الموضة والرياضة.. علاقة بدأت قبل أكثر من قرن واكتسبت شرعيتها في التسعينات

المد الرياضي يصل إلى منصات عروض الأزياء

الفنانة زيندايا وحذاء بكعب عال تزينه كرة مضرب حقيقية (أ.ف.ب)
الفنانة زيندايا وحذاء بكعب عال تزينه كرة مضرب حقيقية (أ.ف.ب)
TT

الموضة والرياضة.. علاقة بدأت قبل أكثر من قرن واكتسبت شرعيتها في التسعينات

الفنانة زيندايا وحذاء بكعب عال تزينه كرة مضرب حقيقية (أ.ف.ب)
الفنانة زيندايا وحذاء بكعب عال تزينه كرة مضرب حقيقية (أ.ف.ب)

ليست غريبة أو وليدة اليوم تلك العلاقة الحميمة بين الموضة والرياضة، فهي تنسج خيوطها منذ بداية القرن العشرين عندما استعملت المصممة غابرييل شانيل، المعروفة بكوكو، قماش الجيرسيه لأول مرة في بنطلونات واسعة وسترات مريحة لا تفتقد إلى الأناقة بل العكس، كانت مثل نسمة هواء، أو مضاد حيوي للكورسيهات والملابس المعقدة التي كانت تعاني منها المرأة.

كان هدف كوكو منها تحرير المرأة من قيود الماضي، وفي الوقت ذاته استعمال قماش لم يفكر فيه أحد قبلها خارج إطار ملابس النوم، وهو ما كان مناسباً لها بوصفها مصممة بإمكانيات مادية محدودة آنذاك. يمكن القول إنها كانت أول من زرع بذرة ما أصبح يعرف بـ«سبورت شيك».

المصمم تومي هيلفغر كان من أوائل المصممين الذين تبنوا الأسلوب الرياضي الأميركي ولا يزال (تومي هيلفغر)

مرت السنون، وتطورت التقنيات وتكنولوجيا الأنسجة والاجتهادات، لتزيد هذه العلاقة قوة في السبعينات على يد مصممين أميركيين تحديداً من أمثال رالف لورين وتومي هيلفغر وشركة «ليفايس» وغيرهم.

في التسعينات وبداية الألفية، انتقلت العدوى إلى أوروبا. طرح مصممون كبار تشكيلات رياضية أو مستوحاة من عالمها، مثل ميوتشا برادا التي خاضت هذا المجال لأول مرة بخط «برادا سبورت» في عام 1998. لم تكن الأولى. سبقتها بيوت أزياء أخرى مثل «إيسي مياكي» و«ديور» و«بيربري» وآخرون، اكتشفوا أن هذه التصاميم لها جمهور عريض يمكنهم استقطابه والاستفادة منه.

في هذه الفترة، أي التسعينات، اكتسب الزواج بين الموضة المترفة والراقية والرياضة بتصاميمها العملية، رسميته. ابتكرت أقمشة خفيفة ومتينة في الوقت ذاته، وتمت الاستعاضة عن الأزرار بسحابات في تصاميم غلبت عليها العملية. شركات الساعات كان لها هي الأخرى قُرص في هذا العرس. تنافست على إصدار ساعات يد بتعقيدات ووظائف موجهة للرياضات المائية بكل أشكالها وتسلق الجبال وطبعاً كرة القدم. شركة «هيبلو» واحدة من هذه الشركات. فهي تقدم ساعات ذكية خاصة ببطولة الدوري الإنجليزي الممتاز، وساعات كرونوغراف ميكانيكية للبطولة نفسها منذ عام 2006.

في عرض «بول كوستيللو» ظهرت العارضات بأزياء وإكسسوارات مستوحاة من ميادين التنس (بول كوستيللو)

في التاريخ الحديث، يعيد بعض الخبراء اجتياح الأزياء الـ«سبور» عالم الموضة إلى جائحة كورونا. كانت فترة عصيبة على كل الأصعدة، لكن من إيجابياتها على الموضة، أنها منحت المصممين الوقت الكافي للتركيز على تطوير التقنيات وتحفيزهم على المزيد من الاختبار والابتكار، الأمر الذي نتج عنه أنسجة خفيفة تمنح الجسم التهوية في الصيف والدفء في الشتاء، إلى جانب إخراج هذه التصاميم من إطارها العملي أو الوظيفي إلى الشارع والمناسبات المهمة تماشياً مع التغيرات التي لمست حياتنا بشكل مباشر.

في لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» صرح داميان برتراند، الرئيس التنفيذي لدار «لورو بيانا» بأنه استغل «الجائحة لقراءة تحولات السوق». اكتشف خلالها أنه من الصعب على المرأة أن تعود إلى أزياء معقدة بما فيها الحذاء ذي الكعب المدبب والعالي. كان واضحاً أنها استحلت طعم الراحة، وفي الوقت ذاته لا تريد التنازل عن أناقتها. على هذا الأساس، عمل برتراند مع استوديو التصميم على طرح أزياء وإكسسوارات تعكس هذه المطالب، منها مجموعة أزياء «كوكونينغ» التي نفدت من الأسواق في غضون أسابيع قليلة.

بيد أنه ما من شك أن المد الرياضي الذي تابعناه مؤخراً في عروض الأزياء العالمية، يدين بشعبيته لدورة الألعاب الأوروبية الأخيرة، كما لبطولة ويمبلدون للتنس، وأخيراً وليس آخراً ألعاب الأولمبياد التي تستضيفها باريس هذه الأيام. العديد من المصممين دخلوا منافساتها وكلهم أمل أن يحصدوا ميداليات ذهبية تترجمها أرقام المبيعات بطرح أزياء وإكسسوارات، إما تحتفل برياضة ما، وإما تُغري بأخرى.

بأسلوبها المعهود رسمت «موسكينو» في خط ريزورت لعام 2025 تشكيلتها بفنية عالية تعكس أجواء رياضية (موسكينو)

في عرضها لربيع وصيف 2025، مثلا، كشفت علامة «موسكينو» عن ثاني تشكيلة لمديرها الإبداعي أدريا أبيولازا. أطلق عليها عنوان «لوست أند فاوند»، وتعمد فيها أن يحتفل بكل ما هو متفرد ويستكشف الإنجازات والبطولات الإنسانية. الاحتفال بالرياضة وتحديداً كرة القدم واحدة منها، رسم الصورة على طريقة «موسكينو» بأسلوب أقرب إلى الـ«بوب آرت» ظهرت فيه نقشات سادت في تسعينات القرن الماضي، مثل زهور السلام وكرات القدم.

دار «كنزو» التي تنضوي تحت جناح مجموعة «إل في آم آش» التي صممت ملابس فريق الجودو الفرنسي، هي الأخرى طرحت سلسلة من الأحذية الرياضية للجنسين، صرحت بأنها تحتفل بها بالأولمبياد وبفرنسا، لكنها يمكن أن تناسب أي زمان ومكان إذا كان المطلوب هو الراحة.

الفنانة زيندايا بإطلالة من «برونو كوتشينيللي» تُلخص كل معاني «السبورت شيك» (برونو كوتشينيللي)

في كل الحالات، فإن الحماس الذي صاحب الفعاليات الرياضية التي شهدها عام 2024، فتح نفس عشاق الموضة على تصاميم مريحة وأنيقة أدخلتهم عالم البطولات. إقبالهم عليها يمنحهم الشعور بأنهم مواكبون للأحداث. ليس هذا فحسب، فالمهم فيها أن مصمميها تأكدوا أن تجمع الأناقة بالراحة والعملية، وتنقل صاحبها من أماكن العمل إلى المناسبات الخاصة بسلاسة، وليس أدل على هذا من إطلالة الفنانة زيندايا لدى حضورها بطولة «روليكس مونتي كارلو ماسترز» Rolex Monte-Carlo Masters الأخيرة. اختارت أزياء مستوحاة من عالم التنس قد تكون جريئة بالنسبة لشخص عادي، لكنها في غاية الإثارة والجمال. كانت الإطلالة من تشكيلة دار «برونو كوتشينيللي» لخريف وشتاء 2024، تتكون من كنزة من الصوف بياقة على شكل V تزينها أزرار، وشعار بالأسود والأصفر على جانب الصدر، وتنورة ماكسي من حرير الساتان، أيضاً باللون الأبيض الكريمي، أضفت عليها الجيوب روحاً شبابية.

نجمات وشخصيات أخريات ركبن الموجة، كل حسب ذوقها. المؤثرة هايلي بيبر والعارضة بيلا حديد مثلا ظهرتا في عدة مناسبات ببنطلونات قصيرة مستوحاة من سباقات الدراجات الهوائية. مظهر يستحضر في الكثير من تفاصيله بعض إطلالات الأميرة الراحلة دايانا، وهي متوجهة إلى ناديها الرياضي أو ترافق الأميرين وليام وهاري إلى المدرسة: شورت ضيق وكنزة صوفية واسعة. مظهر ارتبط بحقبة الثمانينات التي شهدت انتعاش بنطلونات الليكرا. اكتسحت ساحة الموضة ودخلت الحياة اليومية بل حتى الملاهي الليلية آنذاك، وهو ما سجلته أفلام سينمائية حققت نجاحات كبيرة، مثل Grease وغيرها من الأفلام التي صدرت في تلك الحقبة.

كنزة مستوحاة من عالم التنس على بنطلون واسع مريح (بول كوستيللو)

رغم شعبيتها، تعرضت بنطلونات الليكرا تحديداً للكثير من الانتقادات من خبراء الموضة، والتنمر من المنتقدين، لأنها لم تكن رحيمة بكل المقاسات والمقاييس. لكن شتان بين القطع الرياضية في الثمانينات وبينها اليوم. أصبحت أكثر أناقة، ولم تعد تقتصر على الـ«ديسكو» أو النوادي الرياضية، بعد أن دخلت أماكن العمل بفضل تقنياتها الجديدة من جهة، وتخففها من رسميتها من دون ابتذال. من بين أكبر المؤشرات على دخولها الموضة الراقية، دخول بيوت أزياء مثل «لورو بيانا» و«زيغنا» و«برونو كوتشينيللي» والمصمم الإيرلندي الأصل، بول كوستيللو و«برادا» ميدانها، وأصبحت مفعمة بالأناقة تفصيلاً وتفاصيل.


مقالات ذات صلة

أناقة «ويمبلدون» بين التسويق والتقاليد

لمسات الموضة تايلور فريتز لدى دخوله الملعب (أ.ف.ب)

أناقة «ويمبلدون» بين التسويق والتقاليد

لم تكن فكرة ارتداء البدلة من ابتكاره، بل جاءت باقتراح من راعيه. أما شرطه الوحيد، فكان أن تصبح عملية بما يكفي ليتمكن من خلعها بسرعة، والانتقال إلى أجواء المباراة

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة لقطة من العرض تظهر فيها الموجة العملاقة كخلفية (أ.ب)

موجة «لويس فويتون»: عرض أم استعراض؟

لم يحاول فاريل ويليامز منذ التحاقه بـ«لويس فويتون» بصفته مديراً إبداعياً، أن يكون مصمماً تقليدياً ولا مطلوباً منه ذلك. كان المطلوب منه خلق «لحظات ثقافية».

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة تراهن الدار على الجمال الطبيعي المستمد من طبيعة إيطاليا (دولتشي آند غابانا)

«دولتشي آند غابانا» تراهن على الهوية الإيطالية في عالم التجميل

لم تعد مستحضرات التجميل بالنسبة لبيوت الأزياء الفاخرة مجرد فئة كمالية تُجمِّل صورتها، بل أصبحت جزءاً محورياً من استراتيجيات النمو وتنويع الإيرادات، ما يزيد من…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة «لحظة» العمل الذي فاز به آرثر شوكيه بالجائزة الأولى (كارتييه)

«كارتييه» تراهن على الجيل المقبل لصناعة المستقبل

مرّت صناعة الساعات السويسرية، كما هو حال كثير من الحِرف التقليدية، بفترة من القلق حول مستقبلها. لم يكن هذا القلق مرتبطاً فقط بتقلبات السوق أو بانتشار حركة…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة قطعة أساسية في الطقس الدافئ (صفحة المصممة روان زكريا إنستغرام)

حقائب الرافيا... الأناقة الهادئة في صيف 2026

من مفاجآت الموضة لربيع وصيف 2026 اقتطاع الرافيا حصة لا يستهان بها في سوق الحقائب. فهذه الخامة التي كانت محصورة بالبحر والإجازات العابرة أصبحت جزءاً من الأناقة…

نادية عبد الحليم (القاهرة)

أناقة «ويمبلدون» بين التسويق والتقاليد

تايلور فريتز لدى دخوله الملعب (أ.ف.ب)
تايلور فريتز لدى دخوله الملعب (أ.ف.ب)
TT

أناقة «ويمبلدون» بين التسويق والتقاليد

تايلور فريتز لدى دخوله الملعب (أ.ف.ب)
تايلور فريتز لدى دخوله الملعب (أ.ف.ب)

في النسخة الحالية من «ويمبلدون»، كشفت لحظة دخول اللاعب تايلور فريتز أن اللعب لا يبدأ مع ضربة الإرسال الأولى، بل منذ لحظة دخول الملعب. فقد بدا ظهوره ببدلة وإكسسوارات بيضاء، في نظر بعض المتابعين، خطوة تسويقية لافتة، في حين رأى آخرون أنه مجرد التزام بقواعد «ويمبلدون» التي تفرض على اللاعبين ارتداء اللون الأبيض بالكامل.

كان اللاعب الأميركي متردداً في البداية لكنه اقتنع بعد الفوز بالمباراة (أ.ب)

عند دخوله الملعب، كان يرتدي بدلة بيضاء صُممت بشكل خاص له بالتعاون مع راعيه، علامة «BOSS»، ويحمل نسخة بيضاء من حقيبة «Madison B1» المصنوعة من الجلد الإيطالي الفاخر، لتكتمل إطلالة جمعت بين الفخامة والطابع الرياضي العصري. لكن اللافت لم يكن التصميم بحد ذاته، بل ما كشف اللاعب عنه بعد المباراة. فقد اعترف بأنه لم يكن مقتنعاً تماماً بالفكرة عندما طرحتها عليه «BOSS»، وأنه لم يُغيّر رأيه إلا بعد أن شاهد الصور إثر فوزه في المباراة. أما سبب تردده في البداية، فكان خشيته أن تتحول الإطلالة إلى مادة للسخرية إذا ودّع البطولة مبكراً.

الموضة والرياضة

هذا التصريح يُوضِح العلاقة التي باتت تربط الموضة والرياضة حالياً، فالأزياء لم تعد اختياراً شخصياً أو وسيلة للتعبير عن الذوق الخاص، بل جزء من منظومة تسويقية تتداخل فيها مصالح الرعاة مع الصورة العامة للرياضي.

لم يقل فريتز إنه أُجبر على ارتداء البدلة صراحة، لكنه أوضح أن الفكرة لم تكن فكرته، وبأنها جاءت من راعيه، مضيفاً: «لم يكن بإمكاني التراجع». كان له شرط واحد فقط؛ أن تكون البدلة عملية بما يكفي ليتمكن من خلعها بسرعة قبل بداية المباراة.

كان شرطه الوحيد أن تكون البدلة عملية بحيث يمكنه خلعها بسهولة (أ.ب)

لذلك صُمم السروال بفتحات جانبية مخفية تتيح خلعه خلال ثوانٍ، في تفصيل يعكس محاولة الجمع بين متطلبات الأداء الرياضي، التي تستدعي انتقالاً سريعاً إلى أجواء المنافسة وتركيزاً كاملاً على المباراة، ومتطلبات صورة تسويقية تراهن على التأثير الدرامي للون الأبيض. وهنا بدت العلاقة بين اللاعب وزيه كأنها مفاوضة مستمرة بين رياضي ينصب تركيزه على الفوز وإثبات تفوقه داخل الملعب، ومنظومة تسويقية تسعى إلى صناعة صورة مثالية تتجاوز حدود المنافسة. ولعل خير دليل على ذلك أن المجموعة أصبحت متوفرة حالياً في متاجر «BOSS» حول العالم.

الحاضر يستلهم من الماضي

غير أن هذه الإطلالة لم تكن مجرد فكرة تسويقية عابرة، بل استلهمت واحدة من أكثر الصور رسوخاً في ذاكرة «ويمبلدون». ففي عام 2007، دخل روغر فيدرر الملعب مرتدياً سترة بيضاء، في مشهد تحول لاحقاً إلى إحدى الصور الأيقونية في تاريخ البطولة.

ركزت «بوس» على إيجاد توازن بين الأناقة والعملية (رويترز)

لكن بينما كان ظهور فيدرر آنذاك امتداداً للأناقة الأرستقراطية التي لطالما ارتبطت بـ«ويمبلدون»، جاءت إطلالة فريتز لتعكس واقعاً مختلفاً، تتحول فيه البطولة نفسها إلى منصة تتقاطع فيها الرياضة مع صناعة الأزياء.

فالبدلة التي ارتداها تحمل بصمات علامة «بوس» الأنيقة، بحيث صُنعت من قطن أبيض ذي نسيج طبيعي يمنحها طابعاً صيفياً خفيفاً، وجاءت بقصة واسعة ذات صفين من الأزرار، مع وشاح حريري بنقشة «بيزلي» مستوحاة من أرشيف الدار، وحقيبة جلدية بيضاء، في إعادة معاصرة لما يُعرف بـ«أبيض ويمبلدون» الشهير.


موجة «لويس فويتون»: عرض أم استعراض؟

لقطة من العرض تظهر فيها الموجة العملاقة كخلفية (أ.ب)
لقطة من العرض تظهر فيها الموجة العملاقة كخلفية (أ.ب)
TT

موجة «لويس فويتون»: عرض أم استعراض؟

لقطة من العرض تظهر فيها الموجة العملاقة كخلفية (أ.ب)
لقطة من العرض تظهر فيها الموجة العملاقة كخلفية (أ.ب)

خلال أسبوع الموضة الرجالية الذي احتضنته باريس في الأسبوع الأخير من يونيو (حزيران)، التهبت العاصمة الفرنسية على أكثر من صعيد؛ فبينما دفعت موجة الحر درجات الحرارة إلى مستويات مرتفعة، أشعلت العروض الضخمة والخيارات الإبداعية حماس المتابعين.

فبعد أن لاحظنا في السنوات الأخيرة تخفيف الميزانيات، على الأقل فيما يتعلق بديكورات العروض الضخمة، تابعنا خلال الأسبوع الباريسي لربيع وصيف 2027، كيف وضع فاريل ويليامز، المدير الإبداعي للأزياء الرجالية في «لويس فويتون»، مجموعته الجديدة ضمن سينوغرافيا يصعب تجاهلها.

إلى جانب الأزياء حضرت الإكسسوارات بنقشة المونوغرام بقوة (إ.ب.أ)

كان العنصر الأساسي فيها، موجة اصطناعية عملاقة بلغ ارتفاعها نحو ثمانية أمتار وعرضها أكثر من سبعة وثلاثين متراً، استخدمت فيها مياه حقيقية بمساعدة مؤسسة «أو دو باريه» Eau De Paris المسؤولة عن شبكة المياه في العاصمة الفرنسية. قيل إن رذاذها وصل إلى بعض الضيوف الجالسين على أطرافها. أما منصة العرض نفسها، فكانت عبارة عن مساحة مغطاة بالرمال تراصت حولها كراسي خشبية على هيئة ممرات الشواطئ التقليدية. فثيمة العرض كانت عن السفر والبحر والأنشطة المائية، مثل التزلج على المياه.

أثارت ضخامة ودرامية المشهد سؤالاً كان لا بد منه: متى يصبح الديكور أكثر حضوراً من الملابس نفسها؟ كان واضحاً طوال العرض، وما تمّ تداوله من صور، أن الموجة العملاقة استحوذت على جزء كبير من الانتباه، أكثر من الأزياء نفسها.

الفنان والمدير الإبداعي فاريل ويليامز يحيِّي ضيوفه بعد انتهاء عرضه (أ.ب)

ثم تُوضِح تصاريح ويليامز بعد العرض، أنه لم يُصمِم الموجة للإبهار وحده. فخلف هذا المشهد الاستعراضي، حاول أن يمنح الديكور رسالة تتجاوز الفرجة، بربطها بفكرة الاستدامة والتدوير وأيضاً بأخذنا إلى جذور «لويس فويتون» المرتبطة بالسفر والترحال.

هو لم يأت ليبيع الحلم والأزياء فحسب، بل ليبيع شخصيته وصورته أيضاً، من خلال خلق «لحظات ثقافية» يتم تداولها إعلامياً ورقمياً.

ورغم أن إدماج الديكور في العروض، ليس جديداً على الدار، حيث بدأ في عهد مارك جايكوبس، الذي عمل فيها من 1997 إلى 2013، أي لمدة 16 عاماً، وحوَّل خلالها الأماكن إلى مشاهد مسرحية ضخمة، تارة على شكل محطة قطار، وتارة أخرى على شكل مصاعد متحركة وغيرها، فإن فاريل ويليامز، لم يحاول منذ التحاقه بـ«لويس فويتون» بصفته مديراً إبداعياً، أن يكون مصمماً تقليدياً ولا مطلوباً منه ذلك. كان المطلوب منه خلق «لحظات ثقافية» يتم تداولها إعلامياً ورقمياً، بأن يمزج بين الموضة والترفيه والثقافة الشعبية والرسائل الاجتماعية في زمن أصبحت فيه الصورة تنتشر خلال ثوانٍ عبر الإنترنت.

كانت السينوغرافيا بطل العرض بلا منازع (إ.ب.أ)

من هذا المنظور، لم يُوظِّف فاريل الموجة العملاقة بوصفها مجرد خلفية مثيرة، ولا ألواح ركوب الأمواج التي رافقت العرض بوصفها مجرد إكسسوار زخرفي، بل أرادها رسالة تلتقط ثقافة العصر ومفهوم الاستدامة.

الاستدامة والتدوير كرسالة فنية

ويبدو أن مفهوم الاستدامة كان، بالنسبة لفاريل ويليامز في العرض، لا يقل أهمية عن الأزياء نفسها. فبعد انتهاء العرض، ستُعاد المياه إلى شبكة الصرف في باريس ضمن نظام مغلق لإعادة التدوير. كما سيُعاد استخدام الرمال الناعمة التي غطّت الأرضية لاحقاً في ملاعب الكرة الطائرة الشاطئية داخل الحرم الجامعي، حيث أقيم العرض. حتى المقاعد الخشبية المستخدمة للضيوف، فقد سبق أن استُعملت في عرض الموسم الماضي، الذي أقيم حول هيكل معماري يشبه فندقاً مستقبلياً داخل متنزه بولونيا الباريسي، وحمل اسم «دروبهاوس» نظراً لتشابه شكله مع قطرة ماء.

تكتسب إعادة استخدام المياه والرمال والخشب بعد انتهاء العرض، دلالة مهمة في وقت تواجه فيه صناعة الموضة ضغوطاً متزايدة للحد من الهدر وتحمل مسؤولية أكبر تجاه أثرها البيئي.

من الديكور إلى الأزياء

جانب من العرض (رويترز)

ورغم أن الديكور بدا في بعض اللحظات أكثر حضوراً من الأزياء نفسها، فإنه من الخطأ القول إنها لم تكن في المستوى. فمع تراجع هدير الموجة، تعالى عزف أوركسترالي حي، ليبدأ العارضون بالظهور مرتدين تصاميم تراوحت بين التفصيل الكلاسيكي الهادئ والقطع المنفصلة، مثل القمصان المطبوعة بأشجار النخيل وسراويل الجينز القصيرة. لم يكتف فاريل باستعمال أقمشة منعشة وتصاميم منطلقة، وقدّم اقتراحات أخرى مصنوعة من خيوط الكشمير ثمرة تعاونه مع معامل «لورو بيانا»، إلى جانب الصوف عبارة عن سترات ومعاطف مستوحاة من تلك التي يرتديها راكبو الأمواج بعد الخروج من المياه الباردة.

اقتراحات كثيرة منها كنزات من الكشمير ثمرة تعاون مع دار «لورو بيانا» (أ.ف.ب)

رجل «لويس فويتون»

وفق ما صرَّح به فاريل أنه لا يتعامل مع هذه المناسبات باعتبارها مجرد عروض أزياء، فهي بالنسبة له تجارب أناقة متكاملة. لكنه يضع نصب عينيه دائماً رجل أعمال لا يتنازل عن أناقته أياً كانت هواياته وميوله وأياً كانت وجهته. خزانة ملابسه قد تضم بدلات كلاسيكية مزدوجة الأزرار، أو معاطف بحرية تقليدية وسترات بومبر من الجلد، كما قد تضم سراويل جينز مطرزة أو سترات مؤلفة من رقع تذكارية متداخلة بشكل جريء. ففلسفته، منذ انضمامه إلى «لويس فويتون» مديراً إبداعياً لخطها الرجالي، أن يفكر خارج الصندوق لكن بعقلية المستهلك، وهذا ما نجح فيه حتى الآن رغم أن تعيينه في عام 2023 أثار الكثير من الاستغراب وحفيظة البعض. فهو منتج ومغنٍ أولاً قبل أن يكون عاشقاً للموضة ومؤثراً فيها ثانياً.

شملت الأزياء كل ما يحتاج إليه رجل ثري من بدلات وقطع منفصلة (أ.ف.ب)

في هذه المجموعة، أكد للجميع أنه مصمم يناسب متطلبات العصر الحالي، التي باتت تعتمد على الصورة. فقد أظهر قدرته على كتابة فصل جديد من قصة الدار المبنية على السفر والترحال وما تعنيانه من انطلاق وحرية ومغامرة، مُركِزاً على تحقيق التوازن بين العمل والمتعة برسم صورة رجل يملك المال ويرغب في خوض تجارب مثيرة. ففي الماضي كانت الأزياء الفاخرة تخاطب رجلاً يعمل في البنوك والمكاتب الرسمية، أما اليوم، فهذا الرجل يعمل في التكنولوجيا والترفيه والرياضة. وهذه بحد ذاتها صورة تسويقية جذابة تعكس شخصية فاريل ويليامز ودوره داخل الدار.


«دولتشي آند غابانا» تراهن على الهوية الإيطالية في عالم التجميل

تراهن الدار على الجمال الطبيعي المستمد من طبيعة إيطاليا (دولتشي آند غابانا)
تراهن الدار على الجمال الطبيعي المستمد من طبيعة إيطاليا (دولتشي آند غابانا)
TT

«دولتشي آند غابانا» تراهن على الهوية الإيطالية في عالم التجميل

تراهن الدار على الجمال الطبيعي المستمد من طبيعة إيطاليا (دولتشي آند غابانا)
تراهن الدار على الجمال الطبيعي المستمد من طبيعة إيطاليا (دولتشي آند غابانا)

لم تعد مستحضرات التجميل بالنسبة لبيوت الأزياء الفاخرة مجرد فئة كمالية تُجمِّل صورتها، بل أصبحت جزءاً محورياً من استراتيجيات النمو وتنويع الإيرادات، ما يزيد من حمى الاهتمام بأن مستحضرات التجميل والعطور من أكثر القطاعات ربحية، حسب أرقام المبيعات، ما يجعلها سنداً لا يستغنى عنه لقطاع الأزياء.

معظم بيوت الأزياء الكبيرة، إن لم نقل كلها، اقتحمت هذا القطاع بكل ما تملكه من قوة فنية. لم تخرج دار «دولتشي آند غابانا» عن السرب. أدركت أن السوق مزدحمة والمنافسة شرسة بين كبريات بيوت الأزياء وشركات التجميل العالمية. كل واحدة تسعى لاقتطاع حصة أكبر من السوق؛ لهذا كان لا بد لها أن ترسم لنفسها خطاً تتميّز به. وجدت أن ورقتها الرابحة تكمن في جذورها الإيطالية، فهذه الورقة نجحت في مجال الأزياء، فلِمَ لا تنجح أيضاً في صناعة الجمال؟

يمكن البناء على الطبقات للحصول على إطلالة طبيعية للنهار أو قوية للمساء (خاص)

الهوية الإيطالية أولاً

من هذا المنظور، حرصت أن تبقى وفية لجيناتها وهويتها الإيطالية، بألا تستعملها خلفيةً جغرافيةً فحسب، بل أرشيفاً مفتوحاً على التاريخ والمعمار والفن. تستوحي منها نقوشاً فنية وألواناً متوهجة تستحضر صقلية بقصورها وقلاعها، والأهم من هذا الجمال الإيطالي الطبيعي.

يأتي أحمر الخدود بتركيبة كريمية تدوم طويلاً (خاص)

وسبق أن طرحت عدة مستحضرات تصب في هذا المجال، إلا أنها كشفت حديثاً عن منتجين جديدين يحملان اسمي «Rose Dew Lip Bite» و«Cherry Glaze Bar»، يندرجان ضمن مفهوم «Fresh Look» الذي يراهن على إطلالة طبيعية ندية يمكن تكثيفها تدريجياً حسب الذوق والمناسبة: تبدأ خفيفة وناعمة في الصباح، ثم تزداد وهجاً في الظهيرة، وعُمقاً في المساء.

لكن يبقى أكثر ما يلفت في المجموعة، ليس فقط شكل العبوات المبتكرة أو وظيفتها فحسب، بل المكونات الإيطالية المستخدمة فيها، وهي زيت الكرز الإيطالي ومستخلص الورد المحلي؛ فهذه مكونات تمنح، حسب الدار، المنتجات شخصية فريدة وبصمة مميزة.

تتميز العلب بروح «دولتشي آند غابانا» الفنية (خاص)

خلاصات طبيعية وكولاجين

فأحمر الخدود «Cherry Glaze Bar» يأتي على هيئة لوحة مصغرة بتركيبة كريمية، تتيح توزيع اللون بدرجات يمكن التحكم فيها بسهولة، سواء أكان المراد إطلالة خفيفة أم تغطية أكثر كثافة.

وتقول الدار إن تركيبته الغنية بزيت الكرز الإيطالي والكولاجين النباتي، تُرطِب البشرة وتزيدها إشراقاً لمدة تصل إلى 24 ساعة، فضلاً عن مقاومة الماء والحرارة. أما من حيث التصميم، فيأتي في عبوة عاجية بسيطة تتزين بتفاصيل ذهبية مصقولة تعكس أسلوب الدار.

أحمر الشفاه من الكرز المحلي مطعم بالكولاجين النباتي (خاص)

أما أحمر الشفاه «Rose Dew Lip Bite»، فيقدّم هو الآخر لمسة خفيفة وناعمة في البداية، عبر 6 درجات لونية، ثم يزداد عمقاً ولمعاناً مع إضافة طبقات جديدة. وبدلاً من زيت الكرز يعتمد على الورد الإيطالي المعزز بحمض الهيالورونيك، في تركيبة تقول الدار إنها خفيفة وغير لاصقة، تمنح الشفاه تأثيراً أقرب إلى الندى الطبيعي منه إلى المكياج التقليدي.

تستعمل الدار دائماً الجغرافيا الإيطالية بصفتها خلفية تعكس هويتها الثقافية (دولتشي آند غابانا)

العطور أولاً

تجدر الإشارة إلى أن «دولتشي آند غابانا» دخلت صناعة الجمال عبر العطور عندما أطلقت أول عطر لها عام 1992. ومنذ ذلك الحين ابتكرت أكثر من 100 عطر، بالتعاون مع عدد من صناع العطور المشهورين. بعدها طوّرت باقة من مستحضرات التجميل، لقيت صدى كبيراً شجّعها بعد 30 عاماً من العمل في هذا المجال، على نقل أعمالها إلى إدارتها المباشرة، بهدف تعزيز هذا التطور والمضي به إلى مرحلة جديدة تريدها أكثر توسعاً وانتشاراً.