العلم يسلِّط الأضواء على حقيقة النرجسيين

الشعور بالعظمة والسعي المستمر لنيل الإعجاب وانعدام التعاطف أهم سماتهم

العلم يسلِّط الأضواء على حقيقة النرجسيين
TT

العلم يسلِّط الأضواء على حقيقة النرجسيين

العلم يسلِّط الأضواء على حقيقة النرجسيين

كان مصطلح النرجسية -في السابق- محصوراً في علم النفس والأساطير الكلاسيكية، ولكنه اليوم أصبح متداولاً في الأحاديث اليومية. وانتقل هذا المصطلح من كونه مفهوماً يغلِّفه الغموض إلى أن أصبح شائعاً في الثقافة العامة ووسائل التواصل الاجتماعي؛ إلا أنه غالباً ما يُستخدم بصورة مفرطة في التبسيط، أو بصورة خاطئة.

في هذا السياق، نستعرض اضطراب الشخصية النرجسية (NPD) وفقاً لما يطرحه العلم، ونشرح الفروقات بين أنواعه، وما إذا كان بإمكان النرجسيين التغيير.

من الأسطورة إلى التشخيص الحديث

يرجع الاهتمام بالإعجاب المفرط بالذات إلى قصة نرجس في أعمال أوفيد؛ حيث وقع نرجس في حب انعكاس صورته حد الموت. وقد بدأ المصطلح يأخذ طابعاً طبياً في أواخر القرن التاسع عشر، حين استُخدم مصطلح «النرجسية» لوصف الإشباع الذاتي المفرط بالرضا.

وبحلول عشرينات القرن الماضي، استعان الأطباء النفسيون بالمصطلح للإشارة إلى اضطراب في الشخصية، ولكن لم يتم الاعتراف رسمياً باضطراب الشخصية النرجسية (narcissistic personality disorder) حتى عام 1980، عندما أُدرج في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM).

في المجمل، يتسم اضطراب الشخصية النرجسية بالشعور بالعظمة، والسعي المستمر لنيل الإعجاب، وانعدام التعاطف. ويميل المصابون إلى المبالغة في إبراز مواهبهم وإنجازاتهم، ويشعرون بأنهم يستحقون معاملة خاصة، ويحتاجون باستمرار إلى التقدير. ومع أن مظهرهم يوحي بالثقة، فإن هذا القناع يخفي خلفه هشاشة عاطفية وحساسية مفرطة تجاه النقد. ويمكن أن يمارس النرجسيون دور التلاعب بالآخرين دون إحساس بالذنب، وأحياناً يتجاوزون الحدود بالإساءة العاطفية أو الجسدية.

وتشير العالمة النفسية سارة ديفيز -مؤلفة كتاب «نشأتُ على يد نرجسيين»- إلى أن ليس كل النرجسيين مسيئين، إلا أن تلاعبهم وقيامهم بـ«التلاعب النفسي» (gaslighting) يجعل من الصعب أحياناً رصد الأضرار التي يسببونها. وتُعد النرجسية أحد أضلاع «الثالوث المظلم» من السمات الاجتماعية الضارة، إلى جانب «السيكوباتية» (psychopathy) (الافتقار إلى التعاطف من جهة والاندفاعية من جهة أخرى) و«المكيافيلية» (psychopathy) (التلاعب الاستراتيجي).

قياس النرجسية وانتشارها

تساعد أداة «اختبار الشخصية النرجسية» (Narcissistic Personality Inventory– NPI) في قياس الميول النرجسية لدى عامة الناس. ومع ذلك، يتطلب التشخيص الرسمي تقييماً سريرياً، وهو أمر نادر الحدوث؛ لأن معظم النرجسيين لا يسعون لتلقي العلاج. وحسبما أوضحت ديفيز: «النرجسي الحقيقي دائماً ما يعتقد أن المشكلات سببها الآخرون».وتشير بحوث واسعة في الولايات المتحدة إلى أن نحو 6.2 في المائة من الناس يستوفون معايير اضطراب الشخصية النرجسية، بينما تشير دراسات أخرى إلى متوسطات أقل، تقارب 1 في المائة. ورغم التباين في الأرقام، يرى معظم علماء النفس أن النرجسية تشكل طيفاً. وهنا، توضح إيمي كوسكينن، من جامعة هلسنكي، أن الثقة الصحية بالنفس، والطموح، يمكن أن يكونا أمرين مفيدين، ولكن حين يبلغان حد المبالغة، فإنهما يؤديان إلى تدمير العلاقات الاجتماعية وإلى العزلة العاطفية.

مفارقة التعاطف

في حين يُعرف النرجسيون بافتقارهم إلى التعاطف، فإن الواقع في حقيقته أشد تعقيداً. وكشف تحليل أُجري عام 2023 أنهم قد يحتفظون بالتعاطف المعرفي -أي القدرة على إدراك مشاعر الآخرين- لكنهم يفتقرون إلى التعاطف العاطفي، أي القدرة على الشعور بهذه المشاعر.

ويعني ذلك أن النرجسيين قد يفهمون مشاعر الآخرين، ولكنهم يستخدمون هذه المعرفة للتلاعب بهم بدلاً من التعاطف معهم.

يتعايش هذا المنظور المتمركز حول الذات مع حساسية عاطفية مفاجئة، فالنرجسيون ليسوا بمنأى عن الألم؛ بل على العكس، لديهم قدرة عالية على رصد الرفض (من قبل الآخرين). وفي إحدى الدراسات، شارك أشخاص في لعبة كومبيوتر تُقصيهم عن التفاعل مع الآخرين. وأظهرت فحوصات الدماغ أن من سجلوا درجات أعلى في مقياس النرجسية، أظهروا نشاطاً أكبر في مناطق الدماغ المرتبطة بالضيق النفسي. ومن هنا تظهر المفارقة: فالنرجسيون يتوقون للإعجاب، ولكنهم يُجرَحون بسهولة من الإهانات البسيطة.

ودفعت هذه النتائج الباحثين إلى اعتبار النرجسية بمنزلة آلية دفاعية تحمي من شعور انعدام الأمان الداخلي؛ فالصورة المتضخمة للذات ما هي إلا درع تحمي الأنا الهشة. وتدعم بحوث كوسكينن هذا الطرح؛ إذ أظهرت تجارب تقيس مستويات التوتر في أثناء المحادثات الحميمة، أن المشاركين ذوي الدرجات العالية في النرجسية أظهروا علامات فسيولوجية أكبر ترتبط بالشعور بالتوتر، مثل زيادة التعرق عند الحديث عن مشاعرهم الشخصية. وتولد هذه الحاجة المستمرة لإثارة إعجاب الآخرين حالة من التوتر المزمنة.

دور الإقصاء في التعاظم

من جهتها، وجدت كريستيان بوتنر، من جامعة بازل، أن النرجسيين يميلون إلى تفسير الرفض الاجتماعي بشكل مبالغ فيه. فعند قراءة سيناريوهات افتراضية، افترض ذوو الدرجات الأعلى في النرجسية أنهم تعرضوا للإقصاء، حتى عندما لم يكن هناك ما يشير إلى تعمد ذلك. وفي دراسات الحياة اليومية، بالغوا في تقدير عدد المرات التي تعرضوا خلالها للنبذ، ما يشير إلى أن ذاكرتهم متحيزة نحو تذكُّر مواقف الرفض.

وقد يؤدي هذا الإحساس بالإقصاء إلى تضخيم السلوك النرجسي وإلى التعاظم؛ ففي دراسة طولية استمرت 14 عاماً أجرتها بوتنر، تبين أن الأفراد الذين شعروا بالتعرض للإقصاء أصبحوا أشد نرجسية مع مرور الوقت، ربما كآلية دفاعية ذاتية. ولأن السلوك النرجسي يؤدي إلى نفور الآخرين، فإن هؤلاء الأفراد يواجهون مزيداً من الإقصاء الحقيقي، ما يخلق دورة متكررة من الدفاعية والتعاظم. كلما زاد رفضهم، ازداد تضخمهم وتركيزهم على ذواتهم.

نرجسية متضخمة ونرجسية هشة

رغم أن الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسي، يعامل اضطراب الشخصية النرجسية بوصفه حالة واحدة، فإن كثيراً من علماء النفس يميزون بين نوعين:

- النرجسي المتضخم: يَظهَر متعاظماً واثقاً، متفاخراً، ومهيمناً، وغالباً ما يُظهِر استحقاقاً واضحاً.

- النرجسي الهش: يميل إلى الانطواء، شديد الحساسية، ومنغلق في ذاته بصمت. ورغم اعتقاده بأنه مميز، فإنه يبحث باستمرار عن الشعور بالطمأنينة، لا الإعجاب.

في هذا الصدد، أوضحت عالمة النفس الجنائي آفا غرين، أن النرجسي الهش قد يبدو في البداية متواضعاً أو خجولاً، ولكنه يكشف لاحقاً عن توقعاته بتلقي معاملة خاصة وافتقاره إلى الشعور بالتعاطف. أما النرجسي المتضخم، فيُعلن تفوقه بوضوح، ولكنه يعتمد كذلك على انتباه الآخرين للحفاظ على احترامه الذاتي الهش.

ويشترك النوعان كلاهما في عدد من السمات الجوهرية: الشعور بالاستحقاق، والتمركز حول الذات، والتلاعب العاطفي، والتي تتجلى في أساليب مختلفة.

بين الرجال والنساء

تشير إحصاءات إلى أن نحو 75 في المائة من حالات تشخيص اضطراب الشخصية النرجسية تخص رجالاً، ما يوحي بانحياز تشخيصي محتمل؛ فالنرجسية المتضخمة -التي تتسم بالصوت العالي، والثقة الزائدة، والسعي وراء المكانة- تُعتبر أكثر قبولاً اجتماعياً لدى الرجال، كما أنها أكثر وضوحاً أمام الاختصاصيين النفسيين. أما النرجسية الهشة، والتي غالباً ما تظهر لدى النساء، فقد يجري الخلط بينها وبين القلق أو تدني احترام الذات.

هنا، أوضحت غرين أن النرجسية ليست مرتبطة بالجنس بطبيعتها، وإنما يصوغ المجتمع طريقة ظهورها؛ فالأعراف الثقافية تشجع الرجال على إظهار الهيمنة، بينما تُحفِّز النساء على التواضع. وعليه، تتكيَّف الميول النرجسية بما يتماشى مع هذه التوقعات. وعند قياسها بدقة، تُظهر النساء درجات أعلى من الرجال في النمط الهش من النرجسية، ما يُقلِّص الفجوة المفترضة بين الجنسين.

نرجسية العصر الرقمي

تُوفر البيئة الرقمية الحديثة تربة خصبة لتعبير النرجسيين عن أنفسهم. وتُظهر البحوث أن النرجسية ترتبط بالاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي، والمشاركة المتكررة في الترويج الذاتي على منصات مثل «إنستغرام» و«تيك توك». ومع ذلك، لا يوجد دليل قاطع على أن وسائل التواصل تسبب النرجسية.

وحسب رينيه موتوس، من جامعة إدنبرة، فإن الأدلة على ازدياد النرجسية بسبب الحياة الرقمية ضعيفة. ومع ذلك، تظل الحقيقة أن وسائل التواصل تضخِّم السلوك النرجسي، وتُبرز كل من التعبير الصحي عن الذات والانشغال المَرَضي بها.

اللافت أن النرجسية أصبحت موضوعاً شائعاً عبر الإنترنت؛ فقد تجاوز عدد المنشورات تحت هاشتاغ «النرجسية» على «إنستغرام» حاجز المليون، ويمتلك مؤثرون -مثل المعالجة النفسية راماني دورفاسولا، و«النرجسي المتعافي» لي هاموك- جمهوراً واسعاً يتابع مناقشاتهم حول تأثير النرجسية. ورغم أن هذا الظهور يُساعد الضحايا على التعرف على الإساءة، فإنه يسهم في الوقت نفسه في نشر معلومات خاطئة.

وهنا، تحذر سارة ديفيز من أن مصطلح «نرجسي» يُستخدم الآن بشكل مبالغ فيه لوصف أي سلوك أناني أو غير ناضج، ما يُعقِّد التمييز السريري الحقيقي.

ويُعد صعود «مدربي النرجسية» غير المؤهلين، مصدرَ قلق إضافياً؛ فبعض المؤثرين الذين يدَّعون قدرتهم على شفاء صدمات الآخرين يفتقرون إلى التدريب المهني. وتكمن المفارقة في أن طريقتهم في الترويج لأنفسهم قد تكون نرجسية بحد ذاتها. وأكدت ديفيز على ضرورة اللجوء إلى المعالجين المؤهلين والموثوقين، مثل منظمة «See Through NPD» في المملكة المتحدة، أو الخط الساخن الوطني للعنف المنزلي في الولايات المتحدة؛ خصوصاً أن العلاج المناسب يُساعد الناجين على فهم الإساءة النرجسية والتعافي منها.

هل يمكن للنرجسيين أن يتغيروا؟

يشكل رفض النرجسيين فحص الذات عائقاً كبيراً أمام العلاج؛ فمعظمهم لا يعترفون بالخطأ ولا يرون أنفسهم بحاجة للمساعدة. ومع ذلك، هناك بعض الأدلة على إمكانية التغيير عند توفر الالتزام والدعم المهني. وأظهرت دراسة أجرتها كلية الطب بجامعة هارفارد عام 2024، وشملت 8 أشخاص جرى تشخيصهم باضطراب الشخصية النرجسية، وخضعوا لعلاج نفسي مكثف طويل الأمد -إما لعلاج نفسي ديناميكي وإما لعلاج سلوكي جدلي (psychodynamic or dialectical behavior therapy)- أنهم بعد 5 سنوات تقريباً لم يعودوا يستوفون معايير التشخيص. وأبلغوا عن تحسن في قدرتهم على التعاطف، واستقرار في العلاقات، وحصولهم على وظائف ذات مغزى حقيقي. ورغم ندرة هذه الحالات، فإنها تُثبت أن التغيير -رغم صعوبته- ليس بالأمر المستحيل.

ومع ذلك، فإن مثل هذه النتائج تتطلب درجة عالية من الوعي الذاتي، السمة التي يفتقر إليها معظم النرجسيين. وإن محاولة إقناع شخص يرفض الاعتراف بأي خطأ هي مضيعة للجهد؛ خصوصاً أن وجهة نظرهم لا تسمح بوجود شعور بالذنب، وفي بعض الأحيان، يكون الابتعاد عنهم الخيار الأنسب صحة للآخرين.

في نهاية المطاف، فإن العلم يرسم صورة للنرجسية بوصفها طيفاً نفسياً معقداً؛ لا مجرد وصمة أخلاقية؛ فالنرجسيون هم جناة، ولكنهم كذلك ضحايا عالقون داخل دوائر من انعدام الأمان، والدفاعية، والعزلة. كما أن افتتان المجتمع بهذه السمة يعكس هوس العصر الرقمي بالصورة والمكانة والتحقق الاجتماعي. لقد ساعد الوعي المتزايد الضحايا في التعرف على الإساءة النرجسية، ولكنه في الوقت ذاته غيَّب الحدود بين النرجسية المرضية والتركيز العادي على الذات.

إن الفهم الحقيقي للنرجسية يتطلب قدراً من التوازن: التعاطف مع الضحايا، والدقة العلمية في التشخيص، والاعتراف بأن من فقدوا اتصالهم بإنسانيتهم قد يعيدون اكتشافها، إذا توفر لهم الدعم.

مجلة «نيوساينتست»

خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

ماذا يحدث للجسم عند تناول الشوفان بانتظام؟

صحتك الشوفان غني بالألياف التي تدعم صحة القلب والجهاز الهضمي (بيكسباي)

ماذا يحدث للجسم عند تناول الشوفان بانتظام؟

يُعدّ تناول الشوفان أمراً مفيداً في العموم، لأنه مصدر غني بالألياف التي تدعم الصحة، لكنه قد لا يكون مناسباً للأشخاص الذين يعانون حساسية الغلوتين.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك غالباً ما يكون العطش علامة متأخرة على الجفاف (رويترز)

7 أخطاء شائعة قد ترتكبها عند شرب الماء... والحل

يُعدّ الحفاظ على رطوبة الجسم أمراً ضرورياً لوظائفه الحيوية، لكنّ الكثيرين يرتكبون أخطاء بسيطة يومياً قد تُؤدّي إلى الجفاف دون أن يُدركوا ذلك.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك طبق الشوفان يعتبر من أكثر وجبات الإفطار شيوعاً حول العالم (بيكسلز)

طريقة غير متوقعة لتحسين الشوفان بمكوّن واحد فقط

يُعدّ دقيق الشوفان من أكثر وجبات الإفطار شيوعاً حول العالم، نظراً لقيمته الغذائية العالية وقدرته على توفير شعور طويل بالشبع.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي فلسطينيون يتفقدون الأضرار في «مستشفى الشفاء» بعد انسحاب القوات الإسرائيلية من المستشفى في مدينة غزة يوم 1 أبريل 2024 (رويترز)

«الصحة العالمية» تحذّر من «نقص حاد» في المعدات الطبية بقطاع غزة

حذّرت منظمة الصحة العالمية، الجمعة، من نقص حاد في المعدات الطبية يمنع المستشفيات والمراكز الصحية من العمل بكامل طاقتها في غزة.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
صحتك الكركم يضم مركبات نشطة بيولوجياً تمتلك خصائص مضادة للالتهابات والبكتيريا والفطريات (بيكسلز)

الكركم والجروح: هل يساعد حقاً في وقف النزيف؟

يُعدّ الكركم من أشهر التوابل الطبيعية ذات اللون الأصفر الزاهي، ويُستخدم على نطاق واسع في الطهي والطب التقليدي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

تكلفة خفية عالية للذكاء الاصطناعي... للمؤسسات التي تتبناه بسرعة مفرطة

تكلفة خفية عالية للذكاء الاصطناعي... للمؤسسات التي تتبناه بسرعة مفرطة
TT

تكلفة خفية عالية للذكاء الاصطناعي... للمؤسسات التي تتبناه بسرعة مفرطة

تكلفة خفية عالية للذكاء الاصطناعي... للمؤسسات التي تتبناه بسرعة مفرطة

السرعة هي المعيار في مجالس الإدارة اليوم... حيث تتقلص دورات تطوير المنتجات، وتُجهز خطط الاستراتيجية في ساعات، لا أسابيع. كما أصبح التنسيق بين مختلف الأقسام - الذي كان يمثل عائقاً أمام التنفيذ - أكثر سلاسة... ويبدو ذلك كله بفضل الذكاء الاصطناعي، كما كتب خوليو ماريو أوتينو (*).

انحسار صعوبة التنسيق... وإضعاف حدة التفكير

يبدو هذا تقدماً. لكن ثمة تحولاً أقل وضوحاً يجري الآن، وله تبعات مباشرة على الابتكار والميزة التنافسية. ففي حين يُزيل الذكاء الاصطناعي صعوبة التنسيق، فإنه يُضعف أيضاً حدة التفكير: أي ذلك التوتر المُثمر الذي تنبثق من خلاله الأفكار الأصلية.

تقليد للأمس... وليس إبداعاً للمستقبل

والمؤسسات التي تُبالغ في تحسين السرعة والتنسيق تُخاطر بأن تُصبح مُقلدة سريعة لمنطق الأمس بدلاً من أن تكون مُبدعة للمستقبل.

لماذا يهمها هذا الأمر الآن؟ على مدى عقود، استثمرت الشركات بكثافة في إزالة الصعوبات - تبسيط العمليات، وتحسين التواصل، وتسريع عملية اتخاذ القرار. كان المنطق سليماً لأن عدم الكفاءة مُكلف.

الذكاء الاصطناعي يسهّل الأعمال

ويُكمل الذكاء الاصطناعي هذا المسار - بدمج عمليات التفسير، والتركيب، واتخاذ القرار في خطوة واحدة. عندما يظهر خلافٌ ما - حول توجه المنتج، أو دخول السوق، أو تخصيص الموارد - يمكن للذكاء الاصطناعي فوراً:

* تلخيص وجهات النظر المتضاربة

* دمج البيانات

* توليد توصية «متوازنة»

انحسار الأصالة

وما كان يستغرق أياماً أصبح يُنجز في دقائق. والنتيجة ليست مجرد تنفيذ أسرع، بل هي نمط تفكير مختلف. ويظهر هذا الاختلاف (بين الذكاء الاصطناعي وفكر الإنسان) جلياً في أهم جوانبه: في أصالة ما تُنتجه المؤسسات.

شحذ الأفكار أكثر قيمة للقرارات الحكيمة

نادراً ما تنبع الأفكار القيّمة من عمليات سلسة، بل إنها تنبع من التوتر – للإحاطة بالتفسيرات المتضاربة، والخلافات العالقة، والأطر غير المتوافقة.

هذا النوع من الاحتكاك يبدو غير فعال، فهو يُبطئ الاجتماعات، ويُعقّد القرارات، ويُعيق الوصول إلى نتيجة. لكنه يؤدي وظيفة بالغة الأهمية: فهو يُجبرنا على كشف الافتراضات ويمنع القرار المتسرع.

* الفِرق الصغيرة الأقل انسجاماً هي الأكثر قدرة على إنتاج أفكار ثورية *

فرق صغيرة وكبيرة

تُظهر دراسات واسعة النطاق للأعمال العلمية والتقنية - تشمل عشرات الملايين من الأوراق البحثية، وبراءات الاختراع، ومشاريع البرمجيات - باستمرار أن الفرق الصغيرة الأقل انسجاماً هي الأكثر قدرة على إنتاج أفكار ثورية. بينما تميل المجموعات الأكبر حجماً والأكثر تنسيقاً إلى تحسين المسارات القائمة.

يكمن الفرق فيما إذا كان الخلاف يستمر لفترة كافية لتوليد شيء جديد. يُغيّر الذكاء الاصطناعي هذا التوازن.

التحوّل من الاستكشاف إلى التحسين

تتميز أنظمة الذكاء الاصطناعي بقدرة فائقة على التركيب. فهي تجمع المدخلات، وتحدد الأنماط، وتُنتج مخرجات متماسكة تُوفّق بين الاختلافات. لكن التماسك لا يُساوي الأصالة.

عندما تعتمد الفرق على الذكاء الاصطناعي لحل الخلافات مبكراً جداً، فإنها تتحوّل - غالباً دون قصد - من الاستكشاف إلى التحسين. فبدلاً من تطوير الأفكار المتنافسة بشكل كامل، تتقارب على حلول هجينة معقولة وقابلة للدفاع عنها وتدريجية.

اختبار افتراضي لتطوير المنتجات

لنفترض أن فريقاً لتطوير منتج ما، يناقش جوانب الإصدار المقبل لهذا المنتج.

يُجادل فريقٌ ما بضرورة تعميق المنتج الأساسي - تحسين الموثوقية وتعزيز الميزات الحالية في حين يدفع فريقٌ آخر نحو التوسع في جوانب أخرى للمنافسة في سوق جديدة.

وفي السابق، ربما استمر هذا التوتر لأيام: بيانات متضاربة، روايات متنافسة، احتكاكات لم تُحل. أما الآن فيطلب الفريق الآن من الذكاء الاصطناعي تحليل ملاحظات المستخدمين، واتجاهات السوق، والمؤشرات الداخلية. وفي غضون دقائق، يُنتج خريطة طريق متوازنة تجمع بين عناصر كلا النهجين.

الخطة سليمة، لكنها آمنة. فالتوتر (شحذ الأفكار) الكامن لا يتطور بشكل كامل، والنتيجة تُحسّن الوضع الراهن بدلاً من تحديه.

عندما تصبح الاستراتيجية مثالية أكثر من اللازم

تظهر هذه الديناميكية نفسها على أعلى المستويات. في نقاش تنفيذي حديث حول تحول استراتيجي، استخدم فريق القيادة الذكاء الاصطناعي لتحليل ظروف السوق، وتحركات المنافسين، وبيانات الأداء الداخلي في الوقت الفعلي. وقد وفّر النظام خيارات مُرتبة حسب احتمالية النجاح.

وتحوّل النقاش فوراً إلى تحسينها، وتم التوصل سريعاً إلى قرار. بعد ذلك، لاحظ أحد المشاركين: «لم يكن على أي منا الدفاع عن موقفه بشكل كامل».

كانت الاستراتيجية متماسكة، لكنها لم تُختَبر في ظل صراع فكري حقيقي.

المناقشات مهمة لتطوير الأفكار القوية

في البيئات المعقدة، يُمثل هذا الاختبار الآلية التي تفشل من خلالها الأفكار الضعيفة وتتطور الأفكار القوية. أما إذا توصل الفريق إلى اتفاق فوري، فإما أن المشكلة بسيطة للغاية، أو أن التفكير غير مكتمل. وهذا، فإن الذكاء الاصطناعي يسهل الخلط بين السرعة والدقة. فعندما تصل الإجابات بسرعة وتُحل الخلافات بسهولة، يُوحي ذلك بأن العمل الشاق قد أُنجز.

* على القادة أن يُحدّدوا بدقة المجالات التي يُسرّع فيها الذكاء الاصطناعي العمل *

علينا العمل بشكل مختلف

الهدف ليس مقاومة الذكاء الاصطناعي، بل التمييز بين العقبات التي تُبطئ التنفيذ وتلك التي تُتيح الاكتشاف. وعلى القادة أن يُحدّدوا بدقة المجالات التي يُسرّع فيها الذكاء الاصطناعي العمل، والمجالات التي لا ينبغي له ذلك.

* حماية الخلافات الجوهرية: عندما ينقسم الفريق حول سؤال أساسي، غالباً ما يكون هذا الانقسام مؤشراً على وجود فرصة. يجب عليك عدم إيكال حله إلى جهة خارجية مُبكراً.

* الفصل بين التباين والتقارب: شجّع على تطوير الأفكار بشكل مستقل قبل دمجها لان التكامل المُبكر يُعيق الإبداع.

* تصميم بيئة تُحفز على التفكير النقدي البنّاء: اجمع وجهات النظر التي لا تتوافق بشكل طبيعي، وأعطها الوقت الكافي للتطور.

* تقييم سلاسة الحوار: إذا بدت المناقشات سهلة بشكل غير معتاد، فاسأل عن الافتراضات التي لم تُناقش.

* استخدام الذكاء الاصطناعي كناقد، لا كأداة حاسمة: اطلب منه اختبار القرارات وكشف نقاط الضعف، لا أن يُقدم إجابة نهائية.

خطر الانزلاق في أمور خاطئة

سيجعل الذكاء الاصطناعي المؤسسات أكثر كفاءة. لكن الخطر يكمن في اتجاه واحد: أن تُصبح المؤسسات فعّالة في الأمور الخاطئة. فالسرعة والتوافق والانسجام عناصر قيّمة، لكنها قد تُعيق التوتر الذي يُحفّز الابتكار.

لطالما تعاملت الشركات مع الاحتكاكات كتكلفة يجب التخلص منها. في الواقع، تُعدّ بعض أشكال الاحتكاكات مورداً يجب إدارته. يُتيح الذكاء الاصطناعي إمكانية إزالة هذا المورد بشكل شبه كامل. سيحظى القادة الذين يُدركون ما يجب الحفاظ عليه بالأفضلية.

* مجلة «فاست كومباني»


الأركان الثلاثة للحبّ... محاولات علمية لحلّ لغزه

الأركان الثلاثة للحبّ... محاولات علمية لحلّ لغزه
TT

الأركان الثلاثة للحبّ... محاولات علمية لحلّ لغزه

الأركان الثلاثة للحبّ... محاولات علمية لحلّ لغزه

بينما كنتُ أتجه مباشرةً نحو قاعة مؤتمرات مضاءة بإضاءة خافتة تعجّ بأجواء اللقاء الأول، شاهدت زوجين مغرمين يتعانقان في ردهة فندق. كنت أحضر اجتماعات مؤتمر حول الحب، كما كتبت كاريسا وونغ في مجلة«نيوساينست».

مؤتمر «علوم الحب»

«الحب بين الواقع والنظرية: من أجل علم راسخ حول الحب» (Love, actually and in theory: Towards a robust science of love) كان عنوان المؤتمر الذي أقامته الجمعية الملكية في أدنبره باسكوتلندا، هذا الشهر. وبصفتي إنسانة رومانسية، آملت أن أجد إجابةً لأحد أكبر ألغاز الحياة: ما الحب؟

على مدار اليومين التاليين، استمعتُ إلى عشرات الباحثين - من علماء الأحياء التطورية وعلماء الأعصاب إلى علماء النفس - وهم يشاركون وجهات نظرهم حول ذلك الشيء الغريزي المراوغ المسمى الحب، مع تركيز كبير على الحب الرومانسي.

«حدث علمي «جلَل»

شكّل هذا الاجتماع المرة الأولى التي يجتمع فيها العديد من أبرز الباحثين في مجال الحب في مكان واحد. قال لي آدم بودي من جامعة ملبورن، أستراليا، في منتصف المؤتمر وعيناه تدمعان: «هذا حدثٌ جللٌ لعلم الحب. إنه يدفعني للبكاء».

يقول بودي إن أبحاث الحب عانت دوماً من نقص التمويل نظراً لاعتبارها علماً «غير دقيق». ويضيف: «كان هناك انطباع منذ البداية بأن علم الحب ليس علماً جاداً».

الجمعية الملكية تموّل الأبحاث

إن حقيقة أن أقدم مؤسسة علمية في العالم، وربما الأكثر احتراماً، تموّل باحثين من جميع أنحاء العالم ليأتوا ويتحدثوا عن الحب، تمنحه قدراً من المصداقية التي أعتقد أنها كانت مفقودة حتى الآن».

لا اتفاق على تعريف الحب

لدراسة الحب، نحتاج أولاً إلى تعريفه، وهو أمر معقد. وقالت مارتا كوال من جامعة فروتسواف في بولندا للمؤتمر: «نحن، كباحثين، لم نصل بعد إلى مرحلة الاتفاق على تعريف الحب».

يرى البعض الحب ببساطة على أنه عاطفة. ففي النهاية، نشعر به بشكل شخصي، تماماً كما يختلف الشعور بالفرح أو الحزن من شخص لآخر، كما أنه ليس منطقياً دائماً. من جهته يقول بودي: «لقد اهتممت بالحب لأنني وقعت في حب شخص لم أكن أرغب فيه، وأردتُ أن أفهم ذلك».

الحب الرومانسي أكثر من عاطفة

لكن معظم الباحثين الذين تحدثت إليهم اتفقوا على أن الحب الرومانسي أعمق بكثير من مجرد عاطفة. ويُطرح منظور بديل مفاده أنه حالة تحفيزية تُعرَّف بأنها تدفعنا إلى البقاء قريبين من شركائنا، وفي بعض الحالات، إلى التكاثر؛ ما يُطيل أمد بقاء جنسنا البشري.

جزء من نظام البقاء... مثل الجوع والعطش

وقد دعمت دراسات تصوير الدماغ هذا الرأي؛ إذ وجدت أن الحب يُنشِّط مسارات المكافأة في عمق جذع الدماغ، وهي المسارات التي تتحكم في الدوافع الأساسية. وقالت لوسي براون، من كلية ألبرت أينشتاين للطب في نيويورك، في المؤتمر: «إنه جزء من نظام بقائنا، كالجوع والعطش».

*الألفة والشغف والالتزام الأركان الثلاثة للحب*

ثلاثة أركان

مع ذلك، يُفضِّل علماء آخرون النظر إلى الحب من منظور فكرة نفسية راسخة طرحها روبرت ستيرنبرغ في جامعة كورنيل بولاية نيويورك. وتفترض هذه الفكرة أن للحب ثلاثة أركان أساسية: الألفة، والشغف، والالتزام. وبينما تشير الألفة إلى الرغبة في التقارب العاطفي مع الآخر؛ فإن الشغف يتعلق بإيجاد شخص جذاب جسدياً؛ بينما يُجسِّد الالتزام الرغبة في الحفاظ على العلاقة.

مراحل الحب الرومانسي

يتفق الباحثون على أن الحب الرومانسي يمر بمراحل متميزة؛ فهناك مرحلة شهر العسل الأولية المليئة بالرغبة الجامحة، التي تدوم عادةً لمدة عام أو عامين، تليها مرحلة الحب القائم على الرفقة. يقول كوال: «إنها (الرفقة) أكثر واقعية من كونها شاعرية - فهي أقل حدة. لكنها ليست مرحلة فاصلة واضحة، بل هي أشبه بسلسلة متصلة، ويمكن للشخص أن ينتقل من جانب إلى آخر».

الأشخاص الذين وقعوا في الحب حديثاً قد يقضون نصف ساعات يقظتهم في التفكير بمن يحبون

ويقول بودي إن الشعور بالهوس الذي غالباً ما يصاحب الحب العاطفي يمكن إدراجه أيضاً في تعريفه. وأخبر المؤتمر أن الأشخاص الذين وقعوا في الحب حديثاً يقضون ما يقرب من نصف ساعات يقظتهم يفكرون فيمن يحبون، مما يجعلهم عرضة للتشتت بسهولة. لا أعتقد أنه ينبغي السماح لمن وقعوا في الحب حديثاً بقيادة السيارات، وأنا أعمل على منحة بحثية في هذا الشأن.

خطط مستقبلية لتعريف للحب

في نقاش أخير، استمعتُ إلى باحثين يضعون خططاً لتقديم تعريفات متعددة للحب في ورقة علمية خلال الأشهر المقبلة. أنا متأكد من أنها لن تحل لغز الحب، لكنني ما زلت أعتقد أنها محاولة جديرة بالاهتمام؛ فالحب هو ما أعيش من أجله، بل ومن أجل الكثيرين غيري.


كيف ستُغيّر مهمة «ناسا» القمرية المقبلة الاقتصاد العالمي؟

كيف ستُغيّر مهمة «ناسا» القمرية المقبلة الاقتصاد العالمي؟
TT

كيف ستُغيّر مهمة «ناسا» القمرية المقبلة الاقتصاد العالمي؟

كيف ستُغيّر مهمة «ناسا» القمرية المقبلة الاقتصاد العالمي؟

قد ينتج مجال المنافسة المقبل حول استكشاف القمر تقديم خدمات لوجستية خارج كوكب الأرض، مثل الشحن القمري، وأنظمة النقل على سطحه، واستخدام الروبوتات، وتطوير أنظمة الطاقة. كما يُمهّد برنامج «أرتميس» الأميركي الطريق لاقتصاد قمري تجاري، كما كتبت لوسيا أورباخ(*).

كشوفات جديدة

في الشهر الماضي، انطلق 4 رواد فضاء إلى أبعد نقطة وصل إليها أي إنسان من قبل، إذ صعد كل من ريد وايزمان، وفيكتور غلوفر، وكريستينا كوتش، وجيريمي هانسن على متن مركبة «أرتميس 2» التابعة لـ«ناسا»، مُسجّلين بذلك أول رحلة مأهولة إلى القمر منذ أكثر من 50 عاماً.

وقد شاهد الطاقم أجزاء من القمر لأول مرة، بما في ذلك تباينات الألوان، والتضاريس المتعرجة الفريدة، والفوهات الصغيرة الساطعة التي بدت كأنها «أغطية مصابيح بها ثقوب صغيرة جداً ينفذ منها الضوء»، كما قالت كوتش.

موقع مأهول على القمر

بعد نجاح هبوطها على الأرض، تستعد وكالة «ناسا» لإطلاق مزيد من المهمات القمرية، بما في ذلك مهمة مُقررة في عام 2028، بهدف تهيئة البشرية لتحويل القمر بشكل دائم إلى موقع مأهول بالسكان.

قبل إطلاق مهمة «أرتميس 2»، صرّح جاريد إسحاقمان مدير «ناسا»، في بيان صحافي بأنهم «ملتزمون بتحقيق ما يُعتبر شبه مستحيل مرة أخرى، وهو العودة إلى القمر قبل نهاية ولاية الرئيس ترمب، وبناء قاعدة قمرية، وترسيخ وجود دائم، والقيام بكل ما يلزم لضمان الريادة الأميركية في الفضاء».

مركز علمي وأسطول من المركبات

وإذا تمكنت «ناسا» من الالتزام بتنفيذ خططها فقد سيصبح القمر موقعاً لما هو أقرب إلى ما لدينا على الأرض، مركزاً للصناعة والعلوم، تتخلله أسطول من المركبات القمرية، تعمل بالطاقة النووية، ونقطة انطلاق لمغامرات كونية أبعد في المستقبل.

بناء قاعدة على سطح القمر

ويخطط الأميركيون لبدء بناء قاعدة على القطب الجنوبي للقمر عام 2028.

يُشبه القطب الجنوبي للقمر صحراء بركانية، فهو موطن لتقلبات حرارية هائلة تصل إلى مئات الدرجات، بالإضافة إلى الغبار القمري والإشعاع الكوني. ولكنه يحتوي أيضاً على احتياطيات كبيرة من المياه المتجمدة، وهو المورد الذي يجعل القمر جذاباً للغاية للمستثمرين. ووفقاً لما صرح به جورج ساورز، مهندس ميكانيكي في كلية كولورادو للمناجم، لمجلة «ناشيونال جيوغرافيك» فإن: «الماء هو نفط الفضاء».

ستكون هناك عدة مهمات أخرى ضمن برنامج «أرتميس» قبل إطلاق المهمة الأولى لإجراء تجارب عملية. ستختبر مهمة «أرتميس 5» العناصر التكنولوجية الأساسية للتأكد من سلامة عملية البناء حتى في مراحلها الأولى.

* إنشاء قاعدة مأهولة دائمة على القمر تُشبه إلى حد كبير محطة الفضاء الدولية*

روبوتات ورواد فضاء لبناء منشآت قمرية

ستشمل المرحلة الثانية زيارات منتظمة من الروبوتات ورواد الفضاء للمساعدة في وضع الأساسات الأولية. وتصف «ناسا» هذه المرحلة بأنها بناء «بنية تحتية شبه صالحة للسكن»، لكنها لم تُقدم تعريفاً أكثر تفصيلاً.

ستشمل المرحلة الثالثة عمليات نقل شحنات ثقيلة وإسهامات من وكالات الفضاء الشريكة لإنشاء قاعدة مأهولة دائمة تُشبه إلى حد كبير محطة الفضاء الدولية.

وسائل نقل قمرية

يقول تيم كرين، وهو أحد مؤسسي شركة «إنتويتيف ماشينز»، وهي شركة لاستكشاف الفضاء مقرها هيوستن، في معرض حديثه عن نجاح مهمة «أرتميس»: «لقد كانت فرصة ذهبية». وتركز شركته حالياً على تطوير تقنيات القمر، بما في ذلك وسائل النقل على سطح القمر ومركبات الهبوط الخاصة بالشحنات.

ويؤكد كرين أن شكل القمر بعد تطويره لن يكون شبيهاً بالبنية التحتية للمدن التي نعرفها، وبدلاً من ذلك، ستكون هناك مراكز نائية تعمل محطات علمية متخصصة في دراسة الرواسب الغنية بالمياه في الفوهات أو محطات توليد الطاقة.

مركبات استكشاف التضاريس

وقد اختارت وكالة «ناسا» شركة «إنتويتيف ماشينز» لبناء مركبات استكشاف التضاريس القمرية (LTVs)، بالإضافة إلى مشروع «لونار آوتبوست» ومختبر «فينتوري أسترولاب». تُعتبر المركبات القمرية الخفيفة (LTVs) بمثابة «عربة القمر» الحديثة التي رافقت مهمات أبولو في سبعينات القرن الماضي. وستكون هذه المركبات الحديثة ذاتية التشغيل إلى حد كبير؛ حيث ستتجول وتعمل بشكل مستقل بينما يقوم رواد الفضاء بالمهام الحيوية.

بداية اقتصاد قمري

وتقول لوري غليز، مديرة برنامج «من القمر إلى المريخ» التابع لـ«ناسا»، إنه بمجرد إنشاء الأنظمة على سطح القمر، ستتاح الفرصة لبدء «اقتصاد قمري تجاري». ومن المتوقع أن يكون استخراج الموارد القمرية هو الصادرات الرئيسية.

وسيُتيح وجود الماء تقليل اعتماد العمليات القمرية على إمدادات الأرض. الهيليوم-3 نظير نادر وغير مشع للهيليوم، ويوجد بوفرة على سطح القمر، في حين يندر وجوده على الأرض.

نظير الهيليوم لتبريد مراكز البيانات

يتمتع الهيليوم-3 بخصائص تبريد معينة قد توفر بدائل لتبريد مراكز البيانات كثيفة الاستهلاك للطاقة وأجهزة الكمبيوتر الكمومية العملاقة، فضلاً عن كونه مصدراً جديداً للوقود في الاندماج النووي.

* نمو الاقتصاد الفضائي سيضاهي حجم الاقتصاد الأرضي خلال 50 عاماً*

ازدهار الفضاء

ويقول فيليب ميتزجر، خبير هندسة رحلات الفضاء في معهد فلوريدا للفضاء: «قد ينمو الاقتصاد الفضائي ليُضاهي حجم الاقتصاد الأرضي خلال 50 عاماً».

ويعتمد نجاح هذا الاقتصاد الجديد على قدرة رواد الفضاء ومركبات النقل القمرية على إيجاد كميات كافية من المياه. ومن دون ذلك، ستكون أي تطورات بلا جدوى. لكن في حال العثور على الماء، سيحتاجون أيضاً إلى وضع آلية لحماية القاعدة من اصطدامات النيازك. ومع تجاوز هذين العائقين الرئيسيين، قد يصبح تشغيل الأنظمة ممكناً.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».