> يطلق مصطلح «شرعة مونرو» على السياسة الخارجية الأميركية التي تعارض تدخل الدول الأوروبية في شؤون بلدان النصف الغربي من الكرة الأرضية، أي الولايات المتحدة، والدول التي في جوارها. وهي ترى في أي تدخل في الشأن السياسي للقارة من قبل قوى القارات الأخرى تعدّياً على الولايات المتحدة نفسها. ولقد لعبت هذه العقيدة دوراً أساسياً في الاستراتيجية الأميركية على امتداد القرن الماضي.
جيمس مونرو، خامس الرؤساء الأميركيين، طرح هذه «الشرعة» في خطاب ألقاه أمام الكونغرس في ديسمبر (كانون الأول) 1823. إلا أنها لم تحمل اسمه المتداول اليوم حتى منتصف القرن التاسع عشر.
يومذاك كانت جميع المستعمرات الإسبانية في أميركا قد نالت استقلالها، أو أوشكت على نيله. وفي ذلك الخطاب أكّد مونرو أن «على العالم الجديد (أميركا) والعالم القديم (أوروبا) أن يبقيا دائرتين للنفوذ منفصلتين بوضوح إحداهما عن الأخرى. وبالتالي تعتبر الولايات المتحدة أن أي جهود قد تبذلها الدول الأوروبية الكبرى للتدخل في شؤون دول المنطقة ستكون تهديداً للأمن الأميركي. وفي المقابل، تعترف واشنطن بالمستعمرات الأوروبية القائمة آنذاك، وتتعهد بألا تتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأوروبية.
للتذكير، في تلك الفترة لم تكن الولايات المتحدة تملك قوة بحرية قادرة، ولا جيشاً برّياً في مستوى جيوش الدول الأوروبية. أما تلك الدول فقرّرت تجاهل «الشرعة»، باستثناء الإمبراطورية البريطانية التي طبّقتها نسبياً، واستخدمتها لفرض سياستها التي كانت تعرف بـ«السلم البريطاني»، كما خرجت عنها غير مرة لا سيما إبان الحملة الفرنسية الثانية في المكسيك. ولكن مع بدايات القرن العشرين تمكنت واشنطن من تطبيق «الشرعة» بنجاح، فأصبحت من الركائز الأساسية للسياسة الخارجية الأميركية، ومن أقدم أركانها.
النظام الدولي المتعدد الأطراف
اللافت أنه منذ أواخر القرن التاسع عشر، لجأ الباحثون والمفكرون السياسيون للاستناد إلى هذه «الشرعة» بهدف التأكيد على أهمية النظام الدولي متعدد الأطراف، ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.
وفي العام 1933 طرح الرئيس الأميركي فرانكلن روزفلت «شرعة مونرو» لتكون القاعدة القانونية لتأسيس «منظمة البلدان الأميركية» التي يقع مقرها اليوم في واشنطن.
تقوم هذه «الشرعة» على معارضة الولايات المتحدة للسياسة الاستعمارية التي كانت تمارسها الدول الأوروبية، وتستمد رؤيتها من السياسة الانعزالية التي كان وضعها الرئيس الأول، جورج واشنطن، بُعيد استقلال الولايات المتحدة عن التاج البريطاني. وهي تعتبر «أن للأوروبيين مجموعة من المصالح الأساسية التي لا علاقة لها بمصالحنا»، كما جاء في خطاب واشنطن الأخير أمام الكونغرس في سبتمبر (أيلول) عام 1796. بعدها أضاف الرئيس الثالث توماس جيفرسون إلى تلك «الشرعة» أن القارة الأميركية «مكتفية بذاتها، ويمكن اعتبارها الامتداد الطبيعي للولايات المتحدة».
غاية التصدي لـ«الحلف المقدّس»
هذا، ويعود تمسّك الولايات المتحدة بهذه العقيدة -خاصة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين- إلى خشيتها آنذاك من أن القوى الأوروبية الظافرة، التي انبثقت عن «مؤتمر فيينا» عام 1814، وتأسيس «الحلف المقدّس» بين روسيا والنمسا وبروسيا «للدفاع عن النظام الملكي»، يمكن أن تساورها فكرة استعادة إمبراطورياتها الاستعمارية في القارة الأميركية.
وحقاً، عزّز تلك الخشية يومذاك أن «الحلف المقدس» قام بمحاولات عسكرية لاستعادة سيطرة سلالة بوربون على إسبانيا ومستعمراتها الأميركية التي كانت تناضل من أجل استقلالها. وإذا كان انحياز التاج البريطاني إلى تبنّي «شرعة مونرو» قد ساهم في إحباط محاولات الأوروبيين استعمار القارة الأميركية مجدداً، فإن الولايات المتحدة، التي لم تكن قد وصلت يومها إلى مرتبة القوة الإقليمية، استندت إليها لمواصلة تمددها الجغرافي نحو الغرب على حساب المكسيك، وجعلت منها منطلقاً لسياستها التوسعية في القارة.
