قصور تاريخية سعودية في طريق استعادة وهج الماضي والدور الثقافي

تعدّ هيئة التراث مرجعاً لآثار وتراث السعودية التي بناها الإنسان وأنتجها وكيّفها تبعاً لظروف بيئته وبقيت شاهدة على أثر التاريخ في الأرض (واس)
تعدّ هيئة التراث مرجعاً لآثار وتراث السعودية التي بناها الإنسان وأنتجها وكيّفها تبعاً لظروف بيئته وبقيت شاهدة على أثر التاريخ في الأرض (واس)
TT

قصور تاريخية سعودية في طريق استعادة وهج الماضي والدور الثقافي

تعدّ هيئة التراث مرجعاً لآثار وتراث السعودية التي بناها الإنسان وأنتجها وكيّفها تبعاً لظروف بيئته وبقيت شاهدة على أثر التاريخ في الأرض (واس)
تعدّ هيئة التراث مرجعاً لآثار وتراث السعودية التي بناها الإنسان وأنتجها وكيّفها تبعاً لظروف بيئته وبقيت شاهدة على أثر التاريخ في الأرض (واس)

قصر جبرة التاريخي زادته السنوات عراقة وثباتاً في أرض التاريخ، يتميز بإطلالته على حقل أخضر بمحاذاة ضفة أحد أودية الطائف، قامت أركانه منذ أكثر من ثلاثة عشر قرناً، وبقي صامداً في وجه الزمن، شاهداً على التاريخ. تحتفظ نقوش قصر جبرة الإسلامية ببراعة المعماريين في مرحلة تاريخية مهمة، حين قامت ثم دالت دولة الأمويين وبقي القصر نحتاً على وجه الأرض. قصر جبرة، يحمل اسم السيدة المخزومية، زوجة أمير مكة محمد بن هشام، أحد أمراء العهد الأموي، أصبح أخيراً في عهدة هيئة التراث السعودية لإعادة بعث المكان من طيّ التجاهل والنسيان إلى صدارة الظهور والحضور بوهج الماضي وإشعاع التاريخ.

بدأ مشروع نوعي لإعادة تأهيل وترميم القصور واستئناف إشعاعها الثقافي ودورها الحضاري في السعودية (واس)

وإلى جانب «جبرة» تضم مدينة الطائف عدداً من القصور التاريخية، فالطائف كانت بلدة مؤثرة وحاضرة في متن التاريخ، وتزخر بسجل حافل من الآثار، التي تعكس صلتها العميقة بفصول التاريخ، وعراقة المكان بوصفها بوابة للحرمين وموطناً لأقدم الأسواق العربية ومصيفاً ومقصداً لعِلية القوم عبر العصور.

ومن تلك القصور قصر الكعكي، الذي يقف شامخاً في المنطقة التاريخية بالطائف منذ نحو تسعة عقود، ناطقاً بإبداع العمارة الإسلامية والعربية، وبراعة الفنون الهندسية التي جمعت خشب العرعر، وحجر الغرانيت، والزجاج الملوّن، التي اجتمعت لتشكيل وبناء القصر على الطراز الروماني القديم، ومزجت روح مجتمع الحجاز في تصميم نوافذ القصر، وفي الزخارف الحجازية الممتدة حتى السطح. هناك أيضاً قصر البوقري، وهو تحفة معمارية على الطراز المحلي، بأعمدة من الحجر والأقواس المزيّنة بالنقوش الإسلامية، وسكنه آل بوقري.

وعلى الغرب من مدينة الطائف تقوم قصور ومواضع تاريخية مهمة، ارتبطت بقصة المسلمين في صدر الإسلام ومطلع العهد النبوي، مثل الموقع الذي شهد أول صلح في تاريخ الإسلام، حيث البئر والشجرة والمسجد الذي ارتبط بصلح الحديبية وبيعة الرضوان وغيرها من المواقع.

ومن المواقع التاريخية في خطة التأهيل الاكتشاف الأثري الجديد بمحافظة الحائط في منطقة حائل، حيث يجري حالياً تنفيذ مشروع «تأهيل موقع صخرة الملك البابلي نابونيد الثاني» لتمكين مجتمع المتخصصين والمهتمين، من الاطلاع من كثب على النقوش الصخرية التي تعود للملك البابلي نابونيد في منتصف القرن السادس قبل الميلاد، التي تُعطي دليلاً إضافياً على الدور التاريخي للجزيرة العربية وتواصلها الحضاري مع معظم حضارات الشرق الأدنى القديم.

قصر جبرة من أهم وأجمل معالم مدينة الطائف ويضم 3 طوابق وبهواً ضخماً وقبواً والعديد من الغرف (واس)

قصر جبرة... شاهد تاريخي وعمراني

ومؤخراً آلت ملكية عدد من القصور التراثية والمواقع التاريخية التي تزخر بها مناطق مختلفة في السعودية، إلى هيئة التراث السعودية، لتبدأ مشروعاً نوعياً لإعادة تأهيلها وترميمها واستئناف إشعاعها الثقافي ودورها الحضاري، شاهداً على تاريخ وعراقة المدن والمناطق السعودية التي احتفظت بملاحم وقصص وسيرة عربية وإسلامية سخيّة.

وقال أحمد الجعيد، مرشد سياحي ومنظم رحلات في الطائف، إن صدور الموافقة بنزع ملكية قصر جبرة وسواه، وإشراف هيئة التراث عليه سيساهم في المحافظة عليه والاستفادة منه كمعلم تاريخي بمحافظة الطائف، يمكن تحويله لمتحف أو مطعم تراثي، وتطوير الموقع والمحافظة عليه من الاندثار ليصبح أيقونة تاريخية ونقطة جذب سياحي مهمة. وقال الجعيد إن قصر جبرة، من أهم وأجمل معالم مدينة المصيف، التي تستحق المحافظة عليها، ويضم 3 طوابق وبهواً ضخماً والعديد من الغرف وقبواً، ومدخلاً مزيناً بالزخارف الجميلة، وتتوسط باحة القصر نافورة ماء. وقد صمدت ملامح شكله وأسلوب بنائه بالرغم من تقادم السنين عليه، وتعلو الجدران والسقوف كثير من نقوش النحت البديعة، وتحكي ردهاته تفاصيل تاريخ عريق امتد على مر السنين، وقد اتخذه الملك المؤسس عبد العزيز مقراً له لفترة من الزمن، وشهد أول لقاء له مع أول رئيس لمصر آنذاك محمد نجيب في عام 1952.

صمدت ملامح القصور بالرغم من تقادم السنين عليها وتحكي ردهاتها تفاصيل تاريخ عريق امتد على مر السنين (واس)

استئناف الدور الحضاري للمواقع التاريخية

وتمتلك المناطق السعودية سجلاً حافلاً من المواقع والآثار وبقايا العصور الماضية، تفطّنت له رؤية السعودية 2030 وإلى المقومات الهائلة التي تتمتع بها المملكة ولدورها في دعم التوجهات الثقافية والسياحية المتطلعة في البلاد. وتمثّل استراتيجية الآثار والتراث العمراني محاور في عمل الهيئة، لرعاية وتأهيل وصون كل ما شيّده الإنسان من مدن وقرى وأحياء ومبانٍ، وقطع لها قيمة عمرانية أو تاريخية وعلمية، أو ثقافية. ولوحظت خلال السنوات الست الأخيرة جهود السعودية في قطاعي التراث والسياحة، وتضمنت تطوير المحتوى التاريخي والتراثي المأهول بآثار الماضي وأطلال التاريخ، فيما يستمر السعي الدائب لتطوير جوانب أخرى، وتحقيق أهداف رؤية 2030 في هذا القطاع.

وتولّت هيئة التراث السعودية، ترميم نحو 32 موقعاً من أبرز المشاريع التراثية، إلى جانب مشاريع التدخل الطارئ من الهيئة في 18 موقعاً؛ تم إنجاز 11 موقعاً منها، ومشاريع للتدعيم الإنشائي وعددها 28 موقعاً، بالإضافة إلى مشروع توريد وتركيب اللوحات التعريفية والتحذيرية لجميع مناطق المملكة. وحول أبرز المشاريع المستقبلية للهيئة خلال عام 2023، تعتزم الهيئة العمل على 25 مشروعاً في مجال الآثار، و18 مشروعاً في مجال التراث العمراني، مع الاستمرار في استقبال البلاغات بشأن المواقع والمباني التراثية، وتعزيز دورها في الإشراف الفني عليها، إلى جانب توعية المواطنين بضرورة دراسة حالة كل مبنى.

البدء بتنفيذ مشروع تأهيل موقع صخرة الملك البابلي نابونيد الثاني لتمكين المتخصصين والمهتمين، من الاطلاع عليه (واس)

وقال ممدوح بن مزاوم، الباحث في النقوش الثمودية، إن صحاري وجبال ومدن السعودية، تزخر بكنوز من الآثار والنقوش، وتحتفظ بسردية غير عادية لتاريخ المنطقة ودورها عبر العصور، وإن حائل واحدة من المناطق السعودية التي حظي ثراها بصولة الحضارات ودولة الثقافات والأمم والمجتمعات، وإن إعادة الاعتبار لهذا التاريخ المدفون في الأرض، وإعادة بثّه من جديد لجمهور الناس والمتخصصين، يعزز من مكانة السعودية الجديرة والمستحقة في التاريخ، وتعمق البعد الحضاري للمملكة، وتعيد ارتباط المجتمع بتاريخ المنطقة وآثارها وحضارتها. وأكّد مزاوم، أن المبادرات السعودية في إعادة تأهيل المواضع التاريخية المهمة، سيكون له أثره في إشاعة ثقافة حب الموروث وحفظه وصيانته بين الناس، وزيادة دور السياحة الثقافية والتاريخية في الاقتصاد الوطني، وتعميق التنوع والثراء الثقافي الوطني، وإبراز ما تكتنزه أراضي المملكة من إرث مادي، فضلاً عن تشجيع الباحثين وأهل الاختصاص لإعادة اكتشاف هذه الكنوز التراثية.


مقالات ذات صلة

رسالة عبر الأطلسي غيَّرت العالم... بثّ 1926 أطلق عصر الاتصالات

يوميات الشرق رسالة عابرة للمحيط فتحت للإنسان صوتاً يصل بعيداً (متحف ماركوني)

رسالة عبر الأطلسي غيَّرت العالم... بثّ 1926 أطلق عصر الاتصالات

قبل قرن، غيَّرت رسالةٌ أُرسلت عبر المحيط الأطلسي إلى مقاطعة سومرست، طريقة التواصل في العالم...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق قلادة تحمل ثقل قرن من الفقدان (معرض مانشستر للفنون)

«جوهرة الحِداد» تفكّ شفرة لوحة غامضة بعد 400 عام

أُعيد اكتشاف «جوهرة حداد» تعود إلى عصر «هامنيت» (نجل شكسبير)، بعد مرور 4 قرون على تخليدها في إحدى أكثر اللوحات العائلية غموضاً وشهرة في بريطانيا...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الكلمات التي كُتبت يومها كانت تمشي نحو ما سيحدث (رويترز)

صفحات تعود إلى زمن لبناني واكبت فيه الكتابة قلق مشهد يتبدَّل

لا يبدو اختيار الباحثة والصحافية الدكتورة بسكال عازار شلالا لموضوعها سهلاً. فالاقتراب من تلك المرحلة يحتاج إلى جهد بحثي شديد الحساسية...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق رسومات صغيرة... بعيدة عن الحرب (بيت بيروت)

«بيت بيروت» في الحرب: لقاء النزوح بذاكرة المدينة

«بيت بيروت» الذي مثَّل ذات يوم «خطاً للفصل»، يجري العمل على تحويله «مساحةً للقاء»...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق زمن متجمّد في عقارب ساعة (هانسونز للمزادات)

ساعة نجاة من «تيتانيك» تعود بعد قرن

تُعرَض ساعة جيب ذهبية تعود إلى أحد أبطال كارثة سفينة «تيتانيك» للبيع بنحو 100 ألف جنيه إسترليني في مزاد علني، وفق ما نقلت «بي بي سي» عن القائمين على بيعها.

«الشرق الأوسط» (لندن)

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
TT

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)

لقيت امرأة تبلغ 58 عاماً حتفها بعدما هاجمها دبّ في جنوب شرقي بولندا، اليوم الخميس، حسب ما صرح المسؤول الإعلامي في مركز إدارة الإطفاء الحكومية في سانوك لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح بافل غيبا أن بلاغاً ورد إلى إدارة الإطفاء «أشار إلى مهاجمة دب امرأة في قرية بلونا».

وقد قدم البلاغ ابن المرأة. وأُرسلت ثلاث فرق إغاثة وشرطة إلى مكان الحادث، لكنهم «لم يقدموا الإسعافات الأولية نظراً لخطورة إصابات المرأة». وتأخر وصولهم بسبب «وعورة التضاريس وعدم توافر معلومات دقيقة عن الموقع». وعند وصولهم أعلن المسعفون وفاة المرأة في مكان الحادث، وفق بافل.

يبلغ عدد الدببة البنية في بولندا نحو 100 دب، 80 في المائة منها في منطقة بيشتشادي الجبلية حيث وقع الهجوم الخميس، وفقاً لبيانات الحكومة البولندية لعام 2024.

لكن تبقى الهجمات المميتة قليلة جداً إذ يعود آخرها إلى عام 2014، حسب وسائل إعلام محلية.


«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
TT

«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)

رصد «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة»، في دورته العاشرة، صورة المرأة في السينما العربية. كما احتفى، ضمن الكتاب الصادر بهذه المناسبة بعنوان «عدسة ومرآة»، بتألق صانعات السينما في السعودية، في مجالات متعددة تشمل الإخراج، والتمثيل، وكتابة السيناريو.

وأبرز الكتاب السنوي الصادر عن المهرجان، ضمن تقرير «صورة المرأة في السينما العربية»، من إعداد الناقدة الفنية المصرية أمنية عادل، أدوارَ عدد من صانعات السينما السعوديات، عبر دراسة للناقدة السعودية نور هشام السيف. وقدّمت الدراسة رؤية بانورامية تُفكِّك الإنتاج السينمائي السعودي لعام 2025، سواء من خلال أفلام لمخرجات مثل «هجرة» للمخرجة شهد أمين، و«المجهولة» للمخرجة هيفاء المنصور، أو عبر أدوار البطولة النسائية في أفلام مثل «مسألة حياة أو موت» للمخرج أنس باطهف، و«جرس إنذار 2» للمخرج عبد الله بامجبور.

ويطرح التقرير تساؤلات حول طبيعة الأدوار التي تؤديها النساء في صناعة السينما السعودية، مشيراً إلى تباين القيم السينمائية بين الأصالة والتجريب.

ولفت التقرير إلى أن السينما السعودية، منذ نشأتها وحتى السنوات الأخيرة، بعد أن استعادت الصناعة عافيتها، وأصبحت قائمة بذاتها، شهدت بروز عدد من الأسماء المهمة لصانعات الأفلام، من بينهن هيفاء المنصور، ووعد كامل، وهناء العمير، وضياء يوسف، وهند الفهاد، وغيرهن. كما تطرّق إلى البدايات الأولى التي اتسمت بمحاولات إنتاجية متواضعة، وصولاً إلى ما تقدّمه الأصوات النسائية الجديدة اليوم، مدعومة بمؤسسات متعددة، وحاصدة احتفاءً محلياً ودولياً، إلى جانب ترسيخ حضور الفنانة السعودية عبر مشاركاتها في الفعاليات، والمهرجانات العالمية.

فيلم «هجرة» يعرض ضمن «مهرجان أسوان» (إدارة المهرجان)

وتناول التقرير تجربة المخرجة السعودية هيفاء المنصور، منذ انطلاقتها بفيلم «وجدة» (2012)، مروراً بفيلم «المرشحة المثالية» (2019)، ووصولاً إلى فيلم «المجهولة» (2025) الذي ينتمي إلى السرد البوليسي. كما توقّف عند تجربة الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرجة والكاتبة السعودية شهد أمين «هجرة»، والمعروض ضمن فعاليات «مهرجان أسوان»، موضحاً أن الفيلم، الذي يتناول رحلة حج ضمن دائرة نسائية تقودها الجدة «ستي»، يمثّل مفترق طرق في السينما السعودية، من خلال صورة بصرية متقنة، وفرق إنتاج محترفة، وتوظيف تقنيات على مستوى عالمي.

وفيما يخص فيلم «مسألة حياة أو موت»، الذي عُرض في الدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي»، أشار التقرير إلى أنه ينتمي إلى الكوميديا الرومانسية ذات الطابع السوداوي الفانتازي، وهو من إخراج أنس باطهف، وتأليف وبطولة سارة طيبة، والتي برز اسمها خلال السنوات الأخيرة بوصفها كاتبة وممثلة سعودية.

كما يأتي فيلم «جرس إنذار 2 – الحفرة» بوصفه دراما تشويقية مدرسية موجّهة إلى فئة الشباب، من إخراج عبد الله بامجبور، وسيناريو مريم الهاجري، وهيفاء السيد. وقد سبق للهاجري العمل في الدراما التلفزيونية الخليجية، ما يعكس توجّهاً نحو إضفاء حسّ أنثوي على العمل، مع الحفاظ على إيقاع يتناسب مع جمهور المنصة التي يُعرض عليها الفيلم.

وشهد المهرجان، في دورته العاشرة، مشاركة 65 فيلماً من 34 دولة، إلى جانب تنظيم عدد من الفعاليات التي ناقشت صناعة الأفلام، وعلاقة الفن بقضايا المجتمع، لا سيما قضايا المرأة. كما كرّم المهرجان عدداً من نجمات الفن والعمل العام.


إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
TT

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً، موضحة أن القصة تتبع عالِمة نفس جنائي تعيش في الولايات المتحدة، تضطر إلى العودة إلى بلدها بلغاريا بعد أن ترث أباً لم تكن تعرفه من قبل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن البطلة تجد نفسها أمام مسؤولية غير متوقعة؛ إذ يتعين عليها الإشراف على دفن جثمان الأب الذي تُرك متحللاً لأشهر في إحدى المشارح، ولا تستطيع الدولة دفنه من دون توقيعها بصفتها الوريثة الوحيدة؛ وهو ما يشكل الحدث المفجر لمسار الحكاية.

وأوضحت بيتروفا أن الفيلم يدور في إطار زمني ضيق نسبياً؛ إذ تمتد أحداثه على مدار أسبوع واحد فقط، ما يجعل مساحة التغيير الظاهر في شخصية البطلة محدودة، لكنها ترى أن ما يحدث خلال هذا الأسبوع يترك أثراً عميقاً في حياتها، فالتحول الحقيقي في الشخصية قد لا يبدو كبيراً خلال هذا الزمن القصير، لكن إذا التقى بها المشاهد بعد سنوات فسيكتشف أنها أصبحت شخصاً مختلفاً تماماً نتيجة ما مرت به خلال تلك الأيام.

وعن تجربتها في كتابة هذا النوع من القصص، قالت إن نقطة البداية غالباً ما تكون إحساساً شخصياً عميقاً أو حالة صدمة تسعى إلى فهمها أو معالجتها داخلياً؛ لذا الرابط الشخصي بالنسبة لها عنصر أساسي في أي مشروع سينمائي تعمل عليه، وهو ارتباط لا يعني بالضرورة أن تكون القصة سيرة ذاتية، بل يتعلق أكثر بالطابع الإنساني العام وبالسؤال الداخلي الذي لا يمنحها السلام ويدفعها إلى البحث عنه من خلال صناعة فيلم.

المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا (الشركة المنتجة للفيلم)

وأضافت أن عملية الكتابة تبدأ عادةً من هذا الشعور الغامض أو اللغز الذي يصعب تفسيره، ثم تتحول تدريجياً إلى مرحلة بحث أعمق لفهم العالم الذي تدور فيه القصة وتحديد الإطار الواقعي الذي يمكن أن تتحرك داخله الشخصيات، فالبحث لا يقتصر على المعلومات أو التفاصيل الواقعية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الجانب النفسي والعاطفي للشخصيات حتى تبدو حقيقية وقادرة على التواصل مع الجمهور.

وفيما يتعلق بفيلم «الضائعة» تحديداً، أشارت إلى أنها أمضت وقتاً طويلاً في زيارة مجموعات علاج الإدمان، مثل المجموعات التي تعمل وفق برنامج «الاثنتي عشر خطوة» للتعافي، موضحة أنها حضرت اجتماعات مختلفة ضمت رجالاً ونساءً ومجموعات مختلطة، واستمعت إلى عدد كبير من القصص الشخصية التي ترتبط بشكل غير مباشر بالموضوع الذي كانت ترغب في الكتابة عنه.

وقالت إيزابيلا بيتروفا إن هذه الزيارات شكلت جزءاً مهماً من البحث العاطفي والنفسي الذي احتاجت إليه من أجل بناء شخصية صادقة وحقيقية، مؤكدة أنها كانت تسعى إلى رسم شخصية تمتلك عمقاً إنسانياً وتعبّر عن مشاعرها بطريقة طبيعية، من دون الوقوع في فخ الشرح المباشر أو التحليل النفسي المبالغ فيه.

وأضافت أن ما جذبها في تلك المجموعات هو طبيعة المساحة الإنسانية التي توفرها؛ إذ يقوم هذا النوع من الاجتماعات على مشاركة التجارب الشخصية من موقع هش وصادق للغاية، وهو ما يُعرف أحياناً بـ«الصدق الجذري»، وهذا النوع من الصراحة نادر في الحياة اليومية؛ لأن الناس في العادة لا يتواصلون بهذه الدرجة من الانكشاف أو الصدق، لذلك كانت هذه التجربة بالنسبة لها فرصة نادرة للاستماع إلى قصص حقيقية لا تتاح عادة في السياقات الاجتماعية التقليدية.

عملت المخرجة على الجوانب النفسية خلال التحضير للفيلم (الشركة المنتجة للفيلم)

وأكدت بيتروفا أن الاستماع إلى تلك القصص ساعدها على فهم أعمق لفكرة الهروب من الماضي ومحاولة مواجهته، وهي الفكرة التي تشكل العمود الفقري لفيلمها، فكثير من الأشخاص الذين التقتهم كانوا يتحدثون عن تجارب معقدة تتعلق بالعائلة والندم والبحث عن الغفران، وهي موضوعات تتقاطع بشكل مباشر مع رحلة البطلة في الفيلم.

وعدَّت أن هدفها من هذا البحث لم يكن نقل تلك القصص حرفياً إلى السيناريو، بل محاولة فهم الحالة الإنسانية التي تقف خلفها، وكيف يمكن ترجمة تلك المشاعر إلى لغة سينمائية قادرة على التعبير عن التوتر الداخلي للشخصية، انطلاقاً من حرصها على أن تبقى القصة مفتوحة على التأويل، بحيث يشعر المشاهد أنه يشارك في اكتشاف الشخصية وفهمها بدلاً من تلقي تفسير جاهز لكل ما يحدث.

وعن مشاركتها في مهرجان «برلين السينمائي»، قالت إن عرض الفيلم ضمن قسم «المنتدى» يمثل بالنسبة لها فرصة مهمة لمشاركة العمل مع جمهور دولي متنوع؛ لأن هذا النوع من المهرجانات يتيح مساحة للحوار حول الأفلام التي تتناول قضايا إنسانية معقدة، كما يمنح صناعها فرصة لسماع ردود فعل مختلفة قد تسهم في قراءة العمل من زوايا جديدة.