«إم 19»... ترسانة فنية تجمع جنود الخفاء لترجمة أفكار المصممين

«الشرق الأوسط» تدخل عالم «شانيل» حيث يتحول الحجر إلى أزرار والأقمشة إلى ورود

من عرض «ميتييه داغ» الأخير الذي جرى في داكار (خاص «الشرق الأوسط»)
من عرض «ميتييه داغ» الأخير الذي جرى في داكار (خاص «الشرق الأوسط»)
TT

«إم 19»... ترسانة فنية تجمع جنود الخفاء لترجمة أفكار المصممين

من عرض «ميتييه داغ» الأخير الذي جرى في داكار (خاص «الشرق الأوسط»)
من عرض «ميتييه داغ» الأخير الذي جرى في داكار (خاص «الشرق الأوسط»)

انتهى أسبوع الموضة الخاص بالأزياء الراقية أو ما يُعرف بالـ«هوت كوتور» منذ أسابيع، وبقيت أصداؤه وصُوره عالقة في الأذهان. صور تحاكي اللوحات الفنية في بعض الأحيان بألوانها وتفاصيلها الدقيقة. فهذا الموسم يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتصاميم لا مثيل لها نُفِّذ أغلبها بأنامل ناعمة سهرت ليالي وأسابيع على إنجازها. لحُسن الحظ أنه على الرغم مما يُكلِّفه تفردها من أسعار نارية، فإن لهذه التصاميم زبونات لا يبخلن عليها بالغالي والنفيس، لإدراكهن كم الشَّغف الذي تتضمنه كل طية من طياتها أو خط من خطوطها. المصممون، بدورهم، يعشقون هذا الخط لما يوفره لهم من اختبار لأفكار غريبة وابتكار أقمشة جديدة، كل ما تحتاج إليه لتتحول إلى واقع، هو حرفيون متمرسون، أو ما يُطلق عليهم الأنامل الناعمة وجنود الخفاء.

في مشغل «لوساج» (تصوير أليكس مارنا)

بالنسبة لدار «شانيل»، هذه الحرفية لا تقتصر على خط الـ«هوت كوتور»، بل تمتد إلى باقي الخطوط: الأزياء الجاهزة والـ«كروز» و«ميتييه داغ». فالدار تقوم منذ عام 1985، وبكل ما أوتيت من قوة إمكانات، بمحاولات لضمان استمرارية صناعة الموضة الراقية ومفهوم «صُنع باليد». أمر بالنسبة لها لا يمكن أن يتحقق سوى بضمان مُستقبل حرفييها. خط الـ«ميتييه داغ» مثلاً بدأه مصممها الراحل كارل لاغرفيلد في عام 2002 لتسليط الضوء على الأيادي الناعمة التي تعمل في مجالات مختلفة، من صناعة البليسيهات والأزرار والورود والريش إلى القبعات والأحذية والقفازات وغيرها. فمن دون خبرات هؤلاء لا تكتمل الموضة. في منتصف القرن الماضي كاد يتعرض بعض هذه الورشات الحرفية للإفلاس والاختفاء تماماً. تقلص عددها وعدد العاملين فيها بشكل مخيف، إما لشُح الإمكانات المادية أو بسبب العولمة وما ترتب عنها من زحف الآلات الصناعية على صناعة الموضة، أو لعدم وجود ورثة يُكملون مسيرة المؤسسين.

ورشة «مونتيكس» للتطريز لها مكان مهم في صناعة الموضة (شانيل مونتيكس)

الخوف عليها حفَز «شانيل» أن تقوم بعملية إنقاذ واسعة لضمِّها إلى حضنها.
في عام 1985 بدأت دار «شانيل» العملية، وفي عام 1997، تم إطلاق شركة موازية سمتها «Paraffection باغ أفيكسيون»، ومعناها باللغة الفرنسية «حُباً في»، انضوت تحتها هذه الورشات. مع السنين تكاثر عدد المنضوين من مختلف التخصصات تحت جناح الشركة، بعضهم يُتقن تطويع الجلود وبعضهم يتفنن في غزل الصوف وابتكار الأزرار بمواد جديدة، ومنهم من يهتم بالديكورات المنزلية. المشكلة أن هذه الورشات بقيت إلى عهد قريب متناثرة في أنحاء باريس وضواحيها، وهو ما كان يستنزف الوقت والجهد من المصممين وبيوت الأزياء التي تتعامل معها. ورغم أن «شانيل» حاولت جمع بعضهم في بناية واحدة في السابق، فإن عددهم المتزايد كان يجعل أي مكان يستقرون فيه يصغر ويضيق عليهم بعد فترة. في عام 2021 تغير الوضع تماماً. فقد شيّدت بناية ضخمة بمساحة تستوعب عدداً معقولاً من الورشات. لم تكن الدار تتوقع أن تُصبح البناية، التي أطلقت عليها اسم «19 إم» مَعلمة معمارية من معالم باريس.

في عام 1960 ابتكر «لوماري» لكوكو شانيل وردتها المفضلة الكاميليا من القماش (تصوير: أليكس مارنا)

مساحتها تبلغ 25.000 متر مربع و7 طوابق، استقبلت بعد الافتتاح في عام 2021، 11 ورشة من بين نحو 40 ورشة تحتضنها الدار، لسبب أساسي وهو أن الـ11 ورشة كانت موجودة في باريس وضواحيها، في حين توجد باقي الورشات في مناطق بعيدة مثل شركة «باري» المتخصصة في غزل الكشمير، التي توجد في اسكتلندا، و«غاييرا» المتخصصة في الجلود التي توجد بالقرب من ميلانو، وغيرها.

في ورشة «لونيو» تكتسب الأقمشة البسيطة بليسيهات بأشكال متنوعة (تصوير: آن كومباز)

زيارة قامت بها صحيفة «الشرق الأوسط» للمبنى خلال أسبوع الـ«هوت كوتور» الأخير، أكدت أن ما يجري على منصات العرض ما هو إلا قطرة في بحر ما يجري العمل عليه في هذا المبنى لأسابيع، إن لم نقل أشهراً. هنا تتحول النقاشات والأفكار المجنونة التي تبدأ في مشاغل المصممين ومكاتبهم إلى تلك اللوحات الفنية المتحركة التي نتابعها على منصات العرض، بدءاً من الأقمشة التي يتم تطويعها والبليسيهات التي يتم تشكيلُها هنا، إلى الورود والأحذية وباقي الإكسسوارات.

يحتضن «إم 19» ورشة بالوما بونبون المتخصصة في الأقمشة الناعمة وتشكيلها (تصوير: أليكس مارنا)

كل الجوارح خلال الأسبوع تكون موجهة بانبهار نحو الأزياء والإكسسوارات وباقي عناصر الإبهار التي ترافق العرض من إضاءة وموسيقى وغيرها من العناصر التي تستهدف دغدغة مشاعرنا وتنجح دائماً في نقلنا إلى عوالم حالمة. وفي نهاية كل عرض تبقى صور العارضات وهن يتخايلن في أزياء تزهو بالألوان والترصيعات والتطريزات، وأسماء مُصمميها، عالقة في الأذهان، وقلما يخطر بالبال أن كل هذا الجمال والإبداع وراءه جنود مجهولون لا يقلون شغفاً وعطاء. جنود لولاهم لما تم تحويل الرسمات والأفكار، الخيالية والسريالية في بعض الأحيان، إلى واقع ملموس.
بعد دقائق من التجول بين أقسام «19 إم» ينتابك شعور بأن اسم «شانيل» لم يعد يرتبط بشارع «غامبون» الأيقوني، حيث شقة غابرييل شانيل ومشغلها ومحلها وحده، ولا بد أن يشمل العنوان الجديد، الذي من حقه أن يأخذ حصته من الاحترام والاهتمام. وهذا لا يقتصر على معماره الحديث أو مساحته الشاسعة فحسب، بل في كونه ترسانة فنية لا مثيل لها في كل العالم لما تحتضنه من خبرات ومدارس لا توجد في أي مكان آخر. هذه الترسانة تحتمل بعض المبالغة بالقول إنها تمثل لصناعة الموضة ومستقبلها ما تُمثله «ناسا» للولايات المتحدة من صولات وجولات استكشافية في الفضاء. فهنا يتحول الحجر إلى أزرار والأقمشة إلى ورود، وهنا تكتسب الأقمشة أشكالاً وأبعاداً جديدة. مثلاً قماش يتم بسطُه بين قطعتين من الورق المقوى بعناية يتم لفه من الجانبين كما لو كان «ساندويتش»، في عملية تبدو بسيطة، لكنها دقيقة للغاية، يتحول بعدها القماش العادي والمنسدل إلى قماش مختلف تماماً ببليسيهات بديعة، تأخذ تارة شكل أكورديون وتارة شكل مربعات. تشرح مسؤولة القسم أنه ليس هناك مدرسة أو معهد تُعلَّم فيه هذه التقنية، فـ«ورشة (لونيو/ lognon) هنا هي الوحيدة التي تتقن هذه العملية وتحرص على نقلها من جيل إلى آخر»، حسب قولها.

من عرض الـ«هوت كوتور» الأخير لربيع وصيف 2023

منذ البداية كانت الفكرة بالنسبة لدار «شانيل» أن يُصبح المكان بمثابة مطبخ فكري وفني يتم فيه تبادل الخبرات والمهارات. يتم فيه أيضاً تسليم المشعل من جيل إلى آخر. فالزائر هذا المبنى يكتشف أن الماضي فيه، جزء من الحاضر والمستقبل. أغلب العاملين فيه شباب تقل أعمارهم عن الـ30 عاماً، يغرفون من خبرات الأجيال السابقة فيما يتعلق باستعمال أياديهم وأناملهم لصياغة هذه الأزياء والإكسسوارات وكل ما يتعلق بها من تفاصيل، إلى جانب إتقانهم أدوات العصر الحديثة مثل آلات الطباعة ثلاثية الأبعاد وغيرها. فقد تكون التكنولوجيا مُكملاً ضرورياً هنا بحكم متطلبات العصر، إلا أنها لا تُعوض عن الدقة والحرفية التي تجود بها الأنامل الناعمة.

في عام 1957 طلبت كوكو شانيل من «ماسارو» أن يصنع لها أحذية بلونين وهو ما أصبح من أيقوناتها (تصوير: أليكس مارنا)

الوصول إلى المبنى ليس سهلاً وفي الوقت ذاته ليس معقداً. فهو في الجادة «19» الواقعة شمال شرقي باريس. منطقة قد لا تقارن بشارع «غامبون» الراقي، إلا أنها تشهد انتعاشاً ثقافياً وفنياً ملموساً في السنوات الأخيرة. أول ما يثير انتباهك في المبنى من الخارج، شكله المثلث المترامي على مساحة 25.000 متر مربع وطوابقه السبعة. تبدو نوافذه الزجاجية وكأنها تمتد من الأرض إلى سقفه. فهيكله الخارجي يتكون من 231 وحدة خرسانية رفيعة جداً. بيد أن ما يلفت النظر أكثر، أنه يبدو كما لو كان مكسواً بالقماش تنسدل خيوطاً متشابكة على طول طوابقه السبعة. مهندسه الفرنسي رودي ريشيوتي أخذ بعين الاعتبار أنه مبنى خاص بالموضة، وأنه لدار أيقونية راسخة في المخيلة الفرنسية كمؤسسة ثقافية وفنية قائمة بذاتها، لهذا استعمل الحديد والزجاج والإسمنت بهذه الطريقة المبتكرة، تماماً مثل تركيزه على الإضاءة الطبيعية والاستفادة من المساحات المفتوحة. اسم المكان نفسه «L e 19M» قد يبدو وظيفياً للوهلة الأولى، لكنه يحمل الكثير من المعاني التي ترتبط بصناعة الموضة عموماً وبالدار الفرنسية خصوصاً. فإلى جانب أن رقم «19» يرمز إلى موقعه الجغرافي في الجادة «19»، فإنه أيضاً تاريخ يوم ميلاد غابرييل شانيل، التي وُلدت في 19 من شهر أغسطس (آب). أما حرف «إم M» فيرمز إلى عدة أشياء كلها ترتبط بالحرفية، مثل موضة، «ميتييه Metier»؛ أي حرفية، «مين Mains»؛ أي يد أو ما يُعرف بالأنامل الناعمة في لغة الخياطة الرفيعة، و«ميزون Maison»؛ أي دار أزياء.
الجميل في المكان عندما تطأ أقدامك عتبته ليس رائحة الإبداع والابتكار التي تزكم الأنفاس فحسب، بل كيف تتكشف أسراره وتقنياته، كما لو كانت لعبة «بازل» تكتمل صورتها أمام العيون. فهذه الورشات لا ترى أنها يجب أن تُبقي هذه التقنيات ملفوفة بالسرية، بل العكس تريد أن تستعرضها أمام العالم. كما لا تبخل على أي دار أزياء بها. وهذا يُحسب لـ«شانيل» التي على الرغم من أنها تمتلكها، فإنها لا تتملَّكها أو تحتكرها، بل تفسح لها المجال للتعاون مع كل بيوت الأزياء العالمية. من جهة لكي تحافظ على استمرارية مفهوم «صُنع باليد»، ومن جهة ثانية لتمويل نفسها. ورغم أن خط الـ«هوت كوتور» هو من يستفيد من هذه الخبرات بشكل واسع، فإنها بالنسبة للدار، الأكسجين الذي يتنفس منه خط الـ«ميتييه داغ». فهو خاص بها بدأه الراحل كارل لاغرفيلد منذ أكثر من عقدين لكي يكون احتفالاً بهذه الحرف واستعراضاً لما تُنتجه. وحتى لا يُفوِّت على أحد متعة متابعتها، حرص أن يعرض هذا الخط مرة في السنة، في عواصم مختلفة من العالم. وهذا تقليد لا تزال الدار تلتزم به لحد الآن. ففي شهر ديسمبر (كانون الأول) من كل عام، تأخذ ضيوفها المهمين في رحلة تخاطب كل الحواس، كان آخرها إلى داكار، عاصمة السنغال.
كانت هذه أول مرة تحتضن أفريقيا عرضاً مماثلاً، كما كانت وجهة جديدة ومجنونة، ولا سيما أن الدار لا تنوي فتح محلات لها في العاصمة الأفريقية. تبريرها كان أنها تريد فتح حوار فكري، ثقافي، وفني، مع مُبدعي السنغال. فمقرها «19M» ليس مجرد مطبخ إبداعي لصناعة الموضة، بل هو أيضاً ملتقى فني وثقافي تفتحه للعامة في أيام محددة لمن يريدون تعلم حرفة ما، وتُخصص جزءاً منه، نحو 1.200 متر مربع، لتنظيم معارض متنوعة.
الآن وبالتعاون مع متحف «تيودور مونو» للفنون الأفريقية، هناك حوار جارٍ بينه وبين حرفيين سنغاليين ضمن برنامج «19 إم داكار»، تحت عنوان «Sur le fil»، ومعناها «على الخيط»، إشارة إلى تلك العلاقة التي تربط التطريز بمجالات فنية أخرى مثل الرسم والتصوير الفوتوغرافي وغيرها.


مقالات ذات صلة

«صناعة الموضة» تردّ الاعتبار للهند بوصفها مُلهماً وداعماً

لمسات الموضة بعد أن ظل الاعتماد على حرفيّي الهند سراً من أسرار الموضة قررت «ديور» أن تُعلنه على الملأ مؤخراً (دولي ها أورامبام)

«صناعة الموضة» تردّ الاعتبار للهند بوصفها مُلهماً وداعماً

على مدار عقود لعبت الهند دوراً محورياً في عالم الموضة، وتحديداً في مجال التطريز. بيوت أزياء كبيرة،

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
لمسات الموضة من مجموعة الخواتم الدائرية

المصممة إيمان البنا لـ«الشرق الأوسط»: الخدع البصرية لعبتي

أصبحت القطعة الواحدة تقوم بأدوار متنوعة، بما يناسب الذوق الشخصي لصاحبتها والمناسبة التي تستعملها فيها.

نادية عبد الحليم (القاهرة)
لمسات الموضة يتابعها البعض فقط لمتابعة آخر الصرعات (إتش بي أو)

مسلسل «كما تحب» يتسبب في نكسة الأناقة الهادئة

 هناك حركة مضادة للأناقة الهادئة تريد الاحتفال بالموضة بكل مبالغاتها حتى تُدخل السعادة على نفسها في وقت يعاني فيه العالم اضطرابات ومشاكل عدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة تصميم أيقوني من توقيع شانيل (ويليام كلاين) - غابرييل شانيل عام 1937 (روجر شال)

«غابرييل شانيل... مانيفستو» يتتبع مسيرة مصممة «حاضرة حتى في غيابها»

«غابرييل شانيل... مانفيستو» معرض يتتبع مسيرة مصممة غيرت وجه الموضة في القرن العشرين ولخَصها جون كوكتو بقوله: «فرضت نُبل الصمت على ضجيج المجتمع».

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة تَظهر الطبيعة بطرق مبطنة وفي الطيّات (سعيد قبيسي)

المصمم سعيد قبيسي: تعلمت أن ما يريح المرأة هو ما يشبهها

المرأة بالنسبة إلى المصمم سعيد قبيسي هي ملهمته الأولى والأخيرة. يقول: «أنا كأي مصمم أحتاج لمنبع أغرف منه لأغذّي أفكاري».

فيفيان حداد (بيروت)

باريس تختتم دورة الموضة للأزياء الجاهزة بعروض تلعب على الفني لتسويق العملي

باريس تختتم دورة الموضة للأزياء الجاهزة بعروض تلعب على الفني لتسويق العملي
TT

باريس تختتم دورة الموضة للأزياء الجاهزة بعروض تلعب على الفني لتسويق العملي

باريس تختتم دورة الموضة للأزياء الجاهزة بعروض تلعب على الفني لتسويق العملي

جينز باهت، وسترات سفاري، وساحرات، وعمليات سطو، وفراشات حية تطير بين ثنايا تنورات، وغيرها من الأفكار التي تتأرجح بين الخيال والواقع... فأهلاً بكم في «أسبوع باريس لربيع وصيف 2024». أسبوع لم يترك مجالاً للملل رغم عدد أيامه الطويلة. وربما تكلم المصمم دريز فان نوتن نيابة عن غيره، عندما قال: «لم نرغب في تصميم أزياء عادية».

فستان من تصميم سيباستيان ميير وأرنو فايو مؤسسي «كوبرني» يلخص مهارتهما الإبداعية (رويترز)

بدورها، صرحت البلجيكية ماري آدم-لينيرت، التي تشارك للمرة الأولى في البرنامج الرسمي بأن «الأمر لا يتمثل بابتكار القطع لموسم معيّن بل بإحداث مفاجأة وإثارة العواطف وتقديم تصاميم عابرة للزمن وللأجيال». وهذا ما كان. تحوّل «غير العادي» إلى «عادي» في أرض الواقع، بالنظر إلى أن استعماله في الحياة اليومية سيكون سهلاً وسلساً بعد تفكيكه من الحبكات السردية والقصص التي تم نسجها من الخيال في كل عرض، سواء أكانت إبحاراً في المحيطات أم غوصاً في عالم الساحرات والتعويذات.

من عرض «باكو رابان» (خاص)

لا يختلف اثنان على أن العنصر التجاري كان غالباً باستثناء عروض محسوبة على أصابع اليد. وحتى «غير العادي» فاقتصر على تفاصيل مثل التطريز المبتكر باستعمال كائنات حية في بعضها، كما هي الحال في عرض «أندر كافر» الذي استُعملت فيه الفراشات، أو التفنن في الأحذية بترصيع كعب بحبة لؤلؤ مثلاً. فاللافت في أغلب ما قُدِّم طوال الأسبوع أن الأكسسوارات، وعلى رأسها الأحذية، تدخل في صميم الخطط التسويقية لعام 2024. وليس أدل على هذا من الأحذية التي طرحتها دار «ديور» بكعوب مدببة تستحضر أحذية المصارعين الإغريق بأشرطتها التي تلف الساق، ومرصعة باللؤلؤ، أو تلك التي اقترحتها دار «سكاباريللي» مزينة بأخراز.

لعبت الأكسسوارات وتحديداً الأحذية دوراً مهماً في الأسبوع بما في ذلك عرض «ديور» (رويترز)

الحبكة شملت أيضاً عنصر التشويق البوليسي. فقبل انطلاق أسبوع باريس بأيام قليلة، انتشر خبر سرقة 50 قطعة من تشكيلة «بالمان». ورغم هول الخبر، لملمت الدار نفسها بسرعة وقدمت عرضاً مطبوعاً بالورود، الأمر الذي يمكن تفسيره بأن عمليات السطو لم تعد تصدم المصممين وبيوت الأزياء لتكررها. فمنذ أكثر من شهر تقريباً، تمت سرقة مجوهرات بقيمة 15 مليون يورو، أي ما يعادل 15.8 مليون دولار، من محل «بياجيه» الواقع في بلاس فاندوم. بعد مرور أسبوعين فقط على هذا، سُرقت منتجات تقدر بـ100 ألف دولار من محلات «نوستروم» بكاليفورنيا. محلات أخرى أعلنت أن عمليات السطو ازدادت وبشكل ملحوظ بعد جائحة «كوفيد». المقلق في الأمر أن هذه السرقات أصبحت تعتمد على العنف واستعمال السلاح، كما هي الحال فيما يتعلق بعملية السطو التي تعرضت لها دار «بالمان». ردة فعل صناع الموضة كانت بتكثيف الحراسة، لهذا لن نستغرب أن نرى حراساً في كل محل ندخله بعد أن كان البروتوكول يفرض في السابق أن يبقى وجودهم خفياً وخفيفاً لا يشعر به الزبون.

نجحت دار «بالمان» في أن تتعدى عملية السطو التي تعرضت لها تشكيلتها وقدمت عرضاً دسماً (أ.ف.ب)

عندما نشر أوليفييه روستينغ، مصمم «بالمان» على صفحته في «إنستغرام» أن عدداً كبيراً من تشكيلته لـ«ربيع وصيف 2024» سُرق، توقع البعض أن يُلغى العرض أو على الأقل يتم تقليص عدد الإطلالات. لكن العكس حصل. قلّلَ المصمم من هول الصدمة ونشر لمتابعيه، البالغ عددهم 10 ملايين، صوراً ومقطع فيديو وهو يعمل على تجهيز فستان مزين بالورود. كان أمامه 10 أيام فقط ليعطي للعالم درساً في الثبات وتحدي الصعوبات. قال إنه عمل «ليلاً ونهاراً» مع فريقه ليستمر العرض. ولحسن الحظ أن «بالمان» تتوفر على مشاغل وشبكة من الحرفيين تم استنفار قدراتهم لجعل المستحيل ممكناً، بل ووردياً.

من عرض «بيير كاردان» (إ.ب.أ)

الأسبوع الذي شهد 67 عرض أزياء، ونحو أربعين عرضاً مدرجاً في البرنامج الرسمي، شهد أيضاً عرضاً لدار «بيير كاردان». فرغم الخلاف المُثار حول مَن سيخلف المصمم الذي توفي عام 2020 وعدم تعيينها مديراً إبداعياً يتولى تصميم وتنسيق الأزياء بعد، فإن رودريغو بازيليكاتي كاردان، ابن شقيق المصمم، تولّى الإشراف على فريق العمل الذي قدم في مقر «الحزب الشيوعي» الفرنسي تشكيلة طغى عليها اللون الأزرق، وهو ما فسَره بازيليكاتي كاردان بأنه «تكريس لمفهوم حماية الكوكب والمحيطات». اختيار مكان العرض كان لفتة مهمة لمؤسسها الراحل الذي كان يعشق الفن المعماري الحديث. بقبته الخرسانية المسلحة التي تحمل بصمات مصممه المعماري البرازيلي أوسكار نيماير كان يصرخ بالحداثة التي أخذها الراحل إلى أبعد سقف، ألا وهو المستقبل.

وراء المظهر البسيط تخفي أزياء «ديور» حرفية عالية (إ.ب.أ)

على العكس منه تماماً، عادت مصممة دار «ديور» ماريا غراتزيا كيوري إلى الماضي السحيق، بإحياء صورة الساحرات وتراثهن المسكوت عنه أو بالأحرى المشوّه. صحّحته وجمّلته ليعكس صورة إيجابية للساحرات بوصفهن نساء قويات وعالمات ضليعات في مجال الأعشاب والنباتات، التي كنّ يستعملنها للتطبيب والمداواة وليس للإيذاء. من هذا المنظور، فإن الطبعات التي استعملتها دمجت أنواعاً كثيرة من الأعشاب والنباتات وحتى الحيوانات الصغيرة. أما خطوط تصاميمها فجمعت بين الذكوري والأنثوي، بحيث شملت تنورات واسعة وقمصاناً نصف أكتافها مكشوف، وجاكيتات واسعة في بعض الأحيان من دون أكتاف مفصلة أو محددة. اللافت فيها أيضاً نوعية الأقمشة. تقول المصممة إنها تعمّدت جعلها تبدو باهتة وأحياناً بحواف غير مكتملة استحضاراً لأعمال الفنان الإيطالي ألبرتو بوري، أحد رواد حركة الفن المتقشف، الذي كانت تُستعمل فيه مواد طبيعية رخيصة من ناحية إنتاجها.

شاشة باللونين الأصفر والوردي من تصميم الفنانة إيلينا بيلانتوني تسخر فيها من صورة نمطية للمرأة في عرض «ديور» (أ.ف.ب)

ظهرت العارضات على منصة مظلمة نُصِبت على خلفيتها شاشة باللونين الأصفر والوردي تعرض أعمالاً فنية من تصميم الفنانة إيلينا بيلانتوني، كانت عبارة عن إعلانات من الستينات تتضمن رسوماً كاريكاتيرية لصورة نمطية للمرأة آنذاك، «وكيف وُضعت في قفص لمدة 70 عاماً» حسب تصريح أدلت به بيلانتوني بعد العرض. يذكر أن ماريا غراتزيا كيوري ومنذ دخولها «ديور» في عام 2016 بوصفها أول مديرة إبداعية، تحرص أن تقوم بحركة نسوية فيها. مرة بالاستلهام من نساء قويات ومؤثرات ومرات بالتعاون مع فنانات معاصرات من مثيلات بيلانتوني. هذه الأخيرة ما إن وجدت منصة ملائمة حتى أسهبت في التعبير عن أفكارها الرافضة لوضع قديم لا تزال آثاره مستمرة إلى يومنا هذا. أما ماريا غراتزيا، فبعد أن وضعت مهمة خض المتعارف عليه في يد إيلينا، تفرّغت للتصاميم التي كان لا بد أن تقوم بتحريك العقل والوجدان لكن بالقوة نفسها التي ستُحرك بها عملية البيع عند طرحها في الأسواق. والطريقة أنها أخفت بين ثناياها وأقمشتها التي تبدو باهتة وبالية في بعض القطع، حرفية عالية تليق بتوقيع دار تعدّ مؤسسة فرنسية قائمة بذاتها. وليس أدل على هذا من أنها مطلب الملكات في المناسبات الرسمية، نظراً لحرفيتها وترفها.

مساء اليوم نفسه، قدم أنتوني فاكاريللو لدار «سان لوران» عرضاً على خلفية برج إيفل. كان مُبهراً، لمس الوجدان ليس لجديده، بل لقديمه. فقد تكون التقنيات جديدة والخطوط عصرية والروح الإبداعية قوية، لكن أجمل ما فيها كان استحضارها للراحل إيف سان لوران، أو على الأقل أفكاره، التي تجلّت في البدلات ذات اللمسات الذكورية وسترات السفاري التي أبدعها لنا منذ أكثر من 4 عقود تقريباً. غلب عليها القطن والكتان وألوان ترابية هادئة تخللها الزيتوني والبني بدرجاته المتنوعة، ومع ذلك كانت تفوح من كل جوانبها نكهة دافئة ومفعمة بالرُقي. جاء في البيان الصحافي الذي وزّعته الدار أن أنتوني فاكاريللو: «استلهم أفكاره من إميليا إيرهارت، وأدريين بولاند، ورائدات أخريات اخترقن مجالات كانت تُعدّ حكراً على الرجال، مثل قيادة الطائرات وسباقات السيارات».

استلهم أنتوني فاكاريللو تشكيلته لدار «سان لوران» من رائدات في عالمَي الطيران وسباق السيارات (رويترز)

المصمم ترجم هذه الإيحاءات بدمجه القوة والنعومة مع زخات من أنوثة طاغية، تظهر فيها العارضة بحزام يشد خصرها ليُبرز نحوله وأحمر شفاه متوهج، بينما غطت عيون بعضهن نظارات شمسية مبتكرة، فضلاً عن أحذية بكعوب عالية وقفازات جلدية. هناك إطلالات أخرى ظهرت فيها العارضات بأغطية رأس مستلهمة من خوذة الطيارين، كلها تصرخ بأنها سلاح قوي من شأنه أن يُموّل تشكيلات مقبلة.

في عرض «سكاباريللي» لعب المصمم على رموز الدار مثل شريط القياس الذي ظهر في قطع عدة (خاص)

القصة في دار «سكاباريللي» لم تختلف كثيراً عمّا يقدمه لنا الأميركي دانييل روزبيري في كل موسم. إطلالات تخطف الأنظار بدراميتها، وتشد الأنفاس بفنيتها. ورغم أنها تحاكي الـ«هوت كوتور»، فإن الدار تُعلّق أن خط الأزياء الجاهزة بمثابة ملعب تختبر فيه كيف تجعل الدرامي والسريالي يناسب الحياة اليومية. في هذا المختبر وجدت أنه كلما كانت القطعة مألوفة وكلاسيكية، سواء كانت قميصاً أبيض، أو معطفاً واقياً من المطر، أو سترة باللون الأسود الدخاني، ازدادت متعة اكتشافها مجدداً وضخها بالحيوية، وذلك بإضافة أحد رموز الدار. وهذا قد يكون زراً على الأكمام أو قلادة تشد الكتف، وتكون جزءاً من فستان، تأخذ شكل قفل أو عين أو حمامة وما شابه من تصاميم سريالية، تستحضر أعمال المؤسسة إلسا سكاباريللي وعلاقتها بالفنان سلفادور دالي الذي تعاونت معه في مناسبات عدة. في هذه التشكيلة الموجهة لـ«ربيع وصيف 2024»، استعمل المصمم روزبيري أيضاً شريط القياس، الذي اعتمدته إلسا لتزيين زجاجة عطرها «Shocking». هذا الشريط زيّن حواف السترات والبلوزات على حد سواء.

من عرض «لويفي» (خاص)

عرض «لويفي» كان بدوره عبارة عن رؤية فنية تلعب على الأبعاد الجريئة لأزياء النهار التي أضفى عليها المصمم طابعاً عملياً، بكثرة جيوبها وفتحاتها، إضافة إلى صورة تجمع الرصانة بالخفة. الرصانة تمثلت في الأقمشة المترفة مثل الصوف والجلد والتصاميم المبتكرة، والخفة في الدبابيس الكبيرة التي زينت أجزاء منها. رغم غرابتها فإنه يمكن القول إنها مكمن جاذبيتها. فهي تظهر على صدر فستان سهرة فتمنحه شكلاً منحوتاً، أو تظهر على تنورة أو شورت فترتقي بهما إلى مستوى يتعدى العملية إلى المفهوم «غير العادي».


إيلي صعب يرسم تشكيلته لربيع وصيف 2024 بالأبيض والأسود والمرجان

كان العرض تحليقا إلى القمر وغوصا في البحار (إيلي صعب)
كان العرض تحليقا إلى القمر وغوصا في البحار (إيلي صعب)
TT

إيلي صعب يرسم تشكيلته لربيع وصيف 2024 بالأبيض والأسود والمرجان

كان العرض تحليقا إلى القمر وغوصا في البحار (إيلي صعب)
كان العرض تحليقا إلى القمر وغوصا في البحار (إيلي صعب)

تتابع أسابيع الموضة العالمية هذا الشهر، فينتابك شعور بأن التغييرات الحاصلة فيه حالياً تُثير الحيرة، وفي بعض الأحيان الصدمة. الأمر لا يقتصر على المتلقي فحسب، بل أيضاً على المصممين الذين بات عليهم إعادة النظر فيما يُقدمونه، وتحت أي مسميات. فما كان قائماً على بيع الأحلام والجمال أصبح قائماً على العملية والواقعية في وقت أصبح فيه غالبية الناس يحتاجون إلى ملاذات يهربون إليها من هذا الواقع. بعض المصممين تعاملوا مع الأمر طوال أسابيع الموضة العالمية التي انطلقت منذ نحو شهر من نيويورك، وستنتهي يوم الثلاثاء المقبل في باريس، على أنه موجة «وجودية» عليهم ركوبها إلى أن تمر بسلام، فيما استعملها البعض الآخر وقوداً للإبداع؛ فالتجارب علَّمتهم أنه من رحم الأزمات تولد فنون جديدة، أو على الأقل أساليب توازن بين الأحلام والواقع. وهذا ما حققه إيلي صعب في تشكيلته الموجهة لربيع وصيف 2024 يوم السبت الماضي. أخذ الأشياء التي يُتقنها جيداً وصاغها بلغة عصرية تُدخِل الفرح على النفس، وتتألق مثل القمر بجماله لكنها تخاطب كل الأجواء.

فستان بالأبيض مرقَّط بالأسود يمكن لفتاة شابة أن تعتمده في المناسبات المهمة (إ.ب.أ)

فالقمر، بدوراته المختلفة، كان المحور الذي بنى عليه التشكيلة حسبما قال. مرة من خلال موتيفات خفيفة تجلَّت في أزياء بالأبيض تتخللها نقاط سوداء، ومرة من خلال تطريزات نفذتها أيادٍ متمكنة. لكن دائماً ببصمة إيلي صعب التي تحوِّل الحلم إلى واقع مفعم بالشاعرية. الجميل في المشهد أن القمر كان مجازياً أو مجرد فكرة لم يُغرق في تفاصيلها فيستنزفها أو يطبِقها حرفياً.

إطلالة بلون اللازورد يستحضر أجواء الصيف والبحار (إيلي صعب)

مع توالي الإطلالات، تشعر بأن القمر لم يكن الوجهة بقدر ما كان مجازاً انطلق منه لبناء تصاميم مفصَّلة للنهار ومنسدلة للمساء والسهرة. هو نفسه صرّح بعد العرض: «يهمني أن أصمّم أزياء تروق للمرأة». ويبدو أن هذه المرأة تبحث عن الشمس وتريد الغوص في أعماق البحار أكثر من السفر إلى القمر؛ فالمجموعة الموجَّهة للنهار كانت تستحضر بألوانها وانطلاقها أجواء المنتجعات الصيفية، مثل مونتي كارلو التي افتتح فيها محلاً خاصاً منذ فترة قصيرة والريفييرا الفرنسية.

إطلالة بلون المرجان للنهار (إيلي صعب)

تلوَّنت بدرجات المرجان واللازورد والأصفر والأبيض. لا يُخفي المصمم أنها تأخذ بعين الاعتبار كل المناسبات، خصوصاً «أحواض السباحة المتلألئة والعاكسة للضوء».

فإلى جانب تايورات مكونة من جاكيتات وتنورات مستقيمة أو ببليسيهات أو من التول، كانت هناك قطع كثيرة، مثل «جامبسوت» بأقمشة ناعمة وأخرى من الدينم القطني تناسب رحلات السافاري، وفساتين سهرة منسدلة، بعضها بفتحات عالية تكاد تصل إلى الخصر في بعض الفساتين.

«جامبسات» مناسب للنهار والمساء (إيلي صعب)

يمتزج فيها التول المطرَّز مع الدانتيل والكورسيهات الشفافة مع قمصان مخرمة باللون الأبيض. أما الجانب الواقعي، فترجمه إيلي صعب بطريقته، أي بالارتقاء بأي قطعة موجهة للنهار سواء كانت قميصاً أو تنورة طويلة أو فستاناً بسيطاً إلى قطعة يمكن لفتاة شابة أن تعتمدها في المناسبات المهمة.

فستان سهرة بتصميم شاعري أضفى على «الكايب» فخامة (إيلي صعب)

تغرب الشمس ويبزغ نور القمر، لكنّك تشعر بأن المصمم استعذب دفء الشمس ودغدغة أشعتها، حيث بقيت الألوان متوهِّجة بالأصفر والأبيض والأخضر والمرجاني. بكل درجاتها الفاتحة والمتوهجة دخلت مناسبات المساء بأنوثة طاغية أنسَتْنا ظلمة الليل. كانت بكل تفاصيلها الشاعرية تُغنّي عن نور القمر. تنساب على الجسم وهي تتزين على الدانتيل أو الحرير بأزهار الأورغانزا من نفس اللون، أو تفرض أحجار السفير والياقوم والسلاسل البلاتينية أشكالها على قفطان أبيض مع «كاب» من الحرير أو على «جامبسات» مطرز.

فستان للسهرة باللون الأبيض مطرَّز بسلاسل وتعويذات (إيلي صعب)

لم تكن هذه التصاميم موجَّهة لمناسبة واحدة أو وجهة معينة؛ فإيلي صعب عالمي له ما لا يقل عن 5 محلات في الشرق الأوسط، إلى جانب محلات في مونتي كارلو وباريس والولايات المتحدة وغيرها، وبالتالي فهو يتكلم كل لغات العالم. وهذا ما ترجمه في أزياء تناسب جلسات سمر على ضوء القمر أو حفلات مهمة على شاطئ بحر من وجهة نظره الواقعية.


في تشكيلتها لربيع وصيف 2024.. «ديور» تدعي التقشف وتُبطن الأناقة

الشعارات النسوية والمناهضة للرأسمالية لم تسرق شيئاً من حرفية الدار (إ.ب.أ)
الشعارات النسوية والمناهضة للرأسمالية لم تسرق شيئاً من حرفية الدار (إ.ب.أ)
TT

في تشكيلتها لربيع وصيف 2024.. «ديور» تدعي التقشف وتُبطن الأناقة

الشعارات النسوية والمناهضة للرأسمالية لم تسرق شيئاً من حرفية الدار (إ.ب.أ)
الشعارات النسوية والمناهضة للرأسمالية لم تسرق شيئاً من حرفية الدار (إ.ب.أ)

سبع سنوات هو عدد الأعوام التي قضتها الإيطالية ماريا غراتسيا كيوري في دار «ديور» بوصفها مصممة إبداعية. قبلها ظلت القيادة الفنية بيد مصممين كان من بينهم إيف سان لوران ومارك بوهان وجيانفرانكو فيري وجون غاليانو وراف سيمونز الذي تسلمت منه المشعل. دخولها باعتبارها أول امرأة للدار الفرنسية كان نقطة فارقة في تاريخ «ديور» والموضة على حد سواء. أمر فهمت أبعاده كيوري منذ البداية، وركزت عليها في كل عروضها باحتفالها بنساء مبدعات أو مؤثرات من كل أنحاء العالم. تستحضر أحياناً روحهن وإيحاءاتهن، وأحياناً أخرى تتعاون معهن من خلال تصميم ديكورات العرض.

إطلالات كثيرة بدت وظيفية (ديور)

في تشكيلتها الأخيرة لربيع وصيف 2024، نبشت في كتب التاريخ؛ بحثاً عن نوع جديد من النساء يغذي هذا الجانب. حرصت على أن يكون نوعاً غير مستهلك وغامض في الوقت ذاته. أثمر بحثها عن الساحرات... بالمعنى الحرفي للكلمة والمعنى الإيجابي أيضاً. ساحرات غير اللواتي صورتهن لنا قصص الأطفال وأفلام هوليوود بقبعات عالية وقشة وملابس فضفاضة وسوداء، وإن كان اللون الأسود حاضراً بقوة. لكن المراد منه كان جمالياً وعملياً؛ لأن ساحرات ماريا غراتسيا نساء مستقلات قويات، متمرِّدات وعالمات ضليعات في علوم الأعشاب والنباتات. بعبارة أخرى، كن بلسماً يداوي الجروح والنفوس في عالم ذكوري لم يرد الاعتراف بمهاراتهن، بل حاربهن بشراسة. بتذكيرنا بهذا الجانب نجحت ماريا غراتسيا في إعادة الاعتبار لهن. أضفت على ملامحهن الجمال، وعلى ملابسهن نقشات مطعَّم بعضها بعناصر من الطبيعة.

إيحاءاتها المستمدة من الفن المتقشف لم تؤثر على صورة الدار القائمة على الأناقة والفخامة (ديور)

في البيان الصحافي الذي وزعته الدار على وسائل الإعلام، جاء أن «هؤلاء الساحرات أمينات على المعرفة المرتبطة بالأرض، ينقلنَ علم النباتات ويُعبّرنَ عن احترامهنّ العميق لإيقاع العالم الطبيعي». أما كيف ترجمت ماريا غراتسيا هذا الوجه الساحر في تشكيلتها، فبالعودة إلى أسلوب «من القرون الوسطى وتصميم هندسيّ، تأخذ فيها السترة طابعاً ذكوريّاً، وتشهد بعض الأقمشة على تجربة مادية من ذاكرة الزمن، ومعرفة عميقة بأعمال الفنان الإيطالي ألبرتو بوري»، حسب قولها. هذه التجربة المادية تُفسرها أقمشة نُسجت بطرق تجعلها تبدو قديمة وباهتة، تظهر منها تمزقات وشقوق، وأحياناً حروق. أمّا لوحة الألوان فتشتمل على التدرجات اللونيّة للرماد والبابونج والأسود، إلى حد حوّل طبعة «ميل فلور» Mille - fleurs، وهي وردة تعدّ واحدة من رموز «ديور» الجميلة، إلى نمط داكن نوعاً ما. تستمر قصة الساحرات في شد الانتباه حيث تدخلنا ظلمة الليل. كانت الفترة التي تعملن فيها بحرية بعيداً عن أعين الناس، تُشكِل مراحل القمر والشمس وتبدّل الفصول إلى جانب نمو الأعشاب الطبية في أوقات معينة، عناصر مهمة طبعت تصاميم أيقونية مثل معاطف وتنورات مستديرة.

طبعات الدار اكتسبت هي الأخرى غموضاً وضبابية (ديور)

لكن لولا الحبكة السردية التي شرحتها الدار في بيانها الصحافي بأنها مستمدة من الساحرات، لما خطر الأمر ببال أحد. فالمظهر الطاغي على التشكيلة كان مستمداً من المرأة الباريسية كما تناولها وصوّرها كِتاب حقق مبيعات عالية على مستوى العالم بعنوان «كيف تكونين باريسية». هذه المرأة تنعم بما هو أكثر من الجمال: الشخصية القوية والغامضة، المستقلة ماديًا والمتمردة على الأعراف في آن واحد. ما يُعزز هذه الصورة أن ماريا غراتسيا قامت بما تقوم به في كل عرض، وهو التعاون مع فنانة في مجال ما، تساعدها على خلق حوار ذهني أو فلسفي أو فني. كان التعاون هذه المرة مع إيلينا بلانتوني، المتخصصة في الفنون البصرية، والتي استعملت العرض، بوصفها منصة لشن هجوم على المفاهيم الرأسمالية وكيف تُؤثر سلباً على المرأة ومسيرتها.

بصمات «ديور» لم تغب تماماً (خاص)

من خلال سينوغرافيات تتوالى فيها شعارات تصب كلها في المعنى نفسه مثل «الرأسمالية لن تأخذها إلى حيث تريد حقاً»، و«ليست هي... لم تعد كما كانت في السابق»، وغيرها من لوحات تُعبر عن رفضها للأفكار النمطيّة التي تحصر النساء في صور مُحدّدة، توالت الإطلالات والاقتراحات التي لم تتجاهل فيها المصممة أن الرأسمالية جزء مهم في عملية بيع الموضة، الراقية تحديداً. البيان الذي وزعته الدار أشار إلى أن التشكيلة «أبصرت النور نتيجة التأمّل في معنى الحاضر. وهو حاضر يحث على التعايش ما بين الماضي والمستقبل بشكل متناغم». لكن هذا التناغم كان أساسه تناقض كبير بين الشعارات الثائرة على الوضع الحالي بمفهومه الرأسمالي، الذي ندّدت به إيلينا بلانتوني، وما تقوم عليه الموضة من حاجة لبيع منتجات باهظة الثمن لرأسماليين.

رغم الشعارات المناهضة للرأسمالية ظلت الأنوثة الناعمة سلاحاً مهماً في يد ماريا غراتسيا تشيوري (ديور)

وسط هذا التناقض الذي يفسح المجال أمام العديد من التفسيرات، تواصل ماريا غراتسيا استكشاف العلاقة بين الأنوثة والنسوية، بدافع قناعتها أنّ لدى الموضة مسؤوليّة متزايدة في عصرنا اليوم لمساعدة المرأة على إدراك قيمتها والاحتفال بهويّتها.

حتى الدينم عولج بطرق جعلته يبدو باهتاً (ديور)

وهو ما جسدته في تصاميم مريحة وغير مقيدة، تراقصت في الكثير من الإطلالات على النعومة والضبابية، وبدت فيها مجموعة من الإطلالات متآكلة من الحواف أو ممزقة بعد أن تمت معالجتها لتبدو بالية، تستحضر لنا روح الفنان الإيطالي ألبرتو بوري، أحد رواد حركة الفن المتقشف الذي اعتمد على المواد الرخيصة، لكن هذا الجانب لم يؤثر على صورة «ديور» القائمة على الأناقة والفخامة.

لمسات الدار الكلاسيكية طُعمت بلمسات عصرية لا تعترف بزمان أو مكان (ديور)

فالحرب على الرأسمالية تبقى مجرد شعارات، وعلامات الفقر مجرد فكرة للنقاش. أما التصاميم التي ستطرح في ربيع وصيف 2024 فستستعيد كما قالت الدار «العلاقة التي تربط بين الجسم والملابس ويتم تحديدها في سياق العصر الحالي، بدلاً من أن تقتصر على وقتٍ محدّد أو على الحنين إلى الماضي». أي أنها لا تعترف سوى بالأناقة التي تتحدى كل الأزمنة والسياسات؛ لأن قانون الإغراء فيها أقوى من أي شيء.


«بيربري» تكسب رهانها وتعود للعب مع الكبار

تنوعت الاقتراحات والنتيجة واحدة أن دانييل لي فهم رموز «بيربري» وأتقن استعمالها (رويترز)
تنوعت الاقتراحات والنتيجة واحدة أن دانييل لي فهم رموز «بيربري» وأتقن استعمالها (رويترز)
TT

«بيربري» تكسب رهانها وتعود للعب مع الكبار

تنوعت الاقتراحات والنتيجة واحدة أن دانييل لي فهم رموز «بيربري» وأتقن استعمالها (رويترز)
تنوعت الاقتراحات والنتيجة واحدة أن دانييل لي فهم رموز «بيربري» وأتقن استعمالها (رويترز)

كل من تابع ثاني عروض المصمم دانييل لي في الأسبوع الماضي، كان شاهداً على أن دار «بيربري» كسبت رهانها عليه. تشكيلته لربيع وصيف 2024 التي قدمها ضمن أسبوع الموضة، فاحت بنكهات بريطانية تراوحت بين القوة والنعومة، لكنها بكل أشكالها وألوانها وقصاتها، أثبتت مدى صحة المثل القائل إن «أهل مكة أدرى بشعابها». فدانييل لي بريطاني حتى النخاع، وبالتالي فهم سريعاً الثقافة العميقة التي بُنيت عليها دار عمرها أكثر من قرن من الزمن، وكانت أهم نقطة جذب فيها هي «بريطانيتها».

التحق دانييل لي بالدار في وقت حرج حدده الخروج من الاتحاد الأوروبي، وهو ما عرض بريطانيا لأزمة ثقافية وفنية لا تقل حدتها عن أزمتها الاقتصادية. الحل بالنسبة له كان واضحاً يتمثل في الرفع من جُرعة الإبداع والاعتزاز بالهوية البريطانية، وذلك بإبرازها واللعب على كل ما توفر له من رموز، «فهذا واجب ومسؤولية تقع على أكتافنا جميعاً... علينا أن نُخرج الفرح والأمل من رحم الأزمات والصعوبات»، حسب ما قاله في أحد تصريحاته.

في عام 2022، عندما اختير خليفة للإيطالي ريكاردو تيشي، هللت أوساط الموضة البريطانية، واستبشر المساهمون خيراً؛ من جهة لأنه بريطاني والمفترض فيه أن يفهم الثقافة التي تأسست عليها الدار منذ أكثر من قرن من الزمن، وهو الأمر الذي راوغ فيه سلفه الإيطالي ريكاردو تيشي، ومن جهة أخرى لأن قوته في إبداع حقائب يد وصلت أصداؤها إلى كل أنحاء العالم في الفترة التي تولى فيها نفس الدور الإبداعي في دار «بوتيغا فينيتا». فمن ينسى أنه هو من جعل حقائب صغيرة الحجم باللون الأخضر بمثابة قطع مجوهرات مرصعة بالزمرد؟ هذا تحديداً ما تأمل «بيربري» في أن ينوبها منه أيضاً. فمن بين المهمات الأساسية المطلوبة منه، أن يُبدع لها إكسسوارات تؤجج الرغبة فيها، إلى جانب أزياء تلمس المشاعر. المهمة لم تكن مستحيلة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الدار لم تكن في سُبات عميق بقدر ما كانت تغفو وهي تستكين إلى إرثها واسمها العريق. كل ما قام به دانييل أنه ضخها بجرعة عصرية أعادت إليها حيويتها وانتعاشها.

المعطف الواقي من المطر ظهر بعدة أشكال وألوان (أ.ف.ب)

وهذا ما ظهر جلياً في التشكيلة التي قدمها في الأسبوع الماضي. لم يوظّف فيها كل الرموز التقليدية المألوفة فحسب، بل أبرز أخرى ظلت مُغيّبة طويلاً ولم ينتبه لها أحد في السابق.

فإلى جانب المعطف الواقي من المطر، الذي أبدع فيه أشكالاً جديدة، منها تغييره مكان الحزام بأن جعله أكثر انخفاضاً عن مستوى الخصر، استكشف جانباً أنثوياً لم يكن بنفس الوضوح من قبل. فتصاميم الدار ارتبطت بالجانب الذكوري أكثر، باستعمالها أقمشة مثل الغاباردين والجلد وما شابهه من أقمشة قوية تناسب النزهات في الهواء الطلق أو الأيام العادية، لكن في تشكيلته لربيع وصيف 2024، تراقصت الفساتين بانسيابية وشاعرية على أقمشة أكثر ترفاً ونعومة مثل الحرير.

ظهرت في العرض مجموعة مفعمة بالأنوثة للمناسبات (أ.ب)

المفاجأة الأخرى والجديدة التي قدمها لنا المصمم هنا هي درجة متوهجة من اللون الأزرق، اكتشفه بمحض الصدفة وهو يغوص في أرشيف الدار. تبين له أن جذوره قوية وأنه ظهر في الثمانينات في نسخة من شعار الدار. ما إن التقطته عيناه حتى تحرك حسه الفني والتجاري. وليس ببعيد أن يُحوّله إلى ورقة «بيربري» الرابحة، تماماً مثلما حول الأخضر إلى ورقة رابحة في دار «بوتيغا فينيتا».

اللون الأزرق كان مفاجأة للمصمم عندما اكتشفه في شعار يعود إلى الثمانينات (خاص)

ما أكده دانييل لي، البالغ من العمر 37 عاماً، أو ما يُحسب إليه، أنه ينتمي إلى شريحة من المصممين تتوق إلى التميز وتحقيق النجاح، وفي الوقت ذاته تحترم التقاليد الحرفية والموروثات الفنية. وهذا يعني أن المستقبل بالنسبة لها لا يكتمل بتجاهل الماضي كلياً. يُحسب له أيضاً أنه من جيل واقعي جسّ نبض الشارع، وأدرك أن زبون اليوم يريد قطعاً لها قصة مثيرة تتعدى القصّات المبتكرة وحدها. وهذا قد يعني قطعة واحدة لها جذور تاريخية يلعب عليها، أو إكسسواراً لافتاً يمكن أن يفتح الشهية لأحاديث شائقة، وفي الوقت ذاته يحقق أعلى المبيعات. هذه الواقعية التي تتمثل في جمعه الفني بالتجاري، كانت أهم ميزة رجّحت كفته عندما كانت «بيربري» تبحث عن خليفة لمصممها السابق ريكاردو تيشي. فالدار البريطانية، مثل غيرها، تعرف أن الأزياء لها تأثير بصري مهم يُحرك الحس الجمالي، لكن الإكسسوارات هي أكثر ما يُحرك المبيعات، إلى حد أن نجاح المصمم في العقود الأخيرة أصبح يقاس بمدى نجاحه في ابتكار حقيبة يد أو حذاء. فقطعة واحدة «تضرب» وتكسر المبيعات يمكن أن تغير مستقبله وأحوال السوق بكاملها.

المعطف الواقي من المطر بحزام منخفض على مستوى الخصر (رويترز)

وهذا ما جسّده دانييل لي في هذه التشكيلة التي بناها من القدمين إلى أعلى؛ إذ لم يكتفِ بالحقائب فيها، بل ركّز أيضاً على الأحذية. تميّزت بتفاصيل مبتكرة للغاية، ربما لقناعته بأن المرأة لا تكتفي بحذاء واحد، وربما لأن هذا الإكسسوار صفحة بيضاء يمكنه رسمها بالشكل الذي يراه من دون تعرضه لأي مقارنة مع من سبقوه. والنتيجة أن بعض تصاميمها سرقت الأضواء فعلاً من الأزياء، سواء كانت بتصميم أنثوي ناعم تناغم مع فستان من الحرير للمناسبات، أو بتصميم عملي يراعي تقلبات الطقس تم تنسيقه مع معطف من الغاباردين. المهم أن المصمم، ضمن كل هذه الحبكة السردية والبصرية التي نسجها، لم ينسَ أن الدار ترتبط بالخارج وبأنشطة متنوعة تقام في الهواء الطلق.

كان هناك توجّه جديد مفعم بالأنوثة والتفاؤل في العرض (أ.ف.ب)

لهذا لم يكن غريباً أن يختار حدائق «هايبوري» بمنطقة «إيسلنغتون» الواقعة شمال لندن مكاناً لعرضه، وإن كان هناك سبب آخر وشخصي أيضاً. فدانييل، كما صرّح، يقطن في هذه المنطقة وأراد أن يُعرّف جمهوراً أكبر عما تتوفر عليه من أماكن وروح بريطانية بحتة. في هذه الحديقة نصب خيمة ضخمة من قماش مطبوع بمربعات الدار الشهيرة. بجوارها نصب خيمة أصغر خصصها لراحة النجوم بعيداً عن عيون الفضوليين قبل دخولهم مكان العرض. كاد عددهم يضاهي عدد الحضور من نجوم موسيقى وسينما ورياضة، ومع ذلك لم يسرقوا الأضواء من التصاميم.

كانت المغنية كايلي مينوغ من بين الحضور وظهرت بمعطف من الجلد بتوقيع الدار (أ.ب)

فما إن بدأ العرض، حتى خفّ بريقهم وانتقل إلى الأزياء والإكسسوارات، ليُذكرنا بأمجاد دار قائمة على بيع الثقافة البريطانية واستقطاب الملوك والنجوم. كانت تشكيلة مفعمة بالتفاؤل والأمل تؤذن بعودة «بيربري» إلى اللعب مع الكبار بطبعاتها الأيقونية واللوغو الذي يجسد فارساً مغواراً وهو يمتطي جواده. وبينما قد يعتب البعض بأن أسعار منتجات الدار ارتفعت عما كانت عليه سابقاً، فإن نظرة واحدة لما تم تقديمه ضمن أسبوع لندن للموضة، تُبررها. قد يأخذ عليها البعض أيضاً أنها تجارية، وحتى هذا المأخذ يمكن الرد عليه بأنها ربما تكون كذلك، إلا أنها لا تفتقد الأناقة والجمال.


أسبوع لندن لربيع وصيف 2024... مسك ختامه كان سعودياً

العارضة هيلينا كريستنسن مع مجموعة من عارضات «أتولييه حكايات» (خاص)
العارضة هيلينا كريستنسن مع مجموعة من عارضات «أتولييه حكايات» (خاص)
TT

أسبوع لندن لربيع وصيف 2024... مسك ختامه كان سعودياً

العارضة هيلينا كريستنسن مع مجموعة من عارضات «أتولييه حكايات» (خاص)
العارضة هيلينا كريستنسن مع مجموعة من عارضات «أتولييه حكايات» (خاص)

يوم الثلاثاء الماضي، كان آخر أيام أسبوع لندن للموضة. كان أسبوعاً حافلاً استرجعت فيه العاصمة البريطانية إيقاعها بعد سنوات عجاف بسبب جائحة «كورونا» التي تلاها الحداد على الملكة إليزابيث الثانية في العام الماضي.

العارضة هيلينا كريستنسن مع مجموعة من عارضات «أتولييه حكايات» (خاص)

هذا اليوم كان من نصيب السعودية، فلأول مرة تشارك علامتان سعوديتان هما «آرام» للمصممة أروى العماري، و«أتولييه حكايات» للشقيقتين عبير وعلياء عريف في البرنامج الرسمي. ليس هذا فحسب بل بدعم قوي من مجلس الموضة البريطانية و«فيلم العلا». هذا الأخير استحدث منذ سنتين تقريباً مبادرة خاصة بالموضة والسينما أطلق عليها اسم «العلا تبتكر». هذه المبادرة هي التي أوصلت هاتين العلامتين إلى لندن.

أروى العماري مع عارضات في تصاميم بتوقيعها (خاص – العارض)

مكان العرض كان فندق «لو22» الواقع على بعد دقائق من منطقة «مايفير». كان يعجّ بحضور من جنسيات مختلفة. القاسم المشترك بينهم أن دافعهم كان الفضول لاستكشاف مواهب من منطقة باتوا يسمعون الكثير عنها وعن إنجازاتها في السنوات الأخيرة، بعد أن كان كل ما يعرفونه عنها أنها غنية بالثروات، وأنها سوق استهلاكي مهم للموضة. تصيح جين سو، وهي صينية أميركية تعمل مراسلة لصحيفة في جنوب أفريقيا معبرة عن إعجابها «السمع ليس كالنظر»، وتضيف ضاحكة: «أو اللمس. انظري إلى جمال الأقمشة ونقشاتها. بالفعل هي رائعة لم أكن أتوقع أن تكون بهذه الحرفية والتميز».

المصممات أروى العماري وعبير وعلياء عريف مع محمد التركي (خاص)

منظمة الموضة البريطانية التي أشرفت على هذا المشروع من باب شراكتها مع «العلا تبتكر» كان لها أيضاً دور في هذا الإقبال. فقد أخذت على عاتقها الترويج له واستقطاب حضور من مستوى عال له. كارولينا راش، وهي المدير التنفيذي للمجلس، كانت في استقبالهم. تُرحِب بكل واحد بدفء وحميمية، كون أغلبهم من ضيوف الأسبوع المخلصين. صرحت بأن «هذا التعاون جاء بشكل عضوي، وآمل أن يُثمر تعاونات أخرى تصب في مصلحة عملية الإبداع».

وتتابع أن Alula Creates منصة رائعة؛ لأنها تأسست خصيصاً لدعم مبدعات في مجالات الموضة والأفلام وغيرها من الفنون. الجميل فيها أيضاً أنها تستهدف فتح جسر تتواصل فيه هؤلاء المبدعات السعوديات مع منصات عالمية أخرى، وهو ما يساهم في تسليط الضوء عليهن، وفي الوقت ذاته يُعزِز مفهوم التبادل الثقافي والفنون بعيون أنثوية».

تجدر الإشارة إلى أن «العلا تبتكر» وُلدت من رحم «فيلم العلا» لتتوجه إلى الموضة تحديداً، وهو ما يمكن اعتباره بداية طبيعية ومبشرة تثلج الصدور. فعلاقة الموضة والسينما طويلة تعود إلى عقود. وسرعان ما أكدت للجميع أنهما وجهان لعملة واحدة بالنظر إلى أن أزياء الأفلام جزء لا يتجزأ من بناء الشخصية وأحياناً كثيرة تكون البطل الصامت. من هذا المنظور تنوي «العلا تبتكر» أن تجعل الموضة سانداً مهماً للمبدعات السعوديات في مجالات الإخراج والتمثيل على حد سواء، وهو ما بدأ فعلياً مؤخراً بظهور نجمات بفساتين بتوقيعات سعودية في مناسبات فنية عالمية مثل حفل «فانيتي فير» الذي يقام بعد توزيع جوائز الأوسكار في لوس أنجليس. في دورته الأخيرة، مثلاً شاركت كل «آرام» و«أتولييه حكايات»، الأمر الذي سيساهم في إثارة الانتباه إلى صناعة الموضة في المملكة من خلال مصمميها.

كارولين راش الرئيس التنفيذي لمجلس الموضة البريذانية مع العارضة هيلينا كريستنس والأختين عبير وعلياء عريف (خاص)

يوم الثلاثاء الماضي، انطلقت المرحلة الأولى. شاركت فيها علامتا «آرام» و«أتولييه حكايات»، فيما اختُير كل من الفنانة والمؤثرة السعودية ميلا الزهراني والعارضتين العالمتين هيلينا كريستنسن وإيفا هيرزوغوفا سفيرات لها. كانت الفكرة من مشاركة هذا الثلاثي إضفاء البريق ولمسة عالمية على الحدث، وأيضاً جذب حضور لم يكن يعرف الكثير عن المصممات المشاركات، لكنه تفاجأ بأن كل أفكاره المسبقة كانت خاطئة. لم تكن هناك عبايات أو ملابس تراثية بقدر ما كانت هناك إبداعات يمكن أن تنافس الكبار في عقر دارهم. الأفكار والتصاميم وُلدت في السعودية، لكن تم تنفيذها في مشغل إميليا ويكستيد باعتباره جزءاً من تبادل الثقافات وتعزيز الشراكة بين الغرب والشرق، وهو ما تعتز به لندن عموماً. فهي كانت ولا تزال حاضنة للشباب والمبدعين من كل الجنسيات.

كان من الممكن أن تحتضن المزيد من المصممين السعوديين ممن أثبتوا أنفسهم على الساحة. يأتيني الجواب أن هذه مجرد بداية، مع العلم أن اختيار العلامتين لم يأت من باب الصدفة أو الحظ، بل نتيجة دراسات واختبارات أكدت أنهما في المستوى العالمي. وهذا ما أكدته أروى العماري مؤسسة «آرام». تقول وهي تشير إلى قطع تتنافس مع بعضها لإثارة الإعجاب، مطبوعة بنقشات أصبحت ماركة مسجلة لها، إنها استوحت هذه التشكيلة من الأندلس «كتاب قرأته عن زرياب. شد انتباهي كيف كان يهتم بأناقته وبأدق التفاصيل التي تتعلق بمظهره، ما جعلني أشعر أنه أول مؤثر ظهر في تاريخنا». زيارة قريبة قامت بها إلى قصر غرناطة وقصر الحمراء أيضاً سكنت وجدانها وألهبت خيالها، وهو ما لخّصته العماري في فساتين مفعمة بالأنوثة والفخامة، غلبت عليها الخطوط الهندسية التي تميز حدائق قصر الحمراء من دون أن ننسى ألوانها الدافئة. في القاعة المجاورة، التي كانت مخصصة لتشكيلة «أتولييه حكايات»، كانت الأجواء مختلفة بدءاً من الألوان إلى القصات، حيث اكتسبت الألوان هدوءاً، والتصاميم جرأة، لنتذكر سريعاً أن هذه العلامة التي أطلقتها الأختان في عام 2012 كانت دائماً تجنح إلى الابتكار والتصاميم العصرية باستعمال تقنيات معقدة وحديثة.


كيف عزّزت الأزياء الصداقة البريطانية - الفرنسية

نجحت كاميلا في الجمع بين ما هو بريطاني وفرنسي باختيارها إطلالة من مصممة بريطانية هي فيونا كلير باللون الوردي الهادئ في اليوم الأول من زيارتها الرسمية إلى فرنسا (رويترز)
نجحت كاميلا في الجمع بين ما هو بريطاني وفرنسي باختيارها إطلالة من مصممة بريطانية هي فيونا كلير باللون الوردي الهادئ في اليوم الأول من زيارتها الرسمية إلى فرنسا (رويترز)
TT

كيف عزّزت الأزياء الصداقة البريطانية - الفرنسية

نجحت كاميلا في الجمع بين ما هو بريطاني وفرنسي باختيارها إطلالة من مصممة بريطانية هي فيونا كلير باللون الوردي الهادئ في اليوم الأول من زيارتها الرسمية إلى فرنسا (رويترز)
نجحت كاميلا في الجمع بين ما هو بريطاني وفرنسي باختيارها إطلالة من مصممة بريطانية هي فيونا كلير باللون الوردي الهادئ في اليوم الأول من زيارتها الرسمية إلى فرنسا (رويترز)

قد يكون تقارب السن بين الملكة كاميلا (76) وبريجيت ماكرون (70 عاماً)، هو ما جعل الصور التي تناولتها الصحف العالمية بمناسبة زيارة الملك تشارلز الثالث إلى فرنسا، متناغمة وكأن صداقة قديمة تربط بينهما. ضحكات استوجبت من السيدة ماكرون وضع يدها على فمها لإخفائها، وحميمية تتمثل في مساعدتها لكاميلا وهي تُرتب فستانها قبل التقاطهما صوراً رسمية، كلها تفاصيل قد تبدو بسيطة، لكن لها دلالات كبيرة، ليس أقلها أن الاثنتين اختارتا لحفل العشاء الرسمي فستانيهما باللون نفسه ومن الدار نفسها، وهي «ديور» وكأنهما تريدان القول أن تفاهمهما تعدّى حس الأنثى في التميز ونزعتها التنافسية في مثل هذه المناسبات للتألق.

صورة تظهر فيها الملكة كاميلا وبريجيت ماكرون بفستانين باللون نفسه ومن الدار نفسها (رويترز)

أول ما يتبادر إلى الذهن عند رؤية أزياء كاميلا وبريجيت طوال الأيام الثلاثة، أن الدبلوماسية الناعمة تختلف وترتقي عندما تصل مرحلة النُضج. فهي هنا لا تُعبر فقط عن مدى «التفاهم الفرنسي - البريطاني» وهذه جملة شهيرة من خطاب ألقته الملكة الراحلة إليزابيث الثانية منذ سنوات، بل أيضاً كانت الرسالة التي أوصلتها كل من فرنسا وبريطانيا إلى العالم بلغة الموضة.

نجحت كاميلا في الجمع بين ما هو بريطاني وفرنسي باختيارها إطلالة من مصممة بريطانية هي فيونا كلير باللون الوردي الهادئ في اليوم الأول من زيارتها الرسمية إلى فرنسا (رويترز)

فإذا وضعنا جانباً النشاطات والنقاشات السياسية التي دارت حول محاور كثيرة بين كل من الملك تشارلز الثالث والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فإن الرسائل التي وجهتها لنا كل من بريجيت وكاميلا من خلال أزيائهما، أن الموضة يمكن أن تخلق توافقاً بعيداً عن الروح التنافسية أو الاعتزاز بالهوية بشكل مبالغ فيه، كما كان الحال بالنسبة لكارلا بروني عندما قامت بزيارة رسمية إلى بريطانيا برفقة زوجها الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي. اعتمدت كل أزيائها ومجوهراتها من بيوت فرنسية مثل «شوميه» و«ديور» و«شانيل»، وهو ما يمكن أن يقرأه البعض على أنه نظرة فوقية تقول بأن الموضة الفرنسية لا يُعلى عليها. كاميلا في المقابل لعبت دوراً دبلوماسياً يشي بثقة بالنفس ورغبة في القيام بدورها على أحسن وجه بغض النظر عن أي مشاعر شخصية. جمعت إطلالاتها أزياء لمصممين بريطانيين وبيوت أزياء فرنسية. وبهذا نجحت ليست في القيام بدورها الدبلوماسي فحسب، بل أيضاً في تجميل صورتها في بلدها الأم.

بريجيت ماكرون بجاكيت من «شانيل» والملكة كاميلا في إطلالة بسيطة بالأبيض والأسود (رويترز)

فكاميلا لا ترتبط عادة بالموضة مقارنة بكايت ميدلتون مثلاً أو الأميرة الراحلة ديانا. بل على العكس، فإن الكثير من البريطانيين يميلون إلى التنمر عليها ويتلذذون بمقارنتها بالأميرة ديانا كلما أرادوا النيل منها. في هذه الزيارة، ألجمت لسان هذه الشريحة. أكدت أن الأناقة عندما تكون منتقاة بعناية ومفصلة على المقاس، لا تتوقف عند عُمر معين، وبأن الموضة سلاح مؤثر يعكس طموحات بلد بكامله، كما يعكس واقعاً معاشاً، مع العلم أنها قد تكون سلاحاً ذا حدين، وما علينا سوى أن نتذكر الحملة الشرسة التي تعرضت لها ماري تود لينكولن، زوجة رئيس الولايات المتحدة السادس عشر أبراهام لينكولن، عندما ظهرت بفساتين باهظة الثمن في وقت كانت البلاد تخوض حرباً أهلية؛ الأمر الذي اضطرها إلى التبرير بأن اختياراتها كانت لرفع معنويات الأميركيين.

الفستان الذي اختارته من «ديور» كان فخماً عزّزته بطقم مجوهرات كانت الملكة الراحلة إليزابيث الثانية قد تلقته هديةً من والدها يوم زفافها (رويترز)

رفع المعنويات هو ما حققته كاميلا في هذه الزيارة الفرنسية. كل الصحف تغنَّت بأناقتها وفخامة اختياراتها كملكة. حتى الطقم الفخم المكون من عقد وأقراط أذن وسوار، والذي نسقته مع فستان السهرة الأزرق الطويل، نال الكثير من الثناء وعدّه الكل لفتة جميلة لملكتهم الراحلة، إليزابيث الثانية، التي كانت قد تلقته هديةً من والدها بمناسبة زواجها. لم يُشر أحد إلى أن ما ارتدته كان باهظ الثمن لا يعكس واقع الاقتصادي البريطاني هذه الأيام. كان التركيز فقط على نجاحها في تحقيق المعادلة السياسية بدبلوماسية تعتمد على الأناقة الراقية.


عرض «روكساندا»... بين نوستالجيا الماضي وفنون الحاضر

تميزت التشكيلة بمفردات مترسخة في ذاكرة المصممة لراهبات من دير جراشانيكا (الشرق الأوسط)
تميزت التشكيلة بمفردات مترسخة في ذاكرة المصممة لراهبات من دير جراشانيكا (الشرق الأوسط)
TT

عرض «روكساندا»... بين نوستالجيا الماضي وفنون الحاضر

تميزت التشكيلة بمفردات مترسخة في ذاكرة المصممة لراهبات من دير جراشانيكا (الشرق الأوسط)
تميزت التشكيلة بمفردات مترسخة في ذاكرة المصممة لراهبات من دير جراشانيكا (الشرق الأوسط)

عندما تحضر شخصية كبيرة في السن والمقام عرض أزياء لأي شيء كان، متحدية آلام الركبة وصعوبة المشي، فهذا أكبر شهادة للمصمم بأنه يستحق الجُهد والعناء. هذا ما أكدته الصورة التي تم تداولها للنجمة البريطانية المخضرمة فانيسا ريدغريف البالغة من العمر 86 عاما، وهي تصل إلى عرض روكساندا إلينشيك بشعرها الأبيض وقميص واسع يحمل توقيع «روكساندا». كانت تتكئ على عكازها من جهة وتستند على ذراع آنا وينتور، عرّابة الموضة العالمية من الجهة الثانية. وبهذا أعطت العرض وأسبوع لندن للموضة على حد سواء نكهة مثيرة.

الممثلة البريطانية فانيسا ريدغريف لدى وصولها مكان العرض برفقة آنا وينتور (غيتي)

لم يذهب تعبها سُدى، فروكساندا لم تُخيب الآمال. قدمت لربيع وصيف 2024، عرضا تنوعت فيه الأفكار والاقتراحات، واختزلت فيه عشقها للفن والتاريخ. مكان العرض كان مركز «الباربيكان»، الذي صرّحت أنه من الأماكن المفضلة لديها في لندن لما يحتضنه من معارض فنية وأيضا لمعماره الخاص.

بدأ العرض بصوت السوبرانو البريطانية إيزابيل بيترز وهي تصدح بأوبرا لبوتشيني، وتوالت ألوان تتباين بين الهدوء والتوهج. أشعة الشمس الخفيفة سرت بين الأوصال تلتها قشعريرة لا تعرف كُنهها. هل هي بسبب الهواء البارد أم الرهبة التي أثارتها الإطلالات ذات الإيحاءات الدينية والخطوط الفنية.

كانت هناك أيضاً فساتين عصرية تخاطب كل الأذواق (الشرق الأوسط)

صرّحت المصممة بعد العرض أن مركز الباربيكان كان مناسباً جداً لتشكيلة تغلب عليها الأبعاد الانسيابية ونوع من البناء اقتبست بعض مفرداته من الأسلوب الوظيفي للمكان والمنطقة المحيطة به، وأيضاً من ذكريات ساكنة في الذاكرة لمعالم صربية؛ مثل جراشانيكا وستودينيكا وجيتسا الثقافية، بأبراجها المُقببة وألوانها المستمدة من الطوب الوردي المائل للأحمر. هذا إلى جانب ما تحتويه من لوحات جدارية وتفاصيل فنية يعود بعضها إلى القرن الـ15. هذه ليست المرة الأولى التي تستلهم منها المصممة من الفن. في تشكيلتها لخريف وشتاء 2023 مثلاً استمدت من الفنان الياباني أتسوكو تاناكا فستانا متوهجا.

أما كيف جسّدت روكساندا كل هذا، فمن خلال تدرجات ألوان هادئة وخطوط مستوحاة من ملابس الراهبات والقساوسة الأورتوذكس في الصرب، بلدها الأم. لتعزيز فكرة هذا التأثير، زينت مجموعة من القطع بخيوط ذهبية تارة وفضية تارة أخرى حرصت على نسجها يدوياً.

ظهرت فساتين بأسلوب عصري لم تبخل عليها المصممة بطبعات مرسومة على الحرير (الشرق الأوسط)

قطع أخرى تمت حياكتها بأسلوب عصري لم تبخل عليه بالتفاصيل والطبعات المرسومة على الحرير. وبما أن الأحجام الكبيرة لعبة المصممة، ولصيقة بأسلوبها، فقد كانت متوقعة. المفاجأة كانت في الألوان. فمن تابع مسيرتها منذ أكثر من عقد من الزمن، يعرف أنها تكون عادة متوهجة وصارخة. هذه المرة كانت هادئة باستثناء قطع معدودات. وحتى في هدوئها هذا كانت قوية من ناحية تأثيرها بفضل الأحجام الهندسية التي تُذكرنا دائماً أن روكساندا خريجة قسم هندسة معمارية.

الأحجام والأشكال المبتكرة أكسبت الألوان الهادئة قوة لافتة (الشرق الأوسط)

تشرح المصممة أن عودتها إلى القرون الوسطى وإلى ملابس الراهبات التي ترتبط عادة بالتقشف والبساطة لا يجب أن تكون غريبة أو صادمة، لأنها ليست بعيدة عن أسلوبها المألوف. فهو دائماً محتشم يتميز بأكمام طويلة وياقات عالية وأحجام واسعة بطيات تُخفي تضاريس الجسم أكثر مما تُبرزها. الفرق أنها لم تكن سابقاً تحت عنوان «ديني» بقدر ما كانت رؤية فنية، وقراءة لمتطلبات العصر، وامرأة ترغب في ملابس تُعبّر عنها وعن ميولها. وحتى في هذه التشكيلة، فإن الأمر لا يختلف سوى في طريقة العرض والسرد، لأنه يظل فنياً أكثر من كونه دينياً. يمكن القول إنه كان من الممكن أن يمر مرور الكرام من دون أن ينتبه أحد إلى إيحاءاته الدينية لو لم تُشر إليها المصممة أو تُبرزها في إكسسوارات الرأس المقببة والأقمشة البسيطة والخطوط الواسعة التي تستحضر ملابس الراهبات. وتؤكد روكساندا على هذا الرأي بقولها إنها وظفت فقط بعض الرموز لهذه الغاية، موضحة أن أكثر ما ألهب مخيلتها كان «ملابس الراهبات في دير جراشانيك الذي كانت تديره نساء فقط ولعقود طويلة». كان هناك تنوّع في ملابسهن حسب المناسبة، على أساس «لكل مقام مقال»، وهذا يعني أن ما كن يعتمدنه في الأيام العادية كان مختلفاً عما كن يُخصصنه لمناسبات مهمة مثل أعياد الميلاد والفصح.

كانت هناك أيضاً فساتين عصرية تخاطب كل الأذواق (الشرق الأوسط)

العرض احترم هذا الاختلاف بين اليومي والاحتفالي، من خلال تنوع كبير، بدليل أنه ليس كل ما في العرض كان محتشماً. فمن بين كل زي يغطي العارضة من الرأس إلى أخمص القدمين، كانت هناك تصاميم جريئة، مثل فستان يظهر فيه الجزء العلوي بقماش شفاف من دون بطانة مع تنورة لولبية. المراد لم يكن أبدا إحداث الصدمة بقدر ما كان إبراز التقنيات المستعملة في كل قطعة، ومنح المرأة حرية الاختيار وفق ما صرحت به المصممة «أردت أن أقدم اقتراحات متنوعة تغطي كل الأذواق والميول، إذ ليس من حق أحد أن يفرض أسلوباً واحداً على الكل. المهم أن تكون كل الاقتراحات أنيقة ومحترمة شكلاً ومضموناً».

إلى جانب الفساتين الطويلة كانت هناك أيضاً سترات مستلهمة من خزانة الرجل (الشرق الأوسط)

إلى جانب الفساتين الطويلة الموجهة لمناسبات السهرة والمساء، ظهرت سترات مفصلة بخطوط بارزة عند الأكتاف ذات طابع رجولي يجمع الوظيفي العملي بالراقي، فضلاً عن تنورات ضيقة تمازج فيها الصوف بالحرير، قطع أخرى مطبوعة بنقشات تداخل فيها الأبيض مع تدرجات الوردي والأصفر الليموني والأخضر، والأحمر، وتدرجات الأزرق وهلم جرا. هذا التنوَع الذي لعب على التناقضات، شمل أيضا الأقمشة، بدءا من الحرير الناعم والتافتا المعاد تدويرها والصوف إلى الساتان المغسول بالرمل والجورجيت وحرير الكريب.


«صناعة الموضة» تردّ الاعتبار للهند بوصفها مُلهماً وداعماً

بعد أن ظل الاعتماد على حرفيّي الهند سراً من أسرار الموضة قررت «ديور» أن تُعلنه على الملأ مؤخراً (دولي ها أورامبام)
بعد أن ظل الاعتماد على حرفيّي الهند سراً من أسرار الموضة قررت «ديور» أن تُعلنه على الملأ مؤخراً (دولي ها أورامبام)
TT

«صناعة الموضة» تردّ الاعتبار للهند بوصفها مُلهماً وداعماً

بعد أن ظل الاعتماد على حرفيّي الهند سراً من أسرار الموضة قررت «ديور» أن تُعلنه على الملأ مؤخراً (دولي ها أورامبام)
بعد أن ظل الاعتماد على حرفيّي الهند سراً من أسرار الموضة قررت «ديور» أن تُعلنه على الملأ مؤخراً (دولي ها أورامبام)

على مدار عقود لعبت الهند دوراً محورياً في عالم الموضة، وتحديداً في مجال التطريز. بيوت أزياء كبيرة، منها «ديور» و«سان لوران» و«كلوي» و«هيرميس» و«بالمان» و«ألبرتا فيريتي» و«جيامباتيستا فالي» و«برادا» و«فالنتينو» و«غوتشي» وغيرها، استعانت بأنامل هندية لإضفاء البريق على تصاميمها. السبب الأول يعود إلى مهارتهم، وثانياً لانخفاض أجورهم. في هذا الصدد، أعرب ماكسيميليانو موديستي، مؤسس «ليز أتيليه 2 إم» في مومباي، عن اعتقاده أنه «باستثناء (شانيل) و(هيرميس)، يبدو أنه لا توجد أي علامات تجارية تُنتج أعمالاً مطرزة في فرنسا».

مصمم دار «غوتشي» السابق، أليساندرو ميكيلي مثلاً نفّذ تصاميمه المطرزة بالنمور والفراشات في الهند. وفي وقت قريب، تحدث المصمم البلجيكي دريز فان نوتن عن أهمية المطرزين الهنود من قرى ريفية على أطراف كولكاتا يتعاون معهم منذ عقود، إذ إنه يملك ورشة تطريز في كولكاتا منذ عام 1987.

كان عرض «ديور» الأخير في مومباي أول عرض ضخم يقام في الهند (ديور)

في الإطار ذاته، أقامت دار «ديور» عرضاً ضخماً لخريف 2023 في مومباي. غنيٌّ عن القول إنه نجح في إثارة الإعجاب على أكثر من صعيد، لا سيما أنه لم يسبق لأي دار أزياء كبيرة أن نظمت عرضاً داخل الهند بمثل هذا المستوى والحجم. جاء العرض أيضاً بمثابة احتفاء بالحرفيين الهنود الذين نالوا الفرصة أخيراً لاستعراض إمكاناتهم ومهاراتهم.

وغالباً ما يتم التعامل بين العلامات التجارية والحرفيين من خلال شركات وأصحاب مشاغل يلعبون دور الوسيط، ويضيفون أحياناً خدمات أخرى مثل التصميم وأخذ العينات وإنتاج الملابس.

تعد دار التصدير الصناعية «فنتشرز»، التي تتخذ من كولكاتا مقراً لها، واحدة من هذه الشركات، وكانت الدار التي يعمل بها نحو 3000 موظف متخصص في إنتاج منسوجات رفيعة المستوى وأعمال تطريز لحساب بعض أشهر دور الأزياء عالمياً، أول شركة منسوجات هندية تفوز بجائزة «غراند جوري برايز أوورد» في «بريميير فيجن» بباريس لعامي 2016 و2017.

لكل منطقة في الهند أسلوبها في التطريز (أ.ف.ب)

أشكال التطريز لا تعد ولا تُحصى، إلى حد أن كل ولاية تتباهى بأسلوبها المتميز في التطريز وإمكاناتها في جعل خيوط الأقمشة والمنسوجات تتشابك مع قصص المجتمع، فتعكس المحيط الطبيعي كما الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.

هناك مثلا الشكينكاري الرقيق (وتعني الكلمة الخيط أو السلك)، الذي تشتهر به مدينة لكنو، عاصمة ولاية أوتار براديش. وبيبلي المتوهج الذي تشتهر به ولاية أوديشا، من دون أن ننسى الأسلوب الأنيق الذي يطبع تطريزات كاودي، وهو مزيج من الترقيع والتطريز، تتميز بها كارناتاكا. كل هذه المناطق تعتمد على حرفيين مهرة توارث بعضهم المهنة أباً عن جد. يعكفون على تطريز قطعاً قد تجد طريقها إلى منصات العروض العالمية، بدأب ولساعات إن لم نقل أياماً.

يعكف الحرفيون على قطعة واحدة لساعات طويلة بدأت لتخرج بالشكل المطلوب (أ.ف.ب)

جدير بالذكر هنا أن ثمة أساليب مختلفة للتطريز تشتهر بها الهند، منها «إك تار»، وتعني «السلك الواحد»، ويقوم هذا الأسلوب على الاستعانة بسلك واحد رفيع من معدن مثل الذهب أو الفضة، وغالباً ما تجري الاستعانة كذلك بقطع من الكريستال أو الخرز. ثمة أسلوب تطريز آخر يطلق عليه «كالاش» أو «بانشداتو»، ويقوم على الاستعانة بخيوط من خمسة معادن مختلفة، بينما يعمد أسلوب «أومبري» على استعراض خمسة ظِلال من اللون ذاته عبر النسيج أو قطع التزيين.

لكل منطقة في الهند أسلوبها في التطريز (أ.ف.ب)

 

بوجه عام، تعد الصور الزخرفية المستوحاة من الأزهار والنباتات أو الطاووس أو الراقصين في صحاري الهند أكثر الصور شيوعاً على مستوى أعمال التطريز. ومن بين أساليب التطريز الشهيرة كذلك أسلوب يدعى «كوتش» الذي يقوم على أنماط هندسية وصور حيوانات وطيور. وعلى ما يبدو، تعكس حرفية الهند إرثاً ملكياً ونزعة فطرية تجاه الإبداع الحرفي عجز العالم الغربي حتى اليوم عن إنتاج نظير لهما. وبالفعل، تتعاون الأتيليهات الهندية مع بعض أكبر دور الأزياء عالمياً. من أشهرها:

 

أتيليه «تشاناكيا»

تأسس على يد مونيكا شاه وكاريشما سوالي اللتين تربطهما علاقة مصاهرة وتعملان لحساب أسماء عالمية، مثل «فندي» و«غوتشي» و«فالنتينو» و«لانفان» و«برادا» منذ الثمانينات.

في مدرسة «تشاناكيا» الحرفية تحصل الحرفيات على استقلاليتهن من خلال تعليمهن التطريز (ساهيبا شوداري)

وتعد مدرسة تشاناكيا الحرفية، التي شاركت سوالي في تأسيسها عام 2017، معهداً تعليمياً غير ربحي، يسعى لتمكين الحرفيات وتعزيز استقلاليتهن. على مدى 25 عاماً ربطت صداقة بين سوالي وماريا غرازيا تشيوري، مصممة الأزياء الإيطالية، التي تتولى حالياً منصب مصممة فنية في دار «ديور»، كانت الأساس الذي قامت عليه مدرسة تشاناكيا الحرفية.

 

«ساكس إنديا»

في الثمانينات والتسعينات، وعندما بدأ الحديث عن التطريز علانية من جانب مصممين عالميين، أسّس ساجد خان مصنع «ساكس إنديا». وكان خان الذي تنقل بين عواصم العالم، قد تلقى تدريباً شخصياً على يد عدد من كبار صناع الموضة في منتصف الثمانينات، مثل فالنتينو وأرماني إلى جيانفرانكو فيري، أصبحوا يتعاملون مع «ساكس إنديا» إلى جانب غيرهم.

أصبح اليوم لـ«ساكس إنديا» مكاتب في مومباي ونيودلهي وميلانو ونيويورك، حيث يجري التعاون مباشرةً مع دور الأزياء الرائدة في العالم مثل: إميليو بوتشي، وروبرتو كافالي، ورالف لورين، وفيرا وانغ، ومارك جاكوبس، وبادجلي ميشكا، وكريستيان ديور، وآوبالمان، ورالف آند روسو، وغيرها.

كان عرض «ديور» الأخير في مومباي أول عرض ضخم يقام في الهند (ديور)

«عامر للتطريز»

عام 2019، زارت مصممة الأزياء اليونانية المقيمة بلندن، ماري كاترانتزو، مؤسسة «عامر للتطريز»، استعداداً لعرض استثنائي بمناسبة الذكرى الـ30 لإنشاء «إلبيدا»، اتحاد أصدقاء الأطفال مرضى السرطان. كانت «مؤسسة عامر» مثالية بالنسبة إليها لما تتميز به من طابع عائلي وتوالي ستة أجيال من الحرفيين العاملين في مجال التطريز عليها.

 

«ملايا للتطريز»

تتعاون مؤسسة «ملايا للتطريز» مع عدد كبير من دور الموضة في الولايات المتحدة وأوروبا. وتتخصص في أسلوب «زارزودي»، الذي يعتمد على إبرة يدوية بسيطة، و«آري»، أسلوب آخر يعتمد على إبرة ثابتة. أما المؤسس، فهي غاياتري خانا، خريجة «بابسون كوليدج»، ماساتشوستس، التي تعاونت مع مجموعة كبيرة من بيوت الأزياء في نيويورك. عام 2000 أطلقت «ملايا للتطريز»، من أجل تحقيق حلمها بتعريف العالم بالتطريز الهندي. وتمتلك غاياتري حالياً مصنعاً على مساحة 18000 قدم مربعة في مومباي، يضم فريقاً كاملاً يُعنى بالتصميم وتجهيز العينات، وأتيليه للحياكة وآخر للتطريز وقسم للسيطرة على الجودة وجهود شحن وتعبئة ومخزن للمواد الخام.

 

وبعد 23 عاماً من بنائها شركة في مومباي في مجال التطريز، تفرَّعت إلى 4 عواصم كبرى هي: نيويورك ومومباي وميلانو وباريس. وتوفر «ملايا للتطريز» حزماً كاملة من خدمات التطريز والزينة والتعديل والتعبئة والتغليف لعلامات تجارية عالمية، مثل: ماكس مارا، وبينكو، وفيرساتشي، ورالف آند روسو، ودولتشي آند غابانا، وروبرتو كافالي، وغوتشي، ومارني، وسانت لوران، وجيفنشي، وجوليان مكدونالد وغيرها.


المصممة إيمان البنا لـ«الشرق الأوسط»: الخدع البصرية لعبتي

من مجموعة الخواتم الدائرية
من مجموعة الخواتم الدائرية
TT

المصممة إيمان البنا لـ«الشرق الأوسط»: الخدع البصرية لعبتي

من مجموعة الخواتم الدائرية
من مجموعة الخواتم الدائرية

في عالم المجوهرات العصرية حفرت علامات عربية أسماءها في قلوب الباحثات عن مجوهرات بتصاميم مبتكرة وأنيقة. وفي هذا السياق تأتي قطع الحُلي والمجوهرات التي تقدمها المصممة المصرية إيمان البنا.

قوتها وجمالها يكمنان في أنها قابلة للتغيير والتحول. وهذا ما تشرحه المصممة بقولها إنه يدخل في إطار مفهوم جديد لم تعد القطعة ثابتة فيه بحيث تقوم بمهمة واحدة. فقد باتت تتحول لتأخذ أدواراً متنوعة، بما يناسب الذوق الشخصي لصاحبتها والمناسبة التي تستعملها فيها.

المصممة المصرية إيمان البنا (الشرق الأوسط)

تقول إيمان البنا لـ«الشرق الأوسط»: «غايتي هي أن تُقرِر كل امرأة الدور الذي تريده من القطعة، إذ يمكنها التغيير في شكلها بما يتناسب مع حاجتها والمناسبة التي ستستعملها فيها». وتتابع: «لقد تطوَرت التقنيات بحيث أصبح من السهل تطويل القطعة أو تقصيرها، كما يمكن أن تتخذ أشكالاً أخرى، وهو ما يزيد من قيمتها ويجعلها تُبعد الملل عن النفس».

«الخواتم الدائرية المسيلة» واحدة من أبرز مجموعات إيمان البنا القابلة للتحويل. هي أيضاً «أفضل وسيلة للتعبير عندما تتعطل لغة الكلام، إذ يمكن استعمال أي قطعة في هذه المجموعة بطرق مختلفة. يمكن مثلاً تشكيلها على شكل موجة أو طيها أو حتى سحبها طولياً للحصول على شكل أكثر امتداداً... فهناك قائمة من الخيارات لا نهاية لها وكلها تصب في صالح صاحبتها».

«كوليكشين الخواتم الدائرية المسيلة»... القطعة الواحدة تتخذ أشكالاً متعددة (الشرق الأوسط)

واستلهاماً من مفهوم الوقت قدمت البنا مجموعة أطلقت عليها اسم «المدارات» تقول إنها «تستلهم خطوطها وأفكارها من دوران الكواكب حول الشمس. فيها يتولد إحساس بالوقت بتوالي الأيام والليالي، التي قد تتشابه أحياناً، لكنها تبقى ملهمة وتمنحنا الأمل في التغيير».

تُشير البنا إلى أن «تأثير حركة الكواكب حقيقة لا مفر منها، فأثناء هذه الرحلة التي قامت بها لترجمة دورانها، حرصت أن تستثمر فيها من ناحية الوقت والمواد لضمان أن تأتي بقيمة تخول لها البقاء مدى الحياة مع صاحبتها».

قطعة من مجموعة «النمط الراقص» للمصممة إيمان البنا (الشرق الأوسط)

بالنسبة لـ«360° Rotation» استعملت تقنيات مختلفة عبر استخدام طريقة بسيطة لتغيير اتجاه القطعة. «استغرقت هذه التجربة المزيد من الوقت»، و«لم يكن سهلاً تحقيق ذلك التقاطع بين دائرتين من دون الحاجة إلى لحمهما أو استعمال روابط بينهما».

في مجموعتي «النمط الراقص dancing pattern» و«pattern» اعتمد البنا على الحركة البصرية وحدها. تقول: «على المستوى الشخصي أحب الأنماط التي تعتمد على الخدع البصرية، فهي من وجهة نظري تضفي عليها القوة والابتكار، وهذا ما يجعلها هنا لافتة خصوصاً أقراط الأذن».

تصبح كل امرأة ذاتها من خلال مجوهرات تخضع لتصميمها الخاص (الشرق الأوسط)

تطلبت هذه التقنيات وما ترتب عنها من عمليات هندسية الكثير من الدراسات والتجارب. فقد درست البنا الهندسة المعمارية، الأمر الذي ساعدها في تشكيل هذه المجوهرات «لا أنكر أنه كان لدراستي تأثير كبير على حياتي. لقد علمتني كيف أفكر لإيجاد حلول للحياة اليومية كما أثرت على أسلوبي في التصميم».

وتشدد البنا على أن «التأثير الأكثر وضوحاً هو أنها لا تفكر في الحُلي كصانعة حُلي، لكنها تفكر فيها كمعمارية تبحث عن شكل الكتلة في الفراغ، وما يمكن أن يضفيه الضوء عليها من جمال».


أسبوع الموضة لربيع وصيف 2024... يستهل أيامه الأولى بالرقص والموسيقى

ورود وورود في عرض ريتشارد كوين (أ.ف.ب)
ورود وورود في عرض ريتشارد كوين (أ.ف.ب)
TT

أسبوع الموضة لربيع وصيف 2024... يستهل أيامه الأولى بالرقص والموسيقى

ورود وورود في عرض ريتشارد كوين (أ.ف.ب)
ورود وورود في عرض ريتشارد كوين (أ.ف.ب)

حتى قبل أن ينتهي أسبوع نيويورك لربيع وصيف 2024، شهدت لندن حركة غير مسبوقة من الفعاليات والاحتفالات تأهباً لانطلاق أسبوعها يوم الجمعة الماضي. لا يختلف اثنان أن أسبوع نيويورك مرّ هادئاً. راهن على موضة تتوخى أناقة خالية من أي بهارات مثيرة فجاء عادياً. في المقابل راهنت لندن مرة أخرى على طاقات شبابها وروحهم الجامحة للابتكار لجذب الانتباه من جهة، وخلق ديناميكية هي في أمسّ الحاجة إليها من جهة ثانية، وحققت الهدف إلى الآن؛ إذ من المقرر أن يشارك نحو 80 مصمماً في الأسبوع من خلال نحو 50 عرض أزياء ومجموعة من العروض الجانبية.

منذ اليوم الأول تلمس إصرار المصممين على التحدي بالرغم من التذبذبات التي يمر بها الاقتصاد البريطاني والأزمات الناتجة عن الخروج من الاتحاد الأوروبي وتبعات الجائحة، والتضخم الذي لا يزال معدله الأعلى في دول «مجموعة السبع» (6.8 خلال يوليو/ تموز).

من عرض جي دبليو أندرسون (أ.ف.ب)

تشكيلاتهم جاءت تختزن في فوضاها وفنونها المجنونة، قوتهم الإبداعية وتوقهم لفرض أنفسهم في سوق عالمية تشهد تقلبات كثيرة. والمقصود هنا التغيرات التي تشهدها المجموعات الضخمة مثل «كيرينغ» التي لم تتوقف على البحث عن مصممين جُدد يحقنون بيوتاً عريقة مثل «بوتيغا فينيتا» و«غوتشي» وغيرهما بدماء جديدة، وكان آخرها خروج سارة بيرتون مصممة دار «ألكسندر ماكوين» بعد أكثر من عقد من التألق والنجاحات. وهنا لا يمكننا تجاهل أن التاريخ المعاصر يشهد على أن نصيب البريطانيين كبير في السوق العالمية، الأمر الذي يمنح الأمل للعديد من الشباب.

ورود وورود في عرض ريتشارد كوين (أ.ف.ب)

ما يُحسب للأسبوع اللندني أيضاً، أنه من كثرة ما تعرض له على مدى عقوده الثلاثة من أزمات وتقلبات، بات يعرف كيف يتعايش مع المفاجآت، سواء الإيجابية أو السلبية. يتعثر في موسم، ثم يقوم سريعاً في الموسم التالي وهو أكثر إصراراً وقوة. ومع ذلك لا بد من التذكير بأن السنوات الثلاث الأخيرة كانت الأكثر صعوبة؛ ففي 2020 مثلاً تعرض مثل غيره من أسابيع الموضة العالمية لنكسة كبيرة بسبب جائحة «كوفيد» زاد من حدتها خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بكل ما ترتب على ذلك من مشكلات التأشيرات للعاملين في مجال الموضة من الأجانب، ولوجيستيات الشحن والاستيراد والتصدير وغيرها، ثم حلّ عام 2022 وبدأ العالم يتنفس من دون كمامات. هنا أيضاً لم تكتمل الفرحة؛ فقد غيّب الموت الملكة إليزابيث الثانية، الأمر الذي استلزم حداداً شاملاً في كل البلاد، أدى إلى إلغاء أغلب العروض، أو على الأقل تقديمها من دون بهارات أو احتفاليات. هذا الغياب الطويل هو ما أثار الاشتياق وحفَز مصممي لندن على تبني كل أشكال الابتكار هذا الأسبوع، ومنح أسبوع لندن نكهته المثيرة، إضافة إلى عوامل أخرى خارجية ساعدت على تعزيز الديناميكية والحيوية التي سادت أجواءه.

أنا وينتور والمخرج باز لورمان وإدوارد إيننفول رئيس «فوغ» النسخة البريطانية في حفل «فوغ وورلد» (رويترز)

فمنذ بداية الأسبوع الماضي والعاصمة البريطانية محط أنظار المبدعين من كل أنحاء العالم. الفضل يعود إلى كل من دار «شانيل» الفرنسية، وأنا وينتور عرابة الموضة المشرفة على كل مجلات «فوغ». الأولى أقامت حفلاً ضخماً احتفالاً بافتتاح معرض في متحف فيكتوريا وألبرت بعنوان «فاشن مانيفستو» يتناول مسيرة كوكو شانيل المهنية على مدى 60 عاماً، مُسلطاً الضوء على أهم المحطات في حياتها وما أحدثته من ثورة في عالم الموضة. والثانية أقامت حفلاً بعنوان «فوغ وورلد» مساء الخميس الماضي في مسرح «دروري لاين» هدفه دعم الفن والفنانين. وهي فعالية يطمح الكثيرون إلى أن تكون البذرة لمبادرة تشبه حفل متحف الميتروبوليتان بنيويورك في المستقبل.

الأميرة بياتريس وزوجها إدواردو مابيلي موزي في حفل «فوغ وورلد» (رويترز)

المهم أن الحفلين استقطبا نجوماً وشخصيات عالمية، نذكر منها الممثل هيو غرانت وزوجته آنا إيبرشتاين في سابقة غير معهودة لندرة ظهورهما معاً، والأميرة البريطانية بياتريس وستورمزي وآني لينوكس والعارضات السوبر ليندا إيفانجليستا وسيندي كروفورد وناعومي كامبل وكايت موس.

مصممو لندن بدورهم اتفق العديد منهم على أن العروض لم تعد مجرد وسيلة لتقديم الأزياء في أجمل حلة بهدف بيعها، وبالتالي لا يجب أن تمر مرور الكرام من دون فرقعات أو ترفيه فكري وفني. مثلاً اعتمد كل من المصمم الأميركي الأصل هاريس ريد، والبريطاني باتريك ماكدويل، على الموسيقى والرقص لإبراز إبداعاتهما. ريد قدم تشكيلته قبل انطلاق الأسبوع بأيام من خلال جلسة تصويرية بطلاتها عارضات مثل آشلي غراهام وغيرها، كانت فيها فساتين باللونين الأبيض والأسود تتراقص على أنغام موسيقى كوسيما. شرح المصمم أنه حرص فيها على أن تُؤدي كل عارضة حركات بمساعدة مصمم الرقص سايمون دونيلون، من دون أن يفرض عليهن رؤيته. كان المطلوب من كل واحدة منهن أن تُفكر في شخصية تُمثلها وتُعبر عنها بشكل شخصي وهي تتحرك خلال التصوير. من جانبه، تعاون ماكدويل مع بينوا سوان بوفير، المدير الفني لشركة الرقص «رامبيرت». طلب منه تصميم حركات الراقصين والعارضات على حد سواء، لكنه لم يُعقد الأمور على العارضات؛ إذ اقتصر دورهن على السير بطريقة مبتكرة، في حين كان الرقص الأدائي من واجب الراقصين والراقصات المحترفين. ووضح باتريك أن سبب اعتماده على بينوا سوان بوفير ليس فقط خلق صورة ترفيهية، بل لأنه استوحى المجموعة من رقصة باليه لفريدريك أشتون تعود إلى عام 1926 بعنوان «مأساة الموضة»، ثم أضاف أن دور عروض الأزياء تغير بشكل كبير؛ «فهي لم تعد مجرد وسيلة بيع مباشرة. هي الآن تتعدى ذلك وتتطلب خلق نوع من الاستعراض الفني».

من عرض ريتشارد كوين (أ.ف.ب)

من بين هذه العروض الصاخبة بالأفكار الجامحة، كانت هناك عروض توخت الكلاسيكية المعاصرة مثل ما قدمه المصمم الآيرلندي المخضرم بول كوستيلو. فهذا الأخير افتتح الأسبوع صباح الجمعة الماضي كعادته منذ سنوات، لتكون المفاجأة يوم الثلاثاء، بعروض سعودية. فلأول مرة تشارك أسماء سعودية في البرنامج الرسمي من خلال «أتولييه حكايات» و«آرام» للمصممة أروى العماري.