«المسرح العظيم للحضارات»... معرض يربط الماضي بالمستقبل

لقاء الموضة والفن بين «فندي» والفنان أرنالدو بومودورو

TT

«المسرح العظيم للحضارات»... معرض يربط الماضي بالمستقبل

منحوتة Movimento in piena aria e nel profondo تُجسِد منحنى مزدوج يشير إلى المساحات السماوية والأرضية الكبيرة (فندي)
منحوتة Movimento in piena aria e nel profondo تُجسِد منحنى مزدوج يشير إلى المساحات السماوية والأرضية الكبيرة (فندي)

منذ زمن، عاهدت دار «فندي» الإيطالية نفسها ومدينة روما أن تفتح أبواب مقرها الرئيسي «قصر بالازو ديلا سيفيلتا إيطاليانا» للفن والفنانين. وظلت وفية للعهد. استقبلت في عام 2017 أعمال الفنان جيسوبي بينوني، الذي ينتمي إلى حركة آرتي بوفيرا - «الفن الفقير» التي ظهرت في ستينات القرن الماضي، وفي عام 2020 وخلال الجائحة، نظمت حفلاً موسيقياً في الهواء الطلق بالتعاون مع «أكاديمية سانتا تشيشيليا الوطنية»، التي تأسست في 1585.

ومؤخرا حوَلت مقرها إلى متحف فني مفتوح للعامة تستعرض فيه أعمال الإيطالي المخضرم أرنالدو بومودورو. فنان تربطها به علاقة تعود إلى عام 2013 عندما حوّلت مساحة كان يشغلها الفنان لعرض أعماله في شارع سولاري Via Solari من 2005 إلى 2012 إلى مقرها الرئيسي في ميلانو.

كانت صفقة ودية وسلسة تم الاتفاق بموجبها أن يبقى واحد من أهم أعمال الفنان Ingresso nel Labirinto (مدخل المتاهة) مُتاحاً لكل من يرغب في الاستمتاع برؤيته. بل خصصت له «فندي» مدخلاً خاصاً.

يظهر «قصر بالازو ديلا سيفيلتا إيطاليانا» مهيباً بطوابقه الستة وارتفاعه عن مستوى الأرض، كذلك بنوافذه العالية وأقواسه المتعددة التي يحتضن بعضها تماثيل تجسد شخصيات أسطورية (فندي)

المعرض الذي تحتضنه هذه الأيام وإلى الأول من شهر أكتوبر المقبل، يحمل عنوان «المسرح العظيم للحضارات»، يُسلط الضوء على علاقة فنان اشتهر بقدرته الجريئة على دمج شتى أنواع الفنون المرئية والمسرحية واستعمال المواد الغريبة بأشكال ثلاثية الأبعاد ليُصبغ عليها مفهوماً حداثياً ومستقبلياً.

ونظراً لخصوبة بومودورو الإنتاجية، فقد ارتأى المعرض التركيز هنا على مسيرته من أواخر الخمسينات إلى اليوم، ليأتي على شكل سيرة ذاتية تحكيها 30 قطعة من منحوتاته البرونزية والطبشورية والوثائق والصور.

تجدر الإشارة إلى أن اختيار عنوان المعرض لم يكن اعتباطاً. فهو يشير إلى تلك العلاقة الحميمة التي تربط أعمال بومودورو بالمسرح كما بحضارات متنوعة، منها القديم ومنها الجديد الذي يصوغه غالباً من خياله الخصب أو يستعيره من التاريخ والأساطير اليونانية القديمة. وحتى يُضفي عليها رؤيته الخاصة يُدخل عليها التقنيات الحرفية الأفريقية والآسيوية التقليدية.

عمل أبدعه بومودورو في عام 1983 بعنوان Agamennone (تصوير: فاكلاف سيدي)

حتى رحلة اكتشاف المعرض تبدأ بحبكة مسرحية تتجلى عن بُعد، حيث يظهر «قصر بالازو ديلا سيفيلتا إيطاليانا» مهيباً بطوابقه الستة وارتفاعه عن مستوى الأرض، كذلك بواجهته اللافتة. فالنوافذ عالية والأقواس متعددة يحتضن بعضها تماثيل تجسد شخصيات أسطورية.

عندما تتسلق السلالم المتعددة وتصل إلى الساحة الخارجية، تتضح أحجام وتفاصيل لأربع منحوتات تتناقض بلونها البرونزي وأنماطها الهندسية والميكانيكية الحداثية مع لون المبنى الأبيض المائل إلى الرمادي الخفيف. رغم هذا التناقض تشعر بأن كل واحد منها اختيرت عن قصد لتتماهى مع المكان وتربط الماضي بالحاضر.

أحد الأعمال التي تستقبلك لدى وصولك إلى ساحة المبنى وتستحضر آلات ابتُكرت خصيصاً لسلسلة العروض المسرحية المستوحاة من أوريستيا لإيسخيلوس للفنان إيميليو إيسغرو (فندي)

يشرح أمين المعرض أندريا فيلياني: «من البداية أخذنا بعين الاعتبار المكان ومحيطه وتاريخه. انطلقنا من فكرة تصورنا فيها أن هذه القطع كانت جزءا من المبنى. ولأنه يحتوي أساسا على أعمال فنية وتماثيل، كان علينا أن نختار كل قطعة بدقة متناهية حتى تتناغم مع روح المكان».

عندما أسأل أندريا عما يجمع نحات وفنان مثل أرنالدو بومودورو ودار أزياء مثل «فندي»؟ يجيبني: «ثلاثة أشياء: الحرفية والمواد الطبيعية والحركة».

قد تختلف الأدوات بحيث يعتمد الفنان على الغرانيت والحجر الجيري وغيره من مواد النحت، بينما تعتمد «فندي» على الحرير والموسلين والفرو، «لكن النتيجة واحدة، وهي الحصول على قطع فنية مصنوعة بحرفية عالية وخفة تُخفي بداخلها وبين جوانبها تفاصيل دقيقة».

«روتاتيفا دي بابيلون» يتميز بشكل دائري يشير إلى فكرة الحركة الدورية والمستمرة التي تحدث في الزمان والمكان (فندي)

تلتقط كارلوتا مونتيبيلو المدير العام لمؤسسة أرنالدو بومودورو Fondazione Arnaldo Pomodoro طرف الحديث لتشير إلى أن الحركة يمكن أن تكون أكثر ما يربط أرنالدو وفندي في هذا الصدد. فـ«كل قطعة في المعرض تتميز بالحركة، مثل الزي الذي استعمل فيه بومودورو الرافيا بسخاء وابتكره لعرض مسرحي في عام 1983». وتستطرد أن أهمية هذا التعاون تكمن في أن «الموضة والفن يساهمان معا في تحديد الذوق وقراءة تطورات العصر وتسجيلها... كل بأدواته الخاصة. كما أنهما يتقاسمان تلك الرغبة في التجديد وخلق التوازن بين النسب، وطبعاً تحريك العاطفة وإحداث عنصر المفاجأة».

علاقة أرنالدو بومودورو بـ«فندي»، أو بالأحرى بالموضة عموماً ليست غريبة كما قد نتصور. فالمتتبع لتاريخ الفنان يكتشف علاقات وطيدة ربطته مع مصممي أزياء من أمثال كارلا فندي والراحل جياني فرساتشي وغيرهما. في عام 1989 مثلاً، وعندما طُلب منه تصميم أزياء مسرحية «كليوباترا» كان فرساتشي هو من ترجم رسماته من الورق إلى ملابس. يُعلق أندريا: «لا يمكن أن نتجاهل التداخل القوي بين الفن وتصميم الأزياء. كلما تمعنا فيهما وفهمنا عناصرهما يتضح لنا تداخلهما مع بعض والقواسم المشتركة بينهما. هناك دائماً عُمق سواء في استعمال الألوان أو الخامات والأشكال».

زي صممه الفنان لمسرحية «تراجيديا ديدو، ملكة قرطاج» في عام 1986 من الرافيا والبرونز ومواد أخرى (بيترو كاريري)

يتعزز هذا الإحساس بعد دخول البهو. هنا يتقابل على الجانبين عملين صممهما الفنان من الرافيا والنسيج ومواد نحت أخرى. واحد منهما كان جزءا من ملابس مسرحية «ديدو ملكة قرطاج» والثاني من أوبرا «أوديب الملك» لإيغور سترافينسكي. يُدخلك المنظر تلقائيا في حوار ممتع عن ماهية علاقة دار أزياء رومانية عريقة وفنان إيطالي مشهود له بوفرة الإنتاج والعطاء. فأرنالدو البالغ من العمر 96 هذا العام يوجد له حوالي 230 عمل فني في عواصم متناثرة من العالم بما في ذلك مدينة جدة بالسعودية.

وتشير كارلوتا مونتيبيلو أن هذه العلاقة أو بالأحرى الحوار الفني بين بومودورو و«فندي» بتجلى في كل عمل والمكان الذي وُضع فيه. فالقطع الأربع التي احتلت أركان الساحة الخارجية مثلا صاغها لمسرحية «أوريستيا - ثلاثية أسخيلوس» للمسرحي إيميليو إيسغرو في عام 1983. رغم حجمها الكبير تتميز بوزن خفيف لا يُعيق الحركة. وربما هذا ما يربطها بالموضة، ولو بخيوط رفيعة جداً.

إضافة إلى المنحوتات الأربع التي تستقبل الزائر ببهو المبنى، هناك العشرات من المنحوتات بالداخل، حوالي 30 في المجموع. كلها تستهدف تسليط الضوء على مسيرة غنية للفنان التسعيني. تُخبرني كارلوتا أنه إلى جانب تصميمه ملابس للمسرح صمم قطع مجوهرات. كما وضع بصماته على حقيبة «بيكابو» الأيقونية لدار «فندي». أخرجها من الوظيفي والعملي إلى الفني. فالمكان الأنسب لهذه القطعة بشكلها الفريد هو المتاحف.

الفنان أرنالدو بومودورو مع حقيبة Peekaboo التي ابتكرتها سيلفيا فنتوريني فندي عام 2008 وأضفى عليها هو تفاصيل أخرجتها من العملي إلى الفني (داريو وكارلوس تيتامانزي)

تخرج من المعرض وإحساس عميق بأنك قد شاهدت مسرحية متكاملة بطلها فنان تسعيني يتمتع بروح شابة ورؤية جريئة. أحداثها تقع في الحاضر حينا، وفي عوالم من الخيال تتأرجح بين الماضي والمستقبل أغلب الأحيان. لكن الجميل في كل هذا أن البطل له خيال خصب تجلى في أعمال تحولت إلى معالم ورموز ثقافية تُزين السفارات والفنادق وأيضا الساحات، وكأنه يريدنا أن نتنفَس الفن اينما توجهنا.


مقالات ذات صلة

صراع المعايير بين الموضة والإعلام...من يفرض صورة المرأة المثالية؟

خاص النجمة ديمي مور في حفل «فانيتي فير» الأخير بوجه نحتته إجراءات تجميلية وجسد نحيل (أ.ف.ب)

صراع المعايير بين الموضة والإعلام...من يفرض صورة المرأة المثالية؟

لا تزال المرأة ضحية معايير محددة للجمال تلعب فيها الإعلانات وأحياناً صناعة الترفيه والموضة دوراً محورياً يترك أثره في اللاوعي الفردي والجمعي على حد سواء

جميلة حلفيشي (لندن)
يوميات الشرق بعض من دمى باربي المصابات بحالات جسدية خاصة (شركة ماتيل)

بيت «باربي» يتّسع للجميع... دمية مصابة بالتوحّد تنضمّ إلى رفاقها من ذوي الاحتياجات الخاصة

باربي لا تسمع، وثانية لا تمشي، وأخرى لا ترى... الدمية الأشهر تكسر صورتها النمطية... الجمال ليس محصوراً بالشعر الأشقر والعينين الزرقاوين والجسد النحيل.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق تاجٌ يلمع فوق العاصفة (إ.ب.أ)

بعد انسحاب وتضامن نسوي... فاطمة بوش ملكة جمال الكون 2025

هذا الحادث، رغم طابعه العابر في سياق المسابقة، فتح نقاشاً واسعاً حول الضغوط التي تُواجهها المُشاركات...

«الشرق الأوسط» (بانكوك)
يوميات الشرق مرآة لعراقة التقاليد واعتزاز الأجيال بخرافها الفاخرة (أ.ب)

الخراف... أيقونات جمال في السنغال

تُجسِّد هذه الخراف الفخمة الفخر والمكانة الاجتماعية، وتُستَعرض أحجامها الضخمة ووجوهها البارزة وقرونها المقوّسة وبشرتها المصقولة بكل وضوح مع حلول المساء.

«الشرق الأوسط» (داكار)
لمسات الموضة ديمي مور وجين فوندا في حفل توزيع جائزة نقابة ممثلي الشاشة (رويترز)

ديمي مور وجين فوندا... قصة إدمان على التجميل كلّلها «الزمن» بالنجاح

اللقطة التي جمعت ديمي مور وجين فوندا، تؤكد أنه برغم فارق 25 سنة بينهما، فإن ما يجمعهما أكبر من مجرد رقم. هوسهما في مرحلة من حياتهما بالتجميل أمر معروف ومسجل.

«الشرق الأوسط» (لندن)

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

ثماني سنوات مرَت على أوَل زيارة قامت بها دوقة ساسيكس ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري إلى أستراليا، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة من ناحية الصورة وليس الأحداث. فهذه حملت تحوَّلات كبيرة غيَّرت وجه المؤسسة الملكية إلى حد ما، لكن الصور الأولى لتلك الزيارة بقيت حاضرة بوصفها مرجعاً يقارن به الماضي بالحاضر. فرغم ما رافق الزيارة الحالية من انتقادات وجدل بعد الإعلان عنها رسمياً قبل نحو شهر تقريباً، فإن الصور المتداولة بمجرد أن حطّت بهما الطائرة، تُخلّف الانطباع أن الثنائي لا يبدو منشغلاً بضجيج التعليقات على السوشيال ميديا. فقد بدت ميغان أكثر تألقاً ببشرة نضرة وماكياج ناجح أضفى عليها ألقاً. وطبعاً، كان من الصعب فصل الحدث عن تفاصيل إطلالاتها.

8 سنوات مرت على الزيارة الأولى تغيَّرت فيها أشياء كثيرة ولم تتغيَّر المصممة (أ.ف.ب + موقع كارين جي)

كانت لافتة عودتها إلى المصممة الأسترالية كارين جي التي سبق أن ظهرت بأحد تصاميمها خلال زيارة عام 2018: فستان أبيض بتصميم مستقيم. أجمل ما كان فيه بساطته وأناقته الهادئة.

هذه المرة ولدى وصولها إلى ملبورن، اختارت فستاناً كحلياً يحمل اسم «بريسيلا». يتميّز بياقة دائرية تحيط بالعنق وحزام رفيع يحدد الخصر، مستوحاة بشكل غير مباشر من روح «النيولوك» لكريستيان ديور لكن بأسلوب معاصر يناسب الأيام العادية. كسّرت المصممة عمق لونه بستة أزرار ذهبية عند الصدر ألغت الحاجة إلى قلادة أو سلاسل. كل ما في الفستان يحمل السمات التي تميل إليها ميغان، وهي اللون الأحادي والخطوط الواضحة والبسيطة التي تناسب مقاييس جسدها المعقّدة. نسّقت الإطلالة بحذاء من «ديور».

ميغان ماركل والأمير هاري في ظهورهما الثاني في أستراليا (إ.ب.أ)

في الظهور الثاني لها، خلال زيارتها لمتحف الفنون الوطني للمحاربين القدامى في ملبورن، كانت أكثر جُرأة نسبياً، عبر سترة من السويد باللون الكاكي، وتنورة مستقيمة طويلة من نفس خامة ولون السترة من العلامة الأسترالية «سانت أغني» مع كنزة بلون الموكا من علامة «بي جونسون». كانت رسالة تؤكد فيها استمرار استخدام علامات أسترالية ضمن الجولة كنوع من البروتوكول الرمزي.

اختيار كارين جي للمرة الثانية نقطة تستحق التوقف. أوَّل تفسير يتبادر للذهن أن المصممة التي يوجد مقرها في سيدني، لا تُقدّم أزياء موسمية بقدر ما تركّز على ملابس عملية يمكن ارتداؤها في أكثر من مناسبة. إضافة إلى هذا، فإنها بنت سمعتها على أسلوب مضمون «يمكن الاعتماد عليه في كل زمان أو مكان» وفق وصفها، وهي فلسفة ترتكز على الاستدامة أكثر من الصرعات الموسمية العابرة، سواء من ناحية الألوان أو الخطوط البسيطة والهادئة.

صور ميغان ماركل تشير إلى استمرارية رمزية وكأن خروجها من المؤسسة الملكية لم يكن (رويترز)

هذا التوجه نحو المضمون يخدم صورة ميغان التي تزعزت في السنوات الأخيرة. وبينما كان ظهورها بالفستان الأبيض عام 2018 كفيلاً بتسليط الضوء على مصممته كارين جي عالمياً؛ نظراً لمكانتها آنذاك ضمن المنظومة الملكية، فإن عودتها إليها اليوم، يتقاطع مع ما صرّحت به في مقابلة سابقة عن وعيها بتأثير كل ظهور علني لها. قالت إنها تُدرك تماماً أن كل صغيرة وكبيرة تخضع للتمحيص والتحليل؛ الأمر الذي يدفعها لتوجيه هذا التأثير بشكل إيجابي، إما لدعم مصممين صاعدين تُؤمن بمساراتهم، أو تربطها بهم علاقات شخصية.

لا تزال ميغان تتعامل مع جولاتها وكأنها رسمية يجب أن تخضع لبروتوكولات الأناقة (أ.ب)

بيد أن هناك أيضاً عامل الاستمرارية، وكأن دوقة ساسيكس تريد أن تقول إن مكانتها محفوظة، وبأن الحاضر ما هو إلا امتداد للأمس. على الأقل من ناحية تأثيرها الذي تراه لا يزال قوِياً، حتى بعد تمرّدها على المؤسسة الملكية البريطانية وخروجها منها في 2020. حينها كانت دوقة جديدة، تتمتع بشعبية كبيرة، إلى حد أن جولتها فيها، كانت ناجحة بدرجة لافتة مقارنة ببقية أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم كاثرين ميدلتون وزوجها الأمير ويليام. حينها كانت إطلالات ميغان تُقرأ ضمن إطار البروتوكول الملكي، واليوم يبدو أنها تعتمد الأسلوب نفسه تقريباً لفرض نفسها، أو على الأقل التذكير بمكانتها.


درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
TT

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)

«لوروبيانا»، «زينيا»، «برونيلو كوتشينيلي» و«هوكرتي» وغيرها من بيوت الأزياء، اتجهت هذا الموسم نحو لوحة فنية مستوحاة من التراب والرمل والذهب، في رسالة واضحة: أناقة هادئة تحلّ محل خزانة كانت، حتى عهد قريب، أسيرة ألوان كلاسيكية داكنة.

في مجموعة «لورو بيانا» لربيع - صيف 2026، مثلاً يبرز اللون كخيطٍ يربطها بقصر تشيتيريو في ميلانو، المكان الذي اختير لتصويرها وتقديمها. لم يكن اختيار الدار الإيطالية عشوائياً؛ فإلى جانب ما يزخر به من أعمال فنية، شكَّل خلفية مناسبة للتدرجات اللونية التي سادت مجموعة مستلهَمة من بساطة فنون «المينيماليزم» و«آرت بوفيري»، وكل ما يحتفي بما هو طبيعي كقيمة جمالية. وهكذا جاءت التوليفات اللونية غنية بالدرجات الترابية والرملية الذهبية المشرقة، إلى جانب درجات باستيلية أخرى.

فدرجات التراب والرمل والذهب، كما تؤكد عروض الأزياء، لها سحر خاص، لأنها ليست لوناً واحداً، بل عشرات الاحتمالات، يتغيَّر كل واحد منها حسب النسيج والكثافة وطريقة الانسدال على الجسد، مما يُدخلها خانة السهل الممتنع. فتنسيقها مع ألوان أخرى، حتى وإن كانت صارخة، لا ينتقص من جمالها، كما يمكن اعتماد تدرّجاتها ضمن إطلالة موحدة من الرأس إلى أخمص القدم.

من اقتراحات دار «لورو بيانا» لربيع وصيف 2026 (لورو بيانا)

«برونيلو كوتشينيلي» و«زينيا» و«سان لوران» و«هوكرتي» هي الأخرى تفننت هذا الموسم في توظيف هذه الدرجات، مستهدفةً رجلاً أنيقاً يسعى للانطلاق والتحرُّر من أي قيود قد تحدّ من خياراته؛ فهدوء الألوان لم يقتصر على اللوحة البصرية فحسب، بل امتدّ إلى التصاميم أيضاً، حيث تم تنعيم الأكتاف والتخفيف من سماكة ووزن السترات، بالاستغناء أحياناً عن التبطين. وهكذا تكتسب في الصيف خفة تتنفس عبر خيوط الكتان والقطن، وفي الشتاء عمقاً ودفئاً، حين تُنسج بالصوف والكشمير.

بداية التسلل

من الصعب تحديد الموسم الذي اقتحمت فيه الألوان الترابية والحيادية خزانة الرجل، لأن الأمر لم يكن انقلاباً مفاجئاً، بقدر ما كان تسللاً تدريجياً. لكن يمكن تعقُبه إلى السبعينات، وتحديداً بعد فيلم «ذي أميركان جيغولو» الذي تألق فيه النجم ريتشارد غير بتصاميم الراحل من جيورجيو أرماني. كان هذا بداية التغيُّر الواضح. ولا يزال أرماني يُعدّ أكثر مصمم منح هذه الدرجات شعبيتها، وأدخلها خزانة الرجل لتُصبح مع الوقت منافساً قوياً للألوان التقليدية، مثل الكُحلي والرمادي والأسود والأزرق. هذا لا يعني أن هذه الدرجات اختفت تماماً؛ فقد كانت ولا تزال بالنسبة لدار «جيورجيو أرماني»، كما لشريحة كبيرة من الرجال، عنواناً للأناقة الجدية وترمز للانضباط في أماكن العمل والمناسبات المهمة.

من اقتراحات دار «سان لوران» لربيع وصيف 2026 (سان لوران)

كل ما في الأمر أن العالم الذي روَّج لتلك الألوان لم يعد قائماً بالكامل؛ فمنذ جائحة «كورونا»، تلاشت الحدود بين العمل والحياة، وبين الرسمي واليومي، وبدأت علاقة جديدة بين الرجل ومظهره تراجعت فيها الألوان القاتمة لصالح درجات الرملي والزيتوني والوردي المطفي والأصفر المستردي وما شابه من ألوان باستيلية وجدت صدى طيباً في أوساط الشباب من متابعي الموضة، لا سيما أن بيوت أزياء مهمة، مثل «سان لوران» و«جيورجيو أرماني» قدمتها بأشكال أنيقة وجذابة.

الألوان ترابية والقصات إيطالية

بيد أنها لدى بعض بيوت الأزياء تبدو أقوى من ناحية الاستمرارية والكثافة. مجموعات «لورو بيانا» أكبر دليل على هذا؛ إذ تبدو فيها هذه الدرجات أكثر حضوراً ومصداقية، كونها جزءاً من هوية الدار الإيطالية، تعود إليها في كل موسم على أساس أنها امتداد للطبيعة، كونها غالباً ما تكون مستمَدّة من الصوف غير المدبوغ، ومن الحجر والجدران والصنوبر والضوء.

أسلوب الطبقات والأقمشة المبتكرة كان لها حضور قوي في هذه التشكيلة إلى جانب الألوان الترابية والرملية(زينيا)

بيد أن سحر هذه الألوان مسّ معظم بيوت الأزياء التي تُعتبر وجهة الرجل الذي يتوخى أناقة تشي بالوجاهة والتفرد، مثل «زينيا». مجموعتها الأخيرة لربيع وصيف 2026 تتمتع ببُعد حيوي استُخدِمت فيه هذه الألوان كخيار جمالي وسردي لتحكي قصتها التاريخية مع الفخامة الهادئة من جهة، ومع تقنيات تطوير الأقمشة التي لا تتوقف عن البحث من جهة أخرى. في سعيها لمنح الرجل حرية وخفة، اعتمدت على تفكيك كل قطعة من تفاصيلها الكلاسيكية وإعادة صياغتها بأسلوب يجمع الكاجوال بالكلاسيكي؛ إذ خفّف مديرها الإبداعي، أليساندرو سارتوري، من سُمك ووزن الأقمشة، وجعل الخطوط أكثر انسيابية، كما جعل الأكتاف أقل صرامة تنسدل قليلاً عن الخط المرسوم لها تقليدياً، والجيوب واضحة وكبيرة. الجلود أيضاً اكتسبت خفة غير مسبوقة توازي خفة الحرير. أما الحرير فتجسَّد في بدلة متكاملة بوزن لا يتجاوز 300 غرام.

في دبي حيث عُرِضت هذه المجموعة، أكّد المصمم سارتوري أن هذه الألوان ليست جديدة على الدار أو وليدة موسم بعينه «بل شكَلت دائماً جزءاً أصيلاً من هويتها»، مستشهداً بتشكيلات سابقة. وأضاف أن الجديد في هذه المجموعة يكمن في التصاميم والتفاصيل التي أضفت عليها بُعداً أكثر تحرراً وانطلاقاً.

من مجموعة «برونيلو كوتشنيللي» ربيع وصيف 2026 (برونيلو كوتشينلي)

منتعشة صيفاً... دافئة شتاء

هذه الخفة، إلى جانب الخطوط الانسيابية والابتعاد عن التكلُّف، كانت أيضاً سمة من سمات مجموعة «برونيلو كوتشينلي»، كما يشير عنوانها: «ملامح الضوء». ركَّزت في تصاميمها على التباين والانسجام بين القطع، حيث جاءت سترات «بلايزر» بقصات أطول بقليل من المعتاد، والسراويل منسدلة بنعومة بفضل طيات خفيفة تحت منطقة الحزام. للمساء، اقترحت سترات بياقات تأخذ شكل شال، نسقتها مع كنزات دُمج فيها الحرير بالقطن. غني عن القول إن الألوان جاءت بدرجات ترابية تنبض بصمت. حتى درجات البرتقالي والمشمشي والأزرق الملكي والمرجاني اكتسبت هدوءاً مهيباً، في حضرة الأبيض والدرجات الحيادية الأخرى.

من تصاميم «هوكرتي»..يختار الرجل كل التفاصيل بنفسه من ألوان القماش إلى نوعية الأزرار وشكل الجيوب والياقات (هوكرتي)

لم تخرج علامة «هوكرتي» عن السرب، واعتمدت بدورها على الألوان الهادئة، مؤكدة أن ألوان الطبيعة لا تتعارض مع حياة الرجل في المدن الصاخبة. في مجموعتها الأخيرة، اختارت لها «إيرث أند باستيل» أي الأرض والباستيل، عنواناً، للدلالة على تلك العلاقة الحميمة بين الرجل عموماً والأرض.

ما تجدر الإشارة إليه أن «هوكرتي» ليست كباقي بيوت الأزياء التي تقترح في كل موسم ملابس جاهزة؛ فهي أقرب إلى خياطي «سافيل رو» اللندني، لكن بروح وأدوات عصرية وأسعار مقدور عليها؛ فكل قطعة تقترحها يمكن تفصيلها على المقاس، ولا يحتاج صاحبها سوى إلى إدخال معلومات بسيطة على موقعها الإلكتروني، واتباع تعليمات سهلة وبسيطة، تبدأ باختيار القماش ونوعية الأزرار وألوان الخيوط وعدد الجيوب وشكل الياقة وما شابه من تفاصيل، قبل إدخال مقاساته. وهكذا يتحكم صاحبها في كل غرزة وتفصيلة من دون أن يخرج من بيته. بعد أسبوعين أو ثلاثة، تصل إليه القطعة وقد فُصِّلت خصيصاً له على يد خياط بمهارة خياط من خياطي شارع النخبة، «سافيل رو».


سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
TT

سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)

اختُتمت فعاليات معرض كوزموبروف وورلدوايد بولونيا 2026، مؤكدة أن صناعة الجمال ستظل صامدة ومُشرقة حتى في أكلح أيام الركود. فالحاجة إلى طمأنة النفس والرفع من معنوياتها، تُصبح أكثر إلحاحاً في أوقات الانكماش الاقتصادي وعدم اليقين السياسي، بحيث قد لا تحتاج سوى لأحمر شفاه أو قصة شعر مختلفة. المصمم الراحل إيف سان لوران كان له أيضاً رأي في هذا الصدد حين قال: «أجمل ماكياج للمرأة هو الحب، لكن الحصول على مستحضرات تجميل أسهل بكثير».

حضور مكثف هذا العام في المعرض (كوزموبروف)

نسخة هذا العام من المعرض اجتهدت في ترسيخ هذا الأمر بوصفه حقيقة، بالأرقام والدلائل، التي أثبتت أن قطاع الجمال والتجميل، واحد من أكثر القطاعات ديناميكية في صناعة الترف. كل التوقعات تشير إلى أنه يشهد نمواً يُثلج الصدر على المستوى العالمي، من 635.2 مليار دولار في 2025 إلى 678.3 مليار دولار في 2026، على أن يصل إلى 826.1 مليار دولار بحلول 2029.

دور الشرق الأوسط

قطاع الجمال والتجميل أثبت صموده في وجه الأزمات (أستيري)

ولم تنس الفعالية أن تُبرز مكانة الشرق الأوسط باعتباره قوة دخلت هذه الصناعة بكل قوتها، وكيف أنه تجاوز دوره كونه سوقاً استهلاكية إلى منتج فعال. فهو يبرز حالياً بوصفه مركزاً يسهم في توجيه استراتيجيات التوزيع وتطوير المنتجات وصياغة توجهات المستهلكين على المستوى العالمي. هذا عدا عن ظهور علامات ناجحة لمؤسسات سعوديات مثل سارة الراشد، مؤسسة علامة «أستيري» ويارا النملة مؤسسة علامة «مون غلايز»، إضافة إلى مبدعات وسيدات أعمال أخريات مثل هدى قطان وشقيقتها منى قطان وغيرها من العلامات التي تخطت الحدود العربية للعالمية.

علامات سعودية مثل «أستيري» لمؤسستها سارة الراشد تُطوِر نفسها ومنتجاتها دون توقف (أستيري)

من هذا المنظور، ليس غريباً أن يُسجل المعرض هذا العام ارتفاعاً بنسبة 23 في المائة في مستويات الاهتمام من المنطقة، تجسّدت في مشاركة 33 جناحاً وطنياً، من بينها مشاركات جديدة تقودها المملكة العربية السعودية، في مؤشر يعكس مكانتها المتصاعدة ضمن مشهد الجمال العالمي.

هذا التنامي، جعل النقاشات في هذه الدورة، تُخصص حيِزاً كبيراً للأسواق الإقليمية عموماً، والشرق الأوسط خصوصاً، لتسليط الضوء على دورها في التأثير، وكيف ساهمت في تطوير علامات تجارية وتموضعها وتوسعها عالمياً.

هناك تزايد وإقبال كبير على مستحضرات العناية بالبشرة (أستيري)

منتجات العناية بالبشرة تتصدر المشهد العالمي باعتبارها أكبر فئة، مع توقعات بتجاوز 198 مليار دولار بحلول 2028، فيما تُعد العطور من أسرع الفئات نمواً بنسبة 9.2 في المائة بين 2025 و2026، تليها مستحضرات الماكياج بنسبة 6.8 في المائة، ومنتجات الوقاية من الشمس بنسبة 7.8 في المائة. كذلك يتوقع أن تتجاوز سوق العناية بالشعر 116 مليار دولار بحلول 2028 بمعدل نمو 6.6 في المائة، فيما ينمو قطاع العناية الرجالية بنسبة 7.1 في المائة.