قصور تاريخية سعودية في طريق استعادة وهج الماضي والدور الثقافي

تعدّ هيئة التراث مرجعاً لآثار وتراث السعودية التي بناها الإنسان وأنتجها وكيّفها تبعاً لظروف بيئته وبقيت شاهدة على أثر التاريخ في الأرض (واس)
تعدّ هيئة التراث مرجعاً لآثار وتراث السعودية التي بناها الإنسان وأنتجها وكيّفها تبعاً لظروف بيئته وبقيت شاهدة على أثر التاريخ في الأرض (واس)
TT

قصور تاريخية سعودية في طريق استعادة وهج الماضي والدور الثقافي

تعدّ هيئة التراث مرجعاً لآثار وتراث السعودية التي بناها الإنسان وأنتجها وكيّفها تبعاً لظروف بيئته وبقيت شاهدة على أثر التاريخ في الأرض (واس)
تعدّ هيئة التراث مرجعاً لآثار وتراث السعودية التي بناها الإنسان وأنتجها وكيّفها تبعاً لظروف بيئته وبقيت شاهدة على أثر التاريخ في الأرض (واس)

قصر جبرة التاريخي زادته السنوات عراقة وثباتاً في أرض التاريخ، يتميز بإطلالته على حقل أخضر بمحاذاة ضفة أحد أودية الطائف، قامت أركانه منذ أكثر من ثلاثة عشر قرناً، وبقي صامداً في وجه الزمن، شاهداً على التاريخ. تحتفظ نقوش قصر جبرة الإسلامية ببراعة المعماريين في مرحلة تاريخية مهمة، حين قامت ثم دالت دولة الأمويين وبقي القصر نحتاً على وجه الأرض. قصر جبرة، يحمل اسم السيدة المخزومية، زوجة أمير مكة محمد بن هشام، أحد أمراء العهد الأموي، أصبح أخيراً في عهدة هيئة التراث السعودية لإعادة بعث المكان من طيّ التجاهل والنسيان إلى صدارة الظهور والحضور بوهج الماضي وإشعاع التاريخ.

بدأ مشروع نوعي لإعادة تأهيل وترميم القصور واستئناف إشعاعها الثقافي ودورها الحضاري في السعودية (واس)

وإلى جانب «جبرة» تضم مدينة الطائف عدداً من القصور التاريخية، فالطائف كانت بلدة مؤثرة وحاضرة في متن التاريخ، وتزخر بسجل حافل من الآثار، التي تعكس صلتها العميقة بفصول التاريخ، وعراقة المكان بوصفها بوابة للحرمين وموطناً لأقدم الأسواق العربية ومصيفاً ومقصداً لعِلية القوم عبر العصور.

ومن تلك القصور قصر الكعكي، الذي يقف شامخاً في المنطقة التاريخية بالطائف منذ نحو تسعة عقود، ناطقاً بإبداع العمارة الإسلامية والعربية، وبراعة الفنون الهندسية التي جمعت خشب العرعر، وحجر الغرانيت، والزجاج الملوّن، التي اجتمعت لتشكيل وبناء القصر على الطراز الروماني القديم، ومزجت روح مجتمع الحجاز في تصميم نوافذ القصر، وفي الزخارف الحجازية الممتدة حتى السطح. هناك أيضاً قصر البوقري، وهو تحفة معمارية على الطراز المحلي، بأعمدة من الحجر والأقواس المزيّنة بالنقوش الإسلامية، وسكنه آل بوقري.

وعلى الغرب من مدينة الطائف تقوم قصور ومواضع تاريخية مهمة، ارتبطت بقصة المسلمين في صدر الإسلام ومطلع العهد النبوي، مثل الموقع الذي شهد أول صلح في تاريخ الإسلام، حيث البئر والشجرة والمسجد الذي ارتبط بصلح الحديبية وبيعة الرضوان وغيرها من المواقع.

ومن المواقع التاريخية في خطة التأهيل الاكتشاف الأثري الجديد بمحافظة الحائط في منطقة حائل، حيث يجري حالياً تنفيذ مشروع «تأهيل موقع صخرة الملك البابلي نابونيد الثاني» لتمكين مجتمع المتخصصين والمهتمين، من الاطلاع من كثب على النقوش الصخرية التي تعود للملك البابلي نابونيد في منتصف القرن السادس قبل الميلاد، التي تُعطي دليلاً إضافياً على الدور التاريخي للجزيرة العربية وتواصلها الحضاري مع معظم حضارات الشرق الأدنى القديم.

قصر جبرة من أهم وأجمل معالم مدينة الطائف ويضم 3 طوابق وبهواً ضخماً وقبواً والعديد من الغرف (واس)

قصر جبرة... شاهد تاريخي وعمراني

ومؤخراً آلت ملكية عدد من القصور التراثية والمواقع التاريخية التي تزخر بها مناطق مختلفة في السعودية، إلى هيئة التراث السعودية، لتبدأ مشروعاً نوعياً لإعادة تأهيلها وترميمها واستئناف إشعاعها الثقافي ودورها الحضاري، شاهداً على تاريخ وعراقة المدن والمناطق السعودية التي احتفظت بملاحم وقصص وسيرة عربية وإسلامية سخيّة.

وقال أحمد الجعيد، مرشد سياحي ومنظم رحلات في الطائف، إن صدور الموافقة بنزع ملكية قصر جبرة وسواه، وإشراف هيئة التراث عليه سيساهم في المحافظة عليه والاستفادة منه كمعلم تاريخي بمحافظة الطائف، يمكن تحويله لمتحف أو مطعم تراثي، وتطوير الموقع والمحافظة عليه من الاندثار ليصبح أيقونة تاريخية ونقطة جذب سياحي مهمة. وقال الجعيد إن قصر جبرة، من أهم وأجمل معالم مدينة المصيف، التي تستحق المحافظة عليها، ويضم 3 طوابق وبهواً ضخماً والعديد من الغرف وقبواً، ومدخلاً مزيناً بالزخارف الجميلة، وتتوسط باحة القصر نافورة ماء. وقد صمدت ملامح شكله وأسلوب بنائه بالرغم من تقادم السنين عليه، وتعلو الجدران والسقوف كثير من نقوش النحت البديعة، وتحكي ردهاته تفاصيل تاريخ عريق امتد على مر السنين، وقد اتخذه الملك المؤسس عبد العزيز مقراً له لفترة من الزمن، وشهد أول لقاء له مع أول رئيس لمصر آنذاك محمد نجيب في عام 1952.

صمدت ملامح القصور بالرغم من تقادم السنين عليها وتحكي ردهاتها تفاصيل تاريخ عريق امتد على مر السنين (واس)

استئناف الدور الحضاري للمواقع التاريخية

وتمتلك المناطق السعودية سجلاً حافلاً من المواقع والآثار وبقايا العصور الماضية، تفطّنت له رؤية السعودية 2030 وإلى المقومات الهائلة التي تتمتع بها المملكة ولدورها في دعم التوجهات الثقافية والسياحية المتطلعة في البلاد. وتمثّل استراتيجية الآثار والتراث العمراني محاور في عمل الهيئة، لرعاية وتأهيل وصون كل ما شيّده الإنسان من مدن وقرى وأحياء ومبانٍ، وقطع لها قيمة عمرانية أو تاريخية وعلمية، أو ثقافية. ولوحظت خلال السنوات الست الأخيرة جهود السعودية في قطاعي التراث والسياحة، وتضمنت تطوير المحتوى التاريخي والتراثي المأهول بآثار الماضي وأطلال التاريخ، فيما يستمر السعي الدائب لتطوير جوانب أخرى، وتحقيق أهداف رؤية 2030 في هذا القطاع.

وتولّت هيئة التراث السعودية، ترميم نحو 32 موقعاً من أبرز المشاريع التراثية، إلى جانب مشاريع التدخل الطارئ من الهيئة في 18 موقعاً؛ تم إنجاز 11 موقعاً منها، ومشاريع للتدعيم الإنشائي وعددها 28 موقعاً، بالإضافة إلى مشروع توريد وتركيب اللوحات التعريفية والتحذيرية لجميع مناطق المملكة. وحول أبرز المشاريع المستقبلية للهيئة خلال عام 2023، تعتزم الهيئة العمل على 25 مشروعاً في مجال الآثار، و18 مشروعاً في مجال التراث العمراني، مع الاستمرار في استقبال البلاغات بشأن المواقع والمباني التراثية، وتعزيز دورها في الإشراف الفني عليها، إلى جانب توعية المواطنين بضرورة دراسة حالة كل مبنى.

البدء بتنفيذ مشروع تأهيل موقع صخرة الملك البابلي نابونيد الثاني لتمكين المتخصصين والمهتمين، من الاطلاع عليه (واس)

وقال ممدوح بن مزاوم، الباحث في النقوش الثمودية، إن صحاري وجبال ومدن السعودية، تزخر بكنوز من الآثار والنقوش، وتحتفظ بسردية غير عادية لتاريخ المنطقة ودورها عبر العصور، وإن حائل واحدة من المناطق السعودية التي حظي ثراها بصولة الحضارات ودولة الثقافات والأمم والمجتمعات، وإن إعادة الاعتبار لهذا التاريخ المدفون في الأرض، وإعادة بثّه من جديد لجمهور الناس والمتخصصين، يعزز من مكانة السعودية الجديرة والمستحقة في التاريخ، وتعمق البعد الحضاري للمملكة، وتعيد ارتباط المجتمع بتاريخ المنطقة وآثارها وحضارتها. وأكّد مزاوم، أن المبادرات السعودية في إعادة تأهيل المواضع التاريخية المهمة، سيكون له أثره في إشاعة ثقافة حب الموروث وحفظه وصيانته بين الناس، وزيادة دور السياحة الثقافية والتاريخية في الاقتصاد الوطني، وتعميق التنوع والثراء الثقافي الوطني، وإبراز ما تكتنزه أراضي المملكة من إرث مادي، فضلاً عن تشجيع الباحثين وأهل الاختصاص لإعادة اكتشاف هذه الكنوز التراثية.


مقالات ذات صلة

مليون عمل... وكنوز الفنّ العام البريطاني لم تُكشف بعد

يوميات الشرق إعادة وصل الجمهور بكنوز لم تُرَ من قبل (آرت يو كيه)

مليون عمل... وكنوز الفنّ العام البريطاني لم تُكشف بعد

تتجلَّى مجموعة الفنّ العام في المملكة المتحدة على هيئة عالم ثري ومتنوّع على نحو لافت...

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الملكة البريطانية إليزابيث الثانية تلوّح بيدها من شرفة قصر باكنغهام محاطة بابنيها الأمير تشارلز أمير ويلز (على اليسار) والأمير أندرو دوق يورك (على اليمين) عقب عرض عيد ميلاد الملكة في وسط لندن يوم 15 يونيو 2013 (أ.ف.ب)

بعد توقيف الأمير أندرو... ما أكبر الفضائح الملكية في التاريخ البريطاني؟

ليس توقيف الأمير أندرو، المرة الأولى التي تمرّ فيها النسخة الحالية من الملكية البريطانية، أسرة وندسور، بأزمة خلال القرن الماضي تهدّد مستقبل المؤسسة العريقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا أكاليل الزهور على واجهة السفارة الروسية في برلين عاصة ألمانيا يوم 16 فبراير 2026 تكريماً للمعارض الروسي أليكسي نافالني في الذكرى السنوية الثانية لوفاته (رويترز)

الاغتيال بالسم... أسلوب للاستخبارات الروسية تستخدمه منذ عقود

أعادت نتائج تحقيق أوروبي خلص إلى أن المعارض الروسي أليكسي نافالني قضى مسموماً بمادة نادرة في السجن عام 2024، تسليط الضوء على استخدام موسكو للسموم.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق بعض الاكتشافات تُعيد إلى الماضي وجهه الإنساني (جامعة لانكشاير)

حلُّ لغز عمره 11 ألف عام: أقدم «إنسان كهوف» في شمال إنجلترا ليس رجلاً

في كشف أثري لافت يُعيد رسم ملامح أقدم فصول الاستيطان البشري في شمال إنجلترا، تَبيَّن أن أقدم «إنسان كهوف» معروف في تلك المنطقة لم يكن رجلاً...

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا طائرة ركاب من طراز إيرباص تابعة لشركة «لوفتهانزا» تقلع من مطار مالقة كوستا ديل سول في مالقة بإسبانيا 3 مايو 2024 (رويترز)

مجموعة «لوفتهانزا» الألمانية للطيران تقر بأنها كانت جزءاً من الحكم النازي

أقرت مجموعة «لوفتهانزا» الألمانية للطيران بمسؤوليتها التاريخية خلال فترة الحكم النازي في ألمانيا (1933 - 1945).

«الشرق الأوسط» (برلين)

ساشا فايدر: استلهمت فيلم «حين يسقط الضوء» من وفاة أمي

قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)
قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)
TT

ساشا فايدر: استلهمت فيلم «حين يسقط الضوء» من وفاة أمي

قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)
قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)

في فيلمه الروائي الأول «حين يسقط الضوء» يقترب المخرج الألماني ساشا فايدر من أكثر اللحظات إنسانية وهشاشة في حياة أي أسرة، وهي لحظة انتظار الفقد. لا يذهب الفيلم إلى الميلودراما ولا يعتمد على مشاهد صاخبة أو انفعالات حادة، بل يختار منطقة الصمت الذي يسبق الوداع، والإنكار الذي يسبق الاعتراف.

تدور أحداث الفيلم، الذي عرض للمرة الأولى عالمياً ضمن فعاليات النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، في أطراف العاصمة الألمانية، حيث يعيش «إيلاي»، فتى في السادسة عشرة، حياة تبدو عادية في ظاهرها، يعمل في مركز لوجيستي، يؤدي خدمة مجتمعية، يلتقي أصدقاءه عند البحيرة، ويتصرف كما لو أن العالم يسير بإيقاعه الطبيعي، لكن داخل البيت، هناك زمن آخر، والدته «ماريا» ترقد في أيامها الأخيرة، جسدها يضعف بهدوء، بينما يرفض الابن أن يمنح الفكرة اسمها الحقيقي.

الفيلم لا يلاحق المرض بوصفه حدثاً طبياً، بل يلاحق أثره النفسي، «إيلاي» لا يبكي ولا ينهار، بل يتعامل بشكل مغاير، يسهر ليلاً، يتجول في المدينة بلا هدف، كأنه يحاول أن يهرب من جدران البيت التي تذكّره بما يحدث. في لحظة اندفاع، يسرق كلباً في تصرف يبدو عبثياً، لكنه في العمق محاولة للتشبث بالحياة، أو لإثبات أن شيئاً ما زال تحت سيطرته.

ركز العمل على جوانب إنسانية عدة - الشر(الشركة المنتجة)

لا يقتصر البناء الدرامي على علاقة الأم بابنها، بل يمنح مساحة شديدة الأهمية لشخصية «آنا»، الممرضة المكسيكية التي تتولى رعاية ماريا في أيامها الأخيرة، فهي عنصر توازن إنساني بين طرفين يتعاملان مع الموت بطريقتين متناقضتين.

«ماريا» تقترب من النهاية بهدوء مستسلم، و«إيلاي» يهرب منها بإنكار صامت، بينما تقف «آنا» في المنتصف، تعرف الحقيقة، تعترف بها، لكنها تحاول أن تجعلها أقل قسوة، فهي الشاهد الأكثر قرباً على التحول البطيء في الجسد، وعلى التصدع الذي يصيب الابن من الداخل.

يقول المخرج الألماني ساشا فايدر لـ«الشرق الأوسط» إن فكرة الفيلم انطلقت من تجربة شخصية، بعد وفاة والدته التي كانت لحظة فاصلة في حياته، لكنها لم تتحول إلى حكاية مباشرة على الشاشة، مشيراً إلى أن ما شغله لم يكن حدث الرحيل ذاته، بل الأيام التي سبقته، حين يعيش الإنسان بين تصديق الحقيقة ورفضها في الوقت نفسه.

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

وأوضح أن فقدان والدته جعله يعيد التفكير في معنى الزمن، لأن الساعات الأخيرة لا تُقاس بالدقائق، بل بثقلها العاطفي، معتبراً أن أصعب ما مرَّ به لم يكن إعلان الوفاة، بل الشعور بالعجز أمام معاناة شخص يحبه، وهو إحساس حاول أن ينقله إلى شخصية «إيلاي» من دون مبالغة أو خطاب مباشر.

وأضاف أن الإنكار في الفيلم ليس موقفاً فكرياً، بل رد فعل إنساني غريزي، لأن كثيرين، خاصة في سن المراهقة، لا يعرفون كيف يواجهون فكرة الفقد، فيختارون الهروب أو التصرف بعدوانية صامتة، مشيراً إلى أن «إيلاي» لا يرفض أمه، بل يرفض فكرة غيابها، ولهذا يتمسك بإيمانه بأن الموت ليس نهاية حاسمة.

وفاة والدة المخرج سبب إلهامه بفكرة العمل (الشركة المنتجة)

وأشار فايدر إلى أنه تعمَّد الابتعاد عن المشاهد العاطفية التقليدية، لأن الحزن الحقيقي غالباً ما يكون هادئاً وأكثر اللحظات صدقاً في حياته لم تكن تلك التي انفجر فيها بالبكاء، بل تلك التي شعر فيها بفراغ داخلي عميق، لا يجد له تفسيراً. لذلك ترك مساحات واسعة للصمت في الفيلم، معتبراً أن الصمت أحياناً أبلغ من أي حوار.

وتحدث المخرج عن علاقته بوالدته، قائلاً إنها «لم تكن فقط مصدر إلهام، بل كانت سبباً في إعادة صياغة نظرته إلى الحياة»، لافتاً إلى أن السينما منحته فرصة لفهم مشاعره بدلاً من الهروب منها، وأن «حين يسقط الضوء» هو محاولة لمصالحة داخلية أكثر منه استعادة لذكرى شخصية.

يؤكد ساشا فايدر أن العمل مع ممثلين غير محترفين كان أحد أكبر التحديات في فيلمه، إذ يعتمد بشكل أساسي على اختيار وجوه من الشارع بدلاً من الأسماء المعروفة، وهي عملية لا تتم بسرعة، بل تمتد لما يقارب سنة ونصف إلى عامين، وتتطلب قدراً كبيراً من الصبر والمثابرة.

المخرج الألماني (مهرجان برلين)

ويشير فايدر إلى أن اختيار الممثلين يتم عبر عملية منظمة تشمل تجارب أداء وبروفات متعددة، إلى جانب فريق متخصص في البحث عن مواهب جديدة في أماكن مختلفة، من الشارع إلى المؤسسات مثل المستشفيات، حيث تم اختيار إحدى المشاركات في الفيلم. بعد ذلك يخضع المتقدمون لاختبارات وتدريبات قبل أن يُحسم القرار النهائي بناء على مدى الانسجام بينهم وقدرتهم على الاندماج في العالم الذي يبنيه الفيلم، وهو مسار يتطلب دقة وحساسية كبيرة في التعامل مع أشخاص يخوضون تجربتهم التمثيلية الأولى.


خالد سرحان: «المداح 6» ملحمة درامية مليئة بالأحداث

خالد سرحان يشارك في دراما رمضان (صفحته على «فيسبوك»)
خالد سرحان يشارك في دراما رمضان (صفحته على «فيسبوك»)
TT

خالد سرحان: «المداح 6» ملحمة درامية مليئة بالأحداث

خالد سرحان يشارك في دراما رمضان (صفحته على «فيسبوك»)
خالد سرحان يشارك في دراما رمضان (صفحته على «فيسبوك»)

أكد الممثل المصري، خالد سرحان، أن وجوده في الدراما الرمضانية بتجربتين مختلفتين أمر لم يكن مخططاً له في البداية، لكنه جاء بالمصادفة، لحماسه للمشاركة في «المداح 6»، و«وننسى اللي كان»، مع اختلاف طبيعة الدورين اللذين يقدمهما.

وعن مشاركته في مسلسل «وننسى اللي كان»، قال خالد سرحان، لـ«الشرق الأوسط»، إن «العمل عُرِض عليَّ من السيناريست عمرو محمود ياسين، الذي أحب الاشتراك في التجارب التي يكتبها، كما اشتركتُ من قبل مع ياسمين عبد العزيز في عدة أعمال بين السينما والتلفزيون، وتربطنا نجاحات متميزة».

وأضاف أن «ياسمين ممثلة محترفة، ولديها حضور جماهيري كبير بالعالم العربي، والتمثيل أمامها يكون فرصة لتقديم تجربة متماسكة فنيّاً، وهو ما يعززه وجود المخرج محمد الخبيري الذي يمتلك رؤية إخراجية واعية للتعامل مع سيناريو العمل».

وأوضح أنه وجد في المسلسل تجربة درامية تتوفَّر فيها عناصر النجاح، على جميع المستويات منذ قراءة السيناريو للمرة الأولى، مشيراً إلى أن شخصية شاهر الجبالي التي يقدمها من الأدوار المركَّبة التي جلس للنقاش بشأنها مع المؤلف.

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)

وأضاف أنه حاول العمل على الدور من عدة جوانب، بهدف إبراز سلسلة من الصراعات النفسية والمهنية المعقدة التي يمر بها في حياته وتنعكس على تصرفاته وسلوكياته بشكل واضح، لافتاً إلى أن الدور بعيد عن التصنيف التقليدي للشر أو الخير، لكونه يتحرك بدوافع إنسانية متناقضة تتقاطع فيها الرغبة في السيطرة مع الخوف من الخسارة والانكسار.

وأكد أنه كان حريصاً على التحضير للدور من الناحية الجسدية، بما يتناسب مع طبيعته، مما دفعه لاتباع حمية غذائية، وإنقاص وزنه، لكونه يرتدي بدلة رسمية، ويظهر في مناسبات اجتماعية وفنية عدة، بجانب العمل على فهم الدوافع الموجودة لدى الشخصية للقرارات التي يتخذها حتى يقدمها، حتى لو كان غير مقتنع على المستوى الشخصي بالمبررات التي تسوقها لنفسها.

وحول المشاهد الصعبة في التصوير، قال خالد سرحان إن «العمل مليء بالمشاهد المهمة التي تشكل محوراً مهمّاً في الأحداث، لكن المناقشات التي سبقت التصوير وروح التفاهم والتناغم بين فريق العمل ساعدت على التعامل مع جميع الصعوبات بشكل سهل، حتى مع استمرار التصوير لساعات طويلة يومياً».

ولفت إلى أنه، بالرغم من كون العمل سيعرض في 30 حلقة، فإن الأحداث مليئة بالمفاجآت التي ستظهر تباعاً، مع تصاعد درامي لن يجعل المشاهد يشعر بالملل، مؤكداً أن «الواقعية والمحافظة على الإيقاع اللذين تميز بهما السيناريو من أهم نقاط قوة العمل»، على حد تعبيره.

الملصق الترويجي لمسلسل «المداح 6 » (حسابه على «فيسبوك»)

وقال خالد إن وجوده في «المداح 6» أمر طبيعي لاستكمال دور «حسن» الذي يعتز به كثيراً، وبالنجاح الذي حققه في الأجزاء السابقة مع الجمهور، لكن هذه المرة التحولات الحادة التي يمر بها، والتي ستتصاعد خلال الحلقات المقبلة تحمل كثيراً من المفاجآت.

وأضاف أن فريق كتابة العمل نجح في تقديم «ملحمة درامية» متميزة فنياً، عبر التطرق إلى مساحات مختلفة درامياً، وتكثيف للأحداث وتناول عميق، وهو أمر جعله لا يشعر بالتردد في الموافقة على استكمال الدور بعد الإعلان عن تقديم الجزء الجديد.

وأوضح أن «من أسباب تميُّز الجزء السادس التصاعد الدرامي الذي كتب به السيناريو، والتصرف في الأحداث بناء على تراكمات الأجزاء السابقة، مع إدراك عمق التفاصيل في كل دور، وعودة شخصيات مؤثرة، على غرار دور (سميح) الذي يقدمه فتحي عبد الوهاب، وشكّل نقطة قوة مؤثرة في العمل».

وفسَّر خالد سرحان تعاطف الجمهور مع شخصية «حسن»، لكون الأمر مرتبطاً بتركيبته الإنسانية الملتبسة، وباعتباره شخصاً مأزوماً ويعيش صراعات إنسانية داخلية تصل لدرجة التناقض، وهو ما يجعله قريباً من الجمهور.


الدراجات الكهربائية تُخفّف السكري والأرق

دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)
دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)
TT

الدراجات الكهربائية تُخفّف السكري والأرق

دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)
دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)

أفاد مشاركون في برنامج تجريبي للدراجات الكهربائية في نيوزيلندا بأنّ ركوب الدراجات حسَّن صحتهم البدنية والنفسية، وساعدهم في إدارة حالات مرضية مزمنة مثل السكري، والربو، والشعور بالأرق، وفق دراسة أجراها باحثون من جامعة أوتاغو في ويلينغتون النيوزيلندية.

وفي هذا السياق، تقول الباحثة الرئيسية والمحاضِرة في قسم الصحة العامة بكلية الطب في جامعة أوتاغو، الدكتورة إيما أوزبورن، إنّ «المشاركين وجدوا أنّ ركوب الدراجات الكهربائية حسَّن صحتهم النفسية والبدنية بشكل عام»، وأضافت في بيان، الجمعة: «كما ساعد ركوب الدراجات في التخفيف من عوارض بعض الأمراض المزمنة، بما في ذلك داء السكري من النوع الثاني، والنقرس، وارتفاع ضغط الدم، والأرق، والربو، وآلام المفاصل، وخصوصاً آلام الورك والركبة».

وبالنسبة إلى مشاركين عدّة، كانت فوائد الصحة النفسية شديدة الأهمية. علَّق أحدهم قائلاً: «تمنحك هذه التجربة لحظات من الراحة لا تفكر فيها بالعمل، ولا بمشكلات العالم. بالطبع تحصل على فوائد بدنية، ولكن الأهم هو تأثيرها في صحتي النفسية».

استكشف الباحثون تأثير ركوب الدراجات الكهربائية في 26 شخصاً ممّن سجلوا للمشاركة في برنامج «هيكو (HIKO)» التجريبي للدراجات الكهربائية في واينويوماتا، بمنطقة ويلينغتون، عام 2023.

ووفق الدراسة التي نُشرت نتائجها في «المجلة الطبية النيوزيلندية»، وُزّعت على المشاركين في البرنامج دراجات كهربائية وخوذات وملابس عاكسة للضوء، وتلقّوا تدريباً على مهارات ركوب الدراجات ودعماً فنّياً، قبل أن تُجرى معهم مقابلات في بداية البرنامج، ثم على فترات بعد 6 أشهر و12 شهراً.

وكانت لدى بعض المشاركين أهداف صحّية محدّدة عند انضمامهم إلى البرنامج، مثل إنقاص الوزن أو الإقلاع عن التدخين. ووجد أحدهم أنّ ركوب الدراجة الكهربائية مكّنه من الإقلاع عن التدخين دون زيادة في الوزن: «لقد ساعدني ذلك في تبنّي نمط حياة صحي، وساعدني على التخلُّص من الرغبة الشديدة في التدخين».

ووجد كثيرون أنّ ركوب الدراجات الكهربائية وسيلة جيدة للحفاظ على النشاط في منتصف العمر وكبار السنّ. قال أحد راكبي الدراجات: «ركبتاي على وشك الانهيار؛ لذا فهذه وسيلة للحفاظ عليهما من دون إجهاد الجسم كثيراً».

من جهتها، تقول الأستاذة المساعدة كارولين شو، من قسم الصحة العامة، وهي إحدى مؤلّفي البحث، إنه رغم جهود الحكومة لزيادة مستويات النشاط البدني لدى النيوزيلنديين، فإنّ مقدار التمارين التي يمارسها الناس مستمر في الانخفاض.

وتوضح أنّ «التحوّل إلى الدراجات الكهربائية للتنقل أو قضاء الحاجات اليومية يُعدّ وسيلة سهلة لزيادة النشاط البدني وتحسين الصحة العامة».

وأضافت أنّ بإمكان المتخصصين في الرعاية الصحية أن يلعبوا دوراً مهمّاً في التوصية بالدراجات الكهربائية لمرضاهم؛ إذ أبدى عدد ممّن سجّلوا في البرنامج التجريبي استعدادهم للمشاركة عندما اقترحها عليهم شخص مُلمّ بحاجاتهم الصحية.

لكنها تشير إلى أنّ الحكومات ستحتاج إلى اتخاذ إجراءات إذا ما أُريد أن يرتفع معدل استخدام الدراجات إلى مستوى يؤثر إيجاباً في مستوى النشاط البدني بين عامة السكان.