بشكل أكثر فاعلية على مدار 24 ساعة. لكن ثمة مشكلة، فبينما يُسبب الالتهاب ألماً، فإنه يُحفز أيضاً عمليات تكيف تعمل على إعادة بناء العضلات. وقد يُحدّ من هذه الاستجابة باستخدام حمامات الثلج بعض فوائد التدريب على المدى الطويل».

الملابس الضاغطة

وأضاف ديفيس: «تُستخدم الملابس الضاغطة عادةً بعد التمرين لتسريع التعافي، اعتماداً على أن الضغط الخارجي الذي تُطبقه يُحسّن الدورة الدموية، ويُعزز تدفق الدم إلى العضلات، ويُقلل التورم، إلا أن الأدلة التي تُثبت أنها تُحسّن تعافي العضلات أقل إقناعاً بشكل عام، ومن غير المرجح أنها تعيد وظيفة العضلات بشكل مباشر».

التدليك

يُعدّ التدليك من التدخلات القليلة للتعافي التي تحظى بدعم علمي ثابت نسبياً. فهو يُخفف من الألم ويُحسّن الشعور بالتعافي بعد التمرين. وكما أوضح ديفيس: «لا تزال الآليات التي تُحفّز فوائد التدليك في التعافي غير واضحة. ولكن قد يعود ذلك إلى أن التدليك يُخفف من تيبس العضلات، ويُحسّن الدورة الدموية، ويُعزز الاسترخاء».

ما الذي يُجدي نفعاً حقاً

وقال ديفيس قد تُحقق تقنيات التعافي الشائعة فوائد طفيفة في تخفيف الشعور بالألم، لكنها لا تُعيد وظائف العضلات بشكل كامل. بدلاً من ذلك، تأتي أقوى الأدلة العلمية على التعافي الجيد من الأساسيات التالية، مشيراً إلى أنه يجب إعطاء الأولوية للنوم، مشدداً على ضرورة الحصول على 7 إلى 9 ساعات يومياً من النوم ليلاً، ليتمكن الجسم من القيام بعمليات التعافي والتكيف الحيوية بشكل طبيعي.

وأضاف: «التغذية السليمة، وبخاصة تناول 20-40 غراماً من البروتين بعد التمرين لإصلاح العضلات، وتناول كمية كافية من الكربوهيدرات لتجديد مخزون الطاقة من الأمور الضرورية أيضاً». واختتم مقاله بالتأكيد على أنه ينبغي أن نتدرب بذكاء، ناصحاً بالجمع بين النوم الجيد والتغذية السليمة وخطة تدريب مدروسة ومنظمة. يشمل ذلك تخصيص أيام راحة بين الحصص التدريبية.


«الآثاريون العرب» يحتفي بتسجيل مواقع سعودية في اليونسكو

قصر المربع بعد ترميمه (مؤسسة التراث السعودية)
قصر المربع بعد ترميمه (مؤسسة التراث السعودية)
TT

«الآثاريون العرب» يحتفي بتسجيل مواقع سعودية في اليونسكو

قصر المربع بعد ترميمه (مؤسسة التراث السعودية)
قصر المربع بعد ترميمه (مؤسسة التراث السعودية)

احتفى اتحاد الآثاريين العرب بالجهود التي بذلتها مؤسسة التراث السعودية في تسجيل كثير من المواقع الأثرية بالمملكة ضمن قائمة اليونسكو للتراث الحضاري في السنوات الأخيرة، وقدم الاتحاد خلال احتفالية، مساء السبت، درعه للأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود لعطائه الكبير في ميدان التراث وإسهاماته في تسجيل مجموعة مواقع بالمملكة العربية السعودية بوصفها تراثاً عالمياً ثقافياً باليونسكو، وتأسيسه وترأسه لمؤسسة «التراث» غير الربحية، وفتح باب البحث العلمي للتنقيب عن الآثار للبعثات الأجنبية في السعودية، وفق بيان من الاتحاد، الأحد.

وقال الدكتور محمد الكحلاوي، رئيس المجلس العربي للاتحاد العام للآثاريين العرب، إن «منح درع الآثاريين العرب للأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود قد تقرر منذ عام 2019 لولا ظروف معينة»، وأضاف خلال حفل تدشين كتاب «صفحات من العمر: سبعون عاماً في أروقة التراث صالح لمعي مصطفى» أن «شيخ المعماريين الدكتور صالح لمعي وهب حياته للتراث العمراني والمحافظة عليه منذ حصوله على الدكتوراه في تاريخ العمارة وعلوم الترميم من الجامعة التقنية بآخن في ألمانيا في ستينات القرن الماضي وعمل فى مشروعات مهمة لحماية المباني التاريخية والتراثية فى مواقع متعددة فى العالم منها مصر والسعودية والقدس ولبنان».

الأمير سلطان بن سلمان في أحد المواقع الأثرية (مؤسسة التراث السعودية)

وقال مدير المكتب الإعلامى لمجلس الآثاريين العرب الدكتور عبد الرحيم ريحان إن «الاحتفالية التي أقيمت بمقر الاتحاد بمصر شملت تسليم درع الآثاريين العرب الذي منح هذا العام للأمير سلطان بن سلمان إلى الدكتور إسلام عاصم مستشار صاحب السمو الملكي والمشرف على مسار التطوير المؤسسي في مؤسسة التراث غير الربحية بالمملكة العربية السعودية مع إلقاء الضوء على إسهامات الأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، التي شملت تسجيل موقع الحجر (مدائن صالح) في قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 2008 بصفته رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار آنذاك، وتسجيل حي الطريف بالدرعية التاريخية في قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو عام 2010».

وتأسست مؤسسة التراث عام 1996 بهدف حفظ التراث الحضاري، وهي مؤسسة غير حكومية وغير ربحية، وجاء تأسيسها بمثابة مبادرة وطنية مهمة للمناشدة بأهمية العناية بالتراث الوطني بوصفه قضية وطنية تهم الدولة والمجتمع بعد تجربة شخصية لمؤسسها الأمير سلطان تمثلت في إعادة إحياء البيت الطيني في نخيل العذيبات بالدرعيَّة واستطاعت مؤسسة التراث، عبر ما يقارب الثلاثة عقود، الإسهام في نشر الوعي بأهمية التراث، والحفاظ على التراث السعودي بصفة خاصة، والعربي الإسلامي بصفة عامة، وتوثيقه ليصبح ذاكرة وطنية وذلك من خلال تسجيل وترميم المساجد التاريخية والحفاظ على طابعها العمراني المميز، وتتعاون المؤسسة في سبيل تحقيق ذلك مع مؤسسات داخل المملكة وخارجها كما تدعم الجهات التي تعمل في مجال التراث والحفاظ عليه.

جانب من احتفالية اتحاد الآثاريين العرب (اتحاد الآثاريين العرب)

وأشار ريحان إلى مسيرة شيخ المعماريين الدكتور صالح لمعي من خلال كتاب «صفحات من العمر: سبعون عاماً في أروقة التراث صالح لمعي مصطفى» تقديم الأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود متضمناً 10 فصول تتناول فترة الكفاح وبدايات العمل في العمارة والترميم بمصر، والتجربة الدولية مع اليونسكو والسعودية.

ومنحت مصر الدكتور صالح لمعي جائزة النيل للفنون عام 2025 التي تمنح لشخصية بارزة واحدة فقط في مجال الفنون كل عام، وكرّمته المملكة العربية السعودية بالعديد من الجوائز لعمله سنوات طويلة في العذيبات وقصر الدوادمي وقصر المربع والدرعية والمدينة المنورة وجدة.


«الناعشون»... صرخة مسرحية لإعادة الرشد إلى العالم

تكوينات سينوغرافية لعبت دوراً في العمل المسرحي (مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي)
تكوينات سينوغرافية لعبت دوراً في العمل المسرحي (مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي)
TT

«الناعشون»... صرخة مسرحية لإعادة الرشد إلى العالم

تكوينات سينوغرافية لعبت دوراً في العمل المسرحي (مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي)
تكوينات سينوغرافية لعبت دوراً في العمل المسرحي (مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي)

قد يبدو اسم «الناعشون» للوهلة الأولى ذا وقع صادم، إلا أنه بمجرد أن يُسدل الستار على أحداث العمل يوقن المشاهد أنه الأنسب والأكثر تعبيراً عن فكرة تلك المسرحية السعودية التي تُعرض حالياً ضمن فعاليات مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي في دورته الـ33.

ويتجاوز العرض المعنى المباشر للعنوان، وهو حملة النعوش عند تشييع الجثامين، ليذهب إلى المعنى الأبعد فلسفياً، وهو أن البشر الأحياء أنفسهم أصبحوا موتى في حقيقة الأمر، حين فقد العالم بوصلة النجاة عبر الضمير والأخلاق، وأصبح بحاجة إلى صرخة مخلصة تعيده إلى رشده، وتجعله يفيق من سبات الموت المعنوي ليستعيد الحياة الحقيقية.

وتميزت المسرحية بالجرأة، ليس فقط على مستوى العنوان والرؤية الفكرية التي يتبناها صنّاع العمل، وإنما أيضاً عبر الحبكة الدرامية التي تتمرد على البناء التقليدي المألوف؛ إذ لا توجد قصة ذات بداية وعقدة ونهاية ضمن أحداث متصاعدة، وإنما مشاهد متجاورة ولوحات متداخلة تحذر من تحول الحياة اليومية إلى مسلسل مستمر من الخوف والموت البطيء وكل ما يسرق الطمأنينة من العيون والبهجة من الأرواح.

العرض المسرحي «الناعشون» ضمن مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي (إدارة المهرجان)

وعدّ مؤلف العمل فهد ردة الحارثي اختيار العنوان «منطقياً نتيجة ما يحدث في السنوات من حروب وأوبئة وأزمات سياسية واقتصادية، وكلها نذير سوء للبشر»، مشيراً إلى أن «العنوان أيضاً هو مفتاح لفهم العمل، فـ(الناعشون) ظاهرياً هم الذين يحملون النعوش، لكن المسرحية تقلب المعنى: ماذا لو كان الأحياء أنفسهم قد أصبحوا نعوشاً متحركة؟ أي أجساداً تتحرك، لكنها فقدت الشغف والأمل والقدرة على صناعة مستقبلها».

وأضاف الحارثي لـ«الشرق الأوسط» أن «الموت حاضر بقوة في عالمنا المعاصر إلى درجة أن الإنسان أخذ يتعايش معه ويألفه، وربما يحتفي به أحياناً أكثر مما يحتفي بالحياة، ومن هنا لم يعد السؤال: كيف نموت؟ بل: هل نحن نعيش أصلاً؟».

ولفت الحارثي إلى أن «النعش في العمل ليس مجرد رمز للموت بقدر ما هو رمز لواقع فارغ من الحياة، ومن هنا فإن رسالة المسرحية قاسية ومؤلمة، لكنها حقيقية ولا غنى عنها، فهي تؤكد أن الخطر الحقيقي ليس أن يموت الإنسان، وإنما أن يتحول إلى ميت من الداخل قبل أن يموت جسده من الخارج»، وفق تعبيره.

العرض السعودي «الناعشون» ضمن فعاليات المسرح التجريبي بالقاهرة (إدارة المهرجان)

وتحظى المسرحية برعاية ودعم من «هيئة المسرح والفنون الأدائية» السعودية، في حين تتولى «فرقة الطائف المسرحية» إنتاجها.

ويضم فريق التمثيل: بدر الغامدي، وممدوح الغشمري، وعبد الوهاب فندي، وعادل الحارثي، وأحمد الخمري، ومطر السواط، في حين يتولى عبد الله دواري تصميم الإضاءة، ويضع سلطان ردة الموسيقى، في حين يحمل تصميم الديكور بصمات صديق حسن، والعمل من إخراج أحمد الأحمري.

ويجمع العمل بين الفانتازيا والأجواء التراجيدية من خلال مشاهد الجنازات المتوالية، ومواكب تشييع الجثامين، لكن الراحلين ليسوا فقط البشر، بل القيم الخالدة التي حفظت البشرية من خطر الفناء، وأبرزها الحق والخير والجمال، فضلاً عن الشعر الذي يلامس أوتار القلب، والذي أصبح هو الآخر ضمن المفقودين.

عرض «الناعشون» السعودي قدم رؤية رمزية للحياة والموت (مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي)

وعما إذا كانت المخاوف قد انتابت المؤلف من تأثير تلك الأجواء «الكابوسية المقبضة» على الجمهور، يقول الحارثي إن «المسرحية ليست قاتمة لهذه الدرجة، بل بها جدل وحراك حول سؤال الحياة وحياة الموت وموت الحياة، فهى تستهدف حث المتلقي على التفكير الإيجابي تمهيداً لتغيير الواقع، والذي يبدأ بإدراك المشكلة قبل كل شيء».

وأشاد الحارثي بالصورة النهائية التي ظهر عليها العرض من حيث الإخراج وطاقم التمثيل وعناصر السينوغرافيا المختلفة، ولا سيما الإضاءة والديكور والأزياء، مشيراً إلى أن «النص المسرحي لا يكتبه المؤلف فقط، فبقية فريق العمل يشاركونه في كتابته وصورته النهائية بلمساتهم ورؤيتهم البصرية، ليصبح الجميع شركاء في المنتج النهائي».