«المسرح العظيم للحضارات»... معرض يربط الماضي بالمستقبل

لقاء الموضة والفن بين «فندي» والفنان أرنالدو بومودورو

TT

«المسرح العظيم للحضارات»... معرض يربط الماضي بالمستقبل

منحوتة Movimento in piena aria e nel profondo تُجسِد منحنى مزدوج يشير إلى المساحات السماوية والأرضية الكبيرة (فندي)
منحوتة Movimento in piena aria e nel profondo تُجسِد منحنى مزدوج يشير إلى المساحات السماوية والأرضية الكبيرة (فندي)

منذ زمن، عاهدت دار «فندي» الإيطالية نفسها ومدينة روما أن تفتح أبواب مقرها الرئيسي «قصر بالازو ديلا سيفيلتا إيطاليانا» للفن والفنانين. وظلت وفية للعهد. استقبلت في عام 2017 أعمال الفنان جيسوبي بينوني، الذي ينتمي إلى حركة آرتي بوفيرا - «الفن الفقير» التي ظهرت في ستينات القرن الماضي، وفي عام 2020 وخلال الجائحة، نظمت حفلاً موسيقياً في الهواء الطلق بالتعاون مع «أكاديمية سانتا تشيشيليا الوطنية»، التي تأسست في 1585.

ومؤخرا حوَلت مقرها إلى متحف فني مفتوح للعامة تستعرض فيه أعمال الإيطالي المخضرم أرنالدو بومودورو. فنان تربطها به علاقة تعود إلى عام 2013 عندما حوّلت مساحة كان يشغلها الفنان لعرض أعماله في شارع سولاري Via Solari من 2005 إلى 2012 إلى مقرها الرئيسي في ميلانو.

كانت صفقة ودية وسلسة تم الاتفاق بموجبها أن يبقى واحد من أهم أعمال الفنان Ingresso nel Labirinto (مدخل المتاهة) مُتاحاً لكل من يرغب في الاستمتاع برؤيته. بل خصصت له «فندي» مدخلاً خاصاً.

يظهر «قصر بالازو ديلا سيفيلتا إيطاليانا» مهيباً بطوابقه الستة وارتفاعه عن مستوى الأرض، كذلك بنوافذه العالية وأقواسه المتعددة التي يحتضن بعضها تماثيل تجسد شخصيات أسطورية (فندي)

المعرض الذي تحتضنه هذه الأيام وإلى الأول من شهر أكتوبر المقبل، يحمل عنوان «المسرح العظيم للحضارات»، يُسلط الضوء على علاقة فنان اشتهر بقدرته الجريئة على دمج شتى أنواع الفنون المرئية والمسرحية واستعمال المواد الغريبة بأشكال ثلاثية الأبعاد ليُصبغ عليها مفهوماً حداثياً ومستقبلياً.

ونظراً لخصوبة بومودورو الإنتاجية، فقد ارتأى المعرض التركيز هنا على مسيرته من أواخر الخمسينات إلى اليوم، ليأتي على شكل سيرة ذاتية تحكيها 30 قطعة من منحوتاته البرونزية والطبشورية والوثائق والصور.

تجدر الإشارة إلى أن اختيار عنوان المعرض لم يكن اعتباطاً. فهو يشير إلى تلك العلاقة الحميمة التي تربط أعمال بومودورو بالمسرح كما بحضارات متنوعة، منها القديم ومنها الجديد الذي يصوغه غالباً من خياله الخصب أو يستعيره من التاريخ والأساطير اليونانية القديمة. وحتى يُضفي عليها رؤيته الخاصة يُدخل عليها التقنيات الحرفية الأفريقية والآسيوية التقليدية.

عمل أبدعه بومودورو في عام 1983 بعنوان Agamennone (تصوير: فاكلاف سيدي)

حتى رحلة اكتشاف المعرض تبدأ بحبكة مسرحية تتجلى عن بُعد، حيث يظهر «قصر بالازو ديلا سيفيلتا إيطاليانا» مهيباً بطوابقه الستة وارتفاعه عن مستوى الأرض، كذلك بواجهته اللافتة. فالنوافذ عالية والأقواس متعددة يحتضن بعضها تماثيل تجسد شخصيات أسطورية.

عندما تتسلق السلالم المتعددة وتصل إلى الساحة الخارجية، تتضح أحجام وتفاصيل لأربع منحوتات تتناقض بلونها البرونزي وأنماطها الهندسية والميكانيكية الحداثية مع لون المبنى الأبيض المائل إلى الرمادي الخفيف. رغم هذا التناقض تشعر بأن كل واحد منها اختيرت عن قصد لتتماهى مع المكان وتربط الماضي بالحاضر.

أحد الأعمال التي تستقبلك لدى وصولك إلى ساحة المبنى وتستحضر آلات ابتُكرت خصيصاً لسلسلة العروض المسرحية المستوحاة من أوريستيا لإيسخيلوس للفنان إيميليو إيسغرو (فندي)

يشرح أمين المعرض أندريا فيلياني: «من البداية أخذنا بعين الاعتبار المكان ومحيطه وتاريخه. انطلقنا من فكرة تصورنا فيها أن هذه القطع كانت جزءا من المبنى. ولأنه يحتوي أساسا على أعمال فنية وتماثيل، كان علينا أن نختار كل قطعة بدقة متناهية حتى تتناغم مع روح المكان».

عندما أسأل أندريا عما يجمع نحات وفنان مثل أرنالدو بومودورو ودار أزياء مثل «فندي»؟ يجيبني: «ثلاثة أشياء: الحرفية والمواد الطبيعية والحركة».

قد تختلف الأدوات بحيث يعتمد الفنان على الغرانيت والحجر الجيري وغيره من مواد النحت، بينما تعتمد «فندي» على الحرير والموسلين والفرو، «لكن النتيجة واحدة، وهي الحصول على قطع فنية مصنوعة بحرفية عالية وخفة تُخفي بداخلها وبين جوانبها تفاصيل دقيقة».

«روتاتيفا دي بابيلون» يتميز بشكل دائري يشير إلى فكرة الحركة الدورية والمستمرة التي تحدث في الزمان والمكان (فندي)

تلتقط كارلوتا مونتيبيلو المدير العام لمؤسسة أرنالدو بومودورو Fondazione Arnaldo Pomodoro طرف الحديث لتشير إلى أن الحركة يمكن أن تكون أكثر ما يربط أرنالدو وفندي في هذا الصدد. فـ«كل قطعة في المعرض تتميز بالحركة، مثل الزي الذي استعمل فيه بومودورو الرافيا بسخاء وابتكره لعرض مسرحي في عام 1983». وتستطرد أن أهمية هذا التعاون تكمن في أن «الموضة والفن يساهمان معا في تحديد الذوق وقراءة تطورات العصر وتسجيلها... كل بأدواته الخاصة. كما أنهما يتقاسمان تلك الرغبة في التجديد وخلق التوازن بين النسب، وطبعاً تحريك العاطفة وإحداث عنصر المفاجأة».

علاقة أرنالدو بومودورو بـ«فندي»، أو بالأحرى بالموضة عموماً ليست غريبة كما قد نتصور. فالمتتبع لتاريخ الفنان يكتشف علاقات وطيدة ربطته مع مصممي أزياء من أمثال كارلا فندي والراحل جياني فرساتشي وغيرهما. في عام 1989 مثلاً، وعندما طُلب منه تصميم أزياء مسرحية «كليوباترا» كان فرساتشي هو من ترجم رسماته من الورق إلى ملابس. يُعلق أندريا: «لا يمكن أن نتجاهل التداخل القوي بين الفن وتصميم الأزياء. كلما تمعنا فيهما وفهمنا عناصرهما يتضح لنا تداخلهما مع بعض والقواسم المشتركة بينهما. هناك دائماً عُمق سواء في استعمال الألوان أو الخامات والأشكال».

زي صممه الفنان لمسرحية «تراجيديا ديدو، ملكة قرطاج» في عام 1986 من الرافيا والبرونز ومواد أخرى (بيترو كاريري)

يتعزز هذا الإحساس بعد دخول البهو. هنا يتقابل على الجانبين عملين صممهما الفنان من الرافيا والنسيج ومواد نحت أخرى. واحد منهما كان جزءا من ملابس مسرحية «ديدو ملكة قرطاج» والثاني من أوبرا «أوديب الملك» لإيغور سترافينسكي. يُدخلك المنظر تلقائيا في حوار ممتع عن ماهية علاقة دار أزياء رومانية عريقة وفنان إيطالي مشهود له بوفرة الإنتاج والعطاء. فأرنالدو البالغ من العمر 96 هذا العام يوجد له حوالي 230 عمل فني في عواصم متناثرة من العالم بما في ذلك مدينة جدة بالسعودية.

وتشير كارلوتا مونتيبيلو أن هذه العلاقة أو بالأحرى الحوار الفني بين بومودورو و«فندي» بتجلى في كل عمل والمكان الذي وُضع فيه. فالقطع الأربع التي احتلت أركان الساحة الخارجية مثلا صاغها لمسرحية «أوريستيا - ثلاثية أسخيلوس» للمسرحي إيميليو إيسغرو في عام 1983. رغم حجمها الكبير تتميز بوزن خفيف لا يُعيق الحركة. وربما هذا ما يربطها بالموضة، ولو بخيوط رفيعة جداً.

إضافة إلى المنحوتات الأربع التي تستقبل الزائر ببهو المبنى، هناك العشرات من المنحوتات بالداخل، حوالي 30 في المجموع. كلها تستهدف تسليط الضوء على مسيرة غنية للفنان التسعيني. تُخبرني كارلوتا أنه إلى جانب تصميمه ملابس للمسرح صمم قطع مجوهرات. كما وضع بصماته على حقيبة «بيكابو» الأيقونية لدار «فندي». أخرجها من الوظيفي والعملي إلى الفني. فالمكان الأنسب لهذه القطعة بشكلها الفريد هو المتاحف.

الفنان أرنالدو بومودورو مع حقيبة Peekaboo التي ابتكرتها سيلفيا فنتوريني فندي عام 2008 وأضفى عليها هو تفاصيل أخرجتها من العملي إلى الفني (داريو وكارلوس تيتامانزي)

تخرج من المعرض وإحساس عميق بأنك قد شاهدت مسرحية متكاملة بطلها فنان تسعيني يتمتع بروح شابة ورؤية جريئة. أحداثها تقع في الحاضر حينا، وفي عوالم من الخيال تتأرجح بين الماضي والمستقبل أغلب الأحيان. لكن الجميل في كل هذا أن البطل له خيال خصب تجلى في أعمال تحولت إلى معالم ورموز ثقافية تُزين السفارات والفنادق وأيضا الساحات، وكأنه يريدنا أن نتنفَس الفن اينما توجهنا.


مقالات ذات صلة

صراع المعايير بين الموضة والإعلام...من يفرض صورة المرأة المثالية؟

خاص النجمة ديمي مور في حفل «فانيتي فير» الأخير بوجه نحتته إجراءات تجميلية وجسد نحيل (أ.ف.ب)

صراع المعايير بين الموضة والإعلام...من يفرض صورة المرأة المثالية؟

لا تزال المرأة ضحية معايير محددة للجمال تلعب فيها الإعلانات وأحياناً صناعة الترفيه والموضة دوراً محورياً يترك أثره في اللاوعي الفردي والجمعي على حد سواء

جميلة حلفيشي (لندن)
يوميات الشرق بعض من دمى باربي المصابات بحالات جسدية خاصة (شركة ماتيل)

بيت «باربي» يتّسع للجميع... دمية مصابة بالتوحّد تنضمّ إلى رفاقها من ذوي الاحتياجات الخاصة

باربي لا تسمع، وثانية لا تمشي، وأخرى لا ترى... الدمية الأشهر تكسر صورتها النمطية... الجمال ليس محصوراً بالشعر الأشقر والعينين الزرقاوين والجسد النحيل.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق تاجٌ يلمع فوق العاصفة (إ.ب.أ)

بعد انسحاب وتضامن نسوي... فاطمة بوش ملكة جمال الكون 2025

هذا الحادث، رغم طابعه العابر في سياق المسابقة، فتح نقاشاً واسعاً حول الضغوط التي تُواجهها المُشاركات...

«الشرق الأوسط» (بانكوك)
يوميات الشرق مرآة لعراقة التقاليد واعتزاز الأجيال بخرافها الفاخرة (أ.ب)

الخراف... أيقونات جمال في السنغال

تُجسِّد هذه الخراف الفخمة الفخر والمكانة الاجتماعية، وتُستَعرض أحجامها الضخمة ووجوهها البارزة وقرونها المقوّسة وبشرتها المصقولة بكل وضوح مع حلول المساء.

«الشرق الأوسط» (داكار)
لمسات الموضة ديمي مور وجين فوندا في حفل توزيع جائزة نقابة ممثلي الشاشة (رويترز)

ديمي مور وجين فوندا... قصة إدمان على التجميل كلّلها «الزمن» بالنجاح

اللقطة التي جمعت ديمي مور وجين فوندا، تؤكد أنه برغم فارق 25 سنة بينهما، فإن ما يجمعهما أكبر من مجرد رقم. هوسهما في مرحلة من حياتهما بالتجميل أمر معروف ومسجل.

«الشرق الأوسط» (لندن)

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
TT

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على مُصممين غيَّبهم الموت ولم تُغيِّب ما خلَّفوه من إبداع. هذه المعارض باتت تفتح أبوابها لذكراهم بشكل منتظم، بهدف عرض أعمالهم من جهة، ومنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف إرثهم وكيف لا يزال يُؤثر على خياراتهم لحد الآن من جهة أخرى.

أسس لمدرسة كل ما فيها مبالغ في زخرفاته وألوانه (فيرساتشي)

فمنذ أسابيع احتضن متحف «فيكتوريا آند ألبرت» معرضاً شاملاً عن إلسا سكياباريللي، وفي متحف «مو مو» ببلجيكا انطلق أول معرض يُكرم أعمال مصمَمي «إنتوورب الستة». وفي متحف مايول بباريس، سيجد عشاق تاريخ الموضة في الأسبوع الأول من شهر يونيو (حزيران) المقبل، فرصة للتعرف على جياني فيرساتشي. وربَما يكون هذا الحدث الأكثر جذباً لما تتمتع به الدار من قاعدة جماهيرية واسعة، ولتزامنه مع مرحلة مهمة في تاريخها، بعد تنحِي شقيقته دوناتيلا فيرساتشي عن منصبها كمدير إبداعي في مارس (آذار) الماضي، مسلِمة المشعل لداريو فيتالي لفترة وجيزة، إذ لم تمر سوى ثمانية أشهر حتى غادرها، في وقت استعداد الدار للانضمام إلى مجموعة «برادا» في صفقة قدِرت بـ1.25 مليار يورو.

في فبراير (شباط) أُعلن عن تعيين بيتر مولير مديراً إبداعياً جديداً ليتولى مهامه ابتداءً من شهر يوليو (تموز) المقبل. بالنسبة لعشاق مدرسة جياني فيرساتشي، يمثِل هذا التحول نهاية مرحلة مهمة بدأت في عام 1987 مع مصمم شاب جريء في رؤيته، كما في حياته وأسلوبه. روَّضت أخته بعضاً من جموحه «الغرائزي» بعد وفاته، لكن في كتب الموضة، سيبقى اسمه مرتبطاً بالإثارة في التصميم كما في التسويق.

لم يكن يعترف بالحلول الوسطى في الألوان أو النقشات أو التصاميم المثيرة (فيرساتشي)

ومع ذلك لا تُلغي هذه التحوُّلات تاريخ جياني الغني. فقد أسَّس مدرسة خاصة به، ربما لا تروق للجميع لأن الخيط بين ما كان يراه إثارة أنثوية، وما كان آخرون يرونه ميلاً إلى الابتذال كان رفيعاً. لكنها في المقابل حققت نجاحات تجارية، بل وفنية أيضاً، إذا أخذنا بعين الاعتبار نقوشاته المستقاة من فنون كلاسيكية، واستقطابه شخصيات بارزة، مثل الأميرة ديانا وليز هيرلي وغيرهما. والأهم أن بصمته لا تزال حاضرة حتى اليوم.

باريس: عاصمة الـ«هوت كوتور»

ويأتي اهتمام باريس به من خلال هذا المعرض اعترافاً بمكانته وإرثه، وبأنه لم يُنكر يوماً أهميتها كمنصة وعاصمة عالمية للموضة. هذا بالرغم من اعتزازه بـ«إيطاليته» ومساهمته في نهاية السبعينيات في منح ميلانو الزخم الذي كانت تحتاجه لتتحوّل إلى مركز قوة، إلى جانب أبناء جيله من المصممين الذين نجحوا في فرضها على الإعلام والمشاهير وعشاق الأزياء الجاهزة.

جياني فيرساتشي في مكتبه (فيرساتشي)

في المقابل، كان يُدرك أنه، عندما يتعلق الأمر بالـ«هوت كوتور» فلا أحد يضاهي باريس مكانة وأهمية. لذلك أطلق خطه «أتيلييه فيرساتشي» في عام 1989، لتُصبح عروضه في فندق الريتز الأيقوني مسرحاً لها. في هذا المكان، قدَّم عروضاً باذخة، وفيه أيضا ظهر للمرة الأخيرة محاطاً بالعارضات السوبر، قبل وفاته المأساوية في ميامي عام 1997.

المعرض وهو بعنوان «جياني فيرساتشي: استعراض شامل» يضم نحو 450 قطعة استثنائية، تشمل الأزياء والإكسسوارات والرسومات والصور إلى جانب مقابلات نادرة مصوَّرة مع المصمم الراحل.

يبدأ المسار من نشأته في كالابريا وتأثره بالمذهب الكاثوليكي، مروراً باهتمامه بالنحت اليوناني، والأوبرا الإيطالية وعصر الباروك بكل ما يحمله من فخامة وبذخ. كما يستعرض السياق الاجتماعي لعصره، بما في ذلك دوره في صعود ظاهرة العارضات السوبر، وتأثيرات فن البوب، من خلال تعاونه مع أسماء مثل مادونا، وبرينس وجورج مايكل، إلى جانب دخول بعض أعماله في حوارات بصرية مع بوتشيلي، وكانوفا، وبيكاسو وأندي وورهول.

قطعة يظهر فيها تأثير أندي وورهول عليه (فيرساتشي)

ويستحضر المعرض كيف نجح جياني في تجسيد كل هذه التأثيرات في أعمال خلّدتها عدسات مصوري موضة كبار، مثل ريتشارد أفيدون، إرفينغ بن، وهيلمون نيوتن، وباتريك دمارشلييه وماريو تيتستينو، ممَن ساهموا في ترسيخ صورة مثيرة وجريئة لعلامة «فيرساتشي» في عهده، وفي وقت ظهرت فيه مدرسة مضادة بألوانها الهادئة وتصاميمها الكلاسيكية المعاصرة يقودها ابن بلده وابن جيله جيورجيو أرماني.

تأثيره على الموضة:

كانت الإثارة الحسية واحدة من السمات التي اشتهر بها (فيرساتشي)

لم يقتصر تأثير جياني فرساتشي على الموضة من خلال الألوان الصارخة والنقشات المتضاربة المستوحاة من الأساطير القديمة وفنون البوب الحديثة، بل امتد أيضاً إلى علاقاته الشخصية مع مشاهير ظلوا أوفياء له حتى بعد رحيله. الأميرة الراحلة ديانا مثلاً كانت من المقربات له وحضرت جنازته في سابقة من نوعها. كما لا يمكن إغفال علاقته بالعارضة والممثلة إليزابيث هيرلي، التي ساهمت الدار في شهرتها من خلال «ذلك» الفستان الأسود الشهير، المُثبَّت بدبابيس ذهبية ضخمة، والذي دخل تاريخ الموضة. كما ارتبط اسمه بعارضات بارزات مثل كارلا بروني، وناعومي كامبل، وسيندي كروفورد، وكارين مولدر، وليندا إيفانجيلستا وكريستي تورلينغتون. صورتهن الجماعية في أحد عروضه، كانت ثورية بكل المقاييس، سرعان ما تحوّلت إلى صورة أيقونية ساهمت في ارتقائهن من مجرد عارضات أزياء إلى مصاف النجمات.

من المعروضات التي سيحتضنها متحف مايول الباريسي (فرساتشي)

في امتداد لهذه الروح الاستعراضية التي ميَّزت عروضه، يأتي تصميم المعرض في متحف مايول مستنداً إلى مفهوم المدرج، حيث يمتد عبر معظم فضاءاته ليُحوِل تجربة المشاهدة إلى رحلة حيَّة في عالم جياني فيرساتشي، من بداياته إلى إرثه الخالد في الموضة والثقافة العالمية. بعد نجاحه في لندن وبرلين ومالقة، سيفتح المعرض أبوابه في باريس من الخامس من شهر يونيو إلى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل في لحظة رمزية تواكب عشية الذكرى الثلاثين لوفاته وما كان سيكون احتفالاً بعيد ميلاده الثمانين.


زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
TT

زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)

لكل زمن نجومه، ويبدو أننا حالياً في زمن زيندايا؛ فهي في كل مكان، ولا يمر أي ظهور لها مرور الكرام. تستطيع بمجرد قبعة، مهما كانت بسيطة أو مبالغاً فيها، أن تخطف الأضواء، وبفستان أن تعيد تسليط الضوء على مبدعه حتى وإن غاب عن الساحة لسنوات أو كان مغموراً.

لهذا ليس غريباً أن يتودّد لها صناع الموضة ويتمنون رضاها. بالنسبة لهم، هي تتمتع بسحر نجمات هوليوود وثقة بنات جيل زد. أما صورها فتقول إن كل شيء فيها، من إيماءاتها ونظراتها إلى ملامحها، يصرخ بثقة، بما لا يترك أدنى شك في أن النجومية تحتاج إلى حضور. ليس كافياً أن تكون موهوباً أو مدفوعاً برغبة جامحة للتألق فحسب، فالكاريزما أولاً ثم إدارة الصورة بعناية عنصران حاسمان. وبينما الكاريزما ملكيتها الخاصة، فإن إدارة الصورة واختيار الإطلالات يتولاهما خبير الأزياء، لو روتش، منذ بداياتها وهي في سن المراهقة.

علاقة عمل ناجحة

في فستان من خط الـ«هوت كوتور» من تصميم دانيال روزبيري (سكياباريلي)

لقد قطعت زيندايا شوطاً طويلاً منذ أن وقفت أمام الكاميرات أول مرة بوصفها نجمة ديزني. لم تكن مجرد مراهقة عادية بعينين لامعتين تتطلّعان للسماء، كانت ذكية، أدركت منذ البداية أن الموضة سلاح لا يخيب. علاقتها بخبير الأزياء لو روتش تُعد حالياً من أنجح العلاقات في عالم الموضة والسينما على حد سواء. . شكّلا منذ البداية ثنائياً ناجحاً، حيث نجح روتش في «هندسة» صورتها من أميرة ديزني حالمة إلى رائدة لبنات جيلها، رغم أنها لم تكن معروفة حينها. بادلته هي الوفاء نفسه؛ إذ تُدخله في أي مشروع يُقترح عليها.

في أي مناسبة وأي إطلالة تتألق كأيقونة موضة (ميسيكا)

والحقيقة أن مهمة روتش انتقلت من الصعب إلى السهل بسلاسة. نعم كانت صعبة في البداية بحكم أنها كانت صغيرة سنّاً ومغمورة فنياً، إلا أنها لم تأخذ وقتاً طويلاً لتتحوّل إلى أيقونة متحركة، ينطبق عليها المثل القائل: «الجميل جميل ولو ارتدى خيشاً». بحضورها ورشاقتها وثقتها في التعامل مع الكاميرا، سهّلت عليه الكثير؛ فحتى حين يقترح عليها أزياء عادية، وأحياناً غريبة، تنجح في أن تُضفي عليها من سحرها الكثير.

من الأدوار السينمائية إلى التعاونات

كان من الطبيعي ألا يبقى هذا الحضور محصوراً في الشاشة أو في مناسبات السجادة الحمراء، وأن يمتدّ إلى شراكات تجارية مُجزية لكل الأطراف. تعاونت مؤخراً مع علامة ON «أون» السويسرية، وطرحت مجموعة ملابس وأحذية رياضية، تعكس شخصيتها وروحها المنطلقة، وفي الوقت ذاته خبرة «أون» في تصميم قطع رياضية توازن بين الأداء والأناقة. كل ما فيها يقول إنها تستهدف جيل زد المتابع لها.

تم تصويرها في قلب هذه الحملة لتضفي عليها من سحرها الكثير (أون)

ولأنه كان لا بد من الاستفادة الكاملة من «كاريزما» زيندايا، تم تصويرها في قلب هذه المجموعة من خلال حملة على شكل فيلم ترويجي بعنوان: Shape of Dreams. لم تكن حملة عادية، فهي من إخراج سبايك جونز، المخرج الحائز على جائزة أوسكار، وبالتالي تحمل طابع فيلم سينمائي، تدور أحداثه داخل عالم زيندايا التخيلي. عالم تتطور فيه القصّات وتتغير الخامات وتصقل الأفكار. ومع تقدّم الفيلم، تأخذ العملية طابعاً سريالياً؛ إذ تتمدد الملابس وتنكمش وتتبدّل حتى تصل إلى شكلها النهائي.

لقطة مصورة للمجموعة التي صممتها مع لو روتش وشركة «أون» الرياضية (أون)

غني عن القول إن لو روتش أسهم في عملية التصميم. تقول زيندايا عن هذه التجربة: «كان العمل مع لو وفريق (أون) ممتعاً للغاية. أردنا ابتكار تصاميم متعددة الاستخدام وسهلة الارتداء، بحيث تتحرك مع صاحبها عبر لحظات مختلفة من اليوم». وأضافت: «أما العمل مع سبايك جونز، فكان رائعاً؛ لأنه منح رؤيتنا بعداً آخر تماماً».


جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

ثماني سنوات مرَت على أوَل زيارة قامت بها دوقة ساسيكس ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري إلى أستراليا، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة من ناحية الصورة وليس الأحداث. فهذه حملت تحوَّلات كبيرة غيَّرت وجه المؤسسة الملكية إلى حد ما، لكن الصور الأولى لتلك الزيارة بقيت حاضرة بوصفها مرجعاً يقارن به الماضي بالحاضر. فرغم ما رافق الزيارة الحالية من انتقادات وجدل بعد الإعلان عنها رسمياً قبل نحو شهر تقريباً، فإن الصور المتداولة بمجرد أن حطّت بهما الطائرة، تُخلّف الانطباع أن الثنائي لا يبدو منشغلاً بضجيج التعليقات على السوشيال ميديا. فقد بدت ميغان أكثر تألقاً ببشرة نضرة وماكياج ناجح أضفى عليها ألقاً. وطبعاً، كان من الصعب فصل الحدث عن تفاصيل إطلالاتها.

8 سنوات مرت على الزيارة الأولى تغيَّرت فيها أشياء كثيرة ولم تتغيَّر المصممة (أ.ف.ب + موقع كارين جي)

كانت لافتة عودتها إلى المصممة الأسترالية كارين جي التي سبق أن ظهرت بأحد تصاميمها خلال زيارة عام 2018: فستان أبيض بتصميم مستقيم. أجمل ما كان فيه بساطته وأناقته الهادئة.

هذه المرة ولدى وصولها إلى ملبورن، اختارت فستاناً كحلياً يحمل اسم «بريسيلا». يتميّز بياقة دائرية تحيط بالعنق وحزام رفيع يحدد الخصر، مستوحاة بشكل غير مباشر من روح «النيولوك» لكريستيان ديور لكن بأسلوب معاصر يناسب الأيام العادية. كسّرت المصممة عمق لونه بستة أزرار ذهبية عند الصدر ألغت الحاجة إلى قلادة أو سلاسل. كل ما في الفستان يحمل السمات التي تميل إليها ميغان، وهي اللون الأحادي والخطوط الواضحة والبسيطة التي تناسب مقاييس جسدها المعقّدة. نسّقت الإطلالة بحذاء من «ديور».

ميغان ماركل والأمير هاري في ظهورهما الثاني في أستراليا (إ.ب.أ)

في الظهور الثاني لها، خلال زيارتها لمتحف الفنون الوطني للمحاربين القدامى في ملبورن، كانت أكثر جُرأة نسبياً، عبر سترة من السويد باللون الكاكي، وتنورة مستقيمة طويلة من نفس خامة ولون السترة من العلامة الأسترالية «سانت أغني» مع كنزة بلون الموكا من علامة «بي جونسون». كانت رسالة تؤكد فيها استمرار استخدام علامات أسترالية ضمن الجولة كنوع من البروتوكول الرمزي.

اختيار كارين جي للمرة الثانية نقطة تستحق التوقف. أوَّل تفسير يتبادر للذهن أن المصممة التي يوجد مقرها في سيدني، لا تُقدّم أزياء موسمية بقدر ما تركّز على ملابس عملية يمكن ارتداؤها في أكثر من مناسبة. إضافة إلى هذا، فإنها بنت سمعتها على أسلوب مضمون «يمكن الاعتماد عليه في كل زمان أو مكان» وفق وصفها، وهي فلسفة ترتكز على الاستدامة أكثر من الصرعات الموسمية العابرة، سواء من ناحية الألوان أو الخطوط البسيطة والهادئة.

صور ميغان ماركل تشير إلى استمرارية رمزية وكأن خروجها من المؤسسة الملكية لم يكن (رويترز)

هذا التوجه نحو المضمون يخدم صورة ميغان التي تزعزت في السنوات الأخيرة. وبينما كان ظهورها بالفستان الأبيض عام 2018 كفيلاً بتسليط الضوء على مصممته كارين جي عالمياً؛ نظراً لمكانتها آنذاك ضمن المنظومة الملكية، فإن عودتها إليها اليوم، يتقاطع مع ما صرّحت به في مقابلة سابقة عن وعيها بتأثير كل ظهور علني لها. قالت إنها تُدرك تماماً أن كل صغيرة وكبيرة تخضع للتمحيص والتحليل؛ الأمر الذي يدفعها لتوجيه هذا التأثير بشكل إيجابي، إما لدعم مصممين صاعدين تُؤمن بمساراتهم، أو تربطها بهم علاقات شخصية.

لا تزال ميغان تتعامل مع جولاتها وكأنها رسمية يجب أن تخضع لبروتوكولات الأناقة (أ.ب)

بيد أن هناك أيضاً عامل الاستمرارية، وكأن دوقة ساسيكس تريد أن تقول إن مكانتها محفوظة، وبأن الحاضر ما هو إلا امتداد للأمس. على الأقل من ناحية تأثيرها الذي تراه لا يزال قوِياً، حتى بعد تمرّدها على المؤسسة الملكية البريطانية وخروجها منها في 2020. حينها كانت دوقة جديدة، تتمتع بشعبية كبيرة، إلى حد أن جولتها فيها، كانت ناجحة بدرجة لافتة مقارنة ببقية أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم كاثرين ميدلتون وزوجها الأمير ويليام. حينها كانت إطلالات ميغان تُقرأ ضمن إطار البروتوكول الملكي، واليوم يبدو أنها تعتمد الأسلوب نفسه تقريباً لفرض نفسها، أو على الأقل التذكير بمكانتها.