ضريبة إضراب هوليوود... جفاف درامي ومسلسلات مؤجّلة

مجموعة من المسلسلات المؤجّلة بسبب الإضراب (إنستغرام)
مجموعة من المسلسلات المؤجّلة بسبب الإضراب (إنستغرام)
TT

ضريبة إضراب هوليوود... جفاف درامي ومسلسلات مؤجّلة

مجموعة من المسلسلات المؤجّلة بسبب الإضراب (إنستغرام)
مجموعة من المسلسلات المؤجّلة بسبب الإضراب (إنستغرام)

دخل إضراب الكتّاب في هوليوود شهره الثالث، وفي سابقة هي الأولى منذ 63 عاماً انضمّ الممثلون إلى الموجة الاعتراضية، واضعين البرامج التلفزيونية والمسلسلات والأفلام الأميركية في حالة من الجمود. وبانتظار اتّضاح مصير التحرّك، ومعرفة ما إذا كان المُضربون سينالون مطالبهم المتعلقة بتحسين الأجور والتأمين الصحي وضمانات في مواجهة الذكاء الاصطناعي، توقّفت عجلة الإنتاج حتى إشعارٍ آخر.

لم يقتصر أثر الإضراب الذي بات يضمّ 160 ألف كاتب وممثل على المسلسلات والأفلام، بل طال البرامج التلفزيونية الليلية الشهيرة. هذه البرامج التي تتّكل على فرَق كبيرة من الكتّاب توقفت عن البث منذ أول يوم إضراب، وأبرزها «The Tonight Show» مع جيمي فالون، و«Saturday Night Live»، إضافة إلى برنامج جيمي كيمل المباشر وغيرها.

أبرز المسلسلات المتأثرة بإضراب هوليوود

لا كتّاب ولا ممثلين، أي لا سيناريو ولا تصوير ولا مسلسلات جديدة على منصات البث. ظاهرة جفافٍ إنتاجي مرتقبة لم تشهد هوليوود مثيلاً لها منذ جائحة كورونا. وفي طليعة الأعمال التي اضطرّ فريقها إلى إطفاء محرّكاتها، مسلسل «نتفليكس» الجماهيري «Stranger Things» (أشياء غريبة). ففيما كان من المفترض البدء بتصوير الموسم الخامس والأخير في شهر يونيو (حزيران)، أعلن الأخوان دافر مؤلفا المسلسل عبر تغريدة، أن عملية الإنتاج ستتوقف بما أنها مستحيلة خلال الإضراب، متمنيين الوصول إلى حلٍ عادل قريباً يتيح للجميع العودة إلى العمل.

من بين المسلسلات المتأثرة بإضراب هوليوود كذلك، الموسم الرابع من «Emily in Paris» (إميلي في باريس). كان على التصوير أن ينطلق نهاية الصيف، إلا أنه بات في حكم المؤجل إلى نهاية الخريف مبدئياً، وهو موعد غير مؤكد ومرتبط بمصير الإضراب.

تحاول منصة HBO جاهدة أن تؤمّن مخزوناً من المسلسلات لبثه قبل نهاية العام والعام المقبل، وبينما استطاعت أن تواصل تصوير الموسم الثاني من «House of the Dragon» (بيت التنّين)، لم تنجح في ذلك مع «Euphoria». ففي وقتٍ كان سيناريو الموسم الثالث قيد التحضير، بدأ إضراب الكتّاب ما قد يؤجّل انطلاق التصوير إلى العام المقبل، أما عشّاق السلسلة الدرامية الاجتماعية فعليهم انتظار سنة 2025 كي يكتشفوا جديدها.

على روّاد HBO أن ينتظروا كذلك حتى منتصف عام 2025، ليشاهدوا الموسم الثاني من مسلسل «The Last of Us» (الأخير منّا)، بما أن اعتكاف الكتّاب أجّل عملية اختيار الممثلين والبدء بالتصوير. بعد أن حطّمت أرقام المشاهَدات خلال موسمها الأول، كان يطمح فريق العمل إلى بث جزءٍ جديد من الدراما في أسرع وقتٍ ممكن، إلا أنّ المؤلف كريغ مايزن أنهى كتابة حلقة واحدة فقط قبل أن يبدأ الإضراب.

مسلسل «The Last of Us» من بطولة بيدرو باسكال وبيللا رامزاي (HBO)

ومن بين الأعمال المؤجّلة، الموسم الثالث من مسلسل «The White Lotus» (زهرة اللوتس البيضاء) الحائز على عدد كبير من جوائز الـ«إيمي» التلفزيونية. أقفلت غرفة كتّاب المسلسل أبوابها، وما عاد من المؤكّد ما إذا كان سينطلق العام المقبل وفق ما كان مقرراً.

كما سواهم من الكتّاب، يلتزم مؤلّفو المسلسل بقرار النقابة قناعةً منهم بالمطالب المطروحة، وخوفاً من أن يُطردوا منها في حال خالفوا قرار التوقف عن العمل.

ومن بين المسلسلات المتأثرة بإضراب الكتّاب، الموسم الثالث من السلسلة الكوميدية الساخرة «Abbott Elementary»، إضافة إلى «Cobra Kai» و«The Sandman» و«Family Guy».

الموسم 22 من المسلسل الكوميدي «Family Guy» مؤجّل بسبب إضراب الكتّاب (أ.ب)

جمودٌ في السينما

انسحب أثر إضراب الكتّاب والممثلين على الشاشة الكبيرة، وقد أعلن عدد من النجوم السينمائيين انضمامهم إلى التحرّك، وعلى رأسهم سوزان ساراندون، وجورج كلوني، ومات ديمون، وكولن فاريل، وبن ستيلر، وجايمي لي كورتيس، وغيرهم. ولا يعني التزام الممثلين بالإضراب امتناعهم عن التمثيل فحسب، بل عدم المشاركة في أي نشاط ترويجي لأي عمل مرتقب.

أما أبرز الأفلام التي تأجّل تصويرها وإطلاقها فهي الجزء الثاني من «Gladiator»، الذي قرر المخرج ريدلي سكوت إعادته إلى الشاشة بعد 23 عاماً على إطلاقه المدوّي. التصوير الذي كان قد انطلق في المغرب، أُنجز ثلثاه تقريباً، وفيما كان من المرتقب أن يبدأ عرض الفيلم في خريف 2024، يُعتقد أنه سيؤجّل إلى عام 2025.

عرض الجزء الثاني من فيلم ريدلي سكوت «Gladiator» مؤجّل إلى عام 2025 (أ.ب)

مثل «Gladiator»، تجد إنتاجات سينمائية ضخمة كـ«Mission Impossible 8»، و«Spider - Man»، و«Avatar 3» نفسها رهينة التأجيل. ومن بين الأفلام التي توقفت عجلة كتابتها وتصويرها، «Mortal Kombat 2»، و«Unstoppable» مع جنيفر لوبيز، إضافة إلى فيلم الرسوم المتحرّكة «Mufasa: The Lion King»، وجزأين من أفلام «Star Wars».

مؤثرون في تلفزيون الواقع؟

لا أحد يستطيع التنبّؤ بمدّة الإضراب ولا بتاريخ انتهائه، وفي هذا الوقت القاتل للإنتاج الدرامي والسينمائي، تحاول المنصات وشبكات التلفزة إيجاد البدائل وملء الفراغ بما يغري المشاهدين. وقد لجأ بعضها إلى الإعادات، بينما استثمر البعض الآخر في المحتوى الذي لا يرتكز إلى النصوص والسيناريوهات المعدّة مسبقاً، مثل برامج تلفزيون الواقع على غرار «The Masked Singer»، و«Survivor»، و«Kitchen Nightmares».

قد تفرز هذه الموجة الاعتراضية جيلاً جديداً من النجوم، وتتسبب بتحوّل في المشهديّة التلفزيونية والسينمائية، إذ إن عدداً من استوديوهات هوليوود بدأ التفكير جدياً بتوقيع عقودٍ مع صانعي محتوى و«مؤثّرين» من بين مشاهير منصات التواصل الاجتماعي، بهدف ملء الفراغ.

آخر إضرابٍ هوليوودي مشابه عام 2008 ألقى الضوء على برامج تلفزيون الواقع التي كانت لا تزال نخبويّة حتى تلك اللحظة. ومن المتوقع أن يتكرر المشهد حالياً، في حال طال الإضراب؛ فيجب أن تستعيد برامج الـReal TV بريقها، مع انضمام مشاهير السوشيال ميديا إليها.

نتفليكس تتجه شرقاً

أنجزت «نتفليكس» خطتها الاستباقيّة قبل الوصول إلى هذه اللحظة المقلقة في تاريخ هوليوود. اعتادت المنصة العالمية أن تتّجه إلى خارج الولايات المتحدة الأميركية لإنتاج جزء كبير من محتواها. وبالتالي فإنه من المستبعد أن يلقي الإضراب بظلالٍ ثقيلة عليها.

وجدت نتفليكس البديل في كوريا الجنوبية وهي تصوّر الجزء الثاني من Squid Game (نتفليكس)

تتجه المنصة شرقاً فتستثمر في بلادٍ مثل الهند، والصين، واليابان، لكنّ الوجهة الأبرز تبقى كوريا الجنوبية، حيث تنوي «نتفليكس» إنفاق أكثر من مليارَي ونصف المليار دولار في صناعة الأفلام والمسلسلات الكورية الجنوبية. لا ينسى القيّمون على المنصة أن الموسم الأول من «Squid Game» (لعبة الحبّار) جمع 900 مليون دولار من العائدات.


مقالات ذات صلة

الأمومة لا عمر لها... مشاهير أنجبن بعد سن الأربعين

يوميات الشرق من اليسار الممثلة نيكول كيدمان، والممثلة هيلاري سوانك خلال حملهما، وكارول سماحة مع ابنتها (رويترز- انستغرام)

الأمومة لا عمر لها... مشاهير أنجبن بعد سن الأربعين

نجمات من العرب ومشاهير هوليوود يثبتن أن الأمومة لا عمر لها.

يسرا سلامة (القاهرة)
يوميات الشرق كان للمدينة وجهٌ بريّ يمشي على أربع (رويترز)

أسد هوليوود يعود بتمثال... لوس أنجليس تُخلّد «بي-22»

تعتزم مدينة لوس أنجليس تخليد ذكرى أشهر أُسودها الجبلية بتمثال برونزي في متنزه غريفيث، الذي يمتدّ على مساحة 4200 فدان (1700 هكتار)، وكان الأسد يجوب أرجاءه يوماً

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
يوميات الشرق نجمة البوب ليدي غاغا في هوليوود (أ.ف.ب)

ليدي غاغا تستقبل مولودها الأول

أفادت وسائل إعلام أميركية بأن نجمة البوب ليدي غاغا رزقت بمولودها الأول من خطيبها مايكل بولانسكي.

«الشرق الأوسط» (لوس انجليس (الولايات المتحدة))
يوميات الشرق الممثل مارك روفالو ودبوس عن رينيه غود التي قتلت بالرصاص على يد عميل فيدرالي للهجرة في مدينة مينيابوليس في حفل «غولدن غلوب» في يناير 2026 (أرشيفية - أ.ف.ب)

مارك روفالو يرد على «باراماونت» بعد اتهامه بمعاداة السامية

ردّ مارك روفالو على شركة «باراماونت سكاي دانس» الإعلامية بعد أن اتهمته الشركة باستخدام «عبارات معادية للسامية» في انتقاده لصفقة اندماجها مع شركة «وارنر بروذرز».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الممثلة الأميركية هايدن بانتير (رويترز)

وفاة الممثلة الأميركية هايدن بانتير بطلة «هيروز» و«ناشفيل» عن 36 عاماً

توفيت الممثلة الأميركية الشهيرة، هايدن بانتير، التي شاركت في بطولة المسلسلين التلفزيونيين «هيروز» و«ناشفيل»، عن عمر يناهز 36 عاماً.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

الأرض لا تدور بنا فقط... مغناطيسيتها قد تؤثّر في الشيخوخة

للأرض أثر فينا يتجاوز الجاذبية (ناسا)
للأرض أثر فينا يتجاوز الجاذبية (ناسا)
TT

الأرض لا تدور بنا فقط... مغناطيسيتها قد تؤثّر في الشيخوخة

للأرض أثر فينا يتجاوز الجاذبية (ناسا)
للأرض أثر فينا يتجاوز الجاذبية (ناسا)

كشفت دراسة جديدة أجراها باحثون من جامعة نوتنغهام الإنجليزية عن أنّ المجال المغناطيسي للأرض قد يؤثّر في كيفية إنتاج خلايا الجسم للطاقة، والأداء البدني، وحتى العمر الافتراضي للكائن الحيّ.

وتقدّم النتائج، المنشورة الأربعاء في دورية «الشيخوخة» لبحوث الشيخوخة، رؤى جديدة حول كيفية تفاعل هذه القوة غير المرئية مع العمليات البيولوجية الأساسية في الجسم، ممّا قد تكون له تداعيات مهمّة على فهمنا لعملية الشيخوخة وأمراض التنكس العصبي، مثل باركنسون وألزهايمر.

وعزا الباحثون هذه التأثيرات إلى الميتوكوندريا، وهي تراكيب دقيقة داخل الخلايا مسؤولة عن توليد جزء كبير من الطاقة اللازمة للحياة. فقد تغيّرت عمليات التمثيل الغذائي للطاقة في الميتوكوندريا عند خفض المجال المغناطيسي، وكذلك مستويات «فوق الأكسيد»، وهو جزيء شديد التفاعل تنتجه الميتوكوندريا.

وقال الباحث جاكوب ريد، طالب الدكتوراه بجامعة نوتنغهام: «البحوث في هذا المجال نادرة، إذ تركز غالباً على إعداد البشر لرحلات الفضاء. ومع ذلك، لا نزال نعرف قليلاً جداً عن سبب حاجة الكائنات الحيّة إلى المجال المغناطيسي. جمع هذا المشروع بين خبرات في الفيزياء والهندسة وعلم الأحياء، وتقنيات ومعدات مبتكرة ومتخصّصة جداً، لدراسة الجوانب الفسيولوجية والمرضية أيضاً».

وأضاف في بيان الأربعاء: «يفتح هذا العمل آفاقاً جديدة محتملة لنهج علاجي غير جراحي يستهدف الميتوكوندريا لعلاج أمراض عدّة. نأمل أن يُسهم هذا البحث في إبراز أهمية المجالات المغناطيسية للحياة».

حجب المجال المغناطيسي

درس الفريق البحثي ما يحدث عند حجب المجال المغناطيسي للأرض بصورة شبه كاملة. وباستخدام نظام حجب مغناطيسي صُمّم خصوصاً لهذا الغرض، خفّض الباحثون المجال المغناطيسي المحيط بذبابة الفاكهة إلى مستوى يقارب الصفر. وقارنوا بين ذباب سليم وآخر يحمل خللاً في جين «بينك 1»، المرتبط بمرض باركنسون الوراثي المبكر لدى البشر.

ووجد الباحثون أنّ عزل الذباب عن المجال المغناطيسي للأرض أدّى إلى تغيّرات في وظائف الميتوكوندريا، وهي مراكز إنتاج الطاقة في الخلية، والعمر الافتراضي والأداء البدني، مع تفاوت لافت في التأثيرات تبعاً للحالة الصحية للميتوكوندريا لدى الذباب.

ووفقاً لهم، كانت النتائج لافتة للنظر؛ إذ أدّى حجب المجال المغناطيسي للأرض عن الذباب الذي يحمل طفرة في جين «بينك 1» إلى زيادة متوسط عمره بنحو 20 في المائة، رغم تراجع أدائه البدني. وفي المقابل، كانت استجابة الذباب السليم مختلفة تماماً؛ فمع أن مدّة حياته الصحية تأثرت، فإن حركته تحسّنت.

وتُجرى البحوث العلمية على ذبابة الفاكهة لأنها توفّر نموذجاً حيّاً سريعاً وبسيطاً، يشترك مع الإنسان في نسبة كبيرة من جيناته الأساسية، ونحو 60 إلى 75 في المائة من الجينات المسببة للأمراض، بما فيها أمراض الأعصاب. وتتميَّز ذبابة الفاكهة بدورة حياة قصيرة جداً لا تتجاوز أسبوعين، ممّا يتيح للعلماء مراقبة تأثير الطفرات الجينية عبر أجيال عدّة في وقت قصير.

وتُظهر نتائج هذه التجارب أنّ البيئة المغناطيسية المحيطة بالكائن الحيّ يمكن أن تؤثر في العمليات البيولوجية الأساسية، بما فيها إنتاج الطاقة والأداء البدني ومتوسط العمر.

وعلّقت أستاذة بيولوجيا الميتوكوندريا في كلية الطب والعلوم الصحية بجامعة نوتنغهام، البروفسورة ليزا تشاكرابارتي: «نعيش حياتنا بأكملها في ظلّ وجود المجال المغناطيسي للأرض؛ فهو يخترق أجسامنا وخلايانا وكل كائن حيّ على هذا الكوكب، ومع ذلك، لا نعرف سوى قليل عمّا إذا كانت هذه القوة غير المرئية تؤثّر في آلية عمل خلايانا، وكيفية حدوث ذلك».

وأضافت: «تطرح نتائجنا احتمالاً مثيراً للاهتمام، وهو أنّ المجال المغناطيسي للأرض يُشكّل جزءاً من البيئة البيولوجية التي تكيّفت معها الحياة عبر مسار التطوّر»، موضحة أنّ «فهم كيفية استشعار الخلايا للمجالات المغناطيسية واستجابتها لها قد يكشف في نهاية المطاف عن طرق جديدة للتحكّم في وظائف الميتوكوندريا في حالات الشيخوخة والمرض».


«إيكيبانا»... حين تصغي الزهور إلى ما في داخلنا

تُبرز هذه الصورة التي نشرها هيرويوكي أوكادا تنسيقاً لزهور «إيكيبانا» على طراز «إكينوبو» الحر (أ.ب)
تُبرز هذه الصورة التي نشرها هيرويوكي أوكادا تنسيقاً لزهور «إيكيبانا» على طراز «إكينوبو» الحر (أ.ب)
TT

«إيكيبانا»... حين تصغي الزهور إلى ما في داخلنا

تُبرز هذه الصورة التي نشرها هيرويوكي أوكادا تنسيقاً لزهور «إيكيبانا» على طراز «إكينوبو» الحر (أ.ب)
تُبرز هذه الصورة التي نشرها هيرويوكي أوكادا تنسيقاً لزهور «إيكيبانا» على طراز «إكينوبو» الحر (أ.ب)

قد يجلس شخص أمام مجموعة من الزهور ليضعها في إناء، فيبدو المشهد لأول وهلة بسيطاً للغاية. لكنه في اليابان قد يتحول لحظةَ تأمل ومواجهة مع النفس. فمنذ أكثر من 500 عام، يمنح فن الـ«إيكيبانا» الياباني لتنسيق الزهور مريديه فرصة للابتعاد قليلاً عن ضجيج الحياة، في حين يجد فيه جيل جديد وسيلة لاستعادة الهدوء والتوازن وسط عالم سريع الإيقاع، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» للأنباء.

و«إيكيبانا»، وتعني باليابانية «الزهور الحية»، هو أحد الفنون اليابانية التقليدية التي تقوم على تنسيق الزهور والأغصان والأوراق بطريقة تجمع بين الجمال والتأمل. ويُعرف هذا الفن أيضاً باسم «كادو»، أي «طريق الزهور»، في إشارة إلى أن ممارسته ليست مجرد ترتيب للزهور، وإنما رحلة تقوم على الصبر والانتباه والتفاعل مع الطبيعة.

وعلى خلاف كثير من أساليب تنسيق الزهور في الغرب، التي قد تركز على وفرة الزهور وتنوع ألوانها وإبراز جمالها، يهتم «إيكيبانا» بالمساحة والتوازن والخطوط والعلاقة بين الزهرة والأغصان والإناء. وقد تبدو النتيجة في كثير من الأحيان بسيطة، بل شديدة البساطة، لكن وراء هذا الهدوء قواعد ورؤية عميقة للطبيعة والحياة.

تُبرز هذه الصورة التي نشرها هيرويوكي أوكادا تنسيقاً لزهور «إيكيبانا» على طراز «إكينوبو» الحر (أ.ب)

ولا يقوم «إيكيبانا» على البحث عن تنسيق مثالي واحد، ولا توجد فيه بالضرورة إجابة واحدة صحيحة. لكل زهرة شكلها وشخصيتها، ولكل غصن اتجاهه، تماماً كما لكل إنسان طريقته الخاصة في رؤية الأشياء. ولذلك؛ يمكن للزهور نفسها أن تنتج تنسيقات مختلفة، وفق الشخص الذي يقف أمامها.

يقول هيرويوكي أوكادا، البالغ 40 عاماً، الذي بدأ دراسة «إيكيبانا» قبل نحو 7 سنوات، إن ممارسة هذا الفن تحمل شيئاً من «التطهير»، وتأثيراً علاجياً. ويعمل أوكادا اليوم مدرساً في مدرسة «إيكنوبو» في كيوتو، وهي من أقدم مدارس «إيكيبانا» وأشدها ارتباطاً بالتقاليد اليابانية.

يقول أوكادا: «عندما تنسق الزهور، فأنت تتعامل مع حياة موجودة أمامك؛ مع الجمال بالطبع، لكنك في الوقت نفسه تكتشف ما في داخلك. إنك تواجه نفسك وجهاً لوجه».

وربما يعكس أوكادا نفسُه الطريقة التي وجد بها هذا الفن طريقه إلى الحياة المعاصرة. فهو يرتدي عادة سلاسل فضية وسراويل الجينز، كما يعطي دروساً في أداء الشقلبة الخلفية، لكنه يختار الكيمونو الأنيق عندما يقدم عروضاً رسمية لتنسيق الزهور.

وبالنسبة إليه، فإن كثيراً من الأشخاص الذين يتجهون اليوم إلى «إيكيبانا» لا يبحثون فقط عن هواية جديدة، بل عن شيء أشد بساطة وعمقاً: لحظة هدوء، أو شعور بالهدف، أو مساحة للابتعاد عن الضغوط اليومية.

يوضح هيرويوكي أوكادا مدرب «إكينوبو إيكيبانا» أسلوباً أساسياً لتنسيق الزهور يسمى «شوكا شوفوتاي» داخل استوديو في طوكيو (أ.ب)

زهور تساعد على الهدوء

تقوم فلسفة «إيكيبانا» على علاقة مباشرة بالطبيعة، حتى لو اقتصرت تلك العلاقة على إناء صغير داخل منزل. فمراقبة نمو الزهور والنباتات، والانتباه إلى شكل الأوراق وانحناء الأغصان وملمس البتلات... كلها أجزاء من التجربة.

وتقول سينكو إيكنوبو، الرئيسة المقبلة لمدرسة «إيكنوبو»، إن الأمر في جوهره يتعلق «بالعلاقة بين الشخص الذي يبدع والزهور».

وتنحدر سينكو من عائلة ارتبطت بهذا الفن عبر أجيال عدة، فيما يشغل والدها حالياً منصب رئيس المدرسة. وتقول إنها شاهدت كيف أصبح «إيكيبانا» جزءاً من حياة أشخاص في مراحل مختلفة؛ من نساء يحاولن الموازنة بين العمل والأمومة، إلى أخريات يعتنين بوالديهن المتقدمين في السن.

وتشير جانيت هافيلاند جونز، أستاذة علم النفس الاجتماعي في جامعة رودغرز الأميركية، إلى أن دراسات عدة أظهرت أن الزهور، وحتى روائحها، يمكن أن تعزز مشاعر السعادة لدى الإنسان. ولا يقتصر الأمر، بالنسبة إلى أوكادا، على منظر الزهرة أو رائحتها؛ إذ يرى أن لمس البتلات والأوراق جزء أساسي من التجربة، بما يشبه الشعور بالراحة عند مداعبة قطة صغيرة أو جرو.

أما مايو شيميزو، التي تعمل في مجال التعليم عبر الإنترنت وتتلقى دروساً لدى أوكادا منذ نحو 3 سنوات، فتصف فن «إيكيبانا» بأنه تجربة قريبة من اليوغا، والتأمل، وحتى اللعب.

سينكو إكينوبو الرئيسة المعينة لمدرسة «إكينوبو» تتحدث خلال مقابلة في طوكيو

زهرة تختصر دورة الحياة

ومن أشهر أساليب مدرسة «إكينوبو» التقليدية «شوكا شوفوتاي»، الذي يحاول تقديم الزهور والأغصان كما قد تظهر في الطبيعة؛ بعضها يمتد نحو الضوء، وبعضها ينحني أمام الرياح. وحتى الإناء نفسه يصبح جزءاً من التكوين، سواء أكان مصنوعاً من الخشب أم من الفخار.

وتحمل عناصر التنسيق معاني مرتبطة بالحياة. فالعنصر الأطول؛ «شين»، يمثل جوهر الإنسان وامتداده نحو السماء. ويأتي «سوي» أقصر منه، ليعبر عن خصوصية الزهرة وتفردها، وقد تظهر عليه علامات ذبول بسيطة؛ في إشارة إلى مراحل العمر المتقدمة. أما «تاي»، فيمثل المستقبل؛ ولذلك تختار له زهرة متفتحة أو أوراقاً صغيرة نضرة، في إشارة إلى ما يولد وينمو.

ومع ذلك، فلا يعيش «إيكيبانا» في الماضي وحده. فقد ظهرت أساليب أرحب، تقترب من باقات الزهور الغربية، وتمنح المبتدئين مساحة أكبر للتجربة بعيداً عن القواعد الصارمة.

ولعل سر استمرار هذا الفن أكثر من 5 قرون يكمن في أنه لا يتحدث عن الزهور وحدها. فالزهرة تتفتح ثم تذبل، والأوراق تتغير، والأغصان تنحني، وفي كل ذلك صورة صغيرة من حياة الإنسان نفسه.

وهكذا؛ لا يصبح فن «إيكيبانا» مجرد طريقة لوضع الزهور في إناء، بل طريقة للنظر إليها... وربما للنظر إلى أنفسنا أيضاً. كما يبقى جسراً بين الأجيال، تنتقل عبره مهارات فن قديم من يد إلى أخرى، ومن حياة إلى حياة.


قطّ يخطف الأنظار في بوليفيا... لكنه لا يحبّ الشهرة!

«تيغرينو»... شهرةٌ أكبر من احتماله (رويترز)
«تيغرينو»... شهرةٌ أكبر من احتماله (رويترز)
TT

قطّ يخطف الأنظار في بوليفيا... لكنه لا يحبّ الشهرة!

«تيغرينو»... شهرةٌ أكبر من احتماله (رويترز)
«تيغرينو»... شهرةٌ أكبر من احتماله (رويترز)

بات قطّ برّي صغير يختبئ في غابات بوليفيا الضبابية مَعْلماً سياحياً غير متوقَّع، إذ تتدفّق إليها موجات من الزوّار أملاً في إلقاء نظرة على الحيوان الذي صنّفه العلماء نوعاً جديداً كلياً.

لكن ثمة مشكلة واحدة: «تيغرينو»، الاسم المحبّب الذي أُطلق عليه، لا يحبّ الاهتمام.

ذكرت وكالة «أسوشييتد برس» أنّ القطّ الصغير، المرقّط ببُقع كبيرة تشبه بُقع الفهد، سريع التوتر، لذا يُبعده القائمون على محمية للحياة البرّية قرب لاباز عن أنظار العامة، رافضين إتاحته للحشود المتشوّقة للاقتراب منه. ويوم الأحد، خرج «تيغرينو» بحذر من مأواه، واستنشق الهواء، وتجوّل قليلاً لبضع دقائق، قبل أن يعود متسلّلاً إلى أوراق الأشجار.

كلّ العيون عليه... وعيناه على مخبئه (رويترز)

ينتمي «تيغرينو» إلى نوع «ليوباردوس تيلكايو»، وهو أول نوع حيّ من القطط البرّية يصفه العلماء منذ أكثر من قرن. ولا يتجاوز طوله 18 بوصة (46 سنتيمتراً) من الرأس حتى قاعدة الذيل، ولا يزيد وزنه على 3 أرطال (1.4 كيلوغرام)، ممّا يجعله أصغر من القطة المنزلية العادية.

صغيرٌ على كلّ هذه الأضواء (رويترز)

وأثار الاكتشاف، المنشور يوم الخميس الماضي في دورية «كارنت بيولوجي»، موجة من الحماسة على وسائل التواصل الاجتماعي. وتوافد زوّار من أنحاء بوليفيا وخارجها إلى محمية «سيندا فيردي» للحياة البرّية، حيث يعيش «تيغرينو» منذ عام 2017، حين أحضرته عائلة كانت قد حاولت، دون جدوى، تربيته على أنه قط منزلي عادي.

وقال المؤسِّس المُشارك للمحمية، مارسيلو ليفي: «أصبح (تيغرينو)، في غضون أيام قليلة فقط، سفيراً للحفاظ على الطبيعة»، مضيفاً أن تصنيفه على أنه نوع جديد أسهم في رفع الوعي بالحاجة إلى حماية القطط البرّية وموائلها في الغابات الاستوائية البوليفية.

وأردف ليفي: «إنه حيوان بالغ الصغر، وقد أصبح شيئاً شديد الأهمية لنا».