ما هي جوائز نوبل للحماقة العلمية؟

جائزة الكيمياء والجيولوجيا إلى يان زالاسيفيتش عالم الجيولوجيا في جامعة ليستر الإنجليزية «لشرحه سبب رغبة الكثير من العلماء في لعق الحجارة» (إكس)
جائزة الكيمياء والجيولوجيا إلى يان زالاسيفيتش عالم الجيولوجيا في جامعة ليستر الإنجليزية «لشرحه سبب رغبة الكثير من العلماء في لعق الحجارة» (إكس)
TT

ما هي جوائز نوبل للحماقة العلمية؟

جائزة الكيمياء والجيولوجيا إلى يان زالاسيفيتش عالم الجيولوجيا في جامعة ليستر الإنجليزية «لشرحه سبب رغبة الكثير من العلماء في لعق الحجارة» (إكس)
جائزة الكيمياء والجيولوجيا إلى يان زالاسيفيتش عالم الجيولوجيا في جامعة ليستر الإنجليزية «لشرحه سبب رغبة الكثير من العلماء في لعق الحجارة» (إكس)

كافأت نسخة ساخرة من جوائز «نوبل» أقيمت دورتها الثالثة والعشرون عبر الإنترنت، «إنجازات تثير الضحك بدايةً لكنّها تجعل من يسمعها يفكّر فيها»، كتكرار الكلمة حتى تفقد معناها أو ابتكار مراحيض قادرة على تحليل البراز، بحسب «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقد بُثت هذه المسابقة، المسماة «Ig-Nobel»، وهي تسمية تلعب على لفظ كلمة «Ignoble» (إيغنوبل) وتعني «حقير» بالإنجليزية، مساء الخميس بالتوقيت الأميركي.

وقدّم فائزون حقيقيون بجوائز نوبل، بعضهم اعتمر قبعات غريبة، جوائز «إيغ-نوبل» هذه، التي أُرفقت بمكافآت مالية مقدارها عشرة مليارات دولار محلي من زيمبابوي، وهي قيمة قريبة من الصفر نظراً إلى التضخم الهائل في هذا البلد الإفريقي.

وقدمت المجلة العلمية الفكاهية «أنالز أوف إيمبروبابل ريسرتش» Annals of Improbable Research الفائزين العشرة.

لعق الأحجار

مُنحت جائزة الكيمياء والجيولوجيا إلى يان زالاسيفيتش، عالم الجيولوجيا في جامعة ليستر الإنجليزية، «لشرحه سبب رغبة الكثير من العلماء في لعق الحجارة».

وأوضح الحائز على الجائزة أنه كتب دراسته بعنوان «أكل الحفريات» بعد أن أدرك أن «علماء جيولوجيا من القرن الثامن عشر اعتمدوا على طعم الحجارة للتعرف عليها بشكل أفضل».

ترداد الكلمات إلى ما لا نهاية

في الأدب، تمت مكافأة فريق دولي «عن دراسته للأحاسيس التي يشعر بها الأشخاص الذين يكررون الكلمة نفسها مرات كثيرة جداً جداً جداً جداً جداً جداً».

وقد استنتج الفريق أن هذا التكرار جعل أموراً مألوفة تصبح فريدة من نوعها، وبالتالي غيّر النظرة الإدراكية إلى الكلمات المعنية من «مألوفة» إلى «غير معروفة سابقاً».

تحويل عناكب نافقة إلى روبوتات

للحصول على جائزة الهندسة الميكانيكية، أعاد فريق أميركي «تنشيط» عناكب نافقة عبر استخدام قوائمها على شكل كمّاشات. وقد نشر الفريق مقطع فيديو يظهر عناكب نافقة تتحرك قوائمها للإمساك بجسم صغير.

وأوضح الباحثون في جامعة رايس في هيوستن (الولايات المتحدة) أن عمل «النيكروبوتيكس» هذا ينطوي على استخدام أجزاء حيوانية في الروبوتات.

دورات مياه لتحليل البراز

فاز سيونغ مين بارك، من جامعة ستانفورد الأميركية، بجائزة الصحة العامة عن فكرته القائمة على ابتكار مراحيض قادرة على تحليل البراز بسرعة.

يحتوي «مرحاض ستانفورد» أيضاً على مستشعر «للبصمة الشرجية»، بإمكانه التعرف على الشخص الذي تنتمي إليه الفتحة الشرجية التي تم فحصها، بما يشبه بطريقة ما برنامج التعرف على الوجه في الهواتف الذكية.

الحديث بالمقلوب

مُنحت جائزة «إيغ-نوبل للتواصل» لبحث عن أشخاص يمكنهم التحدث بالمقلوب بسرعة. وقد أدلى الفائزون بكلمتهم بالمقلوب أيضاً لمناسبة الفوز بالجائزة. واقترحت الخبيرة الاقتصادية إستير دوفلو، الحائزة جائزة نوبل «حقيقية» في الاقتصاد، أن يركّز الباحثون على هذه الممارسة المنتشرة للغاية في فرنسا.

شعر الجثث

وفي مجال الطب، مُنحت جائزة «إيغ-نوبل» لباحثين درسوا عدد الشعرات في أنوف الجثث. وتختلف الأرقام من متوفى إلى آخر، لكن تبيّن بحسب الدراسة أن فتحة الأنف اليسرى تحتوي في المعدل على 120 شعرة، مقارنة بـ112 شعرة في فتحة الأنف اليمنى.

طعم كهربائي

فاز اليابانيان هيرومي ناكامورا وهومي مياشيتا في فئة التغذية بفضل تطوير عيدان ومصاصات مكهربة لتناول الطعام والشراب، بما يعزز مذاق المأكولات والمشروبات.

وقال هومي مياشيتا في احتفال توزيع الجوائز إن هذا الابتكار «يساعد على زيادة ملوحة الطعام».

تأثير الملل

مُنحت جائزة «إيغ-نوبل» للتعليم إلى باحثين يدرسون التأثير الذي يمكن أن يحدثه المدرّسون على طلابهم إذا بدا عليهم الملل.

وأعلن كريستيان تشان الحائز على الجائزة بنبرة بطيئة: «لقد اكتشفنا أنه إذا اعتقد الطلاب أن مدرّسيهم يشعرون بالملل أثناء التدريس، فإنهم يشعرون بالملل أكثر».

النظر إلى الأعلى

كم من المارة في الشارع ينظرون إلى الأعلى إذا ما رأوا أشخاصاً آخرين يرفعون أعناقهم للنظر إلى السماء؟ هذا هو موضوع دراسة أجراها باحثون أميركيون حازوا جائزة «إيغ-نوبل» في علم النفس. وفي الخلاصة: كلما زاد عدد الأشخاص الذين ينظرون إلى الأعلى، زاد عدد المارة الذين يقلّدونهم.

وستُمنح جوائز نوبل الحقيقية في أكتوبر (تشرين الأول).


مقالات ذات صلة

لجنة «نوبل» تستنكر توقيف نرجس محمدي و«إساءة معاملتها» في إيران

شؤون إقليمية نرجس محمدي (أ.ف.ب)

لجنة «نوبل» تستنكر توقيف نرجس محمدي و«إساءة معاملتها» في إيران

أعربت لجنة نوبل، اليوم (الأربعاء)، عن استيائها الشديد إزاء اعتقال نرجس محمدي الحائزة على جائزة نوبل للسلام لعام 2023 في ديسمبر.

«الشرق الأوسط» (أوسلو)
شؤون إقليمية نرجس محمدي (أ.ف.ب)

الحكم على نرجس محمدي الحائزة جائزة نوبل للسلام بالسجن 6 أعوام في إيران

أصدرت محكمة إيرانية حكماً بسجن الناشطة الحقوقية نرجس محمدي، الحائزة جائزة نوبل للسلام 6 أعوام، حسب ما أفاد محاميها وكالة الصحافة الفرنسية اليوم الأحد.

«الشرق الأوسط» (طهران)
يوميات الشرق البروفسور عمر ياغي يتحدث خلال احتفاء مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية به الخميس (واس)

ياغي: دعم القيادة السعودية للعلماء وفّر بيئة مُحفِّزة للإنجازات العالمية

أكد البروفسور عمر ياغي، الفائز بـ«نوبل» في الكيمياء، أن دعم القيادة السعودية وتمكينها للعلماء واهتمامها بهم وفرت بيئة محفزة مكنتهم من تحقيق إنجازات نوعية عالمية

جبير الأنصاري (الرياض)
الخليج الأمير محمد بن سلمان خلال استقباله البروفسور عمر ياغي بمناسبة فوزه بجائزة نوبل في الكيمياء لعام 2025 (واس)

ولي العهد السعودي يستقبل الفائز بـ«نوبل» عمر ياغي

استقبل الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، في الرياض، البروفسور عمر ياغي بمناسبة فوزه بجائزة نوبل في الكيمياء لعام 2025.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
أوروبا رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني خلال مؤتمر صحافي في روما (إ.ب.أ) p-circle

ميلوني تعد بترشيح ترمب لجائزة نوبل للسلام إذا أنهى حرب أوكرانيا

أعربت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني عن أملها في أن ينهي الرئيس الأميركي دونالد ترمب الحرب في أوكرانيا حتى ترشحه لجائزة نوبل للسلام.

«الشرق الأوسط» (روما)

هاروت فازليان «في بحر الحبّ»: الموسيقى والشِّعر يُعيدان تشكيل الإنسان

ارتفعت العصا في يد هاروت فازليان فبدا كأنّ الصمت نفسه يستعدّ ليقول شيئاً (الجامعة الأميركية)
ارتفعت العصا في يد هاروت فازليان فبدا كأنّ الصمت نفسه يستعدّ ليقول شيئاً (الجامعة الأميركية)
TT

هاروت فازليان «في بحر الحبّ»: الموسيقى والشِّعر يُعيدان تشكيل الإنسان

ارتفعت العصا في يد هاروت فازليان فبدا كأنّ الصمت نفسه يستعدّ ليقول شيئاً (الجامعة الأميركية)
ارتفعت العصا في يد هاروت فازليان فبدا كأنّ الصمت نفسه يستعدّ ليقول شيئاً (الجامعة الأميركية)

دخل الجمهور إلى حفل «في بحر الحبّ»، الذي استضافته قاعة «أسمبلي هول» في «الجامعة الأميركية في بيروت»، مثل مَن يدخل مساحةً تُعاد فيها تربية الإصغاء. الحفل مُدرَج ضمن «برنامج زكي ناصيف للموسيقى»، بفكرة وتنظيم وقيادة أوركسترا للمايسترو هاروت فازليان، وبمرافقة إبداعية من جويل حجار، فيما تولَّى الممثل المسرحي رفعت طربيه الإلقاء الشِّعري. كان البرنامج يمضي على تخوم الشِّعر والموسيقى، حيث يتحوَّل النصّ إلى نبرة قابلة للقياس وتتحوَّل النغمة إلى لغة تفهم ما تعجز الكلمات عن التقاطه.

الكلمات التي وُلدت من الشِّعر عاشت ثانيةً حين وجدت إيقاعها في الهواء (الجامعة الأميركية)

بدا اختيار البداية موفَّقاً منذ الافتتاح بـ«السيمفونية الخامسة والعشرين» لموتسارت. فالموسيقى وضعت المُستمع مباشرةً أمام نبض سريع وقلق نبيل، كأنّ الحبّ في تعريفه الأول اقتحامٌ لا يطلب الإذن. تلك الدقائق الأولى صنعت إطاراً نفسياً للحفل وأظهرت الحبّ قوةً تُغيّر إيقاع الذات وتدفع الإنسان إلى مواجهة نفسه من دون وسائط.

رفعت طربيه أطلق الكلمات فمضت تبحث عن مكانها في صدور الحاضرين (الجامعة الأميركية)

فازليان، برهافة تُشبه طريقته في تحريك يديه، طلب من الحاضرين أن يتركوا ما يحدث في الخارج خلف الأبواب، ويسمحوا للمشاعر بأن تقودهم. قال: «إذا كان لا بدّ من ضياع، فليكن ضياعاً في الحبّ». العبارة جاءت مثل مفتاح قراءة. فالحفل قدَّم الحبّ حالةَ إدراكٍ تتبدَّل معها علاقة الإنسان بالعالم؛ فما كان ثقيلاً يخفّ، وما كان هامشياً يقترب من القلب.

كان التصفيق محاولة للبقاء قليلاً داخل ما حدث (الجامعة الأميركية)

في لحظات مثل «نيمرود» لإدوارد إلغار، بدا الحبّ أقرب إلى قوة تُرمّم الإنسان من عمقه... موسيقى تمنح الجرح حقّه من الزمن ثم ترفع عنه المبالغة. وحين جاءت قراءة رفعت طربيه قصيدة أنسي الحاج «ماذا صنعت بالذهب... ماذا فعلت بالورد؟»، بدا التساؤل كأنه يفتّش عن الأثر الذي تركته التجربة في الإنسان. ماذا يفعل الحبّ بما نظنّه ثميناً فينا؟ ماذا يفعل بجمال كنا نريد له أن يبقى؟ السؤال يطول الإنسان بعد أن يتغيَّر معيار القيمة في داخله ويفهم أنّ بعض الأثمان تُدفع بالتحوُّل لا بالمال.

في لحظات... لا يعود الزمن يُقاس بالدقائق وإنما بما تركه من أثر (الجامعة الأميركية)

على هذا الخطّ، كانت القصائد تدخل وتخرج من الموسيقى كأنها تعبُر مجرى واحداً. قصيدة هنري زغيب «داناي... مطر الحبّ» جاءت على وقع «أندانتي» لتشايكوفسكي، فبدت المحبّة حدثاً يهبط على الإنسان هبوطاً يفتح طبقات جديدة من الوعي. الإيقاع الهادئ لا يرفع الصوت، يرفع الانتباه... يجعل المستمع يرى كيف يتكوَّن الشعور خطوةً خطوةً، ويصبح الإنسان مكاناً قابلاً للتأثُّر، وأيضاً قابلاً للتغيُّر.

ثم تلوَّن الحفل بوجوه أخرى للحبّ... «الفانتازيا الإسبانية» لإسحق ألبينيز أعطت للحبّ بُعده الجسدي، فتراءى الشغف وهو يتحرّك ويجرّ معه التردُّد والجرأة والتراجع والعودة. و«متتالية كارمن» لبيزيه وضعت في القلب فكرة الحرّية حين تُرافق الحبّ، وكيف يمكن للعاطفة أن تكون حادّةً حين ترفض أن تُختَزل أو تُروَّض. في المقابل، جاء «أداجيو» لرخمانينوف، مع قصيدة سعيد عقل «حبّك نار»، ليقدّما الحبّ الذي يجعل كلّ كلمة مشحونة بما يكفي كي تُقال مرةً واحدة وتبقى.

الموسيقى كشفت عن أنّ الفراغ نفسه كان ينتظرها (الجامعة الأميركية)

على امتداد الأمسية، برزت جودة الفرقة ووضوح شخصيتها. فازليان قاد بعين تعرف متى تتقدَّم ومتى تترك للنغم أن يقوم بالعمل. ضمَّت الأوركسترا مواهب شابّة، وكان ميشال المرّ على الكمان في موقع قائد العازفين، يوازن بين الدقّة والحسّ. وفي لحظة قراءة قصيدة منصور الرحباني «شايف البحر شو كبير» على وَقْع «جيمنوبيدي» لإيريك ساتيه، ظهر معنى الحبّ على هيئة اتّساع لا يملأه الكلام. موسيقى ساتيه تترك فراغاً مُتعمّداً يُمكّن المُستمع من أن يرى كبر البحر داخل الإنسان، حيث يصبح الحبّ مقياساً جديداً للحجم، ويتعلَّم المرء أنّ بعض المشاعر تُفهم من داخلها أكثر مما تُفهم عبر الشرح.

بعض الموسيقى يتسرّب حتى يجده المستمع وقد أصبح جزءاً منه (الجامعة الأميركية)

أمّا قصيدة طلال حيدر «بيّاع الزمان» تُرافقها «هواء على مقام ري» لباخ، فبيَّنت كيف يجعل الحبّ الوقت محسوساً، ويُدخِل قيمةً على اللحظات، ويمنح الفقدان فكرة ملموسة. باخ قدَّم امتداداً يُعلّم المُستمع كيف يبقى الأثر حتى حين ينتهي العزف.

يُذكّر هذا كلّه بمشهد من فيلم «جمعية الشعراء الموتى» حين يضع روبن ويليامز أمام طلّابه العلوم والمهن في مكانها الضروري، ليقول إنّ الشِّعر والجمال والرومانسية والحبّ هي التي تمنح الحياة سبباً يُحتَمل. المعنى نفسه تحرَّك في «في بحر الحبّ». نيتشه قال أيضاً: «من دون موسيقى تصبح الحياة خطأ».

ومن «افتتاحية حلاق إشبيلية» لروسيني، إلى «الرقصات الهنغارية» لبرامز، وصولاً إلى «السيمفونية التاسعة»، كان الحبّ يتقدَّم مرةً مثل قوة تقتحم؛ وثانيةً مثل قوة تُرمّم، وثالثةً مثل قوة تترك الإنسان يقف على قدميه وهو يعرف أنه تغيَّر...

كانت النغمة تُرى وهي تعبُر الوجوه وتتركها أعمق هدوءاً (الجامعة الأميركية)

وعند الختام، حضرت «المحبّة» من كتاب «النبي» لجبران خليل جبران على موسيقى «سينما باراديسو» لإنيو موريكوني، فكأنّ الحفل أعاد تعريف الحبّ على هيئة أثر يتجاوز زمن حدوثه. تجربة لا تنتهي عند لحظتها، تبقى في الذاكرة مثل شيء يُربّي حساسية الإنسان ويجعله أعلى استعداداً للوضوح مع نفسه.

بين صوت رفعت طربيه ونَفَس فازليان، وبين الشّعراء والملحّنين الذين مرّوا، ترك «في بحر الحبّ» للروح حقّها في أن تُصاب، ثم تتعافى، ثم تتّسع.


معرض «ألم يحن الوقت؟» يعبر بنا الخيال العلمي

رانيا ستيفان تقف متسائلة عن أهمية الوقت ين الأمس واليوم (الشرق الأوسط)
رانيا ستيفان تقف متسائلة عن أهمية الوقت ين الأمس واليوم (الشرق الأوسط)
TT

معرض «ألم يحن الوقت؟» يعبر بنا الخيال العلمي

رانيا ستيفان تقف متسائلة عن أهمية الوقت ين الأمس واليوم (الشرق الأوسط)
رانيا ستيفان تقف متسائلة عن أهمية الوقت ين الأمس واليوم (الشرق الأوسط)

هل خطرت لك يوماً أفكار عن نهاية العالم؟ وهل سرحت بخيالك بعيداً حتى تحوّلت تلك التصوّرات إلى أسئلة ملحَّة؟

عن هذه الهواجس تنطلق رانيا ستيفان في معرضها «ألم يحن الوقت؟» المقام في غاليري «مرفأ» في بيروت، حيث تصحب الزائر في رحلة فنية عابرة للأزمنة، تتأرجح بين السماء والأرض، وبين الماضي والمستقبل.

وأمام لوحاتها المصطفَّة في خطين متوازيين، يجد المتلقي نفسه مدفوعاً إلى التأمل والتحليل، داخل تجربة وجودية مختلفة. تروي رانيا حكايات الزمن بأسلوبها الخاص، مستندة إلى شغفها بالخيال العلمي وخبرتها في عالم السينما، لتفتح أمام المشاهد مسارات متعددة للتفكير وفهم الحياة.

تعرض أعمالها في خطين متوازيين (الشرق الأوسط)

في هذا المعرض، تتناول الفنانة العلاقة بين الخيال العلمي وتقنيات المونتاج، بوصفهما يدوران حول مفهوم الزمن. ومن خلال توظيف أساليب مونتاج تجمع بين البحث المعمّق وشغف السينما، تستكشف كيف تتداخل الصور وتتفاعل، وكيف تتضاعف ثم تتلاشى. ويسود المعرض تناغم لافت بين الصور الثابتة والمتحركة، والمرئية وغير المرئية، كاشفاً عن أثر غياب لم يُستعد.

وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «من يخطر على باله التفكير بنهاية العالم فهو سيعيش الفكرة على أرض الواقع. لا أفرض أجوبة ولا أعطي أوامر. كل ما في الأمر هو أني أعرض أفكاري من الخيال العلمي وما على ناظرها إلا أن يتلقاها على طريقته».

تكمل جولتك في المعرض لتخوض تجربة فنية ترتكز على عملية المونتاج والصور المتقطعة والمكملة لبعضها بعضاً. تستنتج حكايات خيالية ترتبط بواقع الوقت الغريب الأطوار. وهو ما يسهم في إعادة تأويل الزمن من خلال الصورة. فتولّد عند المتلقي قراءات لعالم خيالي علمي متماسك.

وتشدد رانيا على ضرورة طرح أسئلة وجودية. «لا بدَّ أن نفكر بالوقت الآتي من الماضي مخترقاً الحاضر والعكس صحيح. أسلوب عرض اللوحات في صالتين متوازيتين هو للإشارة إلى أن قراءات الزمن تتألف من حلقة ثنائية تكمل بعضها بأشكال مختلفة».

يسود المعرض الفن البصري المتحرِّك. وبين الصورة والفيديو بنت رانيا ستيفان أعمالها. وعند مدخل صالة العرض في غاليري «مرفأ» تستقبلك 4 لوحات، تروي من خلالها 4 نظريات لنهاية العالم. واستخدمت أحرفاً ضخمة للإشارة إلى عناوين كل منها. وقد صُنعت يدوياً من مادة الأميلغام الرمادية. توضح لـ«الشرق الأوسط»: «ما ترينه في المعرض يرتكز على فن صناعة أفلام الخيال العلمي. فأنا أعمل في هذا المجال، وشغفي به كبير». وتتابع: «يطرح معرضي أسئلة كثيرة يتداخل فيها الماضي بالحاضر. أما السؤال المحوري (ألم يحن الوقت؟) فهو إشارة إلى أهمية الزمن. وعلى الزائر أن يربط بين هذه اللوحات ليستنتج جوابه الخاص».

في معرضها «ألم يحن الوقت» تستخدم الخيال العلمي للتعبير عن أفكارها (الشرق الأوسط)

ضمن 4 نظريات تتناول شكل نهاية العالم، تترجم ستيفان أفكارها حول هذا الموضوع. في الأولى تتحدث عن نهاية بسبب التجمّد التام. وفي الثانية تتخيّل شرخاً يقسم الكوكب إلى نصفين. أما الثالثة فتقدّم سيناريو الانهيار، في حين تستند النظرية الرابعة إلى الانفجار والارتداد، حيث يولد العالم من جديد. وتتابع: «كل ما أقدِّمه هنا يستند إلى الخيال العلمي. وهو نوع يتطلب بحثاً وغوصاً ودراسة، وقد قمت بكل ذلك لعرض أفكاري من هذا المنطلق».

تجمّد رانيا الزمن وتجعله عرضة للتشابك بين الماضي والحاضر. تلتقط صورة فورية من الماضي لتواجهها بأخرى حديثة، في توازٍ بصري يضع الأمس في مواجهة اليوم. وتتداخل الأفكار في أعمالها، فيدخل المتلقي في دوامة الزمن بشكل عفوي. ويلمس ثنائية لافتة توحي بأن الزمن زمنان، والقمر قمران، والإنسان إنسانان. وفي تجهيز فني يحمل عنوان «خراب التاريخ»، توثّق الفنانة تراكمات انفجارات عايشتها. وتشرح: «هذا التجهيز الفني كناية عن ذكريات لا أنساها، وكأن التاريخ يعيد نفسه عبر انفجارات رسخت في ذهني».

الثنائية تحضر في أعمالها فيتحول القمر إلى قمرين (الشرق الأوسط)

تصطف هذه الذكريات عمودياً، وتوضح: «الصورة الأولى تمثل انفجاراً وقع عام 1983 قرب منزلي عبر سيارة مفخخة. والثانية مشهد من حرب 2006، أما الثالثة والرابعة فتجسدان انفجار المرفأ عام 2020 وحرب أكتوبر (تشرين الأول) الأخيرة. جميعها تعكس تراكمات زمنية متباعدة ظاهرياً ومتداخلة في الواقع».

ما الرسالة التي ترغب رانيا ستيفان في إيصالها إلى زائر المعرض؟ ترد: «أخترق عالمين متوازيين للإشارة إلى أن هناك عالماً ثانياً مثل عالمنا. ولكنه يأتي من خلفية مختلفة ويتمثّل بوقتين متوازيين. فالوقت على طريق النهاية (عم يخلص) ولا يجب أن يمر مرور الكرام على الإنسان. فأغوص به وأنتقل معه إلى عالم يسلِّط الضوء على نقطتي الذهاب والإياب في حياتنا. والأهم هو أنه لا يجب أن نقطع الأمل. فلا بد دائماً من ولادات جديدة أترجمها في صور متلاصقة، أستلهمها من مشاهد تراود خيالي، فأقطّعها وأوصلها برأسي قبل أن أضعها على الورق».


على عتبة الموسم... نُقّاد يراهنون على الدراما السعودية

الممثل فهد القحطاني في لقطة من برومو مسلسل «كحيلان» (شاهد)
الممثل فهد القحطاني في لقطة من برومو مسلسل «كحيلان» (شاهد)
TT

على عتبة الموسم... نُقّاد يراهنون على الدراما السعودية

الممثل فهد القحطاني في لقطة من برومو مسلسل «كحيلان» (شاهد)
الممثل فهد القحطاني في لقطة من برومو مسلسل «كحيلان» (شاهد)

تتجه الدراما السعودية في موسم شهر رمضان، نحو مرحلة جديدة من الإنتاج المكثّف والتنوّع، حيث يشهد الجمهور هذا العام حضوراً لعدد من الأعمال البارزة التي تجمع بين الاجتماعي والتاريخي والكوميدي، بعضها يستثمر نجاحات الموسم الماضي، وبعض آخر يراهن على نوعية جديدة من الأعمال والحكايات.

ومن بين الأعمال المنتظرة هذا الموسم، يبرز «شارع الأعشى 2» بوصفه تكملة لسلسلة نجحت في جذب المشاهدين العام الماضي، حاملة معها توقعات جديدة على مستوى الحبكة وتطوّر الشخصيات، إلى جانب «يوميات رجل متزوج» الذي يأتي امتداداً كوميدياً مباشراً لسلسلة «يوميات رجل عانس»، مستكملاً تتبع تفاصيل الحياة الزوجية في إطار اجتماعي ساخر. وفي المقابل، يحضر «كحيلان» بوصفه عملاً تاريخياً يستند إلى البيئة البدوية، ما يضعه ضمن أبرز رهانات الموسم على مستوى النوع والطرح، وتكتمل الخريطة بأعمال أخرى جديدة مثل «حي الجرادية».

أمام ذلك، التقت «الشرق الأوسط» بعدد من النقّاد لاستطلاع رهاناتهم وتوقعاتهم الأولية للدراما السعودية في هذا الموسم، قبل عرضه رسمياً، محاولين قراءة خريطة هذه الأعمال من زوايا متعددة.

الممثلة إلهام علي تعود بشخصية وضحى، في مسلسل شارع الأعشى (شاهد)

البشير: رهان التاريخ والمكان

تأتي قراءة الناقد الدكتور محمد البشير في إطار توصيف عام لملامح خريطة هذا الموسم، حيث يرى أن المشهد يتّجه نحو التنوّع والرهانات الإنتاجية واتساع دوائر الجمهور المستهدف. كما يلاحظ أنّ الدراما السعودية تواصل اختبار أشكال سردية جديدة، وتعمل على موازنة العلاقة بين الأنواع وبين الذاكرة والراهن.

وعلى مستوى الرهانات، يضع البشير «كحيلان» في موقع متقدّم، ويربط ذلك بمحاولة استعادة التاريخ بوصفه مادة درامية حيّة تتطلّب إنتاجاً يعكس نضج التجربة السعودية في هذا النوع الصعب، حيث ينتظر العمل بحماس، ويعقد عليه أملاً في تقديم معالجة جادّة لهذا المسار، بما يحمله من تحدّيات على مستوى التنفيذ والطرح.

ويلتفت البشير أيضاً إلى «حي الجرادية»، حيث يحضر العمل من خلال بطليه محمد القس، الذي أثبت اسمه أخيراً في أعمال مصرية، وإبراهيم الحساوي بتاريخ حضوره وجديته، إلى جانب بقية الأسماء المشاركة. ويرى أنّ العمل يعوّل على البيئة المحلية بوصفها عنصراً فاعلاً في السرد، وعلى أسماء تمثّل جيلاً واعياً بتحوّلات المجتمع وتفاصيل شخصياته.

أما في سياق الامتداد الجماهيري، فيشير إلى أعمال تبني ثقتها على نجاحات سابقة، مستفيدة من الأثر الذي تركته في الموسم الماضي؛ مثل «شارع الأعشى» و«يوميات رجل متزوج» بدلاً من «عانس». ويضع هنا تحفّظاً يتمثّل في الخشية من إعادة إنتاج النجاح ذاته عبر نسخ ثانية، بدل التوسّع في التجريب أو الذهاب إلى مغامرات حكائية أكثر جرأة، مع اعتبار هذا الخيار مفهوماً ضمن منطق السوق الرمضانية.

ويخلص البشير إلى أنّ دراما رمضان السعودية هذا العام، تراهن على تثبيت مكتسبات تحقّقت خلال المواسم الماضية، مع محاولات محسوبة للانتقال من منطق النجاح الجماهيري السريع إلى بناء تراكم فني أكثر استدامة.

الفنان إبراهيم الحساوي مشهد من مسلسل «حي الجرادية» (شاهد)

الحايك: بين النجاح والتكرار

وبالتوجّه نحو الناقد عباس الحايك، فإنه يرى أن الدراما السعودية في رمضان تتوزّع بين الاجتماعي مثل «حي الجرادية»، والكوميدي مثل «يوميات رجل متزوج» و«روميو ويا ليت» و«جاكم العلم»، والحقبوي مثل «شارع الأعشى» و«كحيلان». هذا التنوّع، في نظره، يؤكّد تطوّر الدراما السعودية وخروجها من القوالب والأنماط، ويفتح الباب أمام قصص مغايرة تصنع هذا التنوّع المفترض.

في الوقت نفسه، يضع الحايك ملاحظة تتعلّق ببقاء بعض القوالب، خصوصاً في الكوميديا، حيث يشير إلى أنّ مسلسل «تانا» يتحرّك داخل إطار الاسكتشات والتقليد، ويقدّم نسخة من مسلسلات سابقة وبالوجوه نفسها، مع قراءة للبرومو توحي بمسار متوقّع لهذا النوع من الأعمال.

ويمتدّ حديثه إلى الكوميديا عبر الإشارة إلى عودة إبراهيم الحجاج بجزء آخر من مسلسله في العام الماضي «يوميات رجل عانس» ولكن بعنوان جديد، مع تذكير بنجاح المسلسل السابق، وطرح سؤال حول قدرة الجزء الجديد على تحقيق نجاح مماثل، قياساً بتجربة الجزء الثاني من «منهو ولدنا». وفي السياق ذاته، يلاحظ أنّ «شارع الأعشى» يستثمر نجاح الموسم الأول في موسم ثانٍ جرى التسويق له على نطاق واسع من قبل المنصّة، مع انتظار الجمهور للشخصيات التي ارتبط بها.

وعلى مستوى الرهان الشخصي، يرى الحايك أنّ «كحيلان» هو العمل الذي شدّه أكثر للمتابعة، مستنداً إلى ما يقدّمه البرومو من مؤشّرات على مستوى العمل، وإلى طاقم الإنتاج، بدءاً من المؤلف محمد اليساري المتخصّص في الأعمال التاريخية؛ مثل «الحسن والحسين» و«عنترة» و«فتح الأندلس». ويعتبر أنّ العمل يشكّل إضافة جديدة إلى الدراما السعودية بحكم قلّة الأعمال البدوية، ويرجّح أن يحظى بنسبة مشاهدة عالية، إلى جانب متابعته لأعمال مثل «حي الجرادية» و«الحصة الأخيرة».

الممثل محمد القس في لقطة من برومو مسلسل حي الجرادية (شاهد)

حمدون: أسئلة الكتابة والبيئة

أما الناقد السينمائي علي حمدون، فينطلق من سؤال يتعلّق بمكانة التلفزيون قياساً بالسينما من حيث تطوّر الفنيات وتراكم الخبرة، ويضع تجربته في متابعة القطاع بوصفها خلفية لهذه القراءة. كما يرى أنّ وتيرة العمل داخل ورش الكتابة تؤثّر مباشرة في شكل النصوص وفي تماسك البناء الدرامي، ويشير إلى أنّ حلقة كاملة تُنجز أحياناً في ظرف يوم واحد، بما تحمله من عدد كبير من المشاهد المتتابعة، مع بناء درامي متعثّر وتصعيد للأحداث يثير الاستغراب أكثر من كونه مبرّراً حكائياً.

ومن هنا، يلفت حمدون إلى إسناد بعض المهام إلى كتّاب من خارج البيئة، حيث تُستدعى التفاصيل من الخارج بدل أن تنبع من الداخل، فتغدو الأحداث حاضرة بغرض إثارة الرأي العام أكثر من إثارة الإعجاب، ويجري تقديم العيوب كما لو كانت السمة السائدة.

كما يربط هذه الملاحظات بمنطق تكرار النجاحات، حيث يتحوّل ما نجح في عام سابق إلى مادة تُعاد في العام التالي، ويُستثمر النجاح بوصفه وصفة جاهزة، حتى يكاد كل حيّ في الرياض يجد له متسعاً درامياً.

ويستحضر تجربتي «خيوط المعازيب» و«الزاهرية» بوصفهما آخر النجاحات بالنسبة له، مع أمل في تكرار هذا النوع من الإبداع.

وعند الانتقال إلى سؤال الرهان على الأعمال، يتّجه حمدون إلى اختيار محدّد يرتبط بالمكان والبيئة، فيرى أنّ مسلسل «حي الجرادية» يدخل ضمن الأعمال التي تستحق الترقّب، لما يمتلكه من طاقم عمل وقصة تنطلق من بيئة واضحة المعالم. بهذا المعنى، تتقدّم قراءة حمدون بوصفها قراءة لصناعة النص قبل أن تكون قراءة لقائمة عناوين، مع تركيز على العلاقة بين الورشة والبيئة والمكان.

الممثلة لمى الكناني في لقطة من برمو الموسم الجديد من شارع الأعشى (شاهد)

الوعل: رهان الملحمة البدوية

من ناحيتها، تلتقط محررة الشؤون الفنية في قناة «العربية» سهى الوعل؛ التحوّل العام في الإنتاج والمحتوى، وترى أنّ دراما رمضان السعودية هذا العام تظهر نقلة واضحة نوعاً ما، في الإنتاج والمحتوى، وتتجلّى في إعادة إحياء الدراما البدوية بأسلوب معاصر، والاقتراب من تفاصيل الحياة اليومية وطرح مشكلات الناس بصورة مباشرة، إلى جانب تقديم طاقات جديدة.

وتربط الوعل هذا المسار بعودة الاهتمام بالبيئة البدوية وبالطرح الملحمي، وتضع «كحيلان» في مركز رهانها، بوصفه عملاً تاريخياً بدوياً يمثّل توجّهاً نادراً، ويعكس صراعات النفوذ والهوية في بيئة صحراوية، مع توقّع أن يجذب جمهوراً يبحث عن الدراما الملحمية ذات العمق.

حكايات جديدة تنتظر الجمهور في «شارع الأعشى» (شاهد)

«كحيلان» الأوفر حظاً

وإجمالاً، يتقدّم «كحيلان» بوصفه رهاناً يجذب الانتباه من أكثر من زاوية؛ سواء عبر البيئة البدوية أو الطابع التاريخي أو المؤشّرات الإنتاجية. في المقابل، يحضر «حي الجرادية» باعتباره رهاناً على المكان والبيئة المحلية، بينما تتّجه أعمال مثل «شارع الأعشى 2» و«يوميات رجل متزوج» إلى استثمار علاقة قائمة مع الجمهور عبر الامتداد إلى مواسم جديدة.

وتضع هذه الآراء الصناعة أمام أسئلة تتعلّق بالكتابة وورشها، وبوتيرة الإنتاج، وبالعلاقة بين السوق والتجريب، وتفتح في الوقت ذاته، مساحة لتوقّعات متعدّدة حول مسار الموسم. كما ترسم مداخلات النقّاد صورة فنية أكثر إثراءً للمشهد السعودي قبيل رمضان، وتكشف عن توقعات مبكرة تمتزج فيها رغبة التغيير مع احترام رغبات الجمهور ومساراته.