العلم يسلِّط الأضواء على حقيقة النرجسيين

الشعور بالعظمة والسعي المستمر لنيل الإعجاب وانعدام التعاطف أهم سماتهم

العلم يسلِّط الأضواء على حقيقة النرجسيين
TT

العلم يسلِّط الأضواء على حقيقة النرجسيين

العلم يسلِّط الأضواء على حقيقة النرجسيين

كان مصطلح النرجسية -في السابق- محصوراً في علم النفس والأساطير الكلاسيكية، ولكنه اليوم أصبح متداولاً في الأحاديث اليومية. وانتقل هذا المصطلح من كونه مفهوماً يغلِّفه الغموض إلى أن أصبح شائعاً في الثقافة العامة ووسائل التواصل الاجتماعي؛ إلا أنه غالباً ما يُستخدم بصورة مفرطة في التبسيط، أو بصورة خاطئة.

في هذا السياق، نستعرض اضطراب الشخصية النرجسية (NPD) وفقاً لما يطرحه العلم، ونشرح الفروقات بين أنواعه، وما إذا كان بإمكان النرجسيين التغيير.

من الأسطورة إلى التشخيص الحديث

يرجع الاهتمام بالإعجاب المفرط بالذات إلى قصة نرجس في أعمال أوفيد؛ حيث وقع نرجس في حب انعكاس صورته حد الموت. وقد بدأ المصطلح يأخذ طابعاً طبياً في أواخر القرن التاسع عشر، حين استُخدم مصطلح «النرجسية» لوصف الإشباع الذاتي المفرط بالرضا.

وبحلول عشرينات القرن الماضي، استعان الأطباء النفسيون بالمصطلح للإشارة إلى اضطراب في الشخصية، ولكن لم يتم الاعتراف رسمياً باضطراب الشخصية النرجسية (narcissistic personality disorder) حتى عام 1980، عندما أُدرج في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM).

في المجمل، يتسم اضطراب الشخصية النرجسية بالشعور بالعظمة، والسعي المستمر لنيل الإعجاب، وانعدام التعاطف. ويميل المصابون إلى المبالغة في إبراز مواهبهم وإنجازاتهم، ويشعرون بأنهم يستحقون معاملة خاصة، ويحتاجون باستمرار إلى التقدير. ومع أن مظهرهم يوحي بالثقة، فإن هذا القناع يخفي خلفه هشاشة عاطفية وحساسية مفرطة تجاه النقد. ويمكن أن يمارس النرجسيون دور التلاعب بالآخرين دون إحساس بالذنب، وأحياناً يتجاوزون الحدود بالإساءة العاطفية أو الجسدية.

وتشير العالمة النفسية سارة ديفيز -مؤلفة كتاب «نشأتُ على يد نرجسيين»- إلى أن ليس كل النرجسيين مسيئين، إلا أن تلاعبهم وقيامهم بـ«التلاعب النفسي» (gaslighting) يجعل من الصعب أحياناً رصد الأضرار التي يسببونها. وتُعد النرجسية أحد أضلاع «الثالوث المظلم» من السمات الاجتماعية الضارة، إلى جانب «السيكوباتية» (psychopathy) (الافتقار إلى التعاطف من جهة والاندفاعية من جهة أخرى) و«المكيافيلية» (psychopathy) (التلاعب الاستراتيجي).

قياس النرجسية وانتشارها

تساعد أداة «اختبار الشخصية النرجسية» (Narcissistic Personality Inventory– NPI) في قياس الميول النرجسية لدى عامة الناس. ومع ذلك، يتطلب التشخيص الرسمي تقييماً سريرياً، وهو أمر نادر الحدوث؛ لأن معظم النرجسيين لا يسعون لتلقي العلاج. وحسبما أوضحت ديفيز: «النرجسي الحقيقي دائماً ما يعتقد أن المشكلات سببها الآخرون».وتشير بحوث واسعة في الولايات المتحدة إلى أن نحو 6.2 في المائة من الناس يستوفون معايير اضطراب الشخصية النرجسية، بينما تشير دراسات أخرى إلى متوسطات أقل، تقارب 1 في المائة. ورغم التباين في الأرقام، يرى معظم علماء النفس أن النرجسية تشكل طيفاً. وهنا، توضح إيمي كوسكينن، من جامعة هلسنكي، أن الثقة الصحية بالنفس، والطموح، يمكن أن يكونا أمرين مفيدين، ولكن حين يبلغان حد المبالغة، فإنهما يؤديان إلى تدمير العلاقات الاجتماعية وإلى العزلة العاطفية.

مفارقة التعاطف

في حين يُعرف النرجسيون بافتقارهم إلى التعاطف، فإن الواقع في حقيقته أشد تعقيداً. وكشف تحليل أُجري عام 2023 أنهم قد يحتفظون بالتعاطف المعرفي -أي القدرة على إدراك مشاعر الآخرين- لكنهم يفتقرون إلى التعاطف العاطفي، أي القدرة على الشعور بهذه المشاعر.

ويعني ذلك أن النرجسيين قد يفهمون مشاعر الآخرين، ولكنهم يستخدمون هذه المعرفة للتلاعب بهم بدلاً من التعاطف معهم.

يتعايش هذا المنظور المتمركز حول الذات مع حساسية عاطفية مفاجئة، فالنرجسيون ليسوا بمنأى عن الألم؛ بل على العكس، لديهم قدرة عالية على رصد الرفض (من قبل الآخرين). وفي إحدى الدراسات، شارك أشخاص في لعبة كومبيوتر تُقصيهم عن التفاعل مع الآخرين. وأظهرت فحوصات الدماغ أن من سجلوا درجات أعلى في مقياس النرجسية، أظهروا نشاطاً أكبر في مناطق الدماغ المرتبطة بالضيق النفسي. ومن هنا تظهر المفارقة: فالنرجسيون يتوقون للإعجاب، ولكنهم يُجرَحون بسهولة من الإهانات البسيطة.

ودفعت هذه النتائج الباحثين إلى اعتبار النرجسية بمنزلة آلية دفاعية تحمي من شعور انعدام الأمان الداخلي؛ فالصورة المتضخمة للذات ما هي إلا درع تحمي الأنا الهشة. وتدعم بحوث كوسكينن هذا الطرح؛ إذ أظهرت تجارب تقيس مستويات التوتر في أثناء المحادثات الحميمة، أن المشاركين ذوي الدرجات العالية في النرجسية أظهروا علامات فسيولوجية أكبر ترتبط بالشعور بالتوتر، مثل زيادة التعرق عند الحديث عن مشاعرهم الشخصية. وتولد هذه الحاجة المستمرة لإثارة إعجاب الآخرين حالة من التوتر المزمنة.

دور الإقصاء في التعاظم

من جهتها، وجدت كريستيان بوتنر، من جامعة بازل، أن النرجسيين يميلون إلى تفسير الرفض الاجتماعي بشكل مبالغ فيه. فعند قراءة سيناريوهات افتراضية، افترض ذوو الدرجات الأعلى في النرجسية أنهم تعرضوا للإقصاء، حتى عندما لم يكن هناك ما يشير إلى تعمد ذلك. وفي دراسات الحياة اليومية، بالغوا في تقدير عدد المرات التي تعرضوا خلالها للنبذ، ما يشير إلى أن ذاكرتهم متحيزة نحو تذكُّر مواقف الرفض.

وقد يؤدي هذا الإحساس بالإقصاء إلى تضخيم السلوك النرجسي وإلى التعاظم؛ ففي دراسة طولية استمرت 14 عاماً أجرتها بوتنر، تبين أن الأفراد الذين شعروا بالتعرض للإقصاء أصبحوا أشد نرجسية مع مرور الوقت، ربما كآلية دفاعية ذاتية. ولأن السلوك النرجسي يؤدي إلى نفور الآخرين، فإن هؤلاء الأفراد يواجهون مزيداً من الإقصاء الحقيقي، ما يخلق دورة متكررة من الدفاعية والتعاظم. كلما زاد رفضهم، ازداد تضخمهم وتركيزهم على ذواتهم.

نرجسية متضخمة ونرجسية هشة

رغم أن الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسي، يعامل اضطراب الشخصية النرجسية بوصفه حالة واحدة، فإن كثيراً من علماء النفس يميزون بين نوعين:

- النرجسي المتضخم: يَظهَر متعاظماً واثقاً، متفاخراً، ومهيمناً، وغالباً ما يُظهِر استحقاقاً واضحاً.

- النرجسي الهش: يميل إلى الانطواء، شديد الحساسية، ومنغلق في ذاته بصمت. ورغم اعتقاده بأنه مميز، فإنه يبحث باستمرار عن الشعور بالطمأنينة، لا الإعجاب.

في هذا الصدد، أوضحت عالمة النفس الجنائي آفا غرين، أن النرجسي الهش قد يبدو في البداية متواضعاً أو خجولاً، ولكنه يكشف لاحقاً عن توقعاته بتلقي معاملة خاصة وافتقاره إلى الشعور بالتعاطف. أما النرجسي المتضخم، فيُعلن تفوقه بوضوح، ولكنه يعتمد كذلك على انتباه الآخرين للحفاظ على احترامه الذاتي الهش.

ويشترك النوعان كلاهما في عدد من السمات الجوهرية: الشعور بالاستحقاق، والتمركز حول الذات، والتلاعب العاطفي، والتي تتجلى في أساليب مختلفة.

بين الرجال والنساء

تشير إحصاءات إلى أن نحو 75 في المائة من حالات تشخيص اضطراب الشخصية النرجسية تخص رجالاً، ما يوحي بانحياز تشخيصي محتمل؛ فالنرجسية المتضخمة -التي تتسم بالصوت العالي، والثقة الزائدة، والسعي وراء المكانة- تُعتبر أكثر قبولاً اجتماعياً لدى الرجال، كما أنها أكثر وضوحاً أمام الاختصاصيين النفسيين. أما النرجسية الهشة، والتي غالباً ما تظهر لدى النساء، فقد يجري الخلط بينها وبين القلق أو تدني احترام الذات.

هنا، أوضحت غرين أن النرجسية ليست مرتبطة بالجنس بطبيعتها، وإنما يصوغ المجتمع طريقة ظهورها؛ فالأعراف الثقافية تشجع الرجال على إظهار الهيمنة، بينما تُحفِّز النساء على التواضع. وعليه، تتكيَّف الميول النرجسية بما يتماشى مع هذه التوقعات. وعند قياسها بدقة، تُظهر النساء درجات أعلى من الرجال في النمط الهش من النرجسية، ما يُقلِّص الفجوة المفترضة بين الجنسين.

نرجسية العصر الرقمي

تُوفر البيئة الرقمية الحديثة تربة خصبة لتعبير النرجسيين عن أنفسهم. وتُظهر البحوث أن النرجسية ترتبط بالاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي، والمشاركة المتكررة في الترويج الذاتي على منصات مثل «إنستغرام» و«تيك توك». ومع ذلك، لا يوجد دليل قاطع على أن وسائل التواصل تسبب النرجسية.

وحسب رينيه موتوس، من جامعة إدنبرة، فإن الأدلة على ازدياد النرجسية بسبب الحياة الرقمية ضعيفة. ومع ذلك، تظل الحقيقة أن وسائل التواصل تضخِّم السلوك النرجسي، وتُبرز كل من التعبير الصحي عن الذات والانشغال المَرَضي بها.

اللافت أن النرجسية أصبحت موضوعاً شائعاً عبر الإنترنت؛ فقد تجاوز عدد المنشورات تحت هاشتاغ «النرجسية» على «إنستغرام» حاجز المليون، ويمتلك مؤثرون -مثل المعالجة النفسية راماني دورفاسولا، و«النرجسي المتعافي» لي هاموك- جمهوراً واسعاً يتابع مناقشاتهم حول تأثير النرجسية. ورغم أن هذا الظهور يُساعد الضحايا على التعرف على الإساءة، فإنه يسهم في الوقت نفسه في نشر معلومات خاطئة.

وهنا، تحذر سارة ديفيز من أن مصطلح «نرجسي» يُستخدم الآن بشكل مبالغ فيه لوصف أي سلوك أناني أو غير ناضج، ما يُعقِّد التمييز السريري الحقيقي.

ويُعد صعود «مدربي النرجسية» غير المؤهلين، مصدرَ قلق إضافياً؛ فبعض المؤثرين الذين يدَّعون قدرتهم على شفاء صدمات الآخرين يفتقرون إلى التدريب المهني. وتكمن المفارقة في أن طريقتهم في الترويج لأنفسهم قد تكون نرجسية بحد ذاتها. وأكدت ديفيز على ضرورة اللجوء إلى المعالجين المؤهلين والموثوقين، مثل منظمة «See Through NPD» في المملكة المتحدة، أو الخط الساخن الوطني للعنف المنزلي في الولايات المتحدة؛ خصوصاً أن العلاج المناسب يُساعد الناجين على فهم الإساءة النرجسية والتعافي منها.

هل يمكن للنرجسيين أن يتغيروا؟

يشكل رفض النرجسيين فحص الذات عائقاً كبيراً أمام العلاج؛ فمعظمهم لا يعترفون بالخطأ ولا يرون أنفسهم بحاجة للمساعدة. ومع ذلك، هناك بعض الأدلة على إمكانية التغيير عند توفر الالتزام والدعم المهني. وأظهرت دراسة أجرتها كلية الطب بجامعة هارفارد عام 2024، وشملت 8 أشخاص جرى تشخيصهم باضطراب الشخصية النرجسية، وخضعوا لعلاج نفسي مكثف طويل الأمد -إما لعلاج نفسي ديناميكي وإما لعلاج سلوكي جدلي (psychodynamic or dialectical behavior therapy)- أنهم بعد 5 سنوات تقريباً لم يعودوا يستوفون معايير التشخيص. وأبلغوا عن تحسن في قدرتهم على التعاطف، واستقرار في العلاقات، وحصولهم على وظائف ذات مغزى حقيقي. ورغم ندرة هذه الحالات، فإنها تُثبت أن التغيير -رغم صعوبته- ليس بالأمر المستحيل.

ومع ذلك، فإن مثل هذه النتائج تتطلب درجة عالية من الوعي الذاتي، السمة التي يفتقر إليها معظم النرجسيين. وإن محاولة إقناع شخص يرفض الاعتراف بأي خطأ هي مضيعة للجهد؛ خصوصاً أن وجهة نظرهم لا تسمح بوجود شعور بالذنب، وفي بعض الأحيان، يكون الابتعاد عنهم الخيار الأنسب صحة للآخرين.

في نهاية المطاف، فإن العلم يرسم صورة للنرجسية بوصفها طيفاً نفسياً معقداً؛ لا مجرد وصمة أخلاقية؛ فالنرجسيون هم جناة، ولكنهم كذلك ضحايا عالقون داخل دوائر من انعدام الأمان، والدفاعية، والعزلة. كما أن افتتان المجتمع بهذه السمة يعكس هوس العصر الرقمي بالصورة والمكانة والتحقق الاجتماعي. لقد ساعد الوعي المتزايد الضحايا في التعرف على الإساءة النرجسية، ولكنه في الوقت ذاته غيَّب الحدود بين النرجسية المرضية والتركيز العادي على الذات.

إن الفهم الحقيقي للنرجسية يتطلب قدراً من التوازن: التعاطف مع الضحايا، والدقة العلمية في التشخيص، والاعتراف بأن من فقدوا اتصالهم بإنسانيتهم قد يعيدون اكتشافها، إذا توفر لهم الدعم.

مجلة «نيوساينتست»

خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

7 تغيرات في الشخصية في منتصف العمر قد تنذر بالخرف

صحتك سيدة مصابة بالخرف (رويترز)

7 تغيرات في الشخصية في منتصف العمر قد تنذر بالخرف

يشير أطباء نفسيون وباحثون في طب الشيخوخة إلى أن الخرف لا يبدأ دائماً بمشكلات الذاكرة، بل قد تسبقه لسنوات تغيّرات واضحة في الشخصية والسلوك.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك «حمية بورتفوليو» هي أحد أكثر الأساليب الطبيعية فاعلية في خفض الكوليسترول الضار (رويترز)

نظام غذائي قد يخفض الكوليسترول بمقدار الثلث في شهر

في ظل ارتفاع معدلات الكوليسترول، يبرز نظام غذائي مدعوم بالأدلة العلمية، يُعرف باسم «حمية بورتفوليو» كأحد أكثر الأساليب الطبيعية فاعلية في خفض الكوليسترول الضار.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك امرأة تتسوّق من أحد محال البقالة في لوس أنجليس بكاليفورنيا (إ.ب.أ)

أنظمة غذائية تطيل العمر لما يصل إلى 5 سنوات

كشفت دراسة حديثة عن أبرز 5 أنظمة غذائية قد تُطيل أعمارنا حتى 5 سنوات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك محل متخصص لبيع عجينة القطايف والقشدة في رمضان بدمشق (الشرق الأوسط)

طرق صحية لتناول القطايف لمرضى السكري

يمكن لمرضى السكري تناول القطايف باعتدال عبر تقليل الكمية، واختيار حشوات غير محلاة مثل المكسرات أو الجبن قليل الدسم، وتجنب إضافة القطر أو إبداله بالعسل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك زوجان يقفان على صخرة يواجهان غروب الشمس على شواطئ خليج إنجلش في فانكوفر (أرشيفية– رويترز)

التأمل مرتين يومياً قد يحدّ من تطور السرطان وانتشاره

أشارت دراسة علمية إلى أن ممارسة التأمل صباحاً ومساءً، قد تسهم في تقليل احتمالية تطور السرطان وانتشاره لدى المرضى.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات
TT

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

التساؤل عن المستقبل وعما سيحدث لاحقاً، جزء متمم لحياة الإنسان. وفي كل مجتمع بشري، يوجد أفرادٌ يهتمون بدراسة أنماط العالم للتنبؤ بالمستقبل. ففي العصور القديمة، كان الملوك يوظفون المنجمين. أما اليوم، فإن أولئك الأفراد يُطورون النماذج الكمية التي تُحفز الحكومات على ضخ رؤوس الأموال، ويُحددون الشركات الرابحة في «وول ستريت»، ويُقدرون لشركات التأمين احتمالية وقوع الزلازل، ويُخبرون تجار السلع في صناديق التحوط، عن حالة الطقس للشهر المقبل.

مسابقات نخب المتنبئين

وعلى مدى سنوات، يتنافس بعض من نخب المتنبئين في مسابقات يُجيبون فيها على أسئلة حول أحداث ستقع - أو لن تقع - في الأشهر أو السنوات المقبلة. وتشمل الأسئلة مواضيع متنوعة لأنها تهدف إلى قياس القدرة العامة على التنبؤ، وليس التخصص الدقيق. فقد يُطلب من اللاعبين التنبؤ بما إذا كان سيحدث انقلاب في بلد غير مستقر، أو توقع معدل إزالة الغابات في منطقة ما من الأمازون. ويستطيع المتنبئ الذي يُقدم أدق التوقعات، في أقرب وقت ممكن، ربح جائزة نقدية. وربما الأهم من ذلك، الحصول على تقدير من أبرز المتنبئين في العالم.

وقد ازدادت شعبية هذه المسابقات بشكل ملحوظ خلال الطفرة الأخيرة لأسواق التنبؤات مثل بولي ماركت Polymarket وكالشي Kalshi، حيث يتداول مئات الآلاف من الأشخاص حول العالم مليارات الدولارات شهرياً للإجابة على أسئلة تنبؤية مماثلة. والآن، تشارك برامج الذكاء الاصطناعي فيها أيضاً. وفي البداية، لم تحقق هذه البرامج نتائج جيدة: ففي نهاية عام 2024، لم يتمكن أي برنامج ذكاء اصطناعي من احتلال المركز المائة في أي من المسابقات الكبرى. لكنها منذ ذلك الحين قفزت إلى قمة قوائم المتصدرين.

وإن كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي أثبتت بالفعل قدرتها قبل سنوات على تقديم تنبؤات فائقة الدقة في سياق لعبة بشرية، لكنها قد تتفوق علينا قريباً في استشراف مستقبل عالمنا المعقد والمتغير باستمرار.

دخول الذكاء الاصطناعي

تستضيف منصة التنبؤات «ميتاكولوس» Metaculus ثلاث مرات في السنة، بطولةً تُعرف بطرح أسئلتها الصعبة للغاية. ويقول بن شيندل، عالم المواد الذي حاز على المركز الثالث بين المشاركين في مسابقة حديثة، إنها تجذب عادةً المتنبئين الأكثر جدية. في العام الماضي، وخلال بطولة «كأس الصيف»، شاركت شركة «مانتيك» الناشئة، ومقرها لندن، بمحرك تنبؤات «مانتيك» Mantic يعمل بالذكاء الاصطناعي. وكغيره من المشاركين، كان على البرنامج الإجابة على 60 سؤالاً بتحديد احتمالات نتائج معينة.

كان على البرنامج تخمين أحداث مثل: تغير خطوط المواجهة في أوكرانيا، واختيار الفائز بسباق فرنسا للدراجات، وتقدير إيرادات فيلم «سوبرمان» العالمية خلال عطلة نهاية الأسبوع الافتتاحية، وتحديد ما إذا كانت الصين ستحظر تصدير عنصر أرضي نادر، والتنبؤ بما إذا كان إعصار كبير سيضرب ساحل المحيط الأطلسي قبل شهر سبتمبر (أيلول) الماضي.

وبعد بضعة أشهر، تم تقييم توقعات محرك التنبؤ الخاص بشركة مانتيك، بالإضافة إلى توقعات المشاركين الآخرين في المسابقة، مقارنةً بالنتائج الواقعية وتوقعات كل منهما على حدة. حقق الذكاء الاصطناعي المركز الثامن من بين أكثر من 500 مشارك، وهو رقم قياسي جديد للبرامج الآلية. ووصف توبي شيفلين، الرئيس التنفيذي لشركة مانتيك، هذا الإنجاز بأنه «اختراق غير متوقع».

وقام شيفلين وفريقه بطرح نسخة جديدة من برنامجه الذكي في مسابقة «كأس ميتاكولوس الخريفي»، الذي حقق أداءً أفضل، إذ لم يكتفِ باحتلال المركز الرابع، وهو رقم قياسي آخر، بل تفوق أيضاً على المتوسط المرجح لتوقعات جميع المتنبئين البشريين. لقد أثبت أنه أكثر حكمة من حكمة جمهور يتمتع بقدر كبير من الحكمة.

تصميم «متعدد النماذج»

يئيجمع محرك التنبؤ الخاص بشركة «مانتيك» مجموعةً من نماذج اللغة الكبيرة ذات التعلم الموجه ويُسند لكلٍ منها مهام مختلفة. وقد يوظف أحدها كخبيرٍ في قاعدة بيانات نتائج الانتخابات، بينما قد يُطلب من نموذجٍ آخر تحليل بيانات الطقس، أو المؤشرات الاقتصادية، أو إيرادات شباك التذاكر، وذلك بحسب السؤال المطروح. وتعمل النماذج معاً كفريقٍ واحدٍ للوصول إلى التنبؤ النهائي.

خدمة تنبؤات

في العام الماضي أنشأ فريقٌ بإشراف هايفنغ شو، الأستاذ بجامعة شيكاغو، خدمةً مرجعيةً لتقييم تنبؤات الذكاء الاصطناعي بشكلٍ مستمر. تطرح الخدمة، بشكلٍ شبه يومي، أسئلةً جديدةً على النماذج الرئيسية لروبوتات الدردشة المعروفة، وهي أسئلة يستقيها برنامج «كالشي» من أسواق المراهنات.

وتُحدَّث درجات دقة هذه النماذج باستمرار مع إجابة الأسئلة. يقول شو: «لكل نموذجٍ منها أسلوبه الخاص في التنبؤ»، فنسخة «تشات جي بي تي» ChatGPT التي تُقيّمها الخدمة متحفظة، وربما متحفظةٌ أكثر من اللازم؛ فهي تتخلف حالياً في قائمة شو لأفضل النماذج عن نسخ «غروك» Grok و«جيميناي» Gemini.وتجري شركة «لايتنينغ رود» أبرز تجارب على نماذج تنبؤية مصممة خصيصاً لمجالات محددة. وقد صممت نموذجاً للتنبؤ بسلوك الرئيس ترمب المتقلب. وقال بن تورتل، الرئيس التنفيذي للشركة، إن فريقه قدم للنموذج مجموعة تضم أكثر من 2000 سؤال تنبؤي بنتائج معروفة لم تكن مدرجة في بيانات التدريب. ثم قارن النموذج إجاباته بأفعال ترمب الفعلية، وتعلم من أخطائه. وعندما خضع النموذج المصغر للشركة لاختبارات تنبؤية لسلوك ترمب بناءً على مجموعة جديدة من الأسئلة - مثل ما إذا كان سيلتقي الرئيس الصيني شي جينبينغ شخصياً، أو سيحضر مباراة كرة القدم بين الجيش والبحرية - تفوق أداؤه على أحدث نماذج OpenAI شركة «أوبن إيه آي».

تنبؤات العام الجديد

قد يكون هذا العام حاسماً في مجال التنبؤ بالذكاء الاصطناعي. ففي يناير (كانون الثاني) الماضي، شاركت «مانتيك» بأحدث محركاتها المُطوّرة في مسابقة «كأس ميتاكولوس الربيعي» لعام 2026. وقد طُلب من المحرك بالفعل تحديد عدد جوائز الأوسكار التي سيفوز بها المرشحون، وما إذا كانت الولايات المتحدة ستشن هجوماً قريباً على إيران. وبحلول مايو (أيار) المقبل، ستُحسم هذه الأسئلة، وسنرى كيف كان أداء المحرك. إذا تقدم مركزاً واحداً عن آخر مركز حققه، فسيكون أول ذكاء اصطناعي يحرز ميدالية في بطولة تنبؤ كبرى. وحتى الآن، أبدى خبراء التنبؤ البشريون المتميزون تقبلاً جيداً لهذا الاحتمال. يسجل شينديل، خبير التنبؤ ذي التصنيف العالي كلمات إعجاب بالذكاء الاصطناعي. ويقول: «قدراتها على الاستدلال ممتازة، وليس لديها نفس التحيزات التي لدى البشر، ويمكنها معرفة الأخبار فور حدوثها، ولا تتعلق دوماً بتوقعاتها». وعلى منصة ميتاكولوس، بدأ فريق من خبراء التنبؤ بتقدير متى سيتمكن الذكاء الاصطناعي من التفوق على فريق بشري متميز في التنبؤ. وكانوا قالوا في يناير الماضي، إن هناك احتمالاً بنسبة 75 في المائة لحدوث ذلك بحلول عام 2030، أما الآن فيعتقدون أن النسبة أقرب إلى 95 في المائة.

* «ذا أتلانتيك»، خدمات «تريبيون ميديا».


الأورام تستخدم الخلايا العصبية لتعطيل الدفاع المناعي

صورة لاورام النخاع الشوكي
صورة لاورام النخاع الشوكي
TT

الأورام تستخدم الخلايا العصبية لتعطيل الدفاع المناعي

صورة لاورام النخاع الشوكي
صورة لاورام النخاع الشوكي

في حدث لافت قد يغيّر فهمنا لطبيعة السرطان، كشفت دراسة علمية حديثة أن الأورام الخبيثة لا تكتفي بالنمو داخل الجسم بل تتلاعب بالجهاز العصبي لتأمين بقائها.

الأعصاب حليف غير متوقع للسرطان

وقد تبيّن أن السرطانات قادرة على استدراج الأعصاب الحسية القريبة منها والسيطرة عليها لتتحول هذه الأعصاب إلى ما يشبه «خطاً ساخناً» ينقل إشارات مباشرة إلى الدماغ تكبح نشاط الخلايا المناعية في موقع الورم ما يسمح له بالنمو والانتشار بلا مقاومة.

وأظهرت النتائج أن هذه الأعصاب بعد ارتباطها بالخلايا السرطانية ترسل إشارات إلى الدماغ الذي يرد بإطلاق رسائل كيميائية تثبط عمل الخلايا المناعية المسؤولة عن مهاجمة السرطان مانحاً الورم فرصة للتكاثر دون عوائق.

وقد أُجريت الدراسة التي نُشرت في مجلة «Nature» في 4 فبراير (شباط) 2026 على فئران مصابة بسرطان الرئة. وأوضحت عالمة مناعة السرطان آنا-ماريا غلوبيغ من معهد ألين لعلم المناعة في سياتل بالولايات المتحدة غير المشاركة بالدراسة، أن الورم يسيطر على محور الإشارات العصبية ويستخدمه لخدمة بقائه.

وعندما لجأ الباحثون إلى تعطيل بعض الأعصاب الحسية باستخدام تقنيات الهندسة الوراثية كانت النتيجة لافتة، إذ انخفض نمو الأورام بأكثر من 50 في المائة في بعض الحالات بحسب تشنغ تشن جين عالمة مناعة السرطان الباحثة المشاركة في الدراسة من جامعة بنسلفانيا، ما يفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية جديدة قد تستهدف قطع التواصل العصبي مع الأورام في المستقبل.

ولطالما أدرك العلماء وجود أعصاب تحيط بالأورام لكن الدور الحقيقي لهذه الأعصاب في نمو السرطان وبقائه ظل لغزاً لسنوات طويلة. فمع أن وجودها كان واضحاً فإن فهم تأثيرها المباشر في تطور الورم كان مهمة شديدة التعقيد.

وتعود صعوبة دراسة هذه العلاقة إلى طبيعة الخلايا العصبية نفسها فهي تُعد الأطول في جسم الإنسان ويُخزَّن جزء كبير من مادتها الوراثية في جسم الخلية بعيداًعن التفرعات الدقيقة التي تمتد نحو الأورام. وهذا التعقيد جعل جمع المعلومات الجينية عنها في أثناء أخذ الخزعات أمراً بالغ الصعوبة. كما أن أدوات التحليل الجيني لم تكن في الماضي متطورة بما يكفي لفهم هذه الآليات بدقة.

ولذلك ظل الجهاز العصبي المحيطي لسنوات طويلة أحد أقل المجالات دراسة في أبحاث السرطان قبل أن تبدأ الدراسات الحديثة في كشف دوره المحتمل في دعم نمو الأورام وتأثيره في مسار المرض.

اكتشاف يقود إلى التقدم

توفرت لدى فريق البحث صور مجهرية تظهر الأعصاب المحيطة والمتوغلة في أورام الرئة، لذا جرب الباحثون لمدة عام تقريباً أدوية مختلفة لتعطيل هذه الأعصاب دون نجاح، حسبما قال هاوهان وي عالم الأحياء الخلوية بجامعة بنسلفانيا الباحث ذو الاسم الأول المشارك في الدراسة.

ثم تعاون الفريق مع روي تشانغ عالم أعصاب بجامعة ييل متخصص في تقنيات تعطيل الجينات والمشارك أيضا في الدراسة لاستهداف أعصاب محددة في العصب المبهم vagus nerve وهو مسار عصبي رئيس يربط الدماغ بالعديد من الأعضاء بما فيها الرئتان. وقد سمح هذا النهج بتحديد مسار إشاري يمتد من الورم إلى الدماغ ويعود إليه. واكتشف الباحثون أن الأورام عند استغلال هذا المسار تجعل أعصاباً أخرى من جذع الدماغ إلى الورم تُفرز مادة كيميائية تُسمى النورأدرينالين noradrenaline ما يثبط الخلايا المناعية المسؤولة عن قتل السرطان والمعروفة باسم البلعميات macrophages.

وفي البداية توقع الباحثون أن الأعصاب تقوم بتنبيه الدماغ لوجود الورم ما يساعد الجهاز المناعي على محاربة السرطان. وقال روي تشانغ إننا كنا نعتقد أن هذه الأعصاب ستعمل كنظام تحذير لكن النتيجة كانت عكس ذلك تماماً.

من جهته، أوضح إسحاق تشيو عالم مناعة في كلية هارفارد الطبية غير المشارك بالدراسة أن المسار العصبي للعصب المبهم موجود في الأصل لتقليل الالتهابات الضارة، لكن الأورام تعيد برمجة الخلايا المناعية لتتحول من مهاجمة السرطان إلى حالة تهدئة التهابات وأنسجة ما يخلق بيئة مثالية لنمو الورم.

وتعزز هذه الدراسة أدلة متزايدة تشير إلى أن الأعصاب ليست مجرد عنصر محيط بالأورام بل شريك نشط في تطورها ونموها. ويزيح هذا الاكتشاف عن جانب جديد من العلاقة المعقدة بين السرطان والجسم ويفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية مبتكرة تستهدف تعطيل التواصل العصبي الذي تستغله الأورام للبقاء والانتشار.

وبدلاً من التركيز حصراً على القضاء على الخلايا السرطانية قد يصبح قطع الإشارات العصبية المرتبطة بالورم جزءاً أساسياً من علاجات المستقبل بما يسهم في إبطاء نموه وتعزيز قدرة الجهاز المناعي على مكافحته. ويرى العلماء أن فهم هذه العلاقة ما يزال في مراحله الأولى لكنه يحمل إمكانات كبيرة قد تغيّر طريقة تعامل الطب مع السرطان وتمنح المرضى أملاً بعلاجات أكثر أماناً وفاعلية في السنوات المقبلة.


حين تسمع الأسنان صوتها

حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
TT

حين تسمع الأسنان صوتها

حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
حين تنطق الأسنان بصوت مسموع

في عيادة الأسنان، لطالما سبقت الأذنُ الأشعة: نقرة خفيفة على سطح السن، إصغاء قصير، ثم حكم سريري يتكوّن في لحظة. كان الصوت دليلاً، لكنه ظلّ دليلاً صامتاً؛ إحساساً يتشكل في ذهن الطبيب ولا يُكتب في السجل.

رقمنة «نقرة» طبيب الأسنان

لكن ماذا لو تحوّل هذا الصوت إلى رقم؟ وماذا لو أصبحت «النقرة» بصمة رقمية تُقاس، وتُحفظ، وتُقارن عبر الزمن؟

في مطلع عام 2026، نُشرت دراسة في مجلة «JADA Foundational Science» — مجلة الجمعية الأميركية لطب الأسنان العلمية، حملت عنواناً دالاً: رؤية ما لا يُرى في تشخيص صحة اللُّب وأمراضه. وقاد الدراسة الباحث جيه شِن Jie Shen بمشاركة أسماء بارزة في علوم علاج الجذور والميكانيكا الحيوية، من بينهم كليفورد رَدِل Clifford J. Ruddle وتشيريلين شيتس Cherilyn G. Sheets.

نقرة ذكية تكشف ما لا يُرى

لكن أهمية الدراسة لم تكمن في جهاز جديد، بل في سؤال قديم أعيد طرحه بصيغة علمية دقيقة: هل يمكن لصوت السن أن يتحول إلى معلومة قابلة للقياس؟

• من الطرق اليدوي إلى التحول المعرفي. الطرق اليدوي تقليد سريري راسخ. فالطبيب يطرق، والأذن تميّز بين صوت رنّان يوحي بالثبات، وصوت مكتوم قد يشير إلى التهاب أو خلل. غير أن هذه الطريقة — على بساطتها — بقيت رهينة الحدس. وهي تختلف من طبيب إلى آخر، ومن لحظة إلى أخرى، دون معيار رقمي يمكن الرجوع إليه.

وهنا يبدأ التحول الحقيقي، إذ إن تقنية التشخيص بالطرق الكمي (QPD) لا تضيف جهازاً فحسب، بل تغيّر فلسفة التشخيص نفسها. فبدل أن يكون الصوت انطباعاً عابراً، يصبح إشارة رقمية دقيقة... إنه نقرة ميكانيكية قصيرة جداً، تلتقطها مستشعرات عالية الدقة، ثم تُحلّلها خوارزميات لتحويل الاستجابة الميكانيكية إلى بصمة رقمية تُعرض أمام الطبيب خلال ثوانٍ. ليست المسألة إذن في «سماع» الصوت، بل في قراءة ما يخفيه.

• ما الذي تكشفه الأرقام قبل الألم؟ أظهرت الدراسة أن النظام قادر على رصد تغيرات ميكروسكوبية في الأربطة حول السن (PDL) قبل أن تظهر على الأشعة التقليدية أو تتحول إلى ألم سريري. وهذه القدرة ليست رقماً إضافياً في جدول إحصائي، بل تحوّل في منطق المتابعة.

وكانت دراسة متعددة المراكز نُشرت في يناير (كانون الثاني) 2025 في مجلة «Journal of Prosthetic Dentistry»، وشملت 224 مريضاً و243 سناً وغرسة، أظهرت أن نظام QPD حقق دقة بلغت 87.5 في المائة في كشف العيوب الميكروسكوبية المرتبطة بالفجوات الدقيقة، ضمن فترة ثقة 95 في المائة بين 84.2 في المائة و90.3 في المائة.

وهذه ليست إضافة جهاز إلى رفّ الأدوات، بل إعادة تعريف لمفهوم الثبات نفسه. وهذه النسبة لا تُقرأ كإحصاء مجرد، بل كإشارة مبكرة لمسار خلل قد ينتهي بفشل ترميم أو تعقيد علاجي أكبر إن تُرك دون رصد.

حين تنطق الأسنان بلغة البيانات

من الحدس إلى الطب التنبؤي

هنا تكمن النقلة النوعية. فالطرق الكمي ليس أداة فحص إضافية، بل لغة جديدة لقياس الثبات البيولوجي... إنه انتقال من الحدس إلى الرقم، ومن الملاحظة إلى التنبؤ.

حين تُخزّن القراءات في السجل الطبي الإلكتروني، وتُقارن عبر الزمن كما نقارن ضغط الدم أو مستويات السكر، يصبح لكل سن «مسار استقرار» يمكن تتبعه. لم يعد السؤال: هل يبدو ثابتاً؟

بل: هل انحرف عن مساره الطبيعي؟

بهذا المعنى، نحن لا نضيف جهازاً إلى العيادة، بل نؤسس لطبٍّ استباقيٍّ في مجال كان يعتمد طويلاً على انتظار الألم.

• ماذا يربح الطبيب وماذا يربح المريض؟ يربح الطبيب وضوحاً. يربح معياراً رقمياً يمكن الرجوع إليه بدل الاعتماد الكامل على الإحساس السمعي. كما يربح أداة إنذار مبكر قبل أن يتضخم الخلل. بينما يربح المريض فحصاً سريعاً، غير مؤلم، لا يعتمد على الإشعاع، ويمنحه طمأنينة مستندة إلى قياس لا تخمين.

لكن الأهم من ذلك كله هو استعادة المعنى الحقيقي للتشخيص: الوقاية قبل التدخل.

• نحو عيادة تُصغي إلى المستقبل. لا تظهر قيمة هذه التقنية حين تُستخدم كجهاز مستقل، بل حين تُدمج ضمن منظومة رقمية أوسع: سجل طبي يحتفظ بالبصمة، وخوارزمية تتعلم من الأنماط المتراكمة، وتنبيه مبكر يُطلق عند أول انحراف غير طبيعي.

عندها تتحول «النقرة» من لحظة فحص عابرة إلى وثيقة سريرية، ومن صوت مسموع إلى معرفة تراكمية. فالابتكار الحقيقي لا يقوم على استبدال جهاز بطبيب، بل على تحالف ذكي بين الإنسان والتقنية. فالخوارزمية تمنح قياساً أدق، والطبيب يمنح الحكم السريري والمعنى الإنساني.

وفي النهاية، ليست الثورة في أن تنطق الأسنان، بل في أن نفهم همسها قبل أن يتحول إلى ألم. والوقاية الحقيقية لا تبدأ عند الشكوى، بل عند أول انحراف ميكروسكوبي في الصمت.