«إم 19»... ترسانة فنية تجمع جنود الخفاء لترجمة أفكار المصممين

«الشرق الأوسط» تدخل عالم «شانيل» حيث يتحول الحجر إلى أزرار والأقمشة إلى ورود

من عرض «ميتييه داغ» الأخير الذي جرى في داكار (خاص «الشرق الأوسط»)
من عرض «ميتييه داغ» الأخير الذي جرى في داكار (خاص «الشرق الأوسط»)
TT

«إم 19»... ترسانة فنية تجمع جنود الخفاء لترجمة أفكار المصممين

من عرض «ميتييه داغ» الأخير الذي جرى في داكار (خاص «الشرق الأوسط»)
من عرض «ميتييه داغ» الأخير الذي جرى في داكار (خاص «الشرق الأوسط»)

انتهى أسبوع الموضة الخاص بالأزياء الراقية أو ما يُعرف بالـ«هوت كوتور» منذ أسابيع، وبقيت أصداؤه وصُوره عالقة في الأذهان. صور تحاكي اللوحات الفنية في بعض الأحيان بألوانها وتفاصيلها الدقيقة. فهذا الموسم يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتصاميم لا مثيل لها نُفِّذ أغلبها بأنامل ناعمة سهرت ليالي وأسابيع على إنجازها. لحُسن الحظ أنه على الرغم مما يُكلِّفه تفردها من أسعار نارية، فإن لهذه التصاميم زبونات لا يبخلن عليها بالغالي والنفيس، لإدراكهن كم الشَّغف الذي تتضمنه كل طية من طياتها أو خط من خطوطها. المصممون، بدورهم، يعشقون هذا الخط لما يوفره لهم من اختبار لأفكار غريبة وابتكار أقمشة جديدة، كل ما تحتاج إليه لتتحول إلى واقع، هو حرفيون متمرسون، أو ما يُطلق عليهم الأنامل الناعمة وجنود الخفاء.

في مشغل «لوساج» (تصوير أليكس مارنا)

بالنسبة لدار «شانيل»، هذه الحرفية لا تقتصر على خط الـ«هوت كوتور»، بل تمتد إلى باقي الخطوط: الأزياء الجاهزة والـ«كروز» و«ميتييه داغ». فالدار تقوم منذ عام 1985، وبكل ما أوتيت من قوة إمكانات، بمحاولات لضمان استمرارية صناعة الموضة الراقية ومفهوم «صُنع باليد». أمر بالنسبة لها لا يمكن أن يتحقق سوى بضمان مُستقبل حرفييها. خط الـ«ميتييه داغ» مثلاً بدأه مصممها الراحل كارل لاغرفيلد في عام 2002 لتسليط الضوء على الأيادي الناعمة التي تعمل في مجالات مختلفة، من صناعة البليسيهات والأزرار والورود والريش إلى القبعات والأحذية والقفازات وغيرها. فمن دون خبرات هؤلاء لا تكتمل الموضة. في منتصف القرن الماضي كاد يتعرض بعض هذه الورشات الحرفية للإفلاس والاختفاء تماماً. تقلص عددها وعدد العاملين فيها بشكل مخيف، إما لشُح الإمكانات المادية أو بسبب العولمة وما ترتب عنها من زحف الآلات الصناعية على صناعة الموضة، أو لعدم وجود ورثة يُكملون مسيرة المؤسسين.

ورشة «مونتيكس» للتطريز لها مكان مهم في صناعة الموضة (شانيل مونتيكس)

الخوف عليها حفَز «شانيل» أن تقوم بعملية إنقاذ واسعة لضمِّها إلى حضنها.
في عام 1985 بدأت دار «شانيل» العملية، وفي عام 1997، تم إطلاق شركة موازية سمتها «Paraffection باغ أفيكسيون»، ومعناها باللغة الفرنسية «حُباً في»، انضوت تحتها هذه الورشات. مع السنين تكاثر عدد المنضوين من مختلف التخصصات تحت جناح الشركة، بعضهم يُتقن تطويع الجلود وبعضهم يتفنن في غزل الصوف وابتكار الأزرار بمواد جديدة، ومنهم من يهتم بالديكورات المنزلية. المشكلة أن هذه الورشات بقيت إلى عهد قريب متناثرة في أنحاء باريس وضواحيها، وهو ما كان يستنزف الوقت والجهد من المصممين وبيوت الأزياء التي تتعامل معها. ورغم أن «شانيل» حاولت جمع بعضهم في بناية واحدة في السابق، فإن عددهم المتزايد كان يجعل أي مكان يستقرون فيه يصغر ويضيق عليهم بعد فترة. في عام 2021 تغير الوضع تماماً. فقد شيّدت بناية ضخمة بمساحة تستوعب عدداً معقولاً من الورشات. لم تكن الدار تتوقع أن تُصبح البناية، التي أطلقت عليها اسم «19 إم» مَعلمة معمارية من معالم باريس.

في عام 1960 ابتكر «لوماري» لكوكو شانيل وردتها المفضلة الكاميليا من القماش (تصوير: أليكس مارنا)

مساحتها تبلغ 25.000 متر مربع و7 طوابق، استقبلت بعد الافتتاح في عام 2021، 11 ورشة من بين نحو 40 ورشة تحتضنها الدار، لسبب أساسي وهو أن الـ11 ورشة كانت موجودة في باريس وضواحيها، في حين توجد باقي الورشات في مناطق بعيدة مثل شركة «باري» المتخصصة في غزل الكشمير، التي توجد في اسكتلندا، و«غاييرا» المتخصصة في الجلود التي توجد بالقرب من ميلانو، وغيرها.

في ورشة «لونيو» تكتسب الأقمشة البسيطة بليسيهات بأشكال متنوعة (تصوير: آن كومباز)

زيارة قامت بها صحيفة «الشرق الأوسط» للمبنى خلال أسبوع الـ«هوت كوتور» الأخير، أكدت أن ما يجري على منصات العرض ما هو إلا قطرة في بحر ما يجري العمل عليه في هذا المبنى لأسابيع، إن لم نقل أشهراً. هنا تتحول النقاشات والأفكار المجنونة التي تبدأ في مشاغل المصممين ومكاتبهم إلى تلك اللوحات الفنية المتحركة التي نتابعها على منصات العرض، بدءاً من الأقمشة التي يتم تطويعها والبليسيهات التي يتم تشكيلُها هنا، إلى الورود والأحذية وباقي الإكسسوارات.

يحتضن «إم 19» ورشة بالوما بونبون المتخصصة في الأقمشة الناعمة وتشكيلها (تصوير: أليكس مارنا)

كل الجوارح خلال الأسبوع تكون موجهة بانبهار نحو الأزياء والإكسسوارات وباقي عناصر الإبهار التي ترافق العرض من إضاءة وموسيقى وغيرها من العناصر التي تستهدف دغدغة مشاعرنا وتنجح دائماً في نقلنا إلى عوالم حالمة. وفي نهاية كل عرض تبقى صور العارضات وهن يتخايلن في أزياء تزهو بالألوان والترصيعات والتطريزات، وأسماء مُصمميها، عالقة في الأذهان، وقلما يخطر بالبال أن كل هذا الجمال والإبداع وراءه جنود مجهولون لا يقلون شغفاً وعطاء. جنود لولاهم لما تم تحويل الرسمات والأفكار، الخيالية والسريالية في بعض الأحيان، إلى واقع ملموس.
بعد دقائق من التجول بين أقسام «19 إم» ينتابك شعور بأن اسم «شانيل» لم يعد يرتبط بشارع «غامبون» الأيقوني، حيث شقة غابرييل شانيل ومشغلها ومحلها وحده، ولا بد أن يشمل العنوان الجديد، الذي من حقه أن يأخذ حصته من الاحترام والاهتمام. وهذا لا يقتصر على معماره الحديث أو مساحته الشاسعة فحسب، بل في كونه ترسانة فنية لا مثيل لها في كل العالم لما تحتضنه من خبرات ومدارس لا توجد في أي مكان آخر. هذه الترسانة تحتمل بعض المبالغة بالقول إنها تمثل لصناعة الموضة ومستقبلها ما تُمثله «ناسا» للولايات المتحدة من صولات وجولات استكشافية في الفضاء. فهنا يتحول الحجر إلى أزرار والأقمشة إلى ورود، وهنا تكتسب الأقمشة أشكالاً وأبعاداً جديدة. مثلاً قماش يتم بسطُه بين قطعتين من الورق المقوى بعناية يتم لفه من الجانبين كما لو كان «ساندويتش»، في عملية تبدو بسيطة، لكنها دقيقة للغاية، يتحول بعدها القماش العادي والمنسدل إلى قماش مختلف تماماً ببليسيهات بديعة، تأخذ تارة شكل أكورديون وتارة شكل مربعات. تشرح مسؤولة القسم أنه ليس هناك مدرسة أو معهد تُعلَّم فيه هذه التقنية، فـ«ورشة (لونيو/ lognon) هنا هي الوحيدة التي تتقن هذه العملية وتحرص على نقلها من جيل إلى آخر»، حسب قولها.

من عرض الـ«هوت كوتور» الأخير لربيع وصيف 2023

منذ البداية كانت الفكرة بالنسبة لدار «شانيل» أن يُصبح المكان بمثابة مطبخ فكري وفني يتم فيه تبادل الخبرات والمهارات. يتم فيه أيضاً تسليم المشعل من جيل إلى آخر. فالزائر هذا المبنى يكتشف أن الماضي فيه، جزء من الحاضر والمستقبل. أغلب العاملين فيه شباب تقل أعمارهم عن الـ30 عاماً، يغرفون من خبرات الأجيال السابقة فيما يتعلق باستعمال أياديهم وأناملهم لصياغة هذه الأزياء والإكسسوارات وكل ما يتعلق بها من تفاصيل، إلى جانب إتقانهم أدوات العصر الحديثة مثل آلات الطباعة ثلاثية الأبعاد وغيرها. فقد تكون التكنولوجيا مُكملاً ضرورياً هنا بحكم متطلبات العصر، إلا أنها لا تُعوض عن الدقة والحرفية التي تجود بها الأنامل الناعمة.

في عام 1957 طلبت كوكو شانيل من «ماسارو» أن يصنع لها أحذية بلونين وهو ما أصبح من أيقوناتها (تصوير: أليكس مارنا)

الوصول إلى المبنى ليس سهلاً وفي الوقت ذاته ليس معقداً. فهو في الجادة «19» الواقعة شمال شرقي باريس. منطقة قد لا تقارن بشارع «غامبون» الراقي، إلا أنها تشهد انتعاشاً ثقافياً وفنياً ملموساً في السنوات الأخيرة. أول ما يثير انتباهك في المبنى من الخارج، شكله المثلث المترامي على مساحة 25.000 متر مربع وطوابقه السبعة. تبدو نوافذه الزجاجية وكأنها تمتد من الأرض إلى سقفه. فهيكله الخارجي يتكون من 231 وحدة خرسانية رفيعة جداً. بيد أن ما يلفت النظر أكثر، أنه يبدو كما لو كان مكسواً بالقماش تنسدل خيوطاً متشابكة على طول طوابقه السبعة. مهندسه الفرنسي رودي ريشيوتي أخذ بعين الاعتبار أنه مبنى خاص بالموضة، وأنه لدار أيقونية راسخة في المخيلة الفرنسية كمؤسسة ثقافية وفنية قائمة بذاتها، لهذا استعمل الحديد والزجاج والإسمنت بهذه الطريقة المبتكرة، تماماً مثل تركيزه على الإضاءة الطبيعية والاستفادة من المساحات المفتوحة. اسم المكان نفسه «L e 19M» قد يبدو وظيفياً للوهلة الأولى، لكنه يحمل الكثير من المعاني التي ترتبط بصناعة الموضة عموماً وبالدار الفرنسية خصوصاً. فإلى جانب أن رقم «19» يرمز إلى موقعه الجغرافي في الجادة «19»، فإنه أيضاً تاريخ يوم ميلاد غابرييل شانيل، التي وُلدت في 19 من شهر أغسطس (آب). أما حرف «إم M» فيرمز إلى عدة أشياء كلها ترتبط بالحرفية، مثل موضة، «ميتييه Metier»؛ أي حرفية، «مين Mains»؛ أي يد أو ما يُعرف بالأنامل الناعمة في لغة الخياطة الرفيعة، و«ميزون Maison»؛ أي دار أزياء.
الجميل في المكان عندما تطأ أقدامك عتبته ليس رائحة الإبداع والابتكار التي تزكم الأنفاس فحسب، بل كيف تتكشف أسراره وتقنياته، كما لو كانت لعبة «بازل» تكتمل صورتها أمام العيون. فهذه الورشات لا ترى أنها يجب أن تُبقي هذه التقنيات ملفوفة بالسرية، بل العكس تريد أن تستعرضها أمام العالم. كما لا تبخل على أي دار أزياء بها. وهذا يُحسب لـ«شانيل» التي على الرغم من أنها تمتلكها، فإنها لا تتملَّكها أو تحتكرها، بل تفسح لها المجال للتعاون مع كل بيوت الأزياء العالمية. من جهة لكي تحافظ على استمرارية مفهوم «صُنع باليد»، ومن جهة ثانية لتمويل نفسها. ورغم أن خط الـ«هوت كوتور» هو من يستفيد من هذه الخبرات بشكل واسع، فإنها بالنسبة للدار، الأكسجين الذي يتنفس منه خط الـ«ميتييه داغ». فهو خاص بها بدأه الراحل كارل لاغرفيلد منذ أكثر من عقدين لكي يكون احتفالاً بهذه الحرف واستعراضاً لما تُنتجه. وحتى لا يُفوِّت على أحد متعة متابعتها، حرص أن يعرض هذا الخط مرة في السنة، في عواصم مختلفة من العالم. وهذا تقليد لا تزال الدار تلتزم به لحد الآن. ففي شهر ديسمبر (كانون الأول) من كل عام، تأخذ ضيوفها المهمين في رحلة تخاطب كل الحواس، كان آخرها إلى داكار، عاصمة السنغال.
كانت هذه أول مرة تحتضن أفريقيا عرضاً مماثلاً، كما كانت وجهة جديدة ومجنونة، ولا سيما أن الدار لا تنوي فتح محلات لها في العاصمة الأفريقية. تبريرها كان أنها تريد فتح حوار فكري، ثقافي، وفني، مع مُبدعي السنغال. فمقرها «19M» ليس مجرد مطبخ إبداعي لصناعة الموضة، بل هو أيضاً ملتقى فني وثقافي تفتحه للعامة في أيام محددة لمن يريدون تعلم حرفة ما، وتُخصص جزءاً منه، نحو 1.200 متر مربع، لتنظيم معارض متنوعة.
الآن وبالتعاون مع متحف «تيودور مونو» للفنون الأفريقية، هناك حوار جارٍ بينه وبين حرفيين سنغاليين ضمن برنامج «19 إم داكار»، تحت عنوان «Sur le fil»، ومعناها «على الخيط»، إشارة إلى تلك العلاقة التي تربط التطريز بمجالات فنية أخرى مثل الرسم والتصوير الفوتوغرافي وغيرها.


مقالات ذات صلة

داريو فيتالي مديراً إبداعياً لـ«إمبوريو أرماني»

لمسات الموضة داريو فيتالي (تصوير: جانيت مونتغومري بارون)

داريو فيتالي مديراً إبداعياً لـ«إمبوريو أرماني»

خرج المصمم الإيطالي داريو فيتالي من دار «فيرساتشي» بعد مجموعة واحدة. والآن عُيّن مديراً إبداعياً لخط «إمبوريو أرماني»،.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة تحول محل لبيع الجرائد والمجلات إلى معرض مصغر يحكي قصصاً مصرية (عزة فهمي)

«عزة فهمي» تروي أخبار مصر بالمجوهرات

بالنسبة لها هناك قطع مجوهرات نختارها وأخرى هي التي تختارنا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة من عرض «رالف لورين» (أ.ب)

أسبوع نيويورك لربيع وصيف 2027 يبتسم من جديد

تزامُن انتعاش الأسبوع مع وصول ممداني إلى السلطة يجعل من الصعب فصل الموضة عن المدينة نفسها. كلاهما يتحرك بديناميكية ورغبة في استعادة المكانة المهمة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة تحقق هذه التشكيلة حلم المرأة العادية في أزياء غير عادية (موقع إتش آند إم)

تعاون طال انتظاره... إيلي صعب و«إتش آند إم»

التجربةُ بالنسبة إلى إيلي صعب اكتشافٌ لقدرته على أن يمنح اسمه مساحة أكبر في الحياة اليومية...

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة لقطة تجمع الراقصين سيزار كوراليس وفرانشيسكا هايوارد والأهرامات (تصوير: منار جاد)

كريستينا ليون... طموح نحو العُلا بعد المتحف المصري

جمع المواهب الشابة بأسماء عالمية هو جوهر تجربة كريستينا ليون الشخصية، والمهنية، بوصفها راقصة باليه سابقة، عرفت عن قرب معنى أن تصنع الموهبة طريقها إلى الضوء

جميلة حلفيشي (لندن)

داريو فيتالي مديراً إبداعياً لـ«إمبوريو أرماني»

داريو فيتالي (تصوير: جانيت مونتغومري بارون)
داريو فيتالي (تصوير: جانيت مونتغومري بارون)
TT

داريو فيتالي مديراً إبداعياً لـ«إمبوريو أرماني»

داريو فيتالي (تصوير: جانيت مونتغومري بارون)
داريو فيتالي (تصوير: جانيت مونتغومري بارون)

خرج المصمم الإيطالي داريو فيتالي من دار «فيرساتشي» بعد مجموعة واحدة. والآن عُيّن مديراً إبداعياً لخط «إمبوريو أرماني»، ومشرفاً على إكسسوارات «جورجيو أرماني»؛ مما يمنحه موطئ قدم أيضاً في قلب الخط الرئيسي والأهم.

ويُعدّ تعيينه أول تغيير كبير في القيادة الإبداعية لإمبراطورية «جورجيو أرماني» منذ تأسيسها عام 1975.

فقد ظل جورجيو أرماني يشرف شخصياً على التصميم والتنسيق والتوجيه الفني في مختلف أعماله حتى وفاته في سبتمبر (أيلول) 2025. ومنذ ذلك الحين، يتولى عدد من معاونيه وأفراد من عائلته، بينهم سيلفانا أرماني، رئيسة قسم الأزياء النسائية، وليو ديل أوركو، المسؤول عن الأزياء الرجالية، إدارة استوديوهات الشركة، في محاولة للحفاظ على استمرارية أعمال تبلغ قيمتها ملياري يورو.

من هو داريو فيتالي؟

داريو فيتالي... تجربة طويلة قبل دخوله «إمبوريو أرماني» (تصوير: جانيت مونتغومري بارون)

قبل «أرماني» و«فيرساتشي»، أمضى فيتالي 14 عاماً خلف الكواليس في «ميوميو»، حيث انتهى به الأمر إلى تولي منصب مدير التصميم والصورة للعلامة. وجاء رحيله عن «فيرساتشي» في ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، بعد يومين من إتمام «برادا» استحواذها على دار الأزياء الإيطالية مقابل 1.25 مليار يورو.

قدّم مجموعة واحدة فقط، في ديسمبر الماضي، تضمنت تصاميم مرحة تتحدى القوالب التقليدية بألوانها الزاهية وتنسيقاتها المتعددة الطبقات؛ الأمر الذي أبعد «فيرساتشي» عن عنصر الإغراء الذي ارتبط بها وأعطى الأمل في عهد جديد.

وهذا ما صرّحت به سيلفانا أرماني، رئيسة تصميم الأزياء النسائية، وليو ديل أوركو، رئيس تصميم الأزياء الرجالية في «مجموعة أرماني» بالقول إن «إمبوريو أرماني» أكثر من مجرد خط أزياء؛ «إنها كيان نرتبط به بعمق، فقد تابعنا رحلتها وشاركنا فيها منذ بدايتها». ويضيفان أن تعيين فيتالي مهم جد؛ لأن المتوقع منه أن يُعبّر عن روحها باحترام وأصالة وفي الوقت نفسه ضخ دم جديد فيها، لا سيما أنه سيتمتع بمساحة شاسعة من الحرية للتجريب والابتكار.

«إمبوريو أرماني»... الخط الأصغر

يخاطب الخط عشاق الموضة ممن يتوقون لبصمات «أرماني» في التفصيل والدقة (إمبوريو أرماني)

تأسست «إمبوريو أرماني» عام 1981 لتقديم نسخة أعلى شباباً وعفوية، وأدنى مرتبة من خط الرفاهية الرئيسي؛ «جورجيو أرماني»، وبالتالي تستهدف قاعدة أوسع من عشاق الموضة. وقد توسعت لتضم بعض خطوط الشركة المتوسطة، بينها «أرماني جينز» و«أرماني كوليزوني»، بعد إعادة الهيكلة التي أجرتها الشركة عام 2017. ويأتي تعيين المصمم في وقت يواجه فيه هذا الخط ضغوطاً تجارية وحاجة إلى هوية أعلى تميزاً.

لكن اعتماد «إمبوريو» بدرجة أكبر على المنتجات ذات الأسعار الأدنى، إلى جانب شبكة توزيع تعتمد إلى حد كبير على المتاجر متعددة الأقسام ومتاجر الأزياء الرجالية الصغيرة التي تبيع علامات عدة، جعلها أكبر تعرضاً للضغوط التي أصابت القطاع المتوسط من سوق الموضة في السنوات الأخيرة، وفي مقدمتها تراجع تجارة الجملة.

يتميز خط «إمبوريو أرماني» بالأناقة والتفصيل الإيطالي رغم سعره الأدنى من الخط الرئيسي (إمبوريو أرماني)

وخلال السنوات الأخيرة، حاولت الشركة إعادة «إمبوريو» إلى القيم الأساسية لـ«أرماني»: الأناقة غير المتكلفة. لتحقيق ذلك، جددت متاجرها الرئيسية، وقدمت عروضاً للأزياء ركزت على الأزياء المفصلة المريحة، بألوان متحفظة يغلب عليها الكحلي والرمادي المائل إلى البيج.

لهذا يُمثل وصوله بداية فصل جديد في تاريخ العلامة، ويفتح حواراً بين الابتكار والهوية، بما يعزز البنية الإبداعية للمجموعة ويدعم تطورها، مع الحفاظ على الرؤية الجمالية التي لطالما ميّزت اسم «جورجيو أرماني».


«عزة فهمي» تروي أخبار مصر بالمجوهرات

تحول محل لبيع الجرائد والمجلات إلى معرض مصغر يحكي قصصاً مصرية (عزة فهمي)
تحول محل لبيع الجرائد والمجلات إلى معرض مصغر يحكي قصصاً مصرية (عزة فهمي)
TT

«عزة فهمي» تروي أخبار مصر بالمجوهرات

تحول محل لبيع الجرائد والمجلات إلى معرض مصغر يحكي قصصاً مصرية (عزة فهمي)
تحول محل لبيع الجرائد والمجلات إلى معرض مصغر يحكي قصصاً مصرية (عزة فهمي)

على مدى 3 أيام، حوَّلت عزة فهمي متجراً لبيع الصحف والمجلات في لندن إلى معرض مصغر بعنوان «أخبار من مصر». كل ما فيه من تفاصيل يعكس اهتمامات المصممة الثقافية والفنية، بدءاً من اختيار المكان وصولاً إلى القطع والقصص التي يرويها المعرض.

تحول محل لبيع الجرائد والمجلات إلى معرض مصغر يحكي قصصاً مصرية (عزة فهمي)

فهي لم تختر إقامة المعرض في محلها الواقع في بيرلنغتون أركايد، ولا في فندق فخم، كما جرت عادة المصممين، بل أتت بفكرة مبتكرة حوَّلت من خلالها محلاً اعتاد الناس دخوله لشراء المجلات والصحف، الأجنبية في الغالب، إلى مساحة تُروى فيها قصص مصرية، تتلاقى من خلال مجوهرات ذات جذور تاريخية أدخلتها عزة فهمي إلى عالمها الخاص، في تماهٍ سلس بين الماضي والحاضر. لكن ما المصادر والقصص التي تقف وراء تلك القطع؟

يستعرض المعرض مجوهرات من مجموعات متنوعة (عزة فهمي)

تقول الابنة أمينة غالي، المسؤولة عن قسم التصميم حالياً، إن المعرض يستعرض هذه القصص، مع التركيز على مختلف المصادر الثقافية والتاريخية التي ألهمت مجوهرات الدار، بدءاً من الرموز المصرية القديمة، مثل زهرة اللوتس والجعران وعنخ، أو مفتاح الحياة، والكوبرا، وعين حورس، وغيرها، وصولاً إلى العمارة الإسلامية التي خلَّفتها حضارات كثيرة تعاقبت على مصر، ولا تزال حاضرة في المساجد والمعابد والقصور. وهي مصادر لا تتعامل معها عزة فهمي بوصفها مجرد عناصر زخرفية، بل تنطلق منها في رحلة طويلة من البحث والفهم.

ركن من المعرض تستعرض فيه رسمات ومصادر إلهام (عزة فهمي)

وعبر 3 فصول وغرف منفصلة خلف واجهة المحل، تنتشر صور ورسومات يدوية تشير إلى حرفية الصانع المصري، إلى جانب الدراسات المعمقة التي تجريها المصممة مع علماء المصريات والآثار، سعياً إلى فهم أعمق للرموز ومعانيها، ووضعها في سياقها الثقافي والتاريخي. وهذا الشغف بالبحث لا ينفصل عن علاقتها الشخصية بمصر، ولا عن الطريقة التي تنظر بها إلى تراثها وقصصها.

سوار يختزل الكثير من المعاني التاريخية والثقافية من كليوباترا إلى اليوم (عزة فهمي)

في أحد الأركان، مثلاً، يمكن الاستماع إلى صوت عزة فهمي نفسها وهي تحكي قصة حب لا تنتهي تربطها بمصر، قائلةً إنه «حب يجري في شرايينها». وتضيف أن مصر مصدر لا ينضب يُلهب خيال كل فنان، عبر شعرائها وموسيقييها وأيضاً حرفييها.

وتقول: «من هذا الوطن ورثنا عدداً لا يُحصى من القصص، قصص نواصل دراستها وإعادة تفسيرها ومشاركتها مع العالم»، ومن هذه الرؤية تحديداً ينطلق المعرض في رحلته.

مجوهرات عصرية لها جذور ثقافية وتاريخية (عزة فهمي)

فهو يأخذ الزائر في رحلة يتعرَّف خلالها على الرموز والمعارف الموروثة من الماضي، وصولاً إلى الروايات الشفهية، وذلك الشغف الواضح بالبحث والحرفية «فهما اللذان يُسهمان في حفظها واستمرارها، ثم انتقالها إلى الأجيال القادمة» وفق عزة فهمي.

ولعل هذا الاهتمام بالقصص الموروثة يفسر أيضاً علاقتها باللغة العربية. فمن يعرف عزة فهمي يعرف مدى عشقها للغة الضاد. تُبحر في قراءة أشعارها وتغوص في معانيها لتكون نقطة البداية لقطعة مجوهرات لا مثيل لها. قد تكون بيت شعر أو حكمة أو أمنية وما شابهها من كلمات تختزن شعوراً خاصاً.

لا تستعمل الرموز المصرية بوصفها عناصر زخرفية فحسب بل أيضاً لغة سردية (عزة فهمي)

ومن خلال المجوهرات التي تطرحها، تحرص الدار على أن تكون كل قطعة منها وسيلة لحفظ هذه القصص وإعادة روايتها، فهي «تبقى حيَّة فقط عندما نواصل نقلها إلى الأجيال القادمة بحب»، وفق قولها، مضيفة أننا نختار بعض هذه القصص، في حين بعضها يختارنا.


أسبوع نيويورك لربيع وصيف 2027 يبتسم من جديد

من عرض «رالف لورين» (أ.ب)
من عرض «رالف لورين» (أ.ب)
TT

أسبوع نيويورك لربيع وصيف 2027 يبتسم من جديد

من عرض «رالف لورين» (أ.ب)
من عرض «رالف لورين» (أ.ب)

ثمة شيء منعش في هواء أسبوع الموضة بنيويورك هذا الموسم. فالمدينة تعود إلى موعدها السنوي لربيع وصيف 2027 بنبرة أكثر تفاؤلاً وثقة. وطبعاً لا يمكننا تجاهل تأثير عمدتها زهران ممداني في زيادة هذه الثقة والتفاؤل. الرجل صاحب الابتسامة العريضة والضحكة التي تسبق أحياناً تصريحاته، وصل إلى سيتي هول حاملاً معه وعداً بمدينة أكثر حيوية. لم يُخيِّب الآمال لحد الآن، وهذه الحيوية انعكست على أسبوع سكنه الخمول في السنوات الأخيرة، وبدا فيها وكأنه يفقد ثقله في خريطة الموضة العالمية.

البرنامج الرسمي هذا الموسم أكثر امتلاءً وتفاؤلاً: نحو 70 عرضاً وتقديماً، مع عودة «تومي هيلفيغر» و«مونص» وآخرون إلى جانب أسماء جديدة مثل «كونر آيفز» و«ماغدا بوتروم» و«زالدي» ومجموعة من الأسماء الصاعدة التي تألقت مؤخراً.

واليوم، سيختتم المصمم توم براون الأسبوع، بعد غيابه عن عرض فبراير (شباط).

من عرض «كيد سوبر»... ألوان متوهجة وتصاميم تميل إلى السريالي (أ.ف.ب)

تزامُن هذه الحركة الجديدة التي يشهدها الأسبوع مع وصول ممداني إلى السلطة يجعل من الصعب فصل أسبوع الموضة عن المدينة نفسها. فبينما تتحرَّك هذه الأخيرة نحو ديناميكية ثقافية واجتماعية واقتصادي جديدة، تعمل صناعة الموضة على استعادة زخمها القديم، واسترجاع مَن هجروها من أبنائها إلى باريس بحثاً عن انتشار أكبر، مثل غابرييلا هيرست و«ذي رو» وغيرهما، مما جعل المدينة تفقد شيئاً من أهميتها في التقويم العالمي. لكن الصورة تبدو حالياً أقل قتامة وأكثر إيجابية.

ورغم أنه من السابق لأوانه الجزم بأن الأسبوع استعاد كامل عافيته هذا الموسم، يُمكن القول بأمان إن المزاج العام يُؤمن بأن القادم أفضل.

من عرض «برابال غورونغ» تصاميم تصب في خانة السهل الممتنع (أ.ف.ب)

جانب من الفضل يعود إلى زهران ممداني، الذي رفع الثقة بنيويورك، لكن السبب الرئيسي يعود إلى ما تشهده السوق الأميركية من نمو يجعل المصممين المخضرمين والشباب، على حد سواء، يرون أن المدينة باتت محطة مهمة يمكنهم الوصول من خلالها إلى العالم بسهولة. فالسوق الأميركية تُعدّ حالياً أكثر صموداً من أسواق أوروبية كانت إلى الأمس القريب مهمة؛ الأمر الذي يجعله مُغرياً لبيوت أزياء مهمة، مثل «شانيل» و«بالنسياغا» و«غوتشي» أقامت عروضاً في نيويورك هذا العام.

«رالف لورين» لا يقف عند الماضي

علامات أميركية كبيرة كثيرة استفادت من هذا النمو، وحققت إيرادات عالية، مثل «كوتش» و«رالف لورين» اللذين بدآ الأسبوع قبل انطلاق برنامجه الرسمي بيوم. فإيرادات «رالف لورين» المالية، مثلاً، تجاوزت هذا العام حاجز 8 مليارات دولار للمرة الأولى في تاريخ الشركة، لتصل إلى 8.1 مليار دولار، بزيادة 15 في المائة عن العام السابق. كان من الطبيعي وفق المتابعين أن يكون عرضه ممتعاً. لكن ما لم يكن متوقعاً أن يفاجئوهم بالجديد.

فالدار تحتفل بمرور 60 عاماً على تأسيسها، وبالتالي كان من السهل، ومن المتوقَّع، أن يتحول عرضها إلى استعراض لتاريخها من خلال استنساخ قطعاً من أرشيفها. لكن العكس حصل. لخَّصت فيه الدار المشكلة التي يمكن أن تواجه أي دار عريقة تتمسك بماضيها بطريقة عمياء، وفي الوقت ذاته، قدَّمت الحل بعدم اعتمادها عليه كليا وتحقيق التوازن.

يعتبر رالف لورين من بين أكثر المصممين الذين زيَّنوا ربطة العنق للمرأة (أ.ب)

يشرح ديفيد لورين، نجل المصمم وكبير مسؤولي العلامة التجارية والابتكار أن «هذا ليس عاماً للنظر إلى الوراء»، موضحاً أن والده كان يريد الحفاظ على الشرارة الأولى التي انطلقت منها الشركة، مع نفخ جمرها لمنحها المزيد من التوهُّج. ظهرت في المجموعة إشارتان لافتتان إلى ذلك الماضي. الأولى بدلتان نسائيتان صُنعتا في إيطاليا، في تحية إلى أول بدلة نسائية صممها رالف لورين. والثانية قميص وسترة من البروكار وربطة عنق عريضة تستعيد الذي ساهم في إطلاق خط «بولو» عام 1967. لكن الباقي كله كان موجهاً لامرأة من هذا الزمن.

لم تتجاهل «رالف لورين» ماضيها لكن لم تقف عنده (أ.ب)

تميزت المجموعة بروح مختلفة عما عودنا عليه: بناطيل واسعة منخفضة الخصر، وسترات أكثر رشاقة، وفساتين مسائية مفعمة بالرومانسية، وبدلات مصممة بدقة. طبعاً لم تتنصل الدار من جيناتها بالكامل، فقد حضر الدينم، لكن «مطلياً» أو معالجاً بتقنيات حديثة، مثله مثل بعض الأقمشة الأخرى التي خضعت لعمليات متطورة من الغسل والرسم اليدوي، فيما أدخلت عليها تأثيرات تجعلها تبدو وكأنها «فينتاج». أكّد رالف لورين أن المجموعة تدور حول «الابتكار والأصالة والشخصية».

تباينت تصاميم «رالف لورين» بين العملية والرومانسية (أ.ب)

أما قوتها بالنسبة للمستهلك، فتكمن في أنها لا تحتاج إلى تفسير. كل قطعة كانت تحكي قصتها وتسرد تاريخها مع الدار بأسلوب حيوي ومعاصر. وربما كان هذا هو التحدي الذي واجهته الدار في عامها الستين: الإبقاء على شخصيتها الأميركية واضحة وفي الوقت ذاته اعتماد لغة تصل لكل العالم والأعمار.

الأسلوب الأميركي... الحاضر القوي

لم تكن «رالف لورين» وحدها مَن أخذت هذا الاتجاه؛ فالعروض منذ بداية الأسبوع تشير إلى أنها رمت القتامة وراءها. «كوتش» التي تحتفل هذا العام بمرور 85 على تأسيسها، لم يتجاهل مصممها ستيوارت فيفيرز أن مكمن قوتها التجارية في أرشيفها وفي إكسسواراتها الجلدية تحديداً، وهو ما ترجمه في حقيبة جديدة «TurnLock Tote» استوحاها من تصميم يعود إلى السبعينات، لتتناسب مع أزياء سلسة وعملية.

دار «تومي هيلفيغر» هي الأخرى عادت إلى البرنامج الرسمي لنيويورك، بعرض في فندق «بلازا» قالت عنه في بيانها الصحافي إنه «أقرب إلى احتفال شخصي بنيويورك».

العارضة جيجي حديد وإطلالة من «تومي هلفيغر» (تومي هلفيغر)

تحوَّل الفندق الذي أقام فيه المصمم مع عائلته في سنوات سابقة إلى مسرح أعاد فيه واحدة من أكثر مفردات الموضة الأميركية وضوحا؛ الـ«بريبي». أسلوب لا يرتبط بالموضة الأميركية فحسب بل أيضاً بأسلوبه. قدَّمه هذه المرة بنسب وأحجام أكثر تحرراً وألوان أكثر جرأة، ظهرت في قمصان «أكسفورد» وبناطيل «تشينو» وقطع من التارتان و«تي - شيرتات» بولو. يشرح هيلفيغر أن نيويورك كانت ولا تزال مصدر إلهام لا ينضب بالنسبة له «فمنذ 40 عاماً، وأنا أستلهم من أسلوب أهلها، وتلك الطرق التي يتعاملون بها مع القطع الكلاسيكية، كل بأسلوبه الخاص».

العودة إلى التسعينات

دار «كالفين كلاين» تحت قيادة فيرونيكا ليوني الإبداعية، ظلت هي الأخرى وفية لأسلوب الدار المتميز بالخطوط البسيطة، لتكون واحدة من أكثر ما تم تقديمه طوال الأسبوع هدوءاً. تضمنت التشكيلة معاطف بسيطة وفساتين انسيابية مع استدعاء واضح لروح التسعينات التي ارتبطت تاريخياً باسمها، واستحضرت بشكل أو بآخر الراحلة كارولين بيسيت.

من عرض «مايكل كورس» (رويترز)

من جهتها، قدمت دار «مايكل كورس» عرضاً استند إلى الحداثة والفن، من دون أن تتحول الإحالات الفنية إلى استنساخ أو درس في تاريخ الفن. اكتفت باقتباس إشارات خفيفة تُرجمت بأسلوب يجمع النعومة بالقوة. ظهرت النعومة في التصاميم الأنثوية والمنسابة والقطع المنفصلة العملية، بينما ظهرت القوة في تصاميم مفصَّلة قال المصمم إنه استلهمها من صمود نيويورك بعد هجمات 11 سبتمبر، التي تتزامن ذكراها مع فعاليات الأسبوع في هذا الشهر من كل عام.

توري بيرش..المرح أولاً وأخيراً

التفاؤل والإيجابية اللذان تميزت بهما أجواء هذا الأسبوع ظهرا جليّاً في عرض «توري بيرش»، من خلال توليفة من الألوان تبرز فيها تدرجات المرجاني، والفيروزي، والبنفسجي، والأخضر الفاتح، والأحمر القرمزي، والأصفر الكريمي، في تباين لافت مع البني الداكن والألوان المحايدة الباردة.

من اقتراحات توري بيرش (توري بيرش)

لكن لم تنس المصممة أهمية الحفاظ على عملية التصاميم، وهو ما فسَّرته قائلة إن المجموعة تُزاوج بين «الأنوثة المترفة والعملية الأميركية مع لمسة شقاوة مستمدة من متعة الموضة نفسها وتلك المساحة التي تمنحها للعب بمفرداتها». هذه الشقاوة ظهرت في تطريزات معدنية، وسترات الصوف الطويلة بتفاصيل متموجة وملمس مخملي، إلى جانب الخيوط المنقّطة التي تضفي طابعاً مرحاً على القطع. كما تتزين الأوشحة والكرات الزخرفية بريش مصنوع يدوياً، وفق لمسات فنية، ليلتف حول الأكتاف أو الحقائب كلمسة احتفالية مفعمة بالحيوية.

إطلالة تجمع الكلاسيكي بالمبتكر (توري بيرش)

لكن، في المجموع، تميزت الأزياء بتنوع يجمع التصاميم المحاكة بطابع رياضي، والتنانير المنخفضة على الخصر، والبناطيل بخصر مشدود، والقمصان بجيوب خارجية، إلى جانب تفاصيل زخرفية أصبحت لصيقة باسم الدار. تأتي معاطف الأوبرا بقصة تحاكي المعاطف المطرية المريحة، فيما تنحرف الخياطة الحادة قليلاً عن توازنها المعتاد، لتكشف عن أناقة مدروسة بلمسات غير مألوفة.

من ناحية الأقمشة والخامات، فهناك اقتراحات كثيرة، تتباين بين أقمشة صوفية تظهر في تصاميم مستوحاة من الملابس الرجالية، ولمسات من الحرير كان الغرض منها التخفيف من صرامتها وخلق إحساس بالخفة. هناك أيضاً اقتراحات من القطن المعالج بتقنيات متطورة إلى جانب أقمشة جاكارد تحاكي ورق الجدران ببطانات من الحرير وخيوط فيل كوبيه، فضلاً عن حرير «كريب دو شين» بلمسته اللامعة.

الهشاشة والقوة كما ظهرت في عرض «كالت غايا» (كالت غايا)

ربما يكون عرض «كالت غايا» (Cult Giai) الأكثر قتامة من حيث فكرته، رغم أن هذه الفكرة لم تُترجم في الأزياء بشكل حرفي. قالت إنها مجموعة تتأمل في الحزن والصمود وما يمكن أن يحدث بعد الفقدان. تتحرك المجموعة بصرياً من الظلمة إلى الضوء؛ حيث تبدأ بألوان داكنة وترابية، ثم تتدرج نحو الأخضر والأزرق السماوي والأحمر، قبل أن تنتهي بدرجات وردية أكثر رقة ونعومة. مسار يشبه الانتقال من أرض قاحلة إلى واحة أو حديقة تتحول فيها الأورغنزا والحرير إلى أزهار نحتية مرسومة يدوياً. ورغم ما تحمله المجموعة من تناقض بين القوة والهشاشة، والقوة والنعومة، فإنها تؤكد أنه من رحم الألم يُولَد الجمال.