كيف وطّدت المجوهرات الرفيعة علاقتها بالأزياء الراقية؟

بدأت منقذاً لأسبوع أصابه الهُزال بعد الأزمة الاقتصادية... وانتهت نداً

تقنية التريكو وكتافيات مصنوعة من الذهب الأبيض وأزرار وعُقد وإبر... بعض من الأشكال التي صاغتها المصممة كلير شوازن من الألماس والكريستال الصخري (بوشرون)
تقنية التريكو وكتافيات مصنوعة من الذهب الأبيض وأزرار وعُقد وإبر... بعض من الأشكال التي صاغتها المصممة كلير شوازن من الألماس والكريستال الصخري (بوشرون)
TT

كيف وطّدت المجوهرات الرفيعة علاقتها بالأزياء الراقية؟

تقنية التريكو وكتافيات مصنوعة من الذهب الأبيض وأزرار وعُقد وإبر... بعض من الأشكال التي صاغتها المصممة كلير شوازن من الألماس والكريستال الصخري (بوشرون)
تقنية التريكو وكتافيات مصنوعة من الذهب الأبيض وأزرار وعُقد وإبر... بعض من الأشكال التي صاغتها المصممة كلير شوازن من الألماس والكريستال الصخري (بوشرون)

منذ نحو عقد من الزمن أو أكثر بقليل، بدأت بيوت المجوهرات الرفيعة تتسلل إلى «أسبوع باريس» للـ«هوت كوتور»، حاملة معها نفائس تحاكي في تفردها وأسعارها ما يعرض في هذا الموسم من أزياء. لم يُرحب بها الجميع. بالنسبة إلى بعض المصممين، كان هذا الحضور اقتحاماً لمساحتهم الخاصة، وبالنسبة إلى وسائل الإعلام، أضاف عملاً يستنزف وقتهم... يتذمرون منه لكن لا يستطيعون مواجهته أو تجاهل أهميته.

بيد أن ما لا يعرفه كثير منا عن عملية التسلل هاته؛ أنها كانت في الحقيقة عملية إنقاذ لأسبوع بدأ يفقد ثقله ومن تم توازنه. بعد أزمة 2008، تعرض موسم الـ«هوت كوتور» إلى وعكة اقتصادية، أصابت برنامجه الرسمي بالهزال. لم يعد بإمكان كل المصممين صرف مبالغ باهظة لإقامة عروض ضخمة تُضاهي تلك التي تنظمها بيوت الأزياء الكبيرة، مثل «شانيل» و«ديور» فانسحبوا واكتفوا بمعارض صغيرة. ذهب البعض حينها إلى حد نعي هذا الخط والقول إنه يحتضر، في ظل تقلص عدد زبونات الولايات المتحدة الأميركية. لحسن الحظ أن دخول صناع المجوهرات على الخط، وظهور أسواق جديدة، فتحا الأبواب على مصاريعها أما زبونات من جيل شاب ساهمن في إنعاشه. الآن تُعد الأزياء والمجوهرات عنصران يكمل كل منهما الآخر؛ لا يمكن للأول إنكار جميل الثاني والعكس صحيح إذا أخذنا في الحسبان أن عالم المجوهرات هو الآخر استفاد... وجد الأرضية مُعبدة وجاهزة لاستعراض إبداعاته.

عقد على شكل ياقة مستوحاة من تاج صنعته دار «بوشرون» في العقد الأول من القرن العشرين... ويُعاد تقديمه من خلال عقد يُشبه الدانتيل مكوّن من الألماس والكريستال الصخري (بوشرون)

لم تستغرق العملية سوى بضعة مواسم، بدأت بعدها سوق الأزياء الراقية تنتعش، بل تحقق الأرباح بشكل غير مسبوق. في الموسم الأخير الذي شهدته باريس لربيع وصيف 2024، ضم البرنامج الرسمي ما لا يقل عن 29 دار أزياء. غير أن اللافت هذه المرة أن كثيراً من بيوت المجوهرات تخلفت عن الموعد. الأسباب مختلفة؛ منها ما هو استراحة، ومنها ما هو إعادة ترتيب أوراق وتحضير للموسم المقبل. من بين بيوت المجوهرات التي غابت، نذكر «فان كليف آند آربلز» و«شانيل» و«بولغاري»، بينما حرصت كل من «بوشرون» و«ديور» و«لويس فويتون» على المشاركة كالمعتاد، إلى جانب «كارتييه» و«شوميه» و«دي بيرز» و«ديفيد موريس»، التي اكتفت بعروض صغيرة على الهامش.

حرفي في مشغل «بوشرون» يُرصع قطعة ستستعمل لتزيين الأكتاف (بوشرون)

هناك أيضاً من يجعل السبب تحضيرهم لـ«أسبوع الساعات» الذي يقام سنوياً في جنيف تحت اسم «ووتشرز آند وونردز»؛ أي «ساعات وعجائب»، في شهر أبريل (نيسان) المقبل. أما باريس فسيوجدون فيها خلال موسم الصيف. فهذا هو الفصل المفضل لزبونات الأزياء الراقية... من ناحية، لوجودهن إما في سان تروبيه وبورتوفينو، وإما في موناكو وغيرها من منتجعات البحر المتوسط القريبة من باريس؛ ومن ناحية أخرى لأن دفء الصيف يُحفز على الشراء أكثر.

وبما أن تحركات صناع الموضة تُحددها تحركات السوق في الغالب، فإنهم انتبهوا إلى أن زبائنهم أدمنوا الانغماس في تجربة يستمتع بكل تفاصيلها على غرار ما تقدمه بيوت الأزياء الكبيرة في خط الـ«كروز» الذي يتوجه بهم إلى أماكن بعيدة. من هذا المنظور، لم يعد وجود صناع المجوهرات يقتصر على باريس، وبدل التقيد ببرنامج الأسبوع الرسمي للـ«هوت كوتور»، أصبحوا يأخذون زبائنهم المهمين إلى وجهات مختلفة. هدفهم أن تشمل المتعة جمال الأمكنة وفرادة التصاميم ونفائس الأحجار. دار «لويس فويتون» مثلاً أخذتهم إلى اليونان، و«كارتييه» إلى فلورنسا الإيطالية، و«فان كليف آند آبلز» إلى بحيرة كومو الإيطالية، و«ديور» إلى شنغهاي. تتغير الوجهات والهدف واحد؛ يتمثل في خلق تجارب تبقى محفورة في الذاكرة؛ لأنها تربط إبداعاتهم بقصص أو جذور تضفي عليها بُعداً لا يُقدر بثمن.

لكن المثير في أغلب المجموعات التي طُرحت في هذا الموسم، أنها لم تُدر ظهرها تماماً إلى «أسبوع باريس للأزياء». تركت خط الود مفتوحاً بأن جعلت الموضة مصدر إلهام، وهو ما ظهر في تقنيات تحاكي التطريز وجدل الضفائر والدانتيل، وأخرى تأخذ أشكالها من الأزرار والدبابيس وغيرها.

مجموعة «ديور ديليكا (Dior Délicat)»

في كل قطعة عبَرت فيكتوار دو كاستيلان عن الأنوثة مُتعدّدة الأوجه بالاعتماد على فنون التطريز والتخريم (ديور)

الربط بين الأزياء والمجوهرات ليس جديداً على دار تخصصت في الـ«هوت كوتور» وتعدّ مؤسسة ثقافية بالنسبة إلى الفرنسيين. تظهر خيوطها المتشابكة في كثير من المجموعات التي أبدعتها مصممتها الفنية فيكتوار دو كاستيلان. لم تختلف الصورة هذه المرة عما سبق. كان التطريز بكل أشكاله هو المحور الذي تدور عليه مجموعة «ديور ديليكا». تتماهى هنا رقّة النسيج المُخرّم مع الترصيع، فيكشف عن تركيبات هندسية معقدة يُعززها توهج الياقوت والزمرّد، والصفير الأزرق، والترمالين، والتنزانيت، إلى جانب الأوبال؛ الحجر المفضل لدى المصممة. لم تسافر «ديور» بمجموعتها خارج باريس. اختارت في المقابل قصراً يقع على الضفة الغربية من نهر السين مسرحاً لاحتضان 79 قطعة؛ 5 منها فريدة، تتضمن عقداً مرناً مصنوعاً من خيوط متعددة من الألماس تشبه تقاطعات مأخوذة من صور زخرفية.

بفضل رقّة وخفّة النسيج المُخرّم يبدو الترصيع كأنّه يتلاشى في الخلفية... ممّا يسمح للأحجار الكريمة بالكشف عن ألوانها الجريئة في تركيبات معقدة تعكس البراعة الحرفية التي تعتز بها الدار (ديور)

تقول فيكتوار دي كاستيلان إن «ديور ديليكا» تشكل نهجاً مختلفاً لعبت فيه «على عدم التماثل، لخلق نوع من التوازن». كل خيط أُبدع بحرص بحيث يبدو كما لو كان منعكساً على مرآة، وفي الوقت ذاته؛ فإنه لا يشبه أياً من الخطوط المجاورة له من اليمين أو اليسار.

مجموعة «بوشرون» Power Of Couture

كانت كلير شوازن؛ المصممة الفنية لدار «بوشرون»، أكثر من غاص في عالم الأزياء والخياطة هذا الموسم. كانت لها مُبرراتها... فما لا يعرفه كثير منا هو أن مؤسس الدار فريديريك بوشرون، كان نجل تاجر منسوجات مختص في الحرير والدانتيل، وهو ما كان له تأثير كبير على نهجه في تصميم المجوهرات. عمل طوال القرن التاسع عشر على صياغة الذهب والأحجار بإلهام من الأزياء الراقية ورقة الأقمشة.

عقد مصوغ بتقنية التريكو وكتافيات مصنوعة من الذهب الأبيض المرصّع بالألماس يمكن تحويلهما إلى زوج من الأساور (بوشرون)

عن ذلك، تُعلّق كلير شوازن: «عندما نظرت إلى الأرشيف، رأيت كثيراً من مفردات الخياطة والأزياء الراقية لم يجر التعامل معها على الإطلاق بشكل مباشر، لذلك أردت ربط كل ذلك معاً». أطلقت على المجموعة اسم «Power Of Couture»؛ أي «قوة الخياطة»، الأمر الذي يفسر معادن رُوّضت لتأخذ شكل ياقات عالية أو ضفائر وأشرطة أو أربطة وأوسمة مثل تلك التي يتزين بها الملوك في المناسبات الاحتفالية.

من بين القطع التي صممتها في هذه المجموعة واحدة بعنوان «تريكو»؛ وهي قلادة مرنة من 5 صفوف تبدو كأنها خيوط محبوكة. ومثلما الحال مع باقي عناصر المجموعة المكونة من 24 قطعة، صُنعت هذه القلادة والسوار المطابق لها بالكامل من الكريستال الصخري والألماس والمعادن الثمينة.

قُطِعت كل بلورة وصُقلت بطريقة تستهدف ألا تكون الصورة النهائية لامعة، فيما تخللتها وصلات «شيفرون»، وهي النقشة الشهيرة في عالم الأقمشة المحبوكة، مرصعة بالألماس على أحبال من الننتول، وهي سبيكة خفيفة الوزن من التيتانيوم والنيكل اكتشفتها البحرية الأميركية. أما السمة الرئيسية للقلادة، فماسة بوزن قيراطين تتوسط دوائر من الكريستال الصخري وماسات مستديرة. استغرق صنع هذه القلادة 1070 ساعة، ويقدر ثمنها بـ1.6 مليون يورو؛ أي ما يعادل 1.7 مليون دولار.

عند تفكيك قطعة «نو» يمكن ارتداؤها على هيئة بروش أو سوار... ويمكن تركيب الألماسة المتدلية على حلقة (بوشرون)

هناك أيضاً طقم «نو»، الذي يأتي على شكل شريط معقود، وهو رمز من رموز الأزياء الراقية. ترجمته كلير بأسلوب هندسي متناغم بين نسيج الكريستال الصخري غير اللامع وبريق الألماس، حيث تحيط بقطع الكريستال وعددها 435 قطعة، أكثر من 4 قراريط من الألماس. عند تفكيكها، يمكن ارتداء الشريط مع القلادة على هيئة بروش أو سوار، ويمكن تركيب الألماسة المتدلية على حلقة. هذه التفاصيل تُبرر سعرها البالغ 1.9 مليون يورو.

«كارتييه» - «لو فوياج روكومانسيه»

قلادة «ميراجيو» تتمحور حول خط من الياقوت السريلانكي تُزين جوانبه زخارف من الياقوت والزمرّد والعقيق (كارتييه)

كانت تيمة دار «كارتييه» هي السفر والطبيعة، لكن لم تخل من التفاتات إلى فنون الأزياء، بألوانها المتوهجة والتي تتضارب في تناغم، بما فيها القطع ذات الأشكال غير المتناظرة. لم يكن سلاح «كارتييه» الأحجار الكريمة في أصفى حالاتها فقط؛ بل أيضاً الألوان المتوهجة مزجتها في القطعة الواحدة لتخلق لوحة فنية، الأمر الذي جعل الفرق بين هذه المجموعة وغيرها أنها لا تحتاج إلى أن تساير الموضة، فهي تضج بأناقة يمكن أن ترتقي، في ثانية، بأي قطعة أزياء مهما كانت بساطتها ورتابة لونها. قلادة «ميراجيو»، مثلاً، تتمحور حول خط من الياقوت السريلانكي تدور في فلكه جميع المكونات الأخرى، مثل زخارف من الياقوت والزمرّد تبدو كأنها شبكة متناظرة تستحضر نمط ريش الطاووس الملوّن.

وفي سياق متصل بعالم الأزياء والأناقة، كشفت «كارتييه» أيضاً عن عقد «سبينا»، المؤلف من نسيج شبكي من الياقوت والألماس. يضم ياقوتة «سيلان» تزن أكثر عن 29 قيراطاً. ويعدّ هذا العقد إضافة إلى مجموعة «لو فوياج روكومانسيه» التي طرحته في مايو (أيار)، ويمكن وضعه أيضاً على هيئة تاج بوضع الياقوتة لأعلى.

مجموعة «شانيل» Lion Solaire

قلادة مرصعة بالماس يتوسطها رأس أسد بكل قوته ومهابته (شانيل)

لكن ربما تبقى «شانيل» أكثر المُتعلقين بعالم الأزياء وفنونه. في أغلب مجموعاتها الخاصة بالمجوهرات الرفيعة يعود حرفيوها إلى المنبع، وتحديداً إلى الـ«هوت كوتور» يستقون منهم أشكالاً تحاكي الأزياء، أقمشة وحياكة وحبكة. في العام الماضي أتحفتنا الدار بمجموعة مستوحاة من التويد، القماش الذي يرتبط بها، وهذا العام، أتحفتنا بمجموعة أطلقت عليها Lion Solaire de CHANEL. قالت إنه برج الآنسة شانيل، مما يجعله رمزاً قوياً من مفردات الدار. دخل أول مرة قسم المجوهرات في عام 2012 من خلال قلادة Constellation du Lion، التي أصبحت اليوم واحدة من أهم قطع المجوهرات الراقية المحفوظة ضمن تراث شانيل وفي عامي 2013 و2018، تم تخصيص مجموعات المجوهرات الراقية Sous le Signe du Lion وL’esprit du Lion بالكامل له. وفي عام 2024، يظهر مرة أخرى في مجموعة Lion Solaire de CHANEL، من خلال خمس قطع جديدة؛ قلادة وخاتمين وزوجين من الأقراط.


مقالات ذات صلة

حلي مستوحاة من «نبض كيميت» و«صدى صوت أم كلثوم»

لمسات الموضة حلق مستوحى من مراجيح المولد (الشرق الأوسط)

حلي مستوحاة من «نبض كيميت» و«صدى صوت أم كلثوم»

تقول هاجر نبيل إنها تحاول في هذه المجموعة أن تروي حكاية حضارة لا تكف عن إعادة تقديم نفسها عبر العصور، وكشف بعض أسرار التعلق بها.

نادية عبد الحليم (القاهرة)
لمسات الموضة تحول محل لبيع الجرائد والمجلات إلى معرض مصغر يحكي قصصاً مصرية (عزة فهمي)

«عزة فهمي» تروي أخبار مصر بالمجوهرات

بالنسبة لها هناك قطع مجوهرات نختارها وأخرى هي التي تختارنا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق قلادة الملكة نازلي قبل سرقتها من متحف بفيينا (إكس)

سرقة قلادة الملكة نازلي تنكأ جراح كنوز الأسرة العلوية «المنهوبة»

بيعت بعض مقتنيات الأسرة العلوية في مزادات رسمية عام 1954، في حين أُودعت مقتنيات أخرى في صناديق حكومية بوصفها «أحرازاً».

منى أبو النصر (القاهرة)
لمسات الموضة اختيار الإسكندرية لتصوير الحملة ليس صدفة أو اعتباطياً (عزة فهمي)

«ثُريا» عزة فهمي... حوار النجوم والمجوهرات

قد يقود اسم المجموعة، للوهلة الأولى، إلى صورة «الثريا» المعلقة في سقوف البيوت، لكنه يحيل في الواقع إلى كوكبة «الثريا»، التي اهتدى بها البحارة قديماً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة «لحظة» العمل الذي فاز به آرثر شوكيه بالجائزة الأولى (كارتييه)

«كارتييه» تراهن على الجيل المقبل لصناعة المستقبل

مرّت صناعة الساعات السويسرية، كما هو حال كثير من الحِرف التقليدية، بفترة من القلق حول مستقبلها. لم يكن هذا القلق مرتبطاً فقط بتقلبات السوق أو بانتشار حركة…

«الشرق الأوسط» (لندن)

كيف جعلت «برادا» التنورة بطلة قصتها لربيع وصيف 2027؟

تنوعت الألوان والأشكال والتفاصيل (أ.ف.ب)
تنوعت الألوان والأشكال والتفاصيل (أ.ف.ب)
TT

كيف جعلت «برادا» التنورة بطلة قصتها لربيع وصيف 2027؟

تنوعت الألوان والأشكال والتفاصيل (أ.ف.ب)
تنوعت الألوان والأشكال والتفاصيل (أ.ف.ب)

عندما قدّمت علامة «برادا» تشكيلتها لربيع وصيف 2027 خلال «أسبوع ميلانو» الأخير، أكدت مرة أخرى أنها تضع مفهومي الانضباط والتناسق تحت المجهر، وفي الوقت ذاته تُرسِّخ أفكاراً أصبحت جينات ترتبط بالدار منذ تسلمت قيادتها الفنية ميوتشيا برادا.

منذ البداية، تُسوّق المصممة لفكرة أنه ليست للجمال قاعدة واحدة يجب التقيد بها. شريكها الفني، راف سيمونز يتفق معها في هذه الرؤية، التي تقول إنه من الفوضى يولد الإبداع، ومن تحت عباءة «القبح» وعدم التناسق يولد جمال، قد لا يكون تقليدياً بالضرورة، لكنه ينجح في فتح نقاشات فكرية وفنية مثيرة.

تنوعت الألوان والأشكال والتفاصيل (أ.ف.ب)

63 تنورة

من بين الجينات التي تعود إليها الدار في كل موسم، التنورة. فهي حاضرة في كل مجموعة مهما تبدّلت توجهات الموضة وتغيّرت نزعاتها. في الموسم المقبل، ستطغى على باقي القطع. فهي بطلة قصتها لربيع وصيف 2027 دون منازع، حيث اكتسحت العرض من خلال نحو 63 إطلالة. ولا يستغرب متابعو مسيرة الدار وأسلوب ميوتشيا الشخصي هذا العدد؛ لأنه ينسجم مع قناعة راسخة ومستديمة لدى ميوتشيا برادا بأهمية هذه القطعة ومكانتها في خزانة المرأة.

ففي مقابلة أجرتها معها إحدى المجلات في عام 2006 قالت: «بالنسبة إليّ، تُشبه التنورة القميص؛ يمكن تنسيقها بسهولة لتناسب مختلف المناسبات. لهذا أضع في كل مجموعة، وفي كل موسم، كل أفكاري فيها». وتابعت: «حتى عندما تبدو غريبة أو مُفرطة في الجرأة، فإن هذه الصفات لا تُؤثر على الإطلالة العامة لصاحبتها؛ لأنها بكل بساطة تقع في الجزء السفلي من الجسم».

ظهرت أيضاً مع جاكيتات من اللون والخامة نفسيهما (أ.ف.ب)

بعد 20 عاماً على هذه المقولة، جاءت ترجمتها في مجموعتها لربيع وصيف 2027 عبر أشكال وألوان تتراوح بين القصات الكلاسيكية ذات الطيات والثنيات الجانبية، والتصاميم العصرية المنسدلة، إلى جانب مزيج من الأقمشة المترفة والمواد الحديثة التي تزيّنت بالكريستال والأشرطة، وترافقت مع طبقات شفافة.

ورغم أنه ليس من السهل أن تُبنى تشكيلة بالكامل على قطعة واحدة، فإن ميوتشيا برادا وراف سيمونز تداركا الأمر بحرصهما على التنويع في تصاميمها وتفاصيلها. لكن مما ساعد على تماسك العرض في المقام الأول، ولم يُصب الناظر بالملل فعلياً، أن برادا وسيمونز لم يتعاملا معها على أنها قطعة ثابتة وأساسية فحسب، بل استخدماها مساحةً للتجريب وإعادة التفكير في الشكل والخامة وطريقة التنسيق، لتخدم في النهاية المرأة.

الفني والجريء

افتٌتح العرض بإطلالة مكونة من قميص داخلي من الدانتيل الأسود وتنورة بلون أحمر زاهٍ. المثير فيها أنها تنورة منخفضة الخصر تكشف جزءاً واضحاً من البطن. لم تكن الإطلالة الثانية أقل إثارة. كانت هي الأخرى تنورة بفتحة عالية جداً، في حين ظهرت العارضة الثالثة مرتدية حمالة صدر مع تنورة ذات طيات وكشاكش جانبية مبتكرة. وهكذا تكرر المشهد وتوالت الإطلالات بتناسبات تسمح لهذه القطعة بالانحدار نحو الوركين بدلاً من أن تستقر عند الخصر كما هو متعارف عليه أو تغطي الركبة ولا تتعداها كثيراً. وربما كان طولها هو القاسم المشترك بينها؛ لأنها جاءت تلامس الركبة أو بالكاد تُغطيها، باستثناء قطع قليلة جداً لا تتعدى أصابع اليد الواحدة.

جرأة التنسيق لم تمحُ جمال التنورة ومرونتها (أ.ب)

اختبار الأفكار

تجدر الإشارة هنا إلى أن الحالة التجريبية التي خضعت لها التنورة هذا الموسم، ليست جديدة على مصممة تتعامل مع الأنوثة بوصفها أكثر من مجرد مظهر خارجي، وتأخذنا إلى خلفيتها الثقافية وميولها الفكرية اليسارية، بما في ذلك، علاقتها الطويلة بقضايا المرأة وتحريرها من القوالب الجاهزة، التي كانت التنورة طرفاً فيها إلى حد ما.

فحتى في شبابها وهي ناشطة في «الحزب الشيوعي الإيطالي»؛ أي في وقت لم تكن فيه التنورة جزءاً من الثقافة اليسارية مثل الجينز، تبنّتها ميوتشيا برادا زيّاً خاصاً بها، في مفارقة تعكس استقلالها وعدم ميلها إلى التقيد بالقواعد الجمالية والاجتماعية السائدة. مع الوقت؛ أصبحت واحدة من المفردات التي تستعملها وسيلةً للتعبير عن التناقض والاستقلال؛ وليست فقط رمزاً للأناقة كما يراها المجتمع.

وجه الاختلاف بينها وبين بعض النسويات، اللاتي رفضنها، أنها لم تُعانقها بصورتها الأنثوية المُغرية أو الرومانسية. اختارت في المقابل اتجاهاً ثالثاً يتعامل معها بوصفها قطعة أساسية تعتمد على طُرق تنسيقها للحصول على المظهر الذي تتوخاه المرأة، وهكذا تُثبت أنه لا شكل واحداً للأنوثة.

إذا كانت بتصميمها المستقيم والضيق تناسب امرأة تريد إبراز أنوثتها، مثل كيم كاردشيان، وبشكلها المستدير تخاطب امرأة رومانسية، فإنها بالشكل الذي تقترحه دائماً، تفرض نفسها بجدية تُركّز على الفني والمريح بدل الأنثوي وحده. وهذا يعني أنها لا تعانق الجسم بقدر ما تلاعبه وتتراقص معه، وهنا تكمن عمليتها وجاذبيتها.

نُسقت مع كنزات وسترات لخلق تنوع يُدخلها كل المناسبات (أ.ف.ب)

وربما هذا ما شفع لهذه المجموعة وأنقذها من إصابة المتابع بالتخمة. فهي تُقدم احتمالات لا تنتهي للقطعة الواحدة، وفق طريقة تنسيقها. عندما تنسَّق مع سترات مستوحاة من خزانة الرجل، فإنها تعطي تأثيراً مختلفاً عن تنسيقها مع قمصان مع حمالات صدر. الأمر ذاته ينطبق على التنوع في الخامات، التي تتراوح بين النايلون والأقمشة الصناعية والقطن والجلد، لتلعب على ازدواجية القوة والنعومة. وفي كل الإطلالات تقريباً، تبدو إطاراً تُسقط عليه الدار الأفكار الجديدة، وتستعمل الخامات المتنوعة والتفاصيل المبتكرة لخلق شخصيات مختلفة تتراوح بين البساطة والتعقيد.

طريقة تنسيقها تحدد مكانتها والمناسبة (إ.ب.أ)

توظيف الفكري بأدوات تجارية

من يتابع مسيرة ميوتشيا برادا منذ عقود، يعرف أن وراء اختياراتها الجمالية والفنية، فكرة تتجاوز الشكل وحده. فهي تعشق إثارة النقاشات الفكرية من خلال الموضة، وهو ما وجدته أيضاً في شريكها الفني راف سيمونز. بينهما انسجام كبير في القناعات والرؤى، ورغبة مشتركة في طرح الأسئلة أكبر من تقديم ابالإنجدلإجابات الجاهزة.

ومن خلال محاولتهما كسر القوالب المألوفة والتقاليد الراسخة، فهما لا يختبران فقط حدود الموضة أو قولبتها، بل يقدمان تصوراً أوسع شمولية للجمال. هذا التصور يفتح مساحة تتسع لكل الاحتمالات؛ للرومانسية والشاعرية وللجدية والعملية، ولما هو جريء وغير متوقع تبعاً لشخصية المرأة التي ترتديه.

ويبقى اللافت أنه، حتى في أعلى اقتراحاتهما جرأة، تظل هناك قدرة عجيبة على مخاطبة سوق واسعة تعرف «برادا» جيداً كيف تصل إليها. فقد سبق للدار أن قدمت تصاميم بدت، عند ظهورها أول مرة، غير مألوفة أو حتى صادمة، قبل أن تجد طريقها تدريجياً إلى خزانة المرأة وتتحول اختياراتٍ ناجحةً تجارياً. وهذه ربما من أشد نقاط قوة «برادا»: قدرتها على دفع حدود المألوف، من دون أن تفقد صلتها بالمرأة أو بالسوق.

لعبت على النعومة والقوة عبر الجمع بين الحرير والجلد (إ.ب.أ)

وهذه القدرة على دفع حدود المألوف، من دون فقدان الصلة بالسوق، تتجلى بوضوح في الطريقة التي تتعامل بها ميوتشيا مع التنورة. فهي ودار «برادا» عموما تدركان أن عالم الأعمال لا يكتفي بالأفكار الفلسفية والفنية أو بالمشاعر، بل لا بد في نهاية المطاف من ترجمتها أرقاماً؛ لذلك تصوغ المصممة التنورة بأشكال مفعمة بالأناقة والجمال تلائم مناسبات متعددة، وتجمع في الوقت نفسه بين العملية والمرونة، بما يتيح للمرأة حرية أكبر في الحركة. والأهم؛ أنها لا تَفرض على الجسد، مهما اختلفت مقاييسه وأبعاده، نموذجاً واحداً أو صورةً محددة للأنوثة.

فالتصميم يَترك مساحة للمرأة كي تمنحه شخصيتها الخاصة، بدل أن يَفرض عليها نمطاً جاهزاً ومكرراً. ولعل هذا ما يجعل التنورة في هذا العرض أكبر من مجرد قطعة متكررة على المنصة أكثر من 60 مرة. فمع نهاية العرض، يتضح أن كل تصميم قُدِّم تأكيدٌ جديدٌ على أن التنورة ستكون الزي الرسمي لامرأة «برادا» في الموسم المقبل.


مصممة «شانيل» السابقة... بين وجع الرحيل ورفض النسيان

بعد عرضها لخريف وشتاء 2023 (أ.ف.ب)
بعد عرضها لخريف وشتاء 2023 (أ.ف.ب)
TT

مصممة «شانيل» السابقة... بين وجع الرحيل ورفض النسيان

بعد عرضها لخريف وشتاء 2023 (أ.ف.ب)
بعد عرضها لخريف وشتاء 2023 (أ.ف.ب)

هناك جروح لا تأتي من الفراق نفسه، وإنما من الطريقة التي يحدث بها الفراق وما يتركه من فراغ، عندما تنتهي علاقة عمرها سنوات في لحظة واحدة، ينتقل فيها الطرف الآخر إلى الصفحة التالية بسهولة وباحتفالية، بينما تبقى أنت عالقاً تبحث عن تفسير لكي تضع نقطة النهاية.

جُرح التخلي والإحساس بالفقد لا يخصان العلاقات العاطفية وحدها، بل يمكن أن يحدثا في العمل أيضاً. وربما يكونا أكثر قسوة عندما يكون هذا العمل هو الذي بنيت فيه جزءاً كبيراً من هويتك وحياتك. وهذا بالضبط ما تكشفه تجربة مصممة «شانيل» السابقة فيرجيني فيارد في كتاب بعنوان «نظرة: حياة في دار شانيل» Un regard: Une vie chez Chanel نشرته مؤخراً ليتزامن صدوره مع أسبوع باريس لربيع وصيف 2027.

فيرجيني فيار تحيي الحضور بعد انتهاء عرضها لربيع وصيف 2024 (أ.ف.ب)

فالمصممة التي قضت أكثر من ثلاثين عاماً في الدار الفرنسية، وعملت إلى جانب كارل لاغرفيلد لعقود، ثم أصبحت المديرة الإبداعية للدار بعد وفاته، تفتح للمرة الأولى تقريباً هذا الباب المغلق منذ خروجها في عام 2024: باب الألم.

فيار لا تتحدث في الكتاب عن الملابس والعروض والنجاحات والإخفاقات فقط، بل تفتح أيضاً الباب أمام مشاعر نادراً ما نراها خلف بريق عالم الموضة: غضبها وحزنها من الطريقة التي انتهت بها علاقتها بـ«شانيل»، والأكثر من ذلك، ألمها من شعورها بأن ما قدمته للدار لم يحظَ بالاعتراف الذي كانت تتوقعه.

لذلك، فإن كتابها Un regard: Une vie chez Chanel، ليس مجرد مذكرات عن الموضة، بل حكاية مصممة تحاول أن تستعيد مكانها في قصة أمضت أكثر من ثلاثة عقود في صناعتها. مصممة لا تحاول فقط أن تتذكر ما كان، بل أن تعرف أيضاً ماذا بقي منها بعد أن أغلقت «شانيل» الباب خلفها.

في الكتاب، كما في تصريحاتها الإعلامية، لا تتساءل لماذا تخلَت عني «شانيل»، بقدر ما تتساءل: كيف لا أُذكر، وكأنني لم أكن هناك أو أترك أثراً؟ وكيف يمكن أن تُطوى السنوات التي قضيتها فيها بهذه السهولة كما لم تكن؟.

ماذا فعل بها الرحيل؟

تؤكد فيارد في مقابلاتها التلفزيونية أنها متحدثة غير جيدة. فقد كانت دائماً تتجنَب الأضواء مفضلة أن تتحدث أعمالها عنها، ورغم ذلك نجحت إلى حد كبير في أن تنقل إلى المشاهد والقارئ، شيئاً من حزنها وألمها في كونها اختُزلت إلى مجرد «فاصل» في قصة «شانيل»، بين كارل لاغرفيلد وماثيو بلازي.

 

ظلت وفيَّة لأسلوبها الهادئ في كل تشكيلاتها (صورة أرشيفية)

دخلت المصممة «شانيل» عام 1986، وهي في الرابعة والعشرين من عمرها. ومنذ ذلك الوقت أصبحت جزءاً من الدار، وإن بقيت طويلاً بعيداً عن الأضواء. كانت المرأة التي تعمل خلف الكواليس، تعرف تفاصيل الملابس، وتتابع الحرفيين وفرق العمل، وتحوّل أفكار كارل لاغرفيلد إلى مجموعات حقيقية. كانت، كما تقول عن نفسها: «مترجمة جيدة جداً لأفكاره». وهنا تبدأ قصة علاقة طويلة ومعقدة مع لاغرفيلد.

كان هو الشخصية الطاغية، صاحب الحضور الإعلامي والشخصية الاستعراضية، بينما كانت هي أكثر تحفظاً وهدوءاً. أمضيا معاً عقوداً، كان فيها لاغرفيلد معلماً وصديقاً ورئيساً وشخصاً اكتشف موهبتها، لكنه كان أيضاً شخصية كبيرة إلى درجة جعلت من الصعب عليها أن تجد لنفسها مساحة مستقلة. ظلت في عيون متابعي الموضة تحت جلبابه حتى بعد وفاته.

تكتب فيارد في نهاية كتابها رسالة إلى لاغرفيلد، وتقول له: «ألومك قليلاً... لأنك كنت الوحيد الذي رآني حقاً». هذه الجملة ربما تلخص امتناناً عميقاً لرجل ساعدها على اكتشاف نفسها، وفي الوقت نفسه كان قربها منه بمثابة نقمة لأنه جعلها تعيش دائماً في ظله.

فبعد وفاته في عام 2019، أصبحت فيارد المديرة الإبداعية لـ«شانيل». لم يكن الأمر سهلاً. فهي لم ترث المنصب فقط؛ ورثت المقارنة معه. كان عليها أن تثبت قدرتها على قيادة «شانيل» من دون أن تحاول أن تكون كارل لاغرفيلد جديداً.

ظلت فيرجيني وفية لأسلوب الدار وتلعب على المضمون والجينات المتوارثة (إ.ب.أ)

جاء أسلوبها أكثر هدوءاً وأقل استعراضاً تركز فيه على الحرفية أكثر من خلال تصاميم يمكن أن تعيش معها المرأة لزمن طويل، ولا تعتمد على الإبهار الذي تصنعه عروض الأزياء الضخمة. وخلال خمس سنوات على رأس الدار، قدمت لحظات مهمة، من بينها عرض «متييه داغ» Métiers d’Art في داكار عام 2022، الذي تعتبره من أكثر أعمالها فخراً. وتُذكّر بأن الدار حققت خلال إدارتها نتائج تجارية قوية، حتى لو لم تلقَ مجموعاتها دائماً الترحيب نفسه في الصحافة وفي أوساط الموضة.

لكن تجربتها لم تكن خالية من الأخطاء. وهنا تبدو فيارد صريحة مع نفسها. فهي تعترف بأنها كانت شديدة التحفظ، وأنها لم تأخذ الوقت الكافي لاختيار «ذراع يمنى» يساعدها كما كانت هي مع كارل لاغرفيلد، ترى الآن أن ذلك جعلها أكثر هشاشة. كما تعترف بأن عرض مارسيليا في مايو 2024 لم يكن ناجحاً كما كانت تتمنى.

من عرضها على نهر السين لخريف وشتاء 2024 (صورة أرشيفية)

ثم جاء الخامس من يونيو 2024، حين أبلغها آلان فيرتهايمر، أحد مالكي «شانيل»، بأن العلاقة ستنتهي. لم تكن تتوقع القرار. ولم تحصل، بحسب روايتها، على تفسير واضح. وبعد الغداء وقعت الأوراق، ودَعت فريقها، وفي اليوم التالي وصلت صناديق أغراضها إلى منزلها. كان كل شيء سريعاً بشكل مؤلم.

وفي مقابلتها التلفزيونية الأخيرة مع برنامج Quotidien، التي عُرضت في 2 أكتوبر 2026، عادت فيارد إلى تلك اللحظة للمرة الأولى، عندما سُئلت عن سبب إقالتها، وردّت ببساطة إنها لم تحصل على تفسير شاف، وإنها حتى اليوم لا تعرف تماماً لماذا حدث ذلك. وأضافت أن هذا تحديداً أحد الأسباب التي دفعتها إلى تأليف الكتاب: «كنت أريد أن أفهم».

الأصعب، كما قالت، لم يكن فقط إنهاء العقد، وبأن الأمر كان سيصبح أقل إيلاماً لو قيل لها ببساطة: «انتهى الأمر، لكن السنوات التي قضيتها معنا كانت جميلة». فهذا بالنسبة إليها، كان سيجعل النهاية أكثر إنسانية.

رفض النسيان

ثم جاء الجرح الأكبر من الذاكرة عندما غادرت الدار، حيث شعرت أن اسمها بدأ يختفي من رواية تاريخ «شانيل». كان هناك غابرييل شانيل، ثم كارل لاغرفيلد، ثم ماثيو بلازي، أما هي فبدت وكأنها مجرد مرحلة انتقالية بين اسمين، أو حسب قولها «مجرد فاصل».

تقول في واحدة من أكثر العبارات حزناً في الكتاب، إنها عندما تنظر اليوم إلى مجموعاتها تتساءل كيف استطاعت أن تكون «قوية إلى هذا الحد وقليلة الحضور في الذاكرة الجماعية بهذا الشكل وكأن مجموعاتها عبرت العالم في صمت»، وكانت هي موجودة «خلف زجاج».


«كارولينا هيريرا» تستعيد البدايات في نيويورك

نقشة البولكا إحدى بصمات الدار ظهرت في الكثير من التصاميم وبألوان متنوعة (رويترز)
نقشة البولكا إحدى بصمات الدار ظهرت في الكثير من التصاميم وبألوان متنوعة (رويترز)
TT

«كارولينا هيريرا» تستعيد البدايات في نيويورك

نقشة البولكا إحدى بصمات الدار ظهرت في الكثير من التصاميم وبألوان متنوعة (رويترز)
نقشة البولكا إحدى بصمات الدار ظهرت في الكثير من التصاميم وبألوان متنوعة (رويترز)

لم تتغير صورة المرأة في عرض «كارولينا هيريرا لربيع وصيف 2027»؛ فهي لا تزال مفعمة بالأنوثة والجمال والفخامة. لم يتغير أيضاً مصدر إلهامها: نيويورك، المدينة التي قدمت فيها كارولينا هيريرا أول عرض لها في عام 1981.

تقول الدار في بيانها الصحافي إن المجموعة تعود إلى العالم الذي ابتكرته كارولينا في نيويورك عام 1981، من خلال لوحة ألوان تتباين بين الأسود والأبيض وأحمر هيريرا والأصفر المستوحى من لون سيّارات الأجرة في نيويورك، كما تستمدّ بعض تفاصيلها الأخرى، الوحي من بسكويت نيويورك الشهير بلونيه الأسود والأبيض.

الأصفر المستوحى من لون سيّارات الأجرة في نيويورك سيحضر بقوة في الموسم المقبل (كارولينا هيريرا)

يستمد هذا العالم أيضاً إلهامه من أيقونات موضة أسهمن في رسم ملامحه، مثل سي. زي. غِست، سيدة مجتمع معروفة في نيويورك، وديانا فريلاند، التي ترأست مجلة «فوغ» الأميركية و«هاربر بازار» سابقاً، ولي رادزويل، الشقيقة الصغرى لجاكلين كينيدي أوناسيس. وفي هذا السياق، يقول غوردون ويس، مصمم الدار الحالي: «أردتُ أن أتخيّل كيف تبدو تلك المرأة الراقية اليوم». ترجم هذه الفكرة في أزياء تغطي احتياجات امرأة لا تقبل التنازل عن الأناقة في كل مكان وزمان.

تباينت اقتراحات الدار بين أزياء للنهار وأخرى للمساء والسهرة (كارولينا هيريرا)

فهذه المرأة دائمة الحركة؛ قد تتنزه في بارك أفينيو أو تُلبِي دعوة غذاء، أو تضطر للركض لتستوقف سيّارة أجرة للحاق باجتماع عمل، وبالتالي تحتاج لكل هذه التحركات أزياء مناسبة.

لبَى غوردون ويس هذه الرغبات أو المتطلبات، واقترح مجموعة تنتقل من النهار إلى المساء بانسيابية وفخامة، من خلال سترات ذات قصّات طويلة، وتنانير واسعة وفساتين مستقيمة ومرنة في الوقت نفسه. تعتمد للنهار على أقمشة التويد والبوبلين القطني والغاباردين والدنيم للنهار، وللمساء والسهرة على الشيفون والأورغانزا والدانتيل المعدني وقماش الغزار.

تعود الدار إلى القيم التي رسمت هويّة الدار منذ انطلاقتها في عام 1981 (كارولينا هيريرا)

وبما أن مصمم الدار، غوردن ويس، لا يعترف بالحلول الوسطى، ويعشق الألوان الصارخة والنقشات الواضحة، فإن المجموعة طرحت أزياء كثيرة بنقشات البولكا، إحدى بصمات الدار، بألوان متنوعة طالت الإكسسوارات أيضاً، إلى جانب أخرى متفتحة بالورود والأزهار.

شراكات استثنائية

بورتريه السيدة هيريرا من توقيع آندي وارهول (كارولينا هيريرا)

وتروي المجموعة حكاية هيريرا مع نيويورك عبر ثلاث شراكات، تستحضر كلّ منها محطّة من تاريخ الدار في المدينة.

في الأولى، تتعاون مع مؤسسة آندي وارهول للفنون البصرية لتقديم بورتريه للسيدة هيريرا من توقيع آندي وارهول. وتظهر الصورة، التي يُرخَّص استخدامها للمرّة الأولى، على مجموعة مختارة من القطع، من بينها فستان قصير مطرّز وحقيبة «جاكلين». ويستحضر البورتريه الصداقة التي جمعت وارهول بالسيدة هيريرا والعالم الإبداعي الذي جمعهما في نيويورك.

تُجسّد مجلّة «ذي نيويوركر» جانباً آخر من هويّة نيويورك الثقافية (كارولينا هيريرا)

في الثانية، تُجسّد مجلّة «ذي نيويوركر» جانباً آخر من هويّة نيويورك الثقافية. وفي إطار هذه الشراكة، يُعيد فستان وقطع منفصلة أخرى مطرّزة، إحياء غلاف العدد الذي وصل إلى أكشاك الصحف في 27 أبريل (نيسان) 1981، وهو اليوم نفسه الذي قدّمت فيه كارولينا هيريرا أوّل عرض أزياء لها في نادي متروبوليتان. رسمت الفنانة لوني سو جونسون الغلاف الأصلي، فيما أعاد مشغل هيريرا تجسيد أفق مانهاتن الظاهر فيه بالتطريز اليدوي.

تطريزات غنية مستوحاة من علاقة الدار بشركة «تافين» للمجوهرات (كارولينا هيريرا)

أمّا الشراكة الثالثة، فتجمع كارولينا هيريرا بدار المجوهرات الراقية Taffin، التي أسّسها «جايمس دي جيفنشي». وتعود الحكاية إلى عنوان جمع الدارَين يوماً: 954 ماديسون أفينيو. فقد كان المبنى يحتضن متجراً لـ«جيفنشي»، ثم افتتحت «تافين» أول صالة عرض لها في طابقه الثالث. وحين استحوذت كارولينا هيريرا على المبنى لاحقاً، بقيت «تافين» فيه لسنوات عدّة، كذلك العلاقة التي تربطهما ببعض.