«فالنتينو» تودّع بييرباولو بيكيولي وتستقبل أليساندرو ميكيلي في غضون أسبوع

الإرث الذي خلّفه بيكيولي يصعب تجاوز إنسانيته وشاعريته

لا ينسى المصمم أن يعيد الفضل إلى الأنامل الناعمة التي أشرفت على تنفيذ كل صغيرة وكبيرة (فالنتينو)
لا ينسى المصمم أن يعيد الفضل إلى الأنامل الناعمة التي أشرفت على تنفيذ كل صغيرة وكبيرة (فالنتينو)
TT

«فالنتينو» تودّع بييرباولو بيكيولي وتستقبل أليساندرو ميكيلي في غضون أسبوع

لا ينسى المصمم أن يعيد الفضل إلى الأنامل الناعمة التي أشرفت على تنفيذ كل صغيرة وكبيرة (فالنتينو)
لا ينسى المصمم أن يعيد الفضل إلى الأنامل الناعمة التي أشرفت على تنفيذ كل صغيرة وكبيرة (فالنتينو)

شهدت ساحة الموضة مؤخراً هزة كراسي قوية شملت تغيير مناصب تنفيذية وإقالات واستقالات. المصمم البلجيكي دريز فان نوتن أعلن منذ أسابيع خبر تنحيه عن إدارة الدار التي أسسها منذ 38 عاماً، تلاه مباشرة إعلان خروج بييرباولو بيكيولي من دار «فالنتينو» بعد 25 عاماً. الأول برر قراره بأنه يريد فتح المجال للشباب لكي يضخوا داره بدماء جديدة ورغبته في خوض مغامرات ومشاريع شخصية أجلها طويلاً، وحان الوقت ليستمتع بها. أما الثاني، فجاء في البيان الذي تم توزيعه على وسائل الإعلام أن قرار المغادرة كان ودياً بينه وبين الشركة الأم. لكن هذه البيانات أصبحت مكررة تفتح أبواب التكهنات. بنفس الحبر تقريباً كُتب بيان مغادرة سارة بيرتون دار «ألكسندر ماكوين» التابعة لمجموعة «كيرينغ» في العام الماضي، وهي التي شغلت منصبها لـ13 عاماً، وأصبحت مصممة أميرة وايلز، كاثرين المفضلة، إن لم نقل الرسمية.

لا مكانتها في البلاط الملكي شفعت لها، ولا الشاعرية والديناميكية التي ميزت تصاميم وعروض «فالنتينو» شفعت لبيكيولي أمام موجة التغيير.

لم يمضِ سوى أيام حتى تم الإعلان عن خليفة له: أليساندرو ميكيلي، مصمم دار «غوتشي» السابق، ما يجعل توقيت الإعلانين مثيراً، لأنه جاء بعد فترة قصيرة من استحواذ مجموعة «كيرينغ» على حصة 30 في المائة من «فالنتينو» مقابل 1.7 مليار يورو، مع إمكانية استحواذها على النسبة المتبقية بحلول عام 2028. المتابعون يعرفون أن هذه الصفقة تأتي في فترة تشهد فيها «كيرينغ» المالكة لـ«غوتشي» و«ألكسندر ماكوين» وغيرها عملية نفض مكثفة تستهدف تغيير كراسي رؤساء تنفيذيين ومصممين على حد سواء.

غني عن القول بأنها تغييرات تأتي كرد فعل للصدمات الاقتصادية التي تلقتها سوق المنتجات المترفة ككل في السنوات الأخيرة، وإن كانت خيوطها بدأت تُحاك منذ عقدين تقريباً لتجريد الموضة من جانبها الإنساني، وخلق ثقافة دخيلة تعطي الأولوية للتسويق، والأرباح. ولو على حساب الإبداع.

لم يتلاعب بإرث الدار لكنه ضخها بديناميكية عصرية وشاعرية في الوقت ذاته (فالنتينو)

بييرباولو بيكيولي صَرح في لقاء صحافي سابق بأن مشهد الموضة تغيّر بشكل صادم، قال وكأنه كان يعرف ما يُخبئ له المستقبل القريب: «بغض النظر عن شكل التعبير الفني، أصبح المنتجون أقوى من الموسيقيين، وأصحاب المعارض أقوى من الفنانين، والمجموعات الكبيرة أقوى من المصممين». علَق أيضاً أن قواعد اللعبة تغيرت حين أصبح للرؤساء التنفيذيين الكلمة المسموعة بحجة تسهيل عمليات التسويق. بييرباولو بيكيولي من الجيل الذي يؤمن بالإبداع، والروح الإنسانية أولاً. كان من الممكن أن يجاري متطلبات السوق، لكنه فضل التمسك بقناعاته «كان واضحاً بالنسبة لي ما سيؤدي إليه التوجه الجديد. لا يهمني كل ما يقال، فأنا أعرف ما أريد، ولا يمكنني التنازل عن قناعاتي مهما كانت متطلبات الأسواق، وتغير الأذواق. فهذا النظام الجديد لا يمكن أن يستمر». بحسب رأيه هو نظام يتنافى مع الإبداع، و«بلا مستقبل، لأن من يفتقد القدرة على الخيال، فلن يقدر على الإبداع بأي شكل من الأشكال».

الوردي لا يزال حاضرات لكن بدرجات اقل توهجا من "بي.بي.بينك" (فالنتينو)

بييرباولو بيكيولي ليس وحده من عبّر عن قلقه من ترجيح كفة الجانب التجاري والتسويقي على الجانب الإبداعي. كل من المصمم راف سيمونز والراحل ألبير إلبيز أعربا في وقت من الأوقات عن قلقهما من أن تفقد الموضة شيئاً أساسياً تصعب استعادته. بل يمكن القول بأن أول من دق أجراس الخطر كان الراحل إيف سان لوران عندما أعلن تقاعده وهو يرمي جام غضبه على سطوة المجموعات الكبيرة، ولهفتها على تحقيق الربح بأي ثمن.

بغض النظر عن كل التكهنات عن الأسباب والمسببات، وما إذا كان غياب بييرباولو بيكيولي سيُخلف ثغرة في ساحة الموضة، أو أن الوقت حان لبعض التغيير بعد 25 عاماً قضاها فيها، فإن المتابعين لتاريخ الموضة يُدركون أن «العرض سيستمر». بتنصيب أليساندرو ميكيلي، الذي سبق وحقق لدار «غوتشي» نجاحات مهمة قبل أن يصيب أسلوبه المبالغ فيه بالتخمة، فإن المجموعة تطمح أن يكرر لها نفس النجاحات التجارية في داره الجديدة.

غير أن خروج بيكيولي لن يُنسينا ما خلّفه من إرث إنساني، وصور شاعرية ستبقى في الذاكرة، بدءاً من درجة الوردي الذي أصبح لصيقاً باسمه إلى الجانب الإنساني الذي تبناه طوال فترته كمصمم.

من عرضه لخريف وشتاء 2024 (فالنتينو)

في كل لقاءاته كان بييرباولو يؤكد على ضرورة أن تحافظ الموضة على العنصر الإنساني بأن تبقى واقعية. من جهته، جعلها تتعدى الألوان والأزياء والإكسسوارات، ووظفها لتعانق الاختلاف، وتفسح المجال للآخر. كان أكثر مصمم استعان بعارضات أفريقيات في عروضه.

في عام 2022، أقام عرضاً ضخماً في روما كانت خلفيته المدرج الإسباني، وافتتحته عارضة سودانية. أطلق عليه عنوان البداية «The Beginning»، وطرز الكثير من اقتراحاته بالورود، والأزهار، ليذكرنا ببدايات تأسيس الدار في روما على يد غارافاني فالنتينو. كان أيضاً رسالة حب للعالم، شارك في كتابتها عارضون وعارضات من كل الأجناس، والألوان، والأحجام أيضاً.

مشهود له بقدرته على مزج الألوان واختيار العارضات (فالنتينو)

دعا لحضوره 120 طالباً من معاهد موضة إيطالية في لفتة لبداياته كطالب كان يتابع عروض الأزياء من بعيد، ولا يتصور أنه سيكون جزءاً منها في يوم من الأيام. في آخر العرض، لم ينس الأنامل الناعمة التي أشرفت على تنفيذ كل صغيرة وكبيرة في هذه التشكيلة، وغيرها. خرج معهم جميعاً وهو يحفز ضيوفه للتصفيق لهم.

لكن ستبقى مهارته في مزج الألوان بشاعرية وفنية هي أكثر ما ستذكره كتب الموضة عنه. لم تضاهه مهارة فيها سوى إيف سان لوران وكريستيان لاكروا، وإيمليو بوتشي، وجون باتو. كانت الألوان بالنسبة له «الأداة الأكثر مباشرة لتغيير وجهات النظر، وتكسير الأفكار المسبقة» وفق قوله.

المملة نينا دوبريف في زي من مجموعة "بي.بي. بينك" التي رغم كل المخاوف التي اثارتها "بي.بي. بينك" حققت النجاح (فالنتينو)

في تشكيلته لخريف وشتاء 2023 قدم لـ«بي بي بينك» اللون الوردي الذي اجتاح ساحة الموضة حتى قبل أن يصدر فيلم «باربي». ابتكره بمساعدة «مؤسسة بانتون للألوان». أثار مخاوف شريحة لا يستهان بها من النساء عندما أطل علينا بجرعات قوية، إلا أن مفعوله كان قوياً. ارتفعت المبيعات بنسبة 15 في المائة في ذلك العام لتصل إلى 1.5 مليار دولار. ظهر بعده الأزرق، والأبيض، والذهبي، وألوان أخرى خلقت نوعاً من الدراما الشاعرية، وجعلت البعض يقارنه بفنانين كبار رغم رفضه لهذه الصفة. «بالنسبة لي الموضة ليست فناً، لأنها تحتاج لأن تتعامل مع الجسد بشكل عملي، وواقعي، بينما لا يتقيد الفن بهذا الأمر» وفق ما قاله لـ«الشرق الأوسط» في لقاء سابق، مضيفاً: «أعتقد أن الفن والموضة شيئان مختلفان. فالفن بالنسبة لي لا يلبي احتياجات ملموسة في أرض الواقع، على العكس من الموضة. فهي مفيدة، وتستهدف أموراً محددة، وعملية في الحياة. لكن بالتأكيد هناك قواسم مشتركة كثيرة بينهما، مثل بحثهما الدائم عن الجمال، والرغبة في تحرير الخيال».

كان الأسود هو اللون الأوحد في عرضه الأخير لخريف 2024 وشتاء 2025 (فالنتينو)

بيد أن حبه للألوان، ومهارته في جعلها تتناغم حتى في أقصى تناقضاتها تجعل تشكيلته الأخيرة لخريف وشتاء 2024 - 2025 مثيرة للتساؤل. لون 63 قطعة بالأسود. كان جريئاً في جعله اللون الأوحد. تجريده للوحاته من ألوانها مُبقياً على لونٍ واحدٍ يتيح له القيام بالكثير باستخدام القليل، مضاعفاً الاحتمالات التعبيريّة. من هذا المنظور، وبعد إعلان خبر خروجه من «فالنتينو» فهي تُعبّر هنا أيضاً عن مشاعر «الفقد»، وأنه كان يشعر باقتراب ساعات الفراق. وهذا ما يجعلها أيضاً نقطة النهاية لفصل مهم في تاريخ دار إيطالية، ومسيرة مصمم رفض أن يساير الموجة السائدة، مفضلاً أن يحتفظ بقناعاته، ومبادئه. فالنتينو غارافاني، مؤسس الدار، نشر على صفحته الخاصة مُعلقاً على خبر مغادرته: «شكراً بييرباولو، أنت المصمم الوحيد الذي لم يحاول تشويه رموز علامة كبيرة بسبب جنون العظمة، وتضخم الأنا».

وداعا بييرباولو بيكيولي (فالنتينو)

أهم المحطات في مسيرته

ولد بيكيولي في عام 1967 في «نيتونو»، مدينة ساحلية صغيرة تبعد عن روما بنحو 35 ميلاً جنوباً. لا يزال يعيش فيها مع زوجته، وأبنائه الثلاثة. بدأ العمل مع دار «فالنتينو» في عام 1999 في قسم الإكسسوارات. في عام 2008 أصبح المدير الإبداعي لقسم الأزياء مع زميلته ماريا غراتزيا تشيوري التي سبق وعمل معها في دار «فندي» لعشر سنوات. في عام 2016، انتقلت تشيوري إلى «ديور» كأول امرأة تتسلم هذه المهمة كمصممة. بقي هو المصمم الوحيد في «فالنتينو»، ومنذ أول عرض له من خط الـ«هوت كوتور» تحديداً كشف عن عبقرية، وخصوبة خيال. كان كل عرض يقدمه من هذا الخط يثير العواطف إلى حد انتزاع الدموع من الحضور، مثلما حدث مع المغنية سيلين ديون في عام 2019.

على العكس من المصممين الشباب الذين تسلموا مقاليد بيوت أزياء لمؤسسين إما تقاعدوا أو غيبهم الموت، وحاولوا وضع لمساتهم الشخصية عليها، بقي هو وفياً لرموزها الأساسية. فالنتينو غارافاني، مؤسس الدار، أشاد به في كل المناسبات، وهو ما يعتبر سابقة بحد ذاتها. فمعظم المؤسسين لم يكونوا راضين عن خلفائهم، أشهرهم كان إيف سان لوران ومشكلاته مع توم فورد.

حتى عندما يتعامل مع لون واحد فإنه يُبدعه بشكل يجعله ملوَنا (فالنتينو)

ما يحسب له أنه رغم احترامه رموز الدار وجيناتها، لم يبق أسيراً لهذا الإرث. أمر قال إنه تعلمه من الراحل كارل لاغرفيلد الذي عمل معه في دار «فندي» في بدايته «كان كارل مهووسا بفكرة عدم العودة إلى الماضي، وهو ما كان درساً مهماً لي». ومع ذلك احترم ماضي الدار، ومؤسسها. كان يعود إليه فقط لكي يضخه بحداثة تواكب العصر.


مقالات ذات صلة

كيف جعلت «برادا» التنورة بطلة قصتها لربيع وصيف 2027؟

لمسات الموضة تنوعت الألوان والأشكال والتفاصيل (أ.ف.ب)

كيف جعلت «برادا» التنورة بطلة قصتها لربيع وصيف 2027؟

لم تُعانق ميوتشيا برادا التنورة بصورتها الأنثوية المُغرية، فهي تتعامل معها دائماً بوصفها قطعة أساسية تخدم المرأة، كما تثبت من خلالها أنه لا شكل واحداً للأنوثة.

جميلة حلفيشي (لندن) جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة بعد عرضها لخريف وشتاء 2023 (أ.ف.ب)

مصممة «شانيل» السابقة... بين وجع الرحيل ورفض النسيان

الجرح الأكبر كان من الذاكرة، حيث شعرت أن اسمها لا يُذكر في سردية الدار. كان هناك غابرييل شانيل، ثم كارل لاغرفيلد، ثم ماثيو بلازي، أما هي فبدت وكأنها مجرد فاصل

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة نقشة البولكا إحدى بصمات الدار ظهرت في الكثير من التصاميم وبألوان متنوعة (رويترز)

«كارولينا هيريرا» تستعيد البدايات في نيويورك

مجموعة تحتفل بامرأة معاصرة ترغب في أزياء تغطي كل احتياجاتها ولا تقبل التنازل عن الأناقة في كل مكان وزمان.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة الذكاء الاصطناعي في خدمة الموضة (غيتي)

هل يجعل الذكاء الاصطناعي استئجار الملابس هو الموضة المقبلة؟

الذكاء الاصطناعي قد يشجع على استئجار الملابس بدلاً من شرائها، عبر تجربة القطع افتراضياً؛ ما يقلل الهدر والأثر البيئي للأزياء السريعة.

سمير أندراوس (لندن)
يوميات الشرق عارضات أزياء يستعرضن تصاميم المصمم أنتوني فاكاريلو ضمن عرض مجموعة الملابس النسائية الجاهزة لموسم ربيع وصيف 2027 لدار الأزياء «سان لوران» (رويترز)

باحثة تكشف عن ظروف العمل الصعبة وخفايا الاستغلال في قطاع الموضة

تكشف عالمة الأنثروبولوجيا الإيطالية جوليا مينسيتيري في كتاب جديد عن خفايا الظروف الصعبة التي يعيشها العاملون في قطاع الموضة.

«الشرق الأوسط» (باريس )

كيف جعلت «برادا» التنورة بطلة قصتها لربيع وصيف 2027؟

تنوعت الألوان والأشكال والتفاصيل (أ.ف.ب)
تنوعت الألوان والأشكال والتفاصيل (أ.ف.ب)
TT

كيف جعلت «برادا» التنورة بطلة قصتها لربيع وصيف 2027؟

تنوعت الألوان والأشكال والتفاصيل (أ.ف.ب)
تنوعت الألوان والأشكال والتفاصيل (أ.ف.ب)

عندما قدّمت علامة «برادا» تشكيلتها لربيع وصيف 2027 خلال «أسبوع ميلانو» الأخير، أكدت مرة أخرى أنها تضع مفهومي الانضباط والتناسق تحت المجهر، وفي الوقت ذاته تُرسِّخ أفكاراً أصبحت جينات ترتبط بالدار منذ تسلمت قيادتها الفنية ميوتشيا برادا.

منذ البداية، تُسوّق المصممة لفكرة أنه ليست للجمال قاعدة واحدة يجب التقيد بها. شريكها الفني، راف سيمونز يتفق معها في هذه الرؤية، التي تقول إنه من الفوضى يولد الإبداع، ومن تحت عباءة «القبح» وعدم التناسق يولد جمال، قد لا يكون تقليدياً بالضرورة، لكنه ينجح في فتح نقاشات فكرية وفنية مثيرة.

تنوعت الألوان والأشكال والتفاصيل (أ.ف.ب)

63 تنورة

من بين الجينات التي تعود إليها الدار في كل موسم، التنورة. فهي حاضرة في كل مجموعة مهما تبدّلت توجهات الموضة وتغيّرت نزعاتها. في الموسم المقبل، ستطغى على باقي القطع. فهي بطلة قصتها لربيع وصيف 2027 دون منازع، حيث اكتسحت العرض من خلال نحو 63 إطلالة. ولا يستغرب متابعو مسيرة الدار وأسلوب ميوتشيا الشخصي هذا العدد؛ لأنه ينسجم مع قناعة راسخة ومستديمة لدى ميوتشيا برادا بأهمية هذه القطعة ومكانتها في خزانة المرأة.

ففي مقابلة أجرتها معها إحدى المجلات في عام 2006 قالت: «بالنسبة إليّ، تُشبه التنورة القميص؛ يمكن تنسيقها بسهولة لتناسب مختلف المناسبات. لهذا أضع في كل مجموعة، وفي كل موسم، كل أفكاري فيها». وتابعت: «حتى عندما تبدو غريبة أو مُفرطة في الجرأة، فإن هذه الصفات لا تُؤثر على الإطلالة العامة لصاحبتها؛ لأنها بكل بساطة تقع في الجزء السفلي من الجسم».

ظهرت أيضاً مع جاكيتات من اللون والخامة نفسيهما (أ.ف.ب)

بعد 20 عاماً على هذه المقولة، جاءت ترجمتها في مجموعتها لربيع وصيف 2027 عبر أشكال وألوان تتراوح بين القصات الكلاسيكية ذات الطيات والثنيات الجانبية، والتصاميم العصرية المنسدلة، إلى جانب مزيج من الأقمشة المترفة والمواد الحديثة التي تزيّنت بالكريستال والأشرطة، وترافقت مع طبقات شفافة.

ورغم أنه ليس من السهل أن تُبنى تشكيلة بالكامل على قطعة واحدة، فإن ميوتشيا برادا وراف سيمونز تداركا الأمر بحرصهما على التنويع في تصاميمها وتفاصيلها. لكن مما ساعد على تماسك العرض في المقام الأول، ولم يُصب الناظر بالملل فعلياً، أن برادا وسيمونز لم يتعاملا معها على أنها قطعة ثابتة وأساسية فحسب، بل استخدماها مساحةً للتجريب وإعادة التفكير في الشكل والخامة وطريقة التنسيق، لتخدم في النهاية المرأة.

الفني والجريء

افتٌتح العرض بإطلالة مكونة من قميص داخلي من الدانتيل الأسود وتنورة بلون أحمر زاهٍ. المثير فيها أنها تنورة منخفضة الخصر تكشف جزءاً واضحاً من البطن. لم تكن الإطلالة الثانية أقل إثارة. كانت هي الأخرى تنورة بفتحة عالية جداً، في حين ظهرت العارضة الثالثة مرتدية حمالة صدر مع تنورة ذات طيات وكشاكش جانبية مبتكرة. وهكذا تكرر المشهد وتوالت الإطلالات بتناسبات تسمح لهذه القطعة بالانحدار نحو الوركين بدلاً من أن تستقر عند الخصر كما هو متعارف عليه أو تغطي الركبة ولا تتعداها كثيراً. وربما كان طولها هو القاسم المشترك بينها؛ لأنها جاءت تلامس الركبة أو بالكاد تُغطيها، باستثناء قطع قليلة جداً لا تتعدى أصابع اليد الواحدة.

جرأة التنسيق لم تمحُ جمال التنورة ومرونتها (أ.ب)

اختبار الأفكار

تجدر الإشارة هنا إلى أن الحالة التجريبية التي خضعت لها التنورة هذا الموسم، ليست جديدة على مصممة تتعامل مع الأنوثة بوصفها أكثر من مجرد مظهر خارجي، وتأخذنا إلى خلفيتها الثقافية وميولها الفكرية اليسارية، بما في ذلك، علاقتها الطويلة بقضايا المرأة وتحريرها من القوالب الجاهزة، التي كانت التنورة طرفاً فيها إلى حد ما.

فحتى في شبابها وهي ناشطة في «الحزب الشيوعي الإيطالي»؛ أي في وقت لم تكن فيه التنورة جزءاً من الثقافة اليسارية مثل الجينز، تبنّتها ميوتشيا برادا زيّاً خاصاً بها، في مفارقة تعكس استقلالها وعدم ميلها إلى التقيد بالقواعد الجمالية والاجتماعية السائدة. مع الوقت؛ أصبحت واحدة من المفردات التي تستعملها وسيلةً للتعبير عن التناقض والاستقلال؛ وليست فقط رمزاً للأناقة كما يراها المجتمع.

وجه الاختلاف بينها وبين بعض النسويات، اللاتي رفضنها، أنها لم تُعانقها بصورتها الأنثوية المُغرية أو الرومانسية. اختارت في المقابل اتجاهاً ثالثاً يتعامل معها بوصفها قطعة أساسية تعتمد على طُرق تنسيقها للحصول على المظهر الذي تتوخاه المرأة، وهكذا تُثبت أنه لا شكل واحداً للأنوثة.

إذا كانت بتصميمها المستقيم والضيق تناسب امرأة تريد إبراز أنوثتها، مثل كيم كاردشيان، وبشكلها المستدير تخاطب امرأة رومانسية، فإنها بالشكل الذي تقترحه دائماً، تفرض نفسها بجدية تُركّز على الفني والمريح بدل الأنثوي وحده. وهذا يعني أنها لا تعانق الجسم بقدر ما تلاعبه وتتراقص معه، وهنا تكمن عمليتها وجاذبيتها.

نُسقت مع كنزات وسترات لخلق تنوع يُدخلها كل المناسبات (أ.ف.ب)

وربما هذا ما شفع لهذه المجموعة وأنقذها من إصابة المتابع بالتخمة. فهي تُقدم احتمالات لا تنتهي للقطعة الواحدة، وفق طريقة تنسيقها. عندما تنسَّق مع سترات مستوحاة من خزانة الرجل، فإنها تعطي تأثيراً مختلفاً عن تنسيقها مع قمصان مع حمالات صدر. الأمر ذاته ينطبق على التنوع في الخامات، التي تتراوح بين النايلون والأقمشة الصناعية والقطن والجلد، لتلعب على ازدواجية القوة والنعومة. وفي كل الإطلالات تقريباً، تبدو إطاراً تُسقط عليه الدار الأفكار الجديدة، وتستعمل الخامات المتنوعة والتفاصيل المبتكرة لخلق شخصيات مختلفة تتراوح بين البساطة والتعقيد.

طريقة تنسيقها تحدد مكانتها والمناسبة (إ.ب.أ)

توظيف الفكري بأدوات تجارية

من يتابع مسيرة ميوتشيا برادا منذ عقود، يعرف أن وراء اختياراتها الجمالية والفنية، فكرة تتجاوز الشكل وحده. فهي تعشق إثارة النقاشات الفكرية من خلال الموضة، وهو ما وجدته أيضاً في شريكها الفني راف سيمونز. بينهما انسجام كبير في القناعات والرؤى، ورغبة مشتركة في طرح الأسئلة أكبر من تقديم ابالإنجدلإجابات الجاهزة.

ومن خلال محاولتهما كسر القوالب المألوفة والتقاليد الراسخة، فهما لا يختبران فقط حدود الموضة أو قولبتها، بل يقدمان تصوراً أوسع شمولية للجمال. هذا التصور يفتح مساحة تتسع لكل الاحتمالات؛ للرومانسية والشاعرية وللجدية والعملية، ولما هو جريء وغير متوقع تبعاً لشخصية المرأة التي ترتديه.

ويبقى اللافت أنه، حتى في أعلى اقتراحاتهما جرأة، تظل هناك قدرة عجيبة على مخاطبة سوق واسعة تعرف «برادا» جيداً كيف تصل إليها. فقد سبق للدار أن قدمت تصاميم بدت، عند ظهورها أول مرة، غير مألوفة أو حتى صادمة، قبل أن تجد طريقها تدريجياً إلى خزانة المرأة وتتحول اختياراتٍ ناجحةً تجارياً. وهذه ربما من أشد نقاط قوة «برادا»: قدرتها على دفع حدود المألوف، من دون أن تفقد صلتها بالمرأة أو بالسوق.

لعبت على النعومة والقوة عبر الجمع بين الحرير والجلد (إ.ب.أ)

وهذه القدرة على دفع حدود المألوف، من دون فقدان الصلة بالسوق، تتجلى بوضوح في الطريقة التي تتعامل بها ميوتشيا مع التنورة. فهي ودار «برادا» عموما تدركان أن عالم الأعمال لا يكتفي بالأفكار الفلسفية والفنية أو بالمشاعر، بل لا بد في نهاية المطاف من ترجمتها أرقاماً؛ لذلك تصوغ المصممة التنورة بأشكال مفعمة بالأناقة والجمال تلائم مناسبات متعددة، وتجمع في الوقت نفسه بين العملية والمرونة، بما يتيح للمرأة حرية أكبر في الحركة. والأهم؛ أنها لا تَفرض على الجسد، مهما اختلفت مقاييسه وأبعاده، نموذجاً واحداً أو صورةً محددة للأنوثة.

فالتصميم يَترك مساحة للمرأة كي تمنحه شخصيتها الخاصة، بدل أن يَفرض عليها نمطاً جاهزاً ومكرراً. ولعل هذا ما يجعل التنورة في هذا العرض أكبر من مجرد قطعة متكررة على المنصة أكثر من 60 مرة. فمع نهاية العرض، يتضح أن كل تصميم قُدِّم تأكيدٌ جديدٌ على أن التنورة ستكون الزي الرسمي لامرأة «برادا» في الموسم المقبل.


مصممة «شانيل» السابقة... بين وجع الرحيل ورفض النسيان

بعد عرضها لخريف وشتاء 2023 (أ.ف.ب)
بعد عرضها لخريف وشتاء 2023 (أ.ف.ب)
TT

مصممة «شانيل» السابقة... بين وجع الرحيل ورفض النسيان

بعد عرضها لخريف وشتاء 2023 (أ.ف.ب)
بعد عرضها لخريف وشتاء 2023 (أ.ف.ب)

هناك جروح لا تأتي من الفراق نفسه، وإنما من الطريقة التي يحدث بها الفراق وما يتركه من فراغ، عندما تنتهي علاقة عمرها سنوات في لحظة واحدة، ينتقل فيها الطرف الآخر إلى الصفحة التالية بسهولة وباحتفالية، بينما تبقى أنت عالقاً تبحث عن تفسير لكي تضع نقطة النهاية.

جُرح التخلي والإحساس بالفقد لا يخصان العلاقات العاطفية وحدها، بل يمكن أن يحدثا في العمل أيضاً. وربما يكونا أكثر قسوة عندما يكون هذا العمل هو الذي بنيت فيه جزءاً كبيراً من هويتك وحياتك. وهذا بالضبط ما تكشفه تجربة مصممة «شانيل» السابقة فيرجيني فيارد في كتاب بعنوان «نظرة: حياة في دار شانيل» Un regard: Une vie chez Chanel نشرته مؤخراً ليتزامن صدوره مع أسبوع باريس لربيع وصيف 2027.

فيرجيني فيار تحيي الحضور بعد انتهاء عرضها لربيع وصيف 2024 (أ.ف.ب)

فالمصممة التي قضت أكثر من ثلاثين عاماً في الدار الفرنسية، وعملت إلى جانب كارل لاغرفيلد لعقود، ثم أصبحت المديرة الإبداعية للدار بعد وفاته، تفتح للمرة الأولى تقريباً هذا الباب المغلق منذ خروجها في عام 2024: باب الألم.

فيار لا تتحدث في الكتاب عن الملابس والعروض والنجاحات والإخفاقات فقط، بل تفتح أيضاً الباب أمام مشاعر نادراً ما نراها خلف بريق عالم الموضة: غضبها وحزنها من الطريقة التي انتهت بها علاقتها بـ«شانيل»، والأكثر من ذلك، ألمها من شعورها بأن ما قدمته للدار لم يحظَ بالاعتراف الذي كانت تتوقعه.

لذلك، فإن كتابها Un regard: Une vie chez Chanel، ليس مجرد مذكرات عن الموضة، بل حكاية مصممة تحاول أن تستعيد مكانها في قصة أمضت أكثر من ثلاثة عقود في صناعتها. مصممة لا تحاول فقط أن تتذكر ما كان، بل أن تعرف أيضاً ماذا بقي منها بعد أن أغلقت «شانيل» الباب خلفها.

في الكتاب، كما في تصريحاتها الإعلامية، لا تتساءل لماذا تخلَت عني «شانيل»، بقدر ما تتساءل: كيف لا أُذكر، وكأنني لم أكن هناك أو أترك أثراً؟ وكيف يمكن أن تُطوى السنوات التي قضيتها فيها بهذه السهولة كما لم تكن؟.

ماذا فعل بها الرحيل؟

تؤكد فيارد في مقابلاتها التلفزيونية أنها متحدثة غير جيدة. فقد كانت دائماً تتجنَب الأضواء مفضلة أن تتحدث أعمالها عنها، ورغم ذلك نجحت إلى حد كبير في أن تنقل إلى المشاهد والقارئ، شيئاً من حزنها وألمها في كونها اختُزلت إلى مجرد «فاصل» في قصة «شانيل»، بين كارل لاغرفيلد وماثيو بلازي.

 

ظلت وفيَّة لأسلوبها الهادئ في كل تشكيلاتها (صورة أرشيفية)

دخلت المصممة «شانيل» عام 1986، وهي في الرابعة والعشرين من عمرها. ومنذ ذلك الوقت أصبحت جزءاً من الدار، وإن بقيت طويلاً بعيداً عن الأضواء. كانت المرأة التي تعمل خلف الكواليس، تعرف تفاصيل الملابس، وتتابع الحرفيين وفرق العمل، وتحوّل أفكار كارل لاغرفيلد إلى مجموعات حقيقية. كانت، كما تقول عن نفسها: «مترجمة جيدة جداً لأفكاره». وهنا تبدأ قصة علاقة طويلة ومعقدة مع لاغرفيلد.

كان هو الشخصية الطاغية، صاحب الحضور الإعلامي والشخصية الاستعراضية، بينما كانت هي أكثر تحفظاً وهدوءاً. أمضيا معاً عقوداً، كان فيها لاغرفيلد معلماً وصديقاً ورئيساً وشخصاً اكتشف موهبتها، لكنه كان أيضاً شخصية كبيرة إلى درجة جعلت من الصعب عليها أن تجد لنفسها مساحة مستقلة. ظلت في عيون متابعي الموضة تحت جلبابه حتى بعد وفاته.

تكتب فيارد في نهاية كتابها رسالة إلى لاغرفيلد، وتقول له: «ألومك قليلاً... لأنك كنت الوحيد الذي رآني حقاً». هذه الجملة ربما تلخص امتناناً عميقاً لرجل ساعدها على اكتشاف نفسها، وفي الوقت نفسه كان قربها منه بمثابة نقمة لأنه جعلها تعيش دائماً في ظله.

فبعد وفاته في عام 2019، أصبحت فيارد المديرة الإبداعية لـ«شانيل». لم يكن الأمر سهلاً. فهي لم ترث المنصب فقط؛ ورثت المقارنة معه. كان عليها أن تثبت قدرتها على قيادة «شانيل» من دون أن تحاول أن تكون كارل لاغرفيلد جديداً.

ظلت فيرجيني وفية لأسلوب الدار وتلعب على المضمون والجينات المتوارثة (إ.ب.أ)

جاء أسلوبها أكثر هدوءاً وأقل استعراضاً تركز فيه على الحرفية أكثر من خلال تصاميم يمكن أن تعيش معها المرأة لزمن طويل، ولا تعتمد على الإبهار الذي تصنعه عروض الأزياء الضخمة. وخلال خمس سنوات على رأس الدار، قدمت لحظات مهمة، من بينها عرض «متييه داغ» Métiers d’Art في داكار عام 2022، الذي تعتبره من أكثر أعمالها فخراً. وتُذكّر بأن الدار حققت خلال إدارتها نتائج تجارية قوية، حتى لو لم تلقَ مجموعاتها دائماً الترحيب نفسه في الصحافة وفي أوساط الموضة.

لكن تجربتها لم تكن خالية من الأخطاء. وهنا تبدو فيارد صريحة مع نفسها. فهي تعترف بأنها كانت شديدة التحفظ، وأنها لم تأخذ الوقت الكافي لاختيار «ذراع يمنى» يساعدها كما كانت هي مع كارل لاغرفيلد، ترى الآن أن ذلك جعلها أكثر هشاشة. كما تعترف بأن عرض مارسيليا في مايو 2024 لم يكن ناجحاً كما كانت تتمنى.

من عرضها على نهر السين لخريف وشتاء 2024 (صورة أرشيفية)

ثم جاء الخامس من يونيو 2024، حين أبلغها آلان فيرتهايمر، أحد مالكي «شانيل»، بأن العلاقة ستنتهي. لم تكن تتوقع القرار. ولم تحصل، بحسب روايتها، على تفسير واضح. وبعد الغداء وقعت الأوراق، ودَعت فريقها، وفي اليوم التالي وصلت صناديق أغراضها إلى منزلها. كان كل شيء سريعاً بشكل مؤلم.

وفي مقابلتها التلفزيونية الأخيرة مع برنامج Quotidien، التي عُرضت في 2 أكتوبر 2026، عادت فيارد إلى تلك اللحظة للمرة الأولى، عندما سُئلت عن سبب إقالتها، وردّت ببساطة إنها لم تحصل على تفسير شاف، وإنها حتى اليوم لا تعرف تماماً لماذا حدث ذلك. وأضافت أن هذا تحديداً أحد الأسباب التي دفعتها إلى تأليف الكتاب: «كنت أريد أن أفهم».

الأصعب، كما قالت، لم يكن فقط إنهاء العقد، وبأن الأمر كان سيصبح أقل إيلاماً لو قيل لها ببساطة: «انتهى الأمر، لكن السنوات التي قضيتها معنا كانت جميلة». فهذا بالنسبة إليها، كان سيجعل النهاية أكثر إنسانية.

رفض النسيان

ثم جاء الجرح الأكبر من الذاكرة عندما غادرت الدار، حيث شعرت أن اسمها بدأ يختفي من رواية تاريخ «شانيل». كان هناك غابرييل شانيل، ثم كارل لاغرفيلد، ثم ماثيو بلازي، أما هي فبدت وكأنها مجرد مرحلة انتقالية بين اسمين، أو حسب قولها «مجرد فاصل».

تقول في واحدة من أكثر العبارات حزناً في الكتاب، إنها عندما تنظر اليوم إلى مجموعاتها تتساءل كيف استطاعت أن تكون «قوية إلى هذا الحد وقليلة الحضور في الذاكرة الجماعية بهذا الشكل وكأن مجموعاتها عبرت العالم في صمت»، وكانت هي موجودة «خلف زجاج».


«كارولينا هيريرا» تستعيد البدايات في نيويورك

نقشة البولكا إحدى بصمات الدار ظهرت في الكثير من التصاميم وبألوان متنوعة (رويترز)
نقشة البولكا إحدى بصمات الدار ظهرت في الكثير من التصاميم وبألوان متنوعة (رويترز)
TT

«كارولينا هيريرا» تستعيد البدايات في نيويورك

نقشة البولكا إحدى بصمات الدار ظهرت في الكثير من التصاميم وبألوان متنوعة (رويترز)
نقشة البولكا إحدى بصمات الدار ظهرت في الكثير من التصاميم وبألوان متنوعة (رويترز)

لم تتغير صورة المرأة في عرض «كارولينا هيريرا لربيع وصيف 2027»؛ فهي لا تزال مفعمة بالأنوثة والجمال والفخامة. لم يتغير أيضاً مصدر إلهامها: نيويورك، المدينة التي قدمت فيها كارولينا هيريرا أول عرض لها في عام 1981.

تقول الدار في بيانها الصحافي إن المجموعة تعود إلى العالم الذي ابتكرته كارولينا في نيويورك عام 1981، من خلال لوحة ألوان تتباين بين الأسود والأبيض وأحمر هيريرا والأصفر المستوحى من لون سيّارات الأجرة في نيويورك، كما تستمدّ بعض تفاصيلها الأخرى، الوحي من بسكويت نيويورك الشهير بلونيه الأسود والأبيض.

الأصفر المستوحى من لون سيّارات الأجرة في نيويورك سيحضر بقوة في الموسم المقبل (كارولينا هيريرا)

يستمد هذا العالم أيضاً إلهامه من أيقونات موضة أسهمن في رسم ملامحه، مثل سي. زي. غِست، سيدة مجتمع معروفة في نيويورك، وديانا فريلاند، التي ترأست مجلة «فوغ» الأميركية و«هاربر بازار» سابقاً، ولي رادزويل، الشقيقة الصغرى لجاكلين كينيدي أوناسيس. وفي هذا السياق، يقول غوردون ويس، مصمم الدار الحالي: «أردتُ أن أتخيّل كيف تبدو تلك المرأة الراقية اليوم». ترجم هذه الفكرة في أزياء تغطي احتياجات امرأة لا تقبل التنازل عن الأناقة في كل مكان وزمان.

تباينت اقتراحات الدار بين أزياء للنهار وأخرى للمساء والسهرة (كارولينا هيريرا)

فهذه المرأة دائمة الحركة؛ قد تتنزه في بارك أفينيو أو تُلبِي دعوة غذاء، أو تضطر للركض لتستوقف سيّارة أجرة للحاق باجتماع عمل، وبالتالي تحتاج لكل هذه التحركات أزياء مناسبة.

لبَى غوردون ويس هذه الرغبات أو المتطلبات، واقترح مجموعة تنتقل من النهار إلى المساء بانسيابية وفخامة، من خلال سترات ذات قصّات طويلة، وتنانير واسعة وفساتين مستقيمة ومرنة في الوقت نفسه. تعتمد للنهار على أقمشة التويد والبوبلين القطني والغاباردين والدنيم للنهار، وللمساء والسهرة على الشيفون والأورغانزا والدانتيل المعدني وقماش الغزار.

تعود الدار إلى القيم التي رسمت هويّة الدار منذ انطلاقتها في عام 1981 (كارولينا هيريرا)

وبما أن مصمم الدار، غوردن ويس، لا يعترف بالحلول الوسطى، ويعشق الألوان الصارخة والنقشات الواضحة، فإن المجموعة طرحت أزياء كثيرة بنقشات البولكا، إحدى بصمات الدار، بألوان متنوعة طالت الإكسسوارات أيضاً، إلى جانب أخرى متفتحة بالورود والأزهار.

شراكات استثنائية

بورتريه السيدة هيريرا من توقيع آندي وارهول (كارولينا هيريرا)

وتروي المجموعة حكاية هيريرا مع نيويورك عبر ثلاث شراكات، تستحضر كلّ منها محطّة من تاريخ الدار في المدينة.

في الأولى، تتعاون مع مؤسسة آندي وارهول للفنون البصرية لتقديم بورتريه للسيدة هيريرا من توقيع آندي وارهول. وتظهر الصورة، التي يُرخَّص استخدامها للمرّة الأولى، على مجموعة مختارة من القطع، من بينها فستان قصير مطرّز وحقيبة «جاكلين». ويستحضر البورتريه الصداقة التي جمعت وارهول بالسيدة هيريرا والعالم الإبداعي الذي جمعهما في نيويورك.

تُجسّد مجلّة «ذي نيويوركر» جانباً آخر من هويّة نيويورك الثقافية (كارولينا هيريرا)

في الثانية، تُجسّد مجلّة «ذي نيويوركر» جانباً آخر من هويّة نيويورك الثقافية. وفي إطار هذه الشراكة، يُعيد فستان وقطع منفصلة أخرى مطرّزة، إحياء غلاف العدد الذي وصل إلى أكشاك الصحف في 27 أبريل (نيسان) 1981، وهو اليوم نفسه الذي قدّمت فيه كارولينا هيريرا أوّل عرض أزياء لها في نادي متروبوليتان. رسمت الفنانة لوني سو جونسون الغلاف الأصلي، فيما أعاد مشغل هيريرا تجسيد أفق مانهاتن الظاهر فيه بالتطريز اليدوي.

تطريزات غنية مستوحاة من علاقة الدار بشركة «تافين» للمجوهرات (كارولينا هيريرا)

أمّا الشراكة الثالثة، فتجمع كارولينا هيريرا بدار المجوهرات الراقية Taffin، التي أسّسها «جايمس دي جيفنشي». وتعود الحكاية إلى عنوان جمع الدارَين يوماً: 954 ماديسون أفينيو. فقد كان المبنى يحتضن متجراً لـ«جيفنشي»، ثم افتتحت «تافين» أول صالة عرض لها في طابقه الثالث. وحين استحوذت كارولينا هيريرا على المبنى لاحقاً، بقيت «تافين» فيه لسنوات عدّة، كذلك العلاقة التي تربطهما ببعض.