جبنة سويسرية وجزيرة خاصة... هوايات كيم جونغ أون الباهظة والغريبة

الزعيم الكوري الشمالي ينفق مئات ملايين الدولارات بينما شعبه جائع

كيم جونغ أون خلال جولة تفقّدية لأحد مصانع تعليب الأسماك عام 2018 (رويترز)
كيم جونغ أون خلال جولة تفقّدية لأحد مصانع تعليب الأسماك عام 2018 (رويترز)
TT

جبنة سويسرية وجزيرة خاصة... هوايات كيم جونغ أون الباهظة والغريبة

كيم جونغ أون خلال جولة تفقّدية لأحد مصانع تعليب الأسماك عام 2018 (رويترز)
كيم جونغ أون خلال جولة تفقّدية لأحد مصانع تعليب الأسماك عام 2018 (رويترز)

لا تقتصر هوايات زعيم كوريا الشمالية على ركوب القطارات المصفّحة بين بيونغ يانغ وموسكو. ولا يكتفي كيم جونغ أون بإطلاق الصواريخ والغوّاصات النوويّة خلال أوقات فراغه. فالحاكم المثير للجدل والفضول متعدّد الاهتمامات، خصوصاً الباهظة منها. وبالتوازي مع اللائحة الطويلة من الهوايات، ثمّة قائمة أطول من القدرات الخارقة التي يدّعي الإعلام الكوري الشمالي أن كيم يتمتّع بها.

كيم والسلّة

منذ كان تلميذاً في مدارس سويسرا، تَعلّقَ كيم جونغ أون بكرة السلّة. صارت هذه الرياضة هوسَه، هو الذي لم يكن طفلاً اجتماعياً ومُحاطاً بالأصدقاء. استعاض عن ذلك بممارسة اللعبة، رغم وزنه وطوله اللذَين لم يكونا عنصرَين مساعدَين. ملأ جدران غرفته بصور اللاعب الأميركي مايكل جوردان، وعُرف بين زملاء الصف بمجموعته الضخمة من الأحذية الرياضيّة.

كيم جونغ أون وهو طفل في صور بثّها التلفزيون الرسمي الكوري الشمالي (إ.ب.أ)

يضيف رفاق المدرسة الذين سبق أن تحدّثوا إلى وسائل إعلام بريطانية، أنّ كيم كان لاعباً عصبياً ويحب المنافسة، كما أنه كان يكره الخسارة. وبما أنه لا يقبل الـ«لا» جواباً، وبما أنّ بطل طفولته مايكل جوردان لم يلبِّ دعوته لزيارة بيونغ يانغ عام 2011 بعد أن ورث الحكم عن والده، استعاض عن ذلك بدعوة زميل جوردان في فريق «شيكاغو بولز» دينيس رودمان.

كيم جونغ أون وصديقه لاعب كرة السلة الأميركي دينيس رودمان (أ.ب)

يذكر العالم كيف اخترق رودمان عام 2013 الجدار الحديديّ السميك المرتفع عالياً بين بلاده وبيونغ يانغ. استُقبل بحفاوة وانتهت زيارته التاريخيّة بأن قال لكيم: «صار لديك صديق مدى العمر»؛ وهي عبارةٌ انتقدته بسببها جمعيات حقوق الإنسان. لكن رودمان لم يأبه لذلك، فهو عاد إلى كوريا الشماليّة، مجدِّداً عهد الصداقة بينه وبين كيم ومحتفلاً بعيد ميلاده على الملأ، مغنياً له «هابي بيرثداي الماريشال العزيز».

في حب الأحصنة

كيم جونغ أون الذي يحترف لعبة الإعلام، ويعتمد لغة الصور كجزء من البروباغندا، غالباً ما يظهر على صهوة حصان. في حملة إعلامية عام 2019، قيل إنه تسلّق أعلى قمّة في كوريا الشمالية على حصانٍ أبيض. وفي وثائقي بثّه التلفزيون الكوري الشمالي عام 2021، عاد ليطلّ ضمن الإطار نفسه.

للخيول البيضاء رمزيّتها في البلاد، فهي تذكّر بحقبة التأسيس، حيث يُحكى أن الجدّ المؤسس كيم إيل سونغ امتطى حصاناً أبيض، قائداً المعارك ضدّ الاستعمار الياباني قبل الحرب العالمية الثانية وخلالها.

غالباً ما يظهر كيم جونغ أون على صهوة حصان أبيض ضمن حملات البروباغندا الإعلامية (أ.ف.ب)

أساطيل من السيارات الفخمة

إلى جانب أحصنة كيم المستوردة بالعشرات من روسيا، والقطار المصفّح والطائرة الخاصة، يضيف الزعيم الكوري الشمالي إلى وسائل نقله المميّزة مجموعة كبيرة من السيارات الباهظة. ووفق المعلومات الصحافية المتداولة، فإن مجموعته تضمّ سيارتَي «مايباخ»، وأسطول «مرسيدس»، وعدداً من الـ«رولز رويس» والـ«لاند روفر».

يُضاف إلى القطار والطائرة والسيارات والأحصنة، يخت تبلغ قيمته 6 ملايين دولار وفق معلومات نشرتها صحيفة «تلغراف» البريطانية. ومن المرجّح أن يكون هذا اليخت وسيلة النقل التي تُقلّ كيم إلى جزيرته الخاصة، حيث يمضي إجازاته.

يكشف دينيس رودمان الذي زار تلك الجزيرة برفقة صديقه كيم أنها تحوي ملعباً لكرة القدم، وآخر لكرة السلّة، إضافةً إلى أحواض سباحة كثيرة ومنتجع للألعاب المائية، كما تُركَن بمحاذاتها قوارب تُقام عليها حفلات كيم الخاصة.

يهوى كيم جونغ أون السيارات الفخمة وهو يملك مجموعة كبيرة منها (د.ب.أ)

ميزانيّة الرفاهية المليونيّة

لا يبخل كيم جونغ أون على نفسه بشيء. الجاه الذي غرق فيه طفلاً ومراهقاً لم يتخلّ عنه في أي مرحلة من مراحل حياته وحُكمه، حتى خلال الأوقات التي كان يغرق فيها شعبه بالجوع والعوز. عام 2014، خلُص تقرير صادر عن الأمم المتحدة إلى أن نظام بيونغ يانغ يشتري كميات كبيرة من السلَع الباهظة. وكشف التقرير أن كيم بنى منتجعاً للتزلّج ومركزاً للفروسيّة، لافتاً إلى أنّ النخبة الحاكمة في كوريا الشمالية استوردت كثيراً من السيارات الثمينة، وما يفوق الـ35 بيانو، ومجموعة من أجهزة التسجيل المتطوّرة.

ووفق أرقام التقرير، فإنّ النظام الحاكم أنفق نحو 645 مليون دولار على السلع الفاخرة في 2012، أي خلال السنة الأولى من حُكم «كيم الثالث». ورث كيم هذا الولع بالرفاهية عن والده، إلا أنه تفوّق عليه في المصاريف. إذا أحبّ أحداً ورضي عنه، أهداه الساعات الثمينة، والكحوليات النادرة، ومعاطف الفرو، والمجوهرات.

كيم جونغ أون في طائرته الخاصة (الوكالة الكورية الشمالية للأنباء)

أكل وأفلام وأغانٍ

قد تكون السجائر السلعةَ الوحيدة التي لا يستوردها كيم، فهو يدخّن بكثرة تبغاً محليّ الصنع. إلا أنّ ما تبقّى من مأكلٍ ومشرب، فيُستقدَم من الخارج إلى مخازن قصوره بكميات هائلة. وفق المعلومات المتداولة عن الزعيم الكوري الشمالي، فهو من هواة المشروبات الكحوليّة، ولا يرضى سوى بالباهظ منها. خلال عام 2016 وحده، استورد ما قيمته مليون دولار من الكحول.

على مائدة عشائه، الأجبان السويسرية عنصر أساسيّ، وهو أحبّها منذ الفترة التي أمضاها طالباً في سويسرا. أما على الغداء، فالكركند والكافيار طبقان حاضران بشكل شبه دائم.

كيم جونغ أون معايناً مواد غذائية محلية الصنع (أ.ف.ب)

يأخذ الترفيه حيّزاً كبيراً من حياة كيم، ففي القصر حيث يقيم قاعة سينما تحتوي على ألف مقعد. ربما يستعين بها لاجتماعاته الحزبيّة الحاشدة، لكنّ الهدف الأساسيّ منها هو مشاهدة أفلامه المفضّلة فيها، مثل «غودزيلا» وأعمال جاكي تشان. ولع كيم بالشاشة يمتدّ إلى ألعاب الكمبيوتر والفيديو، وهي هواية ترافقه منذ الطفولة وحتى الآن، وفق معلومات تَداولها مقرّبون منه.

ثم تأتي الموسيقى التي لا يهملها زعيم كوريا الشمالية على الإطلاق، بل يذهب إلى حدّ تأسيس فرقة نسائية وانتقاء مغنياتها بنفسه، كما تولّى تسمية الفرقة «مورانبونغ».

مواهب خارقة

بعيداً عن الهوايات الواقعيّة، يمتلك كيم وفق إعلام بلاده ومعتقدات شعبه خصائص وقدرات خارقة. يقال مثلاً إنه قاد سيارة للمرة الأولى في سن الثالثة، كما نافس في سباقات المراكب الشراعيّة في التاسعة من عمره. جرى التسويق كذلك لرواية أنّه اكتشف إلى جانب فريق من علماء الآثار مخبأً لحيوان وحيد القرن الأسطوري.

تنسحب مواهب كيم الأسطوريّة على كل المجالات، فهو اخترع ومجموعة من العلماء الكوريين الشماليين دواءً «معجزة» تشفي جرعة واحدة منه من مرض «الإيدز»، ومن أنواع معيّنة من السرطان، ومن الزكام، وآثار التقدّم في السن، وأمراض عدّة أخرى.

كيم جونغ أون على قمّة «باكتو»، أعلى جبل في كوريا الشمالية (أ.ف.ب)

تتويجاً لتلك القوى الخارقة، أعلن التلفزيون الرسمي الكوري الشمالي في أحد أيام الشتاء القارسة، أنه وفور تسلّق «القائد» إحدى القمم المرتفعة وسط الثلوج، تراجعت العاصفة وأشرقت الشمس. وبذلك يكون كيم قادراً على التحكّم بالطبيعة، وفق تأكيد إعلامه.


مقالات ذات صلة

بيونغ يانغ: رئيس كوريا الجنوبية «حكيم»

آسيا صور التُقطت في 4 يناير 2026 تظهر حطام طائرة مسيّرة قالت كوريا الشمالية إنها انطلقت من كوريا الجنوبية وتم إسقاطها (أ.ف.ب)

بيونغ يانغ: رئيس كوريا الجنوبية «حكيم»

وصفت كوريا الشمالية، الاثنين، إبداء الرئيس الكوري الجنوبي لي جيه-ميونغ الأسف لبيونغ يانغ بشأن واقعة توغل طائرات مسيّرة بأنه «حسن حظ وحكمة بالغة».

«الشرق الأوسط» (سيول)
آسيا كيم جونغ أون أشرف على اختبار أرضي لمحرك صاروخي مُطوّر يعمل بالوقود الصلب في صورة وزّعتها الوكالة الرسمية يوم 29 مارس (أ.ف.ب)

كوريا الشمالية تختبر محركاً صاروخياً قادراً على بلوغ الأراضي الأميركية

أفادت وسائل إعلام كورية شمالية بأن الزعيم كيم جونغ أون أشرف على اختبار محرك يعمل بالوقود الصلب مطوّر لأسلحة قادرة على الوصول إلى الأراضي الأميركية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم كيم جونغ أون وابنته كيم جو إي يجرّبان مسدّسات في مصنع أسلحة (أ.ب) p-circle 01:49

رفيقة السلاح... هل تصبح كيم جو إي وريثة أبيها كيم جونغ أون؟

يكثر الحديث عن احتمال توريث كيم جونغ أون ابنتَه الحُكم؛ فماذا نعرف عن كيم جو إي، البالغة 13 سنة، والبارعة في استخدام المسدّسات والرشّاشات؟

كريستين حبيب (بيروت)
شؤون إقليمية كيم سون غيونغ نائب وزيرة خارجية كوريا الشمالية أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة (أ.ف.ب) p-circle 00:41

كوريا الشمالية للأمم المتحدة: لن نتخلى أبداً عن برنامجنا النووي

 شدّد نائب وزيرة الخارجية الكورية الشمالية، الاثنين، في خطاب نادر أمام الأمم المتحدة على أن بيونغ يانغ لن تتخلى أبداً عن أسلحتها النووية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
آسيا الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ والسيدة الأولى يغادران اليابان إلى واشنطن يوم 24 أغسطس (إ.ب.أ)

«تهديد بيونغ يانغ» يتصدّر مباحثات ترمب ولي في واشنطن

زار الرئيس الكوري الجنوبي طوكيو قبل توجّهه إلى واشنطن في مسعى إلى تنسيق المواقف حول ملفي الأمن الآسيوي والرسوم الجمركية التي أربكت النظام التجاري الآسيوي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

مصر: مقبرة رومانية نادرة في المنيا... ألسنة ذهبية وبردية تكشف عن أسرار البهنسا

مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: مقبرة رومانية نادرة في المنيا... ألسنة ذهبية وبردية تكشف عن أسرار البهنسا

مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية، السبت، اكتشاف مقبرة نادرة تعود إلى العصر الروماني، خلال أعمال الحفائر التي تنفّذها البعثة الأثرية الإسبانية و«معهد الشرق الأدنى القديم» بمنطقة «البهنسا» بمحافظة المنيا (جنوب مصر).

وعثرت البعثة داخل المقبرة على عدد من المومياوات العائدة إلى العصر الروماني، بعضها ملفوف بلفائف مزخرفة بزخارف هندسية، إلى جانب توابيت خشبية، و3 ألسنة ذهبية إضافةً إلى لسان آخر من النحاس، فضلاً عن دلائل على استخدام رقائق الذهب على بعض المومياوات، وفق بيان الوزارة.

وأوضح أستاذ الآثار بجامعة القاهرة ومدير الحفائر بالبعثة، الدكتور حسان عامر، أن «أعمال الحفائر في المقبرة رقم (65) أسفرت عن الكشف عن ألسنة ذهبية ونحاسية، إلى جانب عدد من المومياوات الرومانية، بالإضافة إلى توابيت خشبية ملوّنة داخل حجرة دفن تحت الأرض»، مشيراً إلى «تدهور حالتها نتيجة تعرّضها للنهب في العصور القديمة».

توابيت مُكتشفة داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتُعدّ قرية البهنسا (شمال المنيا) من المناطق الأثرية الثرية التي تضم آثاراً تعود إلى عصور مختلفة، من المصري القديم إلى اليوناني والروماني والقبطي والإسلامي. وقد عثرت فيها البعثة نفسها في عام 2024 على ألسنة وأظافر ذهبية وعدد من المقابر تعود إلى العصر البطلمي، مُزيَّنة بنقوش وكتابات ملوّنة، بداخلها مجموعة من المومياوات والهياكل العظمية والتوابيت، وغيرها من اللقى الأثرية.

بدوره، أشار عالم المصريات الدكتور حسين عبد البصير لـ«الشرق الأوسط» إلى أهمية الكشف، بكونه «إضافة علمية بالغة الأهمية لفهم أحد أكثر المواقع المصرية ثراءً وتعدّداً في طبقاته الحضارية خلال العصور اليونانية والرومانية»، مؤكداً أنّ «إقليم مصر الوسطى لم يكن هامشاً حضارياً، بل كان مركزاً تفاعلياً نشطاً داخل العالم المتوسّطي القديم».

تكوين المقبرة المُكتشفة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وعدَّ عبد البصير «العثور على ألسنة ذهبية بمنزلة نافذة مباشرة على المعتقدات الجنائزية في تلك المدّة»، موضحاً أنّ «الذهب كان يُستخدم بوصفه رمزاً للخلود والعبور إلى العالم الآخر، وهو تقليد يعكس امتزاج الفكر المصري القديم بالتصوّرات اليونانية والرومانية حول الموت والحياة بعده».

وكشفت الحفائر جنوب الموقع عن «تماثيل صغيرة من التيراكوتا والبرونز، من بينها تماثيل للمعبود (حاربوقراط) على هيئة فارس، وتمثال صغير لـ(كيوبيد)».

وقال الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، إنّ «الكشف يُقدّم رؤى جديدة حول الممارسات الجنائزية في مدينة البهنسا خلال العصرين اليوناني والروماني»، لافتاً إلى «نجاح البعثة في الكشف عن بردية نادرة داخل إحدى المومياوات، تتضمَّن نصاً من الكتاب الثاني من الإلياذة للشاعر هوميروس، يصف المشاركين في الحملة اليونانية ضدّ طروادة، والمعروف باسم (فهرس السفن)»، مضيفاً أن «هذا الاكتشاف يضيف بُعداً أدبياً وتاريخياً مهمّاً للموقع».

مقبرة المنيا النادرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ووصف عبد البصير اكتشاف البردية بأنه «أمر استثنائي يربط بين النصوص الأدبية اليونانية والطقوس الجنائزية في مصر، ويؤكد أنّ البهنسا لم تكن فقط موقعاً للدفن، بل كانت أيضاً فضاءً ثقافياً تفاعلياً تتجاور فيه اللغة والطقس والرمز».

كما أسفرت أعمال الحفائر شرق المقبرة البطلمية رقم (67)، المُكتشفة خلال موسم 2024، عن فتح خندق يحتوي على 3 غرف مبنية من الحجر الجيري، لم يتبقَّ منها سوى أجزاء محدودة، وفق تصريحات رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار، محمد عبد البديع.

وقال عبد البديع إنّ «البعثة عثرت في الغرفة الأولى على لوح حجري وجرة كبيرة تحتوي على بقايا بشرية محروقة تعود لشخص بالغ، إلى جانب عظام طفل رضيع ورأس حيوان من فصيلة السنوريات، وجميعها كانت ملفوفة بقطع من النسيج»، في حين «احتوت الغرفة الثانية على جرّة مماثلة تضمّ بقايا شخصين محروقين، بالإضافة إلى عظام حيوان من الفصيلة نفسها».

وأكد وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، وفق البيان، أنّ «الكشف يُضاف إلى سلسلة الاكتشافات الأثرية المهمة التي شهدتها محافظة المنيا أخيراً، ممّا يعكس ثراء الحضارة المصرية عبر العصور وتنوّعها».

جانب من المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ووفق عبد البصير، فإنّ «الكشف يضيف بعداً جديداً إلى تاريخ البهنسا بوصفها مدينة الموتى المقدسة في مصر القديمة»، مشيراً إلى أنّ «كلّ طبقة تُكتشف هناك لا تروي فقط تاريخ مدينة، بل تكتب فصلاً جديداً في تاريخ الحضارة المصرية الممتدّ والمُتجدّد عبر العصور».

ويُذكر أنّ البهنسا عُرفت في المرحلة الرومانية باسم «بيمازيت»، وفتحها قيس بن الحارث المرادي عام 22 هجرية، وسُمّيت ولاية البهنسا في العصر الإسلامي، وكانت تمتدّ من منطقة الواسطى حتى سمالوط، واستمرّت عاصمة للإقليم حتى منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، وعُرفت بـ«أرض الشهداء» أو «البقيع الثاني»، نسبةً إلى الشهداء الذين لقوا حتفهم على أرضها خلال الفتح الإسلامي، حيث تضم، وفقاً لوزارة السياحة والآثار، 17 قبة ضريحية للصحابة والتابعين الصالحين، مثل قبة السبع بنات ومقام سيدي جعفر.


أنيت أوسترو لـ«الشرق الأوسط»: «البجعة الذهبية» رحلة إنسانية معقدة

المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
TT

أنيت أوسترو لـ«الشرق الأوسط»: «البجعة الذهبية» رحلة إنسانية معقدة

المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة النرويجية أنيت أوسترو إن فيلمها «البجعة الذهبية» جاء بعد رحلة طويلة من التفكير في الطريقة التي يمكن من خلالها سرد هذه القصة المعقدة، فمنذ اللحظة الأولى كانت تدرك أن واقعة قتل شقيقها على أيدي جماعات متطرفة تحمل أبعاداً متعددة، سواء على مستوى الصراع السياسي بين الهند وباكستان أو على مستوى التناول العائلي أو الدولي.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنها احتاجت وقتاً طويلاً لتحدد أي زاوية ستختار، قبل أن تحسم قرارها بالتركيز على قصة شقيقها هانز وحده، وما مرّ به خلال فترة احتجازه، لأن امتلاكها لكتاباته وقصائده التي دونها في تلك الفترة جعلها تميل إلى تقديم العمل من داخله، وليس من خارجه.

وأوضحت أنها لم تكن ترغب في تقديم فيلم تحقيقات أو عمل من نوعية «الجريمة الحقيقية»، لأنها تعرف بالفعل ما حدث، وتدرك قسوة النهاية، فالتقارير الإخبارية التي وثّقت الواقعة كانت كافية في عرض الجانب العنيف منها، مما جعلها تفضّل البحث عن لغة مختلفة، ولغة أكثر شاعرية وتجريداً، تعكس ما كتبه شقيقها بنفسه.

المخرجة النرويجية (الشركة المنتجة للفيلم)

ينطلق فيلم «البجعة الذهبية» الذي عرض في النسخة الماضية من مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية» من واقعة حقيقية تعود إلى عام 1995، لكنه لا يقدّمها بوصفها مجرد حدث سياسي أو أمني عابر، بل يعيد تفكيكها من الداخل، عبر تجربة إنسانية شديدة الخصوصية، من خلال رحلة داخلية يخوضها شاب نرويجي يبحث عن المعنى، قبل أن يجد نفسه أسيراً في قلب صراع معقد في كشمير.

تعتمد المخرجة أنيت أوسترو على رسائل وقصائد شقيقها هانز، التي كتبها خلال فترة أسره من قبل جماعة مسلحة اختطفته في الجانب الهندي من كشمير للضغط على الحكومة الهندية من أجل الإفراج عن سجناء، وشكلت هذه الرسائل العمود الفقري للسرد، ويتحول النص الشخصي إلى شهادة وجودية تتجاوز حدود الزمن والمكان، فبدلاً من التركيز على تفاصيل الجريمة أو المفاوضات السياسية، ينشغل الفيلم بما كان يدور داخل الإنسان نفسه، الخوف، الأمل، مقاومة الانكسار، ومحاولة التمسك بالإنسانية في مواجهة العنف، عبر مزج المخرجة بين الأرشيف العائلي، ولقطات الفيديو القديمة، والتصوير المعاصر، إلى جانب عناصر تعبيرية.

تؤكد المخرجة النرويجية أن التحدي الأكبر تمثل في كيفية التعامل مع الحزن الشخصي دون أن يطغى على بنية الفيلم، مشيرة إلى أن الحادث وقع عام 1995 وكان صدمة هائلة لها ولعائلتها، وأنها أمضت سنوات طويلة في محاولة التعايش مع هذا الفقد.

أرشيف شقيقها الراحل كان المرجع الرئيسي للفيلم (الشركة المنتجة)

وأضافت أنها عندما بدأت دراسة السينما كان يُطرح عليها دائماً سؤال حول متى ستصنع فيلماً عن شقيقها، لكنها لم تكن تملك الإجابة في ذلك الوقت، لافتة إلى أنها لم تكن مستعدة لخوض هذه التجربة إلا بعد مرور سنوات، وبعدما خاضت رحلة طويلة في التعامل مع مشاعرها.

وأكدت أنها عندما قررت أخيراً تنفيذ الفيلم، اضطرت للعودة إلى كل تفاصيل القضية والبحث فيها من جديد، وهو ما أدخلها في حالة من الحزن المتجدد، لكنها في الوقت نفسه وجدت طريقة للتعامل مع ذلك، فتعاملت مع نفسها ومع شقيقها بوصفهما شخصيتين داخل العمل، وليسا مجرد تجربة شخصية، مشيرة إلى أن هذا الفصل بين الذاتي والسينمائي ساعدها على عدم السماح للحزن بأن يسيطر على البناء الفني، لأن الفيلم ليس عن حزنها أو حزن عائلتها، بل عن تجربة شقيقها نفسه.

وأوضحت أنها خلال إعادة قراءة رسائل وقصائد شقيقها من منظور إخراجي، اكتشفت أشياء لم تكن قد أدركتها بالكامل من قبل، وفوجئت بمدى شجاعته وقوته الداخلية، لأنه رغم محاولاته المتكررة للهروب وما تعرض له من عقاب وعزلة، ظل متمسكاً برغبته في الحرية، والأهم من ذلك أنه لم يفقد إنسانيته، بل كان يحاول رؤية الجانب الإنساني حتى في من احتجزوه، وهذا الجانب تحديداً كان الأكثر تأثيراً بالنسبة لها.

وأضافت أن قراءة هذه النصوص في السابق كانت تمنحها نوعاً من العزاء، لكنها هذه المرة تعاملت معها بشكل مختلف، فقامت بتحليل كل كلمة وكل جملة، وهو ما كشف لها عمق التجربة التي عاشها شقيقها، لافتة إلى أنها قبل العمل على الفيلم لم تكن قد استوعبت بشكل كامل كيف كان يعالج خوفه داخلياً خلال فترة الاحتجاز.

قدمت المخرجة واقعة مقتل شقيقها من منظور مختلف في شريط وثائقي (الشركة المنتجة)

وأشارت أنيت أوسترو إلى أن مسألة تحويل الذاكرة الشخصية إلى عمل سينمائي كانت معقدة، لأن الذاكرة بطبيعتها ذاتية ومشحونة بالمشاعر، بينما السينما تفرض نوعاً من التنظيم وإعادة البناء، وهو ما جعلها تظل صادقة مع ذاكرتها، وفي الوقت نفسه تقدم فيلماً يحمل بنية واضحة.

كما تحدثت عن إدخال عنصر الرقص في الفيلم، موضحة أن شقيقها كان مهتماً بالرقص وسافر إلى الهند لتعلم أحد أشكاله، وهو ما دفعها للتفكير في استخدام الرقص وسيلةً تعبيريةً، مشيرةً إلى أنها في البداية فكرت في الاستعانة براقص رجل، لكنها شعرت أن ذلك لا يعكس الفكرة بشكل مناسب، قبل أن تقرر استخدام راقصة تجسد الحياة الداخلية للشخصية بشكل أكثر تجريداً، وهو ما ساعدها في التعبير عن مشاعر لا يمكن للكلمات أن تنقلها.

Your Premium trial has ended


مصر: النهاية السعيدة لقصة «إسلام الضائع» تتحول إلى «كابوس»

«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)
«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)
TT

مصر: النهاية السعيدة لقصة «إسلام الضائع» تتحول إلى «كابوس»

«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)
«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)

تحولت قصة الشاب المصري الذي يبحث عن أسرته الحقيقية بعد أن ثبت اختطافه وهو صغير، من النهاية السعيدة التي أعلنها قبل أيام بالعثور على أسرته، وأنه ينتمي إلى عائلة ليبية، إلى «كابوس» على حد وصفه، في فيديو على «تيك توك» أعلن فيه أنه قرأ نتيجة تحاليل «DNA» بطريقة خاطئة، وأنه لا ينتمي إلى العائلة الليبية، موجهاً الاعتذار إليهم وإلى كل مشاهديه ومتابعيه، طالباً منهم نسيان ما يسمى بـ«إسلام الضائع».

وارتبطت قصة الشاب إسلام الذي يبحث عن أسرته بقضية عُرفت باسم «عزيزة بنت إبليس» التي اختطفته رضيعاً من أحد المستشفيات بالإسكندرية لإيهام زوجها بأنه ابنها وأنها قادرة على الإنجاب، وكان إسلام ضحية ضمن ثلاث ضحايا آخرين اختطفتهم عزيزة التي تم الحكم عليها وعلى زوجها بالسجن.

وشاعت القصة واشتهرت بعد تناولها درامياً في مسلسل «حكاية نرجس» من بطولة الفنانة ريهام عبد الغفور، الذي تناول قصة الشاب إسلام، وكان اسمه في العمل الدرامي «يوسف»، وبعد انتهاء العمل الذي لاقى نجاحاً لافتاً بفترة قصيرة، أعلن إسلام أنه تعرف على عائلته، وحظي باهتمام كبير حين نشر صوره مع أسرة ليبية من قبيلة «الحراري» وقال إن له 21 أخاً وأختاً.

ثم عاد وأعلن خطأه في قراءة تحليل الحمض النووي موجهاً الاعتذار إلى متابعيه وإلى قبيلة «الحراري» الليبية التي اعتقد أنه ينتمي إليها.

وبينما أشار مؤسس صفحة «أطفال مفقودة» رامي الجبالي، إلى أن نتيجة تحليل الحمض النووي لإسلام والأسرة الليبية جاءت سلبية، وأن المعمل حاول التواصل معه لكنه لم يرد عليهم، لفتت تعليقات إلى أن إسلام عمد إلى نشر فيديوهات وصور مع من قال إنهم «عائلته الحقيقية» لحصد مكاسب على «تيك توك»، ثم أكد مؤسس صفحة «أطفال مفقودة» في تحديث لمنشوره أنه تواصل معه، وأن إسلام أخبره بأنه قرأ نتيجة التحاليل بالخطأ، متمنياً له التوفيق في إيجاد أسرته. وكتب على صفحته في «فيسبوك»: «الحمد لله يا إسلام أنك عرفت الحقيقة قبل أن يتكرر ما حصل مع العائلة الأخيرة وتكتشف بعد سنين أنهم ليسوا أسرتك».

إسلام الضائع مع الأسرة الليبية (فيسبوك)

الخبير في «السوشيال ميديا» والإعلام الرقمي، محمد فتحي، قال إن قصة «إسلام الضائع» تكشف عن كيف تتحول الحكايات الإنسانية سريعاً إلى «ترند جماهيري»، ثم إلى ساحة للاتهامات والتشكيك؛ فبين تعاطف واسع في البداية، وانقلاب مفاجئ بعد نتيجة تحليل الحمض النووي، ظهر اتهام بأنه يسعى للشهرة وركوب الموجة؛ لكن الواقع أكثر تعقيداً. مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «القصة في أصلها بحث حقيقي عن الهوية، إلا أن تضخيمها إعلامياً أسهم في رفع سقف التوقعات؛ ومع صدمة النتيجة، تحوّل الدعم إلى نقد قاسٍ».

في النهاية، لا يتحمل الفرد وحده المسؤولية، بل يشارك الجمهور والإعلام في صناعة «الترند»، ثم في هدمه بنفس السرعة؛ وهو ما جعل إسلام نفسه يدعو الناس لنسيانه، وفق تصريحات فتحي.

كان إسلام قد أعلن العثور على أسرته بعد رحلة بحث امتدت 43 عاماً، ولفت الانتباه بفيديوهات مواكبة لمسلسل «حكاية نرجس»، وطالب متابعيه على «تيك توك» بزيادة التفاعل والوصول لأرقام معينة، ووعدهم بعرض تفاصيل حكايته كاملة، ثم كشف عن توصله لجذوره الحقيقية وأنها تعود إلى ليبيا، قبل أن يظهر في بث مباشر ويقر بأن ما اكتشفه كان خطأ.

وترى أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، أن هذه القضية تشير إلى «ارتباك في الهوية والبحث عن الجذور، وهذا أمر إيجابي»، وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «الهدف من قصة الشاب الضائع هو البحث عن العائلة للشعور بالدفء والسعادة، لكن دون أن يكون في الأمر مخالفة أو خداع لأحد، قد يستغل البعض هذا الموضوع في الحصول على مكاسب بوسائل التواصل الاجتماعي، ما دام لم يعتدِ على أحد فلا مشكلة، خصوصاً أنه لم يؤذِ أحداً ولم يفعل شيئاً ضد الدين أو ضد القيم».