كانت جدّة ولا تزال بوابة الاستقبال والوداع الأخير للحجاج القادمين من أقطار شتّى. لأنها كذلك، تختلف حكايات التاريخ والذكريات المنقوشة على جدرانها وفي أزقّتها القديمة داخل جدة التاريخية، لنواحي المضمون والشكل والسرد.
هذا التاريخ العريق الذي يزيد عمره على 3 آلاف عام، ويُلمَح في المتحف المفتوح على شكل بيوت شاهقة بُنيت من الحجر المنقبي المُستَخرج آنذاك من بحيرة يُطلق عليها اسم «الأربعين»، ويُعدَّل بالآلات اليدوية ويوضع مع الأخشاب الواردة من المناطق المجاورة، منها وادي فاطمة، أو ما يُستورد من الهند، فتخرج بهذا النمط المعماري الفريد في الهيكل والتنسيق، وسط محلات مرصوصة مثل العقد المنضود في شوارع متعرّجة ومتداخلة، مما يضيف جمالاً إلى جمالَي النشأة والمكان.

من أجل هذه التجربة الفريدة، يتدفّق الزوار القادمون من خارج البلاد، خصوصاً الحجاج، ليلقوا التحية الأخيرة على المدينة العتيقة، جدة، قبل الوداع. فالخيارات كثيرة في هذه المنطقة التي لا تزيد مساحاتها على بضعة كيلومترات، لكن التاريخ حاضر أمام الناظرين، وسط حركة بيع وشراء للمنتجات، منها المحلية، والأطعمة، خصوصاً الشعبية، التي يُقبلون عليها، وتتمركز على جوانب المنطقة التاريخية.
تنطلق رحلة الزائرين من نقطة التجمّع في موقف الحافلات، ومركبات الأجرة، بالقرب من أحد معالم البلد، عمارة الملكة؛ وهو مبنى تجاري شُيّد قبل 50 عاماً وكان حديث الساعة آنذاك، إذ يضمّ مكاتب وشركات لها حضورها في المنطقة التاريخية. من نقطة التجمّع، تبدأ رحلة المجموعات التي تتشكل عادة من أفراد يحملون جنسية واحدة، عبر سوق قابل، (أو ما يُعرف بـ«شارع قابل») التي شهدت عملية تطوير على مدى 539 متراً مربعاً؛ وتضمّ 58 محلاً تستهوي العين لاختلاف المعروض، ليبدأ الزوار المتكتّلون، كل في مجموعته، رحلتهم منها، وسط زحمة حركة بيع الساعات ومحلات الصيرفة والأقمشة، وغيرها من المنتجات.

في منتصف السوق، تتعدّد الخيارات، فالاستمرار في الطريق يوصل إلى «بيت نصيف»، أحد أهم المعالم في المنطقة، أو لو يشاء الزوار الانعطاف يساراً في اتجاه «سوق الندى» التي يزيد عمرها على 150 عاماً، وعادة ما تكون الخيار الأمثل، قبل مواصلة الطريق، للعديد من الجنسيات الآسيوية والأفريقية، التي تدلف لشراء الأقمشة والملابس، خصوصاً الزيّ السعودي؛ وصولاً إلى نهاية السوق من الجهة الشمالية التي تنتشر فيها محلات بيع المأكولات الشعبية، أشهرها السمك بمختلف أنواعه، إلى الرأس المندي، الذي يصبح جاهزاً بعد طبخه في حفرة يُطلَق عليها «الميفا»، ويُقدَّم في الطبق بعد استخراج اللحم والمخ من الرأس لباحثين عن المذاق في الطبخ.

يقول عدد من العاملين في المنطقة لـ«الشرق الأوسط»، إنّ هذه الفترة من كل عام تشهد إقبالاً كثيفاً للحجاج من مختلف الجنسيات على هذه المنطقة التاريخية قبل مغادرتهم إلى بلادهم؛ بغرض اكتشاف المواقع السياحية والتاريخية، إلى شراء ما يلزم من السوق التي ينتشر فيها أكثر من 2000 محل مختلفة النشاط، تقدّم منتجات بأسعار تنافسية.
يضيفون أنّ ثمة نسبة من الزوار تتوجّه نحو أسواق الجملة لشراء كميات كبيرة من الحاجات، إلى آخرين يذهبون لتفقّد المعالم القديمة، منها «بيت نصيف» و«مسجد الجامع العتيق». وبعد جولة صباحية أو مسائية ينتهي بهم المطاف في محلات بيع الوجبات الغذائية في «سوق الندى» أو باب مكة، ومن ثَم يغادرون مجموعات من نقطة تجمّعهم بالقرب من «عمارة الملكة».

بالعودة إلى جولة الزوار، وفق حديث الباعة، فهم يتوجّهون إلى «سوق علوي»؛ إحدى أقدم الأسواق التي تحتضنها المنطقة التاريخية، في الوسط بين شارع قابل من الناحية الغربية، وشارع سوق البدو من الناحية الشرقية. وهي منطقة تجارية مهمّة تحتضن بيوتاً تاريخية منها «بيت ولي»، «بيت نصيف»، و«بيت المتبولي»، ليصل بهم المطاف إلى «سوق باب مكة»، المورد الرئيسي للمواد الغذائية المختلفة لجدة في حقب متفاوتة، حيث تنتشر محلات بيع الأجبان والحبوب وغيرها من المنتجات الغذائية.

هذه المواقع التي تستقطب السياح والزوار، اهتمت بها الحكومة السعودية وأطلقت برامج عدّة لتطويرها، منها «مشروع إعادة إحياء جدة التاريخية» الذي أعلن عنه في وقت سابق ولي العهد الأمير محمد بن سلمان؛ بهدف تعزيز دور المنطقة في جذب الأعمال والمشروعات الثقافية، ولتكون مقصداً رئيسياً لروّاد الأعمال الطموحين. وسيعمل المشروع على إبراز المعالم التراثية التي تحتفي بها المنطقة، بصفتها موقعاً تاريخياً فريداً في المملكة، باحتوائها على أكثر من 600 مبنى تراثي، و36 مسجداً تاريخياً، و5 أسواق تاريخية رئيسية، إلى ممرات وساحات عريقة، ومواقع ذات دلالات تاريخية مهمة، مثل الواجهة البحرية القديمة التي كانت طريقاً رئيسياً للحجاج، والتي سيُعيد المشروع بناءها لتروي لزوار جدة التاريخية قصة الحج العظيمة منذ فجر الإسلام.




