هل «يفلت» علي الزيدي من حصار المواعيد؟

بعد تجاوز الحكومة العراقية «الأيام الـ100» الأولى


جانب من اجتماع للحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي  (أ.ف.ب)
جانب من اجتماع للحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي (أ.ف.ب)
TT

هل «يفلت» علي الزيدي من حصار المواعيد؟


جانب من اجتماع للحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي  (أ.ف.ب)
جانب من اجتماع للحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي (أ.ف.ب)

للمرة الأولى، منذ تشكيل أول حكومة عراقية بعد عام 2003، فتحت الحكومة الحالية برئاسة رجل المال والأعمال علي الزيدي ملفات كانت بين المسكوت عنه أو المتخوف من التعامل معه بصوت مرتفع. وفي غضون «الأيام المائة» التي أكملتها الحكومة أخيراً، تضمّن برنامجها المتضمّن أهم فقرتين وضعهما رئيس الوزراء ضمن أولى أولوياته، وهما: حصر السلاح بيد الدولة، ومحاربة الفساد المالي والإداري المستشري في البلاد. والواقع أن هذا الوضع بات يهدد كيان الدولة نفسه مع وضعها على حافة الإفلاس. من جهة ثانية، في حين يبدو ملف مكافحة الفساد شأناً داخلياً فإن ملف حصر السلاح، بقدر ما هو شأن داخلي يتمثل في العلاقة المتشنجة بين الحكومة وقوى السلاح المنفلت، فله بُعدان؛ أولهما إقليمي يتعلق بطبيعة العلاقة بين العراق وإيران. وثانيهما دولي يتمثل في العلاقة بين العراق والولايات المتحدة. وبالطبع يبقى هناك قاسم مشترك بين ملف السلاح وطبيعة العلاقة المركّبة العراقية - الأميركية - الإيرانية.

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي (رويترز)

يبدو علي الزيدي، رئيس الوزراء العراقي، في وضع مريح على صعيد إيفائه بوعده في البدء بتطبيق فقرتي محاربة الفساد وحصر السلاح من برنامجه الحكومي، إلا أنه بعد تجاوز حكومته فترة «الـ100 يوم» لا يزال يعاني من حصار المواعيد السياسية. والقضية الرئيسة هنا أن الحكومة لا تزال ناقصة 9 حقائب وزارية تدار حالياً بالوكالة بسبب الخلافات بين الكتل السياسية على حصصها من هذه الوزارات.

ومع أن الزيدي لا يبدو مسؤولاً عن إكمال «الكابينة» (التشكيلة) الحكومية التي تحتاج إلى توافق سياسي بين القوى التي فازت بالانتخابات، وحازت على مقاعد برلمانية تؤهلها للحصول على حقائب، تكمن الإشكالية في أن تأخر إكمال «الكابينة» يبقي الحكومة على الحافة؛ إذ إن استقالة أي وزيرين منها، تحت أي ظرف، يفقدها شرعية البقاء، ويبقي رئيس الوزراء محاصراً من القوى السياسية التي يرفض بعضها إكمال الحقائب المتبقية لكي يبقى الزيدي رهينة لضغطه.

من ثم تتبقى القضيتان المتصلتان بفقرتي الفساد والسلاح.

محاربة الفساد

إجراءات محاربة الفساد بدأت منذ أربعة شهور عبر ما سُمي بـ«صولة الفجر» التي اعتقل خلالها عددٌ كبير من النواب والمسؤولين الكبار، كما فرّ وزراء ونواب ومسؤولون كبار آخرون. إلا أنه مع تأخر فتح ملف الموقوفين حالياً، أو إحالتهم إلى المحاكم، فإن بقاءهم خلف القضبان من دون محاكمة بات يُشعر بعض الناس بأن ثمة «مشروع» تسوية مالية معهم.

والواقع، يتزامن مع هذا الحال، مع بدء إجراءات حكومية على صعيد إلقاء القبض على مسؤولين بدرجات متدنّية وإحالتهم إلى القضاء. وهو يعطي انطباعاً بأن حملة محاربة الفساد تحوّلت من محاربة الفساد كـ«منظومة متكاملة»، إلى محاربة الرّشى التي هي أحد أوجه الفساد لا أكثر.

حصر السلاح

أما مسألة حصر السلاح بيد الدولة فقد تحوّلت إلى ملف شائك بعدما تمكّنت إيران ومَن معها من قوى «الإطار التنسيقي» الشيعي من احتواء الأمر عبر تمديد مهلة التعامل مع ملف السلاح، بدلاً من حصره نهائياً بحلول يوم 30 سبتمبر (أيلول) الحالي إلى ما بعد هذا التاريخ.

العصا والعجلة

وسط هذه الوقائع، تسعى الأطراف السياسية إلى وضع مزيد من العِصّي في عجلة رئيس الوزراء الباحث عن إنجاز يحقّقه وسط دعم شعبي قوي من عدد كبير من القوى السياسية والجماهيرية. وبين أبرز الخطوات الهادفة إلى احتواء خطوات الزيدي، محاولات إيجاد ذرائع لتعطيل حملة محاربة الفساد، بحيث تقتصر على الحلقات الوسطى في الدولة.

ومن جهة أخرى، فإن الدخول الإيراني القويّ على مسألة حصر السلاح بيد الدولة، وجعله ملفاً إقليمياً مرتبطاً بالصراع بين الولايات المتحدة وإيران، أدى إلى تمديد المهلة المقرّرة لحصر السلاح. وهذه محاولة يراد منها إفراغ خطوات الزيدي من محتواها الحقيقي. وللتذكير، كانت الحكومة العراقية قد أعلنت أن موعد حصر السلاح بيد الدولة سيكون يوم 30 سبتمبر (الحالي)، وهو الموعد المقرر لانسحاب التحالف الدولي. لكن إيران دخلت على خط الموقف من الفصائل الرافضة لتسليم سلاحها، وأبرزها «كتائب حزب الله» و«حركة النجباء» و«حركة أنصار الله الأوفياء»، التي سبق لها أن أعلنت أن «لديها ارتباطاً عقائدياً» مع إيران. وبالتالي، فإن سلاحها يتجاوز الحدود الجغرافية للدول، كونه سلاح «مقاومة»، وفق السردية التي تعتمدها في خطابها السياسي.

نوري المالكي (آ ف ب)

زيارات سريّة ومعلنة

هذا الدخول الإيراني لصالح هذه الفصائل، وتجاهل موعد 30 سبتمبر، تجسّد أولاً في زيارة سرّية – كما هي العادة - لقائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني إسماعيل قاآني، تلتها بعد أقل من أسبوع زيارة مُعلنة لرئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف امتدت لأيام. ثم تبعتها زيارة سرّية أخرى لممثل المرشد الإيراني الأعلى مجتبى خامنئي جرى خلالها «تحديد طبيعة العلاقة» بين العراق وإيران، عبر الضغط على قوى «الإطار التنسيقي» لتبني سياسة أخرى، تختلف عن السياسة التي رسمها رئيس الوزراء الزيدي للتخلص من النفوذ الأجنبي في العراق.

زيارة قاليباف، وفق مصادر عراقية مطلعة، لم تحقق كل أهدافها، وبالأخص، لجهة «تليين موقف الزيدي من مسألة حصر السلاح بيد الدولة». وطبقاً لما كُشف عنه من كواليس اللقاءات والاجتماعات التي عقدها قاليباف، سواءً مع رئيس الوزراء العراقي أو مع قيادات «الإطار التنسيقي»، بحضور الزيدي، فإن الأخير بقي متمسكاً بموعد 30 سبتمبر بسبب؛ كونه ملتزماً مع الجانب الأميركي بهذا الشأن.

بحسب التقديرات المتداولة، فإن الزيدي خلال لقاءات خاصة جمعته مع نواب ومسؤولين، ليس في وارد أي تنازل عن تلك المهلة. بل بالعكس، يمكن أن يمضي إلى ما هو أبعد مما تتصوّره القوى السياسية التي تضغط عليه من أجل المهادنة. ثم إنه ليس في وارد تقديم استقالته، على نقيض ما تتمناه بعض القوى المتورطة في الفساد بأمل «خلط الأوراق» من جديد. بل يرجّح المراقبون أن يلجأ رئيس الوزراء إلى الشعب في خطاب صريح، آملاً أن يضعف موقف هذه القوى، وخصوصاًـ إذا دخل على خط دعمه مقتدى الصدر، زعيم «التيار الوطني الشيعي» أكبر كتلة شيعية في البلاد.

الزيدي ليس في وارد أي تنازل عن المهلة الزمنية لحصر السلاح... ولا يفكّر بتقديم استقالته

عالي المقام

إيران، من جهتها، كثّفت ضغوطها على «الإطار التنسيقي»، وعلى الزيدي معاً، وبالأخص، بعد إعادة ترتيب «الإطار التنسيقي» بإضافة عضو جديد لقيادته هو شبل الزيدي، زعيم فصيل «الإمام علي» ورئيس كتلة «خدمات» في البرلمان العراقي، وذلك في أعقاب هروب أحمد الأسدي وزير العمل والشؤون الاجتماعية السابق والقيادي في «الإطار» إثر اتهامه بملفات فساد، واستقالة أبو الولاء الولائي، الأمين العام لـ«كتائب سيد الشهداء».

وفي هذا السياق، دخل المرشد مجتبى خامنئي، شخصياً، على الخط، حين أرسل ممثله الخاص، محسن قمّي، بهدف احتواء التداعيات الخاصة بحصر السلاح بيد الدولة الذي يصرّ عليه رئيس الوزراء العراقي. وفي الوقت عينه، حث مبعوث خامنئي قوى «الإطار التنسيقي» على تحاشي وقوع أي صدام بين قوى «الإطار التنسيقي» والفصائل المسلحة التي ترفض تسليم سلاحها إلى الدولة مع نهاية المهلة المقررة.

إيران لا تريد ذرائع للتصادم

الهدف الذي ترمي إليه إيران من خلال اتباع هذه السياسة الجديدة هو عدم منح الحكومة أي ذريعة للتصادم مع الفصائل، وذلك بتشكيل لجان، وبدء مباحثات، ووضع آليات لغرض تسليم السلاح، وتحديد أي سلاح، وما هو المقابل.

هذا يعني التلاعب بالمهلة، ولكن بما لا يؤدي إلى إغضاب الحكومة المرتبطة بتفاهم مع واشنطن، ولا أن يؤدي إلى استفزاز واشنطن التي لا أحد يعرف حدود رد فعلها في حال لم تفِ الحكومة العراقية بمهلة حصر السلاح.

... مخاوف عند «الإطار التنسيقي»

في هذا السياق، يقول الدكتور غالب الدعمي، أستاذ الإعلام في الجامعة المستنصرية لـ«الشرق الأوسط»، إن «(الإطار التنسيقي) يشعر بالمخاطر المترتبة على حصر السلاح، كما يعرف مدى جدية واشنطن في هذا الملف، الأمر الذي جعلها تحاول قدر الإمكان البحث عن منفذ أو طريقة ما للامتناع عن تطبيق حصر السلاح مائة في المائة، لكن في الوقت نفسه يحقق الرضا الأميركي عن العراق».

وأضاف الدعمي أن «قوى (الإطار التنسيقي) تعرف جيداً أيضاً أن حصر السلاح بيد الدولة ومكافحة الفساد يصبّان في النهاية في مصلحة رئيس الوزراء علي الزيدي، بينما لا يريد (الإطار التنسيقي) لأي رئيس وزراء أن يحقق نجاحاً كبيراً. وبالتالي مسموح له أن يحقق نجاحاً محدوداً؛ لكيلا يتفرعن عليهم... بل يظل تحت سيطرتهم».

ثم أوضح أن «(الإطار)، في هذه الحالة، وبقدر ما يريد تجنب تأجيج الوضع مع أميركا فهو في الوقت نفسه لا يريد لرئيس الوزراء أن يبدو بطلاً شعبياً أمام الناس»، مؤكداً أن «هذا السلوك الذي تنتهجه القوى الشيعية ليس مقتصراً على معاملة الزيدي فقط، بل هو سياسة ثابتة اتبعتها مع كل رؤساء الوزراء السابقين، مع أن الفرصة الآن تختلف... حيث الكفة تميل الآن لصالح الزيدي كونه يحظى بدعم شعبي كبير يصعب مقاومته، ومع هذا تجري محاولات للالتفاف عليه».

لا لإسقاط الحكومة

من جانبه، حذّر نوري المالكي، زعيم ائتلاف «دولة القانون»، بعد يوم واحد من زيارة المبعوث الإيراني الرفيع المستوى، من محاولات لإشعال «حرائق» في المشهد السياسي وإرباك الواقع العراقي.

وأكد المالكي، في تصريحات صحافية، دعم «الإطار التنسيقي» لاستمرار الحكومة ورفض تغييرها أو إسقاطها. وقال طبقاً لبيان صدر عن مكتبه، الأربعاء الماضي، إن العراق «يمرّ بمرحلة حساسة تتطلب قدراً عالياً من الحكمة والمسؤولية»، مشيراً إلى وجود محاولات لإرباك المشهد السياسي، في وقت يواصل فيه «الإطار التنسيقي» دعمه للحكومة حرصاً على استقرار البلاد ومصالحها العليا.

ثم شدد رئيس الحكومة الأسبق على ضرورة معالجة ملف حصر السلاح بيد الدولة، «بعيداً عن التصعيد أو المواجهة»، محذراً من «تحوّل هذا الملف إلى صدام بين الدولة والفصائل سيكون بالغ الخطورة، وقد يهدد استقرار العراق ويفتح الباب أمام مواقف سياسية متباينة».

وأكد المالكي أن أي مواجهة داخلية ستكون «خسارة للعراق بأكمله»، وليس لطرف أو مكون بعينه. وأن من يتصوّر أن أي صراع محتمل سيكون «شيعياً - شيعياً» فهو واهم؛ لأن تداعياته ستطال الدولة والمجتمع وجميع المكونات.

وتابع أن الحكومة و«الإطار التنسيقي» لن يسمحا بانزلاق البلاد إلى اقتتال داخلي، داعياً إلى «بلورة رؤية وطنية وإقليمية واضحة تحول دون تعرض العراق للمخاطر، وتمنع تحوله إلى ساحة لتصفية الصراعات أو تنازع المصالح الإقليمية والدولية، بما يحفظ أمنه وسيادته واستقراره».

«مجلس قيادة» شيعي

في هذه الأثناء، في سياق الترتيبات الجديدة التي «هندستها» إيران، فإن همام حمودي القيادي البارز في «الإطار التنسيقي» وزعيم «المجلس الإسلامي الأعلى» - الذي جعلته إيران صلة الوصل بينها وبين باقي قيادات «الإطار» - أعلن عن تشكيل «مجلس قيادة» شيعي لتفادي اندلاع حرب شيعية - شيعية.

حمودي حذر مما أسماه مسعى لإشعال حرب «شيعية - شيعية»، بالقول إن «هدفها الظاهر حماية المصالح العامة، بينما يكمن باطنها - بحسب وصفه - في زعزعة النفوذ السياسي والاجتماعي الشيعي وإبعاد القوى المؤثرة من مواقعها».

وأضاف حمودي، خلال مشاركته في جلسة نقاشية ضمن أعمال مؤتمر «حوار بغداد الثامن» الذي ينظمه المعهد العراقي للحوار، إن «وجود المرجعية العليا والالتزام الديني ووعي أبناء الشعب العراقي بحقيقة المؤامرة الخبيثة (بحسب وصفه) - ستحول دون نجاح أي رهان على حرب شيعية - شيعية... ولن يفلحوا».


مقالات ذات صلة

هاكون الثامن ملكاً على النرويج بلاد «الفايكينغز» وإحدى الأغنى عالمياً

حصاد الأسبوع نجح هاكون في الحفاظ على نسبة تأييد شعبي مرتفعة. إذ يُنظر إليه على أنه قريب من الشعب ومتواضع وقادر على قيادة البلاد مثل والده،

هاكون الثامن ملكاً على النرويج بلاد «الفايكينغز» وإحدى الأغنى عالمياً

دخلت العائلة المالكة في النرويج عهداً جديداً مع وفاة الملك الواسع الشعبية هارالد عن عمر 89 سنة، وتولي ابنه هاكون، البالغ من العمر 53 سنة، العرش وسط تراجع في

راغدة بهنام ( برلين)
حصاد الأسبوع الملك السابق الراحل هارالد الخامس (آ ف ب/غيتي)

رابع ملوك سلالة غلوكسبورغ يتأهب لنقل النرويج إلى حقبة جديدة

منذ استقلال النرويج عن السويد عام 1905، تعاقب على عرشها أربعة ملوك من سلالة غلوكسبورغ قبل الملك الحالي هاكون الثامن، الذي تولى العرش قبل أيام.

«الشرق الأوسط» (برلين)
حصاد الأسبوع 
مسيّرة بيرقدار التركية واحدة من المسيّرات التي تُستخدم في القتال الجاري في السودان (أرشيفية - أ.ف.ب)

السودان: الحرب قد تأتي من السماء

لا يحتاج سكان مدينة الأبيِّض، عاصمة ولاية شمال كردفان في السودان، إلى رؤية المقاتلين في الشوارع ليعرفوا أن الحرب اقتربت. يكفيهم سماع صوت في السماء، يعقبه إطلاق

أحمد يونس (كمبالا)
حصاد الأسبوع دورية لقوات "اليونيفيل" الدولية في جنوب لبنان (آ ف ب)

احتلال مرتفعات جنوب لبنان... «عقدة» الانسحاب الإسرائيلي

فرضت التحوّلات السياسية والعسكرية التي شهدها جنوب لبنان خلال العقود الماضية واقعاً جديداً على مسألة الانسحاب الإسرائيلي، حتى باتت لكل مرحلة ظروفها الخاصة التي

صبحي أمهز (بيروت)
حصاد الأسبوع وزير الدفاع الجديد يُحسب على التيار «البليري»...و«حرب غزة» كادت تطيح بمقعده

ويس ستريتنغ... من الطموح لزعامة «العمال» إلى قيادة سفينة السياسة العسكرية البريطانية

بعد استقالته من حكومة كير ستارمر ومطالبته بتغيير قيادة حزب العمال، عاد ويس ستريتنغ إلى الصفوف الأمامية للسلطة البريطانية، وهذه المرة وزيراً للدفاع في حكومة

«الشرق الأوسط» (لندن)

هاكون الثامن ملكاً على النرويج بلاد «الفايكينغز» وإحدى الأغنى عالمياً

نجح هاكون في الحفاظ على نسبة تأييد شعبي مرتفعة. إذ يُنظر إليه على أنه قريب من الشعب ومتواضع وقادر على قيادة البلاد مثل والده،
نجح هاكون في الحفاظ على نسبة تأييد شعبي مرتفعة. إذ يُنظر إليه على أنه قريب من الشعب ومتواضع وقادر على قيادة البلاد مثل والده،
TT

هاكون الثامن ملكاً على النرويج بلاد «الفايكينغز» وإحدى الأغنى عالمياً

نجح هاكون في الحفاظ على نسبة تأييد شعبي مرتفعة. إذ يُنظر إليه على أنه قريب من الشعب ومتواضع وقادر على قيادة البلاد مثل والده،
نجح هاكون في الحفاظ على نسبة تأييد شعبي مرتفعة. إذ يُنظر إليه على أنه قريب من الشعب ومتواضع وقادر على قيادة البلاد مثل والده،

دخلت العائلة المالكة في النرويج عهداً جديداً مع وفاة الملك الواسع الشعبية هارالد عن عمر 89 سنة، وتولي ابنه هاكون، البالغ من العمر 53 سنة، العرش وسط تراجع في شعبية العائلة المالكة متأثرة بعدد من الفضائح، مع أن هذه الشعبية على يبدو تعافت أخيراً. فلقد أظهر استطلاع أجرته هيئة البثّ العام «إن آر كا» بعد وفاة الملك هارالد، قبل أسبوع، أن شعبية العائلة المالكة وصلت إلى 72 في المائة في ارتفاع عن مايو (أيار) الماضي، عندما انخفض التأييد للعائلة إلى أدنى مستوياته، فبلغ 54 في المائة فقط! وطوال فترة حكمه التي امتدت 35 سنة، حظي الملك هارالد الراحل بشعبية عالية بين النرويجيين، وكان ينظر إليه على أنه «جدّ الأمة»، كما وصفه معلقون في النرويج. ومع أن الملك في النرويج لا سلطات فعلية له، فقد نجح بتوحيد البلاد، وكان دائماً يجد الكلام المناسب، حتى في أصعب الأوقات. أكثر من هذا، لم يتنازل هارالد عن العرش رغم أنه عانى في السنوات العشر الأخيرة من عدد من الأمراض المتتالية أثّرت بشكل كبير على صحته. وفي السنوات الأخيرة، هزّت العائلة المالكة عدة فضائح مرتبطة بزوجة ابنه هاكون، الملك الجديد، وابنته الأميرة مارتا لويز، التي تكبر هاكون سناً، لكنها لم ترث والدها على العرش بسبب قوانين قديمة، ما كانت تسمح إلا بتولي الذكور العرش. إلا أنه جرى تغيير القوانين تلك عام 1990 للسماح بالابن أو الابنة الكبرى بأن تصبح ولي العهد، ولكن بقي القانون القديم مطبقاً على أبناء هارالد. وبعد وفاة والده، تولّى هاكون العرش في مراسم متواضعة ألقى خلالها القسم، من دون حفل تتويج بعد إلغائه في النرويج قبل عقد من الزمن.

كان لافتاً غياب زوجة الملك هاكون («هوكون» كما يلفظ الاسم محلياً) عن حفل أدائه القسم غداة وفاة والده. عوضاً عن ميته ماريت، كانت ابنته إنغريد ألكسندرا حاضرة إلى جانبه، وأدّت القسم لتصبح وريثته على العرش.

العائلة الملكية برّرت غياب ميته ماريت بأنها تعاني من مضاعفات بعد إجراء عملية زرع رئة في منتصف شهر يوليو (تموز) الماضي. وبالفعل، شوهدت الملكة الجديدة تصل إلى مستشفى أوسلو برفقة زوجها الملك، بعيد حفل أدائه القسم، في سيارة «رينج روفر»، قادها هو بنفسه... ومكث معها قرابة الساعة ليغادر ويعود بعد وقت قليل ليأخذها معه.

فضائح «ميته ميريت»

بيد أن غياب الأميرة قد يكون أيضاً مناسباً للعائلة المالكة لإبعاد الأضواء عنها بسبب الفضائح الكثيرة المرتبطة بها منذ سنوات، التي تسببت بدعوات لتجريدها من ألقابها الملكية لأنها «غير جديرة بها». فمنذ سنوات، واسم ميته ماريت بات مرتبطاً بالمليونير الأميركي جيفري إبستين الذي وجد ميتاً في السجن بعد توقيفه بتهم تتعلق الاتجار بالقاصرين لأغراض جنسية من بين تهم أخرى. ولقد كشفت صحف نرويجية منذ عام 2019 عن علاقة صداقة تجمع بين ميته ماريت وإبستين.

وعلى الرغم من أن الملكة أعلنت مراراً أنها قطعت علاقتها به عام 2013، بعد سنتين من تعرفها عليه، فإن المراسلات التي كشف عنها الكونغرس الأميركي أخيراً أظهرت أنها لم تكن تقول الحقيقة. إذ أكّدت تلك الوثائق وجود علاقة صداقة قويّة بينهما وتبادلهما لرسائل شخصية خاصة لسنوات استمرت حتى عام 2014.

وللعلم، اعتذرت ميته ماريت لاحقاً عن علاقتها بإبستين، لكنها نفت علمها بأنه كان مُداناً بجرائم جنسية على الرغم من اعترافها في واحدة من المراسلات التي بعثتها له بأنها بحثت عن اسمه في محرّك «غوغل» وأن النتائج «لم تكن جيدة». وللعلم، أدين إبستين بجرائم جنسية وجرائم احتيال منذ عام 2005، واعتقل كذلك وحكم عليه بالسجن لأشهر عام 2008 مع أنه لم يعتقل في ملف كبير إلا في عام 2019.

فضيحة ثانية...هذه المرة لابنها

وتسببت علاقة ميته ماريت بإبستين بدعوات في الصحافة النرويجية لتجريدها من منصبها ولقبها، أسوة بالأمير أندرو في بريطانيا. واقترح البعض أن يبقى زوجها ملكاً بعد تتويجه، ولكن شرط ألا تُمنح هي اللقب ولا تُمنح أي واجبات ملكية. غير أن ارتباط الملكة الجديد بإبستين جاء وسط فضيحة أخرى ارتبطت بابنها من زوجها الأول قبل زواجها من هارالد. إذ كان ابنها داريوس يخضع لمحاكمة في جرائم اغتصاب وعنف وتهريب مخدرات، أدين فيها لاحقاً وحكم عليه بالسجن لـ4 سنوات... يخدمها الآن في الحبس المنزلي بعد إجباره على ارتداء سوار تعقُّب.

وسط كل هذه الفضائح، اختار هاكون الوقوف إلى جانب زوجته، مقدماً لها كل الدعم. وفي الواقع، فإن تلك الفضائح تعكس تاريخ الزوجين والمشاكل التي أحاطت بهما قبل زواجهما. فهي تنتمي إلى عامة الشعب، وليست ابنة عائلة أرستقراطية، ولكن تلك لم تكن العقبة الأساسية. ذلك أن الملكة سونيا، أم الملك هاكون، وزوجة الملك هارالد، كانت هي أيضاً من عامة الشعب. وكانت الأولى من العامة التي تدخل العائلة المالكة النرويجية.

غير أن تاريخ ميته ماريت، وعلاقاتها السابقة، أثبتت منذ البداية أنها تشكّل تحدّياً لولي العهد آنذاك. فقد تعارفا عام 1999، وتزوّجا بعد ذلك بـ3 سنوات، علماً بأنهما كانا يعيشان معاً قبل زواجهما، ما تسبّب كذلك بانتقادات داخل الكنيسة اللوثرية التي تنتمي إليها العائلة المالكة النرويجية.

حياة غير عادية

للعلم، كان للملكة ميته ماريت ابن يدعى ماريوس، يبلغ من العمر 4 سنوات، عندما تعرّفت على هاكون، أنجبته من رجل أُدين بحيازة مخدرات. وعُرفت ميته ماريت أيضاً بماضيها الصاخب وحياتها المتقلّبة وتعاطيها المخدرات واختلاطها بأشخاص أدينوا لاحقاً بجرائم. بيد أنها قبل زواجها من هاكون، اعتذرت علناً عن ماضيها وأعلنت إدانتها للمخدرات.

وبالنسبة لهاكون، فإنه ظل على إعجابه بها رغم ماضيها الصاخب وانتقادات الصحافة لها، وأعلن قبل زواجهما أنهما حظيا بموافقة والديه، مضيفاً: «ما وجدناه معاً كان قوياً للغاية لدرجة لم أتمكن من التخلي عنه». ومن ثم، رزُق الزوجان بإنغريد ألكسندرا عام 2004، ثم بشقيقها سفيري ماغنوس في العام التالي.

فضلاً عما سبق، ووسط الفضائح الأخيرة، عادت صحة ميته ماريت إلى الواجهة أيضاً، بعدما أعلنت العائلة المالكة عام 2018 عن إصابتها بالتليّف الرئوي المُزمن. وساءت حالتها منذ مطلع العام، ما استوجب إجراء عملية زرع رئة لها خلال يونيو (حزيران) الماضي، يبدو أنها ما زالت تعاني من تبعاتها. وجاء الإعلان عن تدهور صحة ميته ماريت في وقت كانت تجري محاكمة ابنها داريوس وسط تغطية إعلامية كبيرة في النرويج.

الأميرة مارتا لويز... والتنجيم!

من جهة ثانية، يرى متابعون أن ميته ماريت ليست وحدها مصدر القلق بالنسبة للملك هاكون أو تراجع شعبيته، بل أيضاً شقيقته مارتا لويز كذلك. فهي الأخرى تسبب بمتاعب للعائلة المالكة كان آخرها ارتباطها بدوريك فيريت، وهو معلم روحي أميركي، أفريقي الأصل، ومن المؤمنين بنظريات المؤامرة.

ويصف الإعلام النرويجي فيريت بأنه «محتال»، لكن الأميرة مارتا نفسها تتهم الإعلام بأنه «عنصري» ويهاجم زوجها لأنه أسود. وبالفعل، تخلت الأميرة عن لقبها «صاحبة السمو» عام 2022 لكي تتمكن من متابعة مشاريعها التجارية، ولكنها واصلت استخدام لقب «أميرة»، وما زالت في ترتيب ولاية العرش بعد ابنة الملك هاكون.

بل يضاف إلى ما تقدّم، أن مارتا لويز نفسها تتسبب بجدل بسبب تعريفها نفسها بأنها «منجّمة» وتزعم القدرة على الاستبصار والتكلّم مع الملائكة (!)

بالتالي، في عام 2024، أظهر استطلاع للرأي حول مستوى التأييد الشعبي للملكية تراجعه إلى 68 في المائة مقارنة بـ81 في المائة عام 2017، وسمّى المُستطلعة آراؤهم الأميرة مارتا لويز وداريوس ابن ميته ماريت، السببين الرئيسين في تراجع تأييدهم للعائلة المالكة.

هاكون... الاستثناء

في ظل كل ذلك، نجح هاكون في الحفاظ على نسبة تأييد شعبي مرتفعة. إذ يُنظر إليه على أنه قريب من الشعب ومتواضع وقادر على قيادة البلاد مثل والده، بالوحدة والتواضع. وحقاً، تعهّد الملك هاكون نفسه في أول خطاب وجّهه للشعب، بأنه سيتبع طريقه الخاص كما فعل والده قبله، مع التأكيد على الأسس التي بُنيت عليها الملكية الدستورية في النرويج. وأعلن أنه سيبقي على شعار والده «كل شيء للنرويج». وعلّق رئيس الوزراء النرويجي على تولي الملك هاكون العرش بالقول إنه يتشارك كثيراً من الصفات مع والده، خاصة «قدرته على خلق مناخ من الوحدة» بين النرويجيين.

مسؤوليات متزايدة ... ودور منتظر

من ناحية ثانية، مع أن هاكون توجّ ملكاً في ظروف صعبة وتراجع في شعبية العائلة المالكة، فقد ولد وكبر بانتظار يوم يغدو فيه ملكاً. ولقد تحمل في السنوات الأخيرة مسؤوليات متزايدة مع غياب والده كثيراً بداعي المرض، ما جعله متمرّساً أكثر بالدور الأكبر، رغم تشكيك البعض بقدرته على ملء مكان والده الذي كان يحظى بشعبيته كبيرة. واليوم ها هو هاكون الملك الرابع في النرويج بعد إعادة الملكية عام 1905عندما استقلت البلاد عن السويد.

وهاكون هو الابن الوحيد للملك الراحل هارالد وزوجته سونيا، وقد سمي على اسم جده الأكبر هاكون السابع، وهو أيضاً حفيد بعيد للملكة فيكتوريا، ملكة بريطانيا السابقة. ومثل معظم الرجال في العائلة المالكة، لهاكون خلفية عسكرية؛ فقد خدم في البحرية النرويجية بعد تخرجه من الأكاديمية البحرية عام 1995.

ولكن خلافاً لوالده وجدّه، فإن هاكون لم يدرس في جامعة أكسفورد العريقة في بريطانيا، بل اختار عوضاً عن ذلك جامعة كاليفورنيا - بيركلي المرموقة في الولايات المتحدة، حيث درس العلوم السياسية، ثم حصل على درجة الماجستير من مدرسة لندن للاقتصاد (LSE).

ومع أن هاكون كان يعي منذ صغره أنه وريث للعرش النرويجي، فقد وجد مسؤولياته الملكية صعبة في البداية، وكتب في مذكراته التي نشرت عام 2023: «نعم أنا من العائلة المالكة، ولكنني في المدرسة لم أشأ الحديث بالأمر، فقد كان ذلك يشعرني بالقلق». وفعلاً، بخلاف أولاد العائلة المالكة، أرتاد مدرسة عامة من مدارس الدولة في الثمانينات، ما عكس إرادة والديه آنذاك بإعطاء ولديهما نشأة عادية قدر المستطاع. وسريعاً صار هاكون ولي العهد وهو في سن الـ17 فقط عند وفاة جده الملك أولاف الخامس وتتويج أبيه هارالد ملكاً عام 1991.

تفاصيل من حياته العائلية

التقى هاكون بزوجته ميته ماريت عام 1999 في حفل موسيقي بمدينة كريستيانستاند من حيث تتحدر هي. ووصفتها الصحافة آنذاك بـ«سندريلا كريستيانستاند» نظراً لنشأتها المتواضعة هناك. وعلى الرغم من الجدل المحيط بارتباط الأمير بفتاة من العامة لديها ابن يبلغ من العمر 4 سنوات، تزوج هاكون من ميته ماريت عام 2001. وشبّه معلّقون في النرويج علاقتهما بعلاقة الملك إدوارد الثامن الذي تخلى عن العرش البريطاني كي يرتبط بواليس سيمبسون، السيدة الأميركية المطلقة.

آنذاك، تنبأ كثيرون بأن هذا الزواج قد يحمل نهاية العائلة المالكة. وتساءل كثيرون عما إذا كانت حياة ميته ماريت الصاخبة - قبل تعرفها على هاكون - مناسبة لحياة العائلة الملكية. لكنها نجحت بكسب ودّ النرويجيين عندما قدّمت اعتذاراً علنياً عن ماضيها وطلبت فتح صفحة جديدة. ومنذ زواجهما ينظر إليهما على أنهما يمثلان العائلة الملكية الحديثة، ويجيدان التواصل مع النرويجيين العاديين. ولكن شعبيتها عادت للتراجع، تحديداً مع تورط ابنها بقضايا اغتصاب، نفاها كلها، ثم تورّطها هي بعلاقة صداقة مع إبستين. ورغم تكرار العائلة الملكية بأن ماريوس لا يحمل أي ألقاب ملكية، فإن تلك الفضائح عادت وسلّطت الضوء بشكل سلبي على العائلة. وبالتالي، فالتحدّي الماثل أمام الملك هاكون اليوم هو مدى قدرته على إبعاد نفسه عن هذه الفضائح وإعادة الثقة وخلق مناخ وحدة بين النرويجيين كما فعل والده.


رابع ملوك سلالة غلوكسبورغ يتأهب لنقل النرويج إلى حقبة جديدة

الملك السابق الراحل هارالد الخامس (آ ف ب/غيتي)
الملك السابق الراحل هارالد الخامس (آ ف ب/غيتي)
TT

رابع ملوك سلالة غلوكسبورغ يتأهب لنقل النرويج إلى حقبة جديدة

الملك السابق الراحل هارالد الخامس (آ ف ب/غيتي)
الملك السابق الراحل هارالد الخامس (آ ف ب/غيتي)

منذ استقلال النرويج عن السويد عام 1905، تعاقب على عرشها أربعة ملوك من سلالة غلوكسبورغ قبل الملك الحالي هاكون الثامن، الذي تولى العرش قبل أيام.

جدير بالذكر أن الملك في النرويج لا يتمتع بسلطات سياسية تنفيذية ولكنه يعتبر رمزاً للبلاد ووحدتها، وبالتالي يعد دوره بروتوكولياً أشبه بدور الملك في بريطانيا.

كان أول ملوك النرويج بعد الاستقلال هاكون السابع الذي تولّى العرش بين العامين 1905 و1957. وتميّز عهده الطويل بترسيخ أركان النظام الملكي الدستوري، وتعزيز الهوية الوطنية النرويجية. وكان من أبرز مفاصل حكمه إبان الحرب العالمية الثانية، عندما رفض التعاون مع الاحتلال النازي، وغادر بلاده إلى بريطانيا مع الحكومة النرويجية، ليغدو رمزاً للمقاومة والوحدة الوطنية.

خلف هاكون السابع ابنه أولاف الخامس الذي تولى العرش بين العامين 1957 و1991. عُرف بشخصيته المتواضعة والقريبة من الشعب. وشهد عهده مرحلة طويلة من الاستقرار والازدهار الاقتصادي، بالتزامن مع اكتشاف النفط والغاز في بحر الشمال، وهو ما ساهم في تحوّل النرويج إلى واحدة من أغنى دول العالم. وفضلاَ عن ذلك اشتهر الملك أولاف بحبه للرياضة والتزلج وبأسلوب حياته البسيط الذي جعله يحظى بشعبية واسعة.

هارالد الخامس، ابن أولاف، الذي توفي قبل أسبوع، ثالث ملوك النرويج. ولقد تولى العرش عام 1991 بعد وفاة والده وبقي في منصبه نحو 35 سنة حتى وفاته. وخلال سنوات عهده واجهت النرويج قضايا سياسية واجتماعية واقتصادية كبرى، بينما عزّز هارالد صورة الملكية باعتبارها مؤسّسة جامعة للنرويجيين. وكان زواجه من الملكة سونيا، وهي من عامة الشعب، علامة على تغيّر المجتمع والملكية النرويجية. ومثل أبيه قبله، عرف هارالد بشخصيّته القريبة من الشعب وكان يتمتع بروح فكاهة جعلته واسع الشعبية. وبالأمس، بعد وفاته خلفه ابنه هاكون الثامن بعدما أمضى عقوداً ولياً للعهد يتأهب لدوره الملكي. وعلى الرغم من أن عهده بدأ للتو، فإن الشعبية الكبيرة التي تمتعت بها العائلة المالكة تراجعت أخيراً إلى حد ما.

الملك الجديد معروف باهتمامه بقضايا البيئة والشباب والتنمية وبخبرته الدولية الواسعة، بجانب كونه أول عاهل نرويجي يتلقى تعليمه الجامعي في الولايات المتحدة، بخلاف أبيه وجده اللذين درسا في جامعة أوكسفورد البريطانية، وهذا على الرغم من الروابط العائلية التي تجمع العائلتين الملكيتين النرويجية والبريطانية.


السودان: الحرب قد تأتي من السماء


مسيّرة بيرقدار التركية واحدة من المسيّرات التي تُستخدم في القتال الجاري في السودان (أرشيفية - أ.ف.ب)
مسيّرة بيرقدار التركية واحدة من المسيّرات التي تُستخدم في القتال الجاري في السودان (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

السودان: الحرب قد تأتي من السماء


مسيّرة بيرقدار التركية واحدة من المسيّرات التي تُستخدم في القتال الجاري في السودان (أرشيفية - أ.ف.ب)
مسيّرة بيرقدار التركية واحدة من المسيّرات التي تُستخدم في القتال الجاري في السودان (أرشيفية - أ.ف.ب)

لا يحتاج سكان مدينة الأبيِّض، عاصمة ولاية شمال كردفان في السودان، إلى رؤية المقاتلين في الشوارع ليعرفوا أن الحرب اقتربت. يكفيهم سماع صوت في السماء، يعقبه إطلاق المضادات الأرضية ودوي انفجار في جهة ما، ليتداول الناس الخبر ويتساءلون: «أين سقطت المسيّرة هذه المرة؟ وأين ألقت بحممها؟ ومن أصابت؟ وما المنشأة التي ستخرج عن الخدمة؟». لقد أصبحت مدينة الأبيِّض، خلال الأشهر الأخيرة، واحدة من أكثر مدن السودان تعرّضاً لهجمات الطائرات المُسيَّرة، وفي حين اقتربت خطوط المواجهة البرّية منها إلى أقل من 40 كيلومتراً، أفاد شهود ومصادر طبية في 12 أغسطس (آب) الماضي، لوكالة «رويترز»، بأن ثماني مسيّرات استهدفت المدينة خلال يوم واحد، وأدى ذلك الهجوم لمقتل شخصين وإصابة آخرين، وذلك بالتزامن مع تجدّد العمليات العسكرية في شمال كردفان، من دون أن يعلن أي طرف مسؤوليته عن تلك الهجمات.

هجمات أغسطس (آب) في السودان لم تكن سوى امتداد لسلسلة أطول على المدينة الاستراتيجية؛ إذ قالت منظمة «أطباء بلا حدود» (MSF)، استناداً إلى بيانات «المنظمة الدولية لسلامة المنظمات غير الحكومية» (INSO)، إن مناطق شمال كردفان سجّلت ما لا يقلّ عن 141 هجوماً بالمسيَّرات منذ بداية عام 2026 وحتى الثامن من يوليو (تموز) الماضي، وقع معظمها في مدينة الأبيِّض. وطالت الضربات مدارس وسوقاً ومحطات وقود ونقاط مياه ومحطة الكهرباء الرئيسة. وقدّرت المنظمة أن بين عدد سكان المدينة البالغ نحو نصف مليون شخص، قرابة مائة ألف نازح فرّوا من مناطق أخرى.

المسيّرات بعد الحصار

بين 6 - 28 يونيو (حزيران) الماضي وحده، وثّق مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان مقتل 45 مدنياً، وإصابة 41 آخرين، في 15 ضربة بالمسيّرات في الأبيِّض ومحيطها. وبعد أشهر طويلة من ظروف شبيهة بالحصار ونقص المياه النظيفة والغذاء والرعاية الصحية، صار الوصول إلى الماء نفسه محفوفاً بالخطر؛ إذ أفادت «هيئة الأمم المتحدة للمرأة»، بأن بعض النساء والفتيات بتن يتجنّبن الخروج لجلب المياه نهاراً خوفاً من هجمات المسيّرات، بينما يعرضهن الخروج ليلاً لمخاطر التحرّش والعنف الجنسي.

وبهذا أصبحت الأبيِّض، طوال صيف عام 2026، نموذجاً عملياً للتحول الذي طرأ على الحرب السودانية، بعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاعها في 15 أبريل (نيسان) 2023.

ولم تعد جبهة القتال، هناك، تعني فقط المكان الذي توجد فيه القوات البرية والمدفعية، فالطائرات الحربية والمسيرات حملتا الحرب إلى الأسواق والمستشفيات ومحطات الكهرباء ومستودعات الوقود والمطارات، وإلى مدن تبعد مئات الكيلومترات عن خطوط المواجهة.

أما بالنسبة إلى المواطنين، فقد ألغى ذلك واحدة من أبسط قواعد النجاة التي اتبعوها منذ بداية الحرب: «أن تبتعد عن القتال لكي تصبح أكثر أمناً»، فقد كان «محمد عبد المنعم» - اسم مستعار اختير لحماية هويته - يعتقد أنه فعل ذلك أكثر من مرة.

غادر محمد عبد المنعم منزله في مدينة الخرطوم بحري، في يونيو 2023، بعد أقل من شهرين على اندلاع القتال، واتجه إلى ولاية الجزيرة. وبعد اجتياح «قوات الدعم السريع» مدينة ود مدني في ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه، نزح مرة أخرى، وهذه المرة اختار مدينة بورتسودان في أقصى شرق البلاد، مكاناً لنزوح جديد.

كان عبد المنعم يظن أن المدينة هي «الأكثر أمناً»، ليس فقط لبُعدها عن مناطق القتال؛ بل لأن انتقال الحكومة ومؤسّسات الدولة إليها كعاصمة إدارية بديلة، يعني أيضاً أن إجراءات تأمينها ستكون أكبر، وأن وصول الحرب إليها أمر مستبعد.

انهيار أوهام الأمان

خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال محمد عبد المنعم إن افتراضه ذاك انهار دفعة واحدة في صباح 4 مايو (أيار) 2025، وإنه ومن مكان إقامته في حي هدل، بشرقي مدينة بورتسودان، شاهد ما وصفها بأنها أول مسيّرة تهاجم المدينة. وقال: «كان الوقت باكراً، شاهدت المسيّرة تتجه إلى أقصى شرق المدينة، وبعد ذلك سمعت انفجارات في ناحية قاعدة فلامنغو العسكرية البحرية».

كان ذلك الهجوم بداية لستة أيام متتالية من هجمات المسيّرات على بورتسودان بين أيام 4 - 9 مايو من الشهر ذاته، وذلك وفقاً لمشروع تقييم القدرات (ACAPS)، الذي قال إن الهجمات طالت منشآت عسكرية ومدنية، من بينها مطار المدينة الدولي، ومستودع للوقود، وقاعدة عثمان دقنة الجوية، وقاعدة فلامنغو البحرية.

وفي السادس من الشهر ذاته، أصابت هجمات المسيّرات مستودعاً للوقود والمحطة الرئيسة للكهرباء، ما أدى إلى اندلاع حريق واسع وانقطاع كامل للتيار الكهربائي عن المدينة.

تشريد وعطش ومعاناة ... ثمن باهظ للحرب السودانية (اليونيسيف)

أزمات المياه والوقود

ويتذكّر عبد المنعم أنه شاهد لاحقاً دخاناً كثيفاً يتصاعد من اتجاهين؛ أحدهما ناحية الميناء الجنوبي، والآخر من أقصى جنوب المدينة، قبل أن يرى ألسنة اللهب ترتفع من ناحية مستودعات الوقود، بينما انشغل سكان الحي بتبادل الأخبار عن المواقع التي تعرّضت للقصف ثم انقطعت الكهرباء.

للعلم، كانت الأحياء والضواحي شرقي بورتسودان تعاني أصلاً من مشكلة مزمنة في المياه. وبحسب عبد المنعم، فإن السكان كانوا يشترون المياه للشرب والاستخدامات المنزلية، لذا لم تصنع الضربات أزمة المياه من الصفر، لكنها فاقمتها عندما أدى انقطاع الكهرباء إلى تعطيل تشغيل محطات الضخ والتحلية.

ولم تقف الأزمة في حدود المياه، فوفقاً لروايته لم تمض سوى نحو 24 ساعة، حتى ظهرت أزمة أخرى؛ إذ «بدأت أزمة الوقود وظهرت الصفوف أمام محطات الوقود». ووفق مشروع تقييم القدرات أثرت الضربات على الكهرباء ومستودعات الوقود في إمدادات الوقود والمياه، كما أدت الهجمات إلى نزوح ما لا يقل عن 550 أسرة من بورتسودان، وتعطيل جانب من العمليات الإنسانية وحركة الرحلات التابعة للخدمات الجوية الإنسانية للأمم المتحدة».

دخان الحرائق غطى المدينة

وفق عبد المنعم، فإن الحرائق ظلت مشتعلة، بدرجات متفاوتة، في مستودعات الوقود لنحو أسبوعين، وإن الدخان غطى سماء المدينة، وبينما كانت النيران مستمرة، بدأ يشاهد أشخاصاً يغادرون بورتسودان براً باتجاه مصر، بعضهم عبر طرق غير نظامية «تهريب»، بينما غادرت أسر يعرفها بالفعل المدينة.

وفكّر عبد المنعم أيضاً في المغادرة والنزوح للمرة الثالثة، لكن خياراته كانت تتضاءل. وأضاف: «فكرت في مغادرة المدينة، لكن أي مدينة سودانية أخرى بعد بورتسودان لن تكون آمنة من المسيّرات، خاصة أن خدمات المطار توقفت لعدة أيام، فقرّرت البقاء وانتظار المقدّر، فقد نزحت مراراً».

لم يكن البقاء في بورتسودان رخيصاً؛ إذ كان عبد المنعم يدفع مليون جنيه سوداني - 300 دولار وقتها - شهرياً مقابل منزل يصفه بأنه متهالك، عبارة عن غرفة وصالة صغيرة ومطبخ وحمام بلدي. وبالنسبة لرجل غادر منزله في بحري، ثم لجأ إلى الجزيرة، ومنها إلى ساحل البحر الأحمر، لم يعُد الوصول إلى مكان بعيد عن الجبهة يعني الوصول إلى مكان خارج الحرب.

وتابع عبد المنعم كلامه، فقال: «وصول المسيرات لبورتسودان أرسل رسالة واضحة وصريحة: إن هذه الحرب لن تترك مكاناً في السودان إلا وستصله».

سوق كبكابية

وإذا كانت هجمات بورتسودان التي اتهمت بها «قوات الدعم السريع»، تكشف عن كيف تستطيع المسيّرات الوصول إلى مدينة ظلت بمنأى عن القتال البري سنتين، فإن حادثة سوق كبكابية، في شمال دارفور، تكشف عن الوجه الأكثر مباشرة ودموية للحرب الجوية.

ففي التاسع من ديسمبر (كانون الأول) 2024، تعرّضت السوق الأسبوعية في المدينة لقصف جوي في وقت كانت فيه السوق مكتظة بالمدنيين، وقالت «منظمة العفو الدولية» وقتها إنها تلقّت معلومات، بينها شهادات من كبكابية، أن طائرات عسكرية قصفت السوق وقتلت عشرات الأشخاص، وكان بين القتلى 15 نازحاً، سبق لهم الفرار إلى كبكابية من هجمات في مناطق أخرى في دارفور.

ما عادت جبهة القتال تعني فقط المكان الموجودة فيه القوات البرية والمدفعية

فالطائرات الحربية والمسيرات حملتا الحرب إلى الأسواق

سد مروي

ويقدم «سد مروي» ومحطته الكهربائية في الولاية الشمالية، أيضاً، أحد أوضح الأمثلة على ذلك؛ ففي يناير (كانون الثاني) 2025، تعرّضت منشآت الطاقة في مروي لهجمات بالمسيّرات، وأدت الأضرار والانقطاعات اللاحقة إلى اضطراب واسع في شبكة الكهرباء في أجزاء كبيرة من المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش السوداني. ونقلت وكالة «رويترز» حينذاك أن الانقطاعات التي بدأت بهجوم على سد مروي امتدت آثارها إلى الولاية الشمالية، ثم تزامنت مع مشاكل وهجمات أخرى أدت إلى انقطاعات في نهر النيل والبحر الأحمر وولايات شرقية، وعطلت المستشفيات والمدارس ومنشآت المياه.

وقال مشروع تقييم القدرات، في وقت لاحق، إن هجمات المسيّرات على سد مروي وشبكات الطاقة المرتبطة به، أسهمت في تعطيل خدمات المياه والصرف الصحي، وأظهرت كيف يمكن لضربة على عقدة واحدة في الشبكة الكهربائية أن تنتقل آثارها إلى مناطق تبعد مئات الكيلومترات عن موقع الهجوم.

وهنا تتغير طريقة حساب ضحايا الضربة، فثمة من أصابته الشظايا، لكن هناك أيضاً مريضاً وجد مستشفاه بلا كهرباء، وأسرة تعطلّت مضخة المياه التي تعتمد عليها، ومخبزاً توقف، ودواء يحتاج إلى التبريد، ومواطناً لا يعرف أن العطل الذي يواجهه في مدينته بدأ بمسيرة سقطت على منشأة بعيدة.

في الأبيِّض، يظهر هذا الترابط بصورة أكثر مباشرة، وتقول منظمة «أطباء بلا حدود»، إن تصاعد هجمات المسيّرات أدى إلى تفاقم نقص الوقود وارتفاع كلفة النقل وصعوبة الوصول إلى مياه الشرب والرعاية الصحية، في مدينة تعمل فيها الخدمات أصلاً تحت ضغط شديد.

التحول الحاصل في الحرب السودانية

المقدم المتقاعد بالجيش السوداني الدكتور المهندس الفاتح جمعة حمدي جبارة، الخبير في تطوير أنظمة الطائرات المسيّرة، يفسّر التحوّل في الحرب بأنه نتيجة «تغيّر كبير في استخدام السلاح» خلال سنوات الحرب.

ويوضح جبارة لـ«الشرق الأوسط»، أن الوزن الأكبر في الجو عند اندلاع الحرب كان للطيران المأهول، خصوصاً لدى القوات المسلحة التي تمتلك المقاتلات والطائرات الهجومية والمروحيات والقواعد الجوية، بينما كان استخدام المسيّرات أقرب إلى الاستطلاع ومراقبة تحرّكات القوات ودعم العمليات على الأرض. لكن دور المسيّرات بدأ يتغير ميدانياً منذ أواخر 2023. وأصبح أكثر وضوحاً في 2024، قبل أن تصبح خلال 2025 و2026 جزءاً أساسياً من العمليات، وأصبحت تستخدم لضرب القواعد ومخازن الوقود ومحطات الكهرباء ومواقع بعيدة عن الاشتباكات المباشرة.

ويشير جبارة إلى أنه «عندما دخل الجيش الحرب بقوة جوية تقليدية، لم يكن لـ(الدعم السريع) ما يوازيها، لكن المسيرات أتاحت للأخيرة تطوير قدرة جوية غير مأهولة لم تكن متاحة لها في بداية القتال، في حين واصل الجيش بدوره تطوير ترسانته من هذا السلاح».

مسيّرة "مهاجر - 6" الإيرانية الصنع (وانا)

ترسانة المسيّرات الحالية

ووفقاً لإفادة خبير المسيرات لـ«الشرق الأوسط»، ظهرت لدى الجيش أنواع من المسيرات بينها «مهاجر - 6» إيرانية الصنع، و«بيرقدار TB2» و«بيرقدار أكينجي» التركية الصنع، بينما امتلكت «قوات الدعم السريع» مسيرات «CH - 95» الصينية، وأنواعاً أخرى بعيدة المدى. وشرح أن أنواع المسيّرات المستخدمة في الحرب السودانية تختلف جذرياً في وظائفها، فبينها الصغيرة والتجارية المستخدمة في الاستطلاع القريب، وأخرى تكتيكية ثابتة الجناح، ثم المسيرات القتالية التي تحمل ذخائر وتعود إلى قاعدتها، إلى جانب المسيرات الانتحارية التي تتحوّل فيها الطائرة نفسها إلى السلاح وتدمّر عند اصطدامها بالهدف.

ثم أضاف: «لكن التطور الأكثر تأثيراً في حياة المدنيين هو المدى». فوفق جبارة، بعض المسيّرات البعيدة المدى تستطيع الاعتماد على نظام الملاحة العالمي عبر الأقمار الصناعية (GNSS)، ونظام الملاحة بالقصور الذاتي (INS)، ومسارات مبرمجة سلفاً، ما يسمح لها بالوصول إلى أهداف بعيدة من دون حاجة إلى قيادة يدوية مستمرة طوال الرحلة. وهنا بحسب تعبيره، تغيّر مفهوم «العمق الآمن»، قبل أن يضيف: «في السابق، كان الموقع الذي يبعد مئات الكيلومترات عن الجبهة، يتمتع بحماية طبيعية من المدفعية والأسلحة قصيرة المدى والقوات البرية، لكن المسيرات بعيدة المدى قللت قيمة هذا النوع من الحماية».

واستطرد: «العمق الآمن اليوم لا يقاس بالمسافة وحدها، وإنما يعتمد أيضاً على الإنذار المبكر والتغطية الرادارية والدفاع الجوي والحرب الإلكترونية وتوزيع المنشآت الحيوية وسرعة استعادة الخدمات بعد الهجوم».

وبحسب جبارة، قلل توفر المسيّرات كذلك، المخاطر على الطيارين، وإمكانية البقاء في الجو لفترات طويلة، وانخفاض كلفة بعض أنواعها مقارنة بطلعات الطائرات المقاتلة، وإن كانت المقاتلات تتفوّق في السرعة وحمولة الذخائر والمرونة وقدرات الدفاع الذاتي. وهذا قبل أن يردف: «لكن انخفاض كلفة السلاح بالنسبة إلى مستخدمه، قد يعني كلفة ضخمة على الأرض، فمحطة كهرباء واحدة يمكن أن تغذي مستشفى ومضخات مياه وأحياء سكنية، ومستودع وقود يحرك وسائل النقل والمولدات، وميناء يستقبل الغذاء والدواء والمساعدات».

أيضاً، ذكر أن هجمات بورتسودان أظهرت هذا التداخل بوضوح، حين امتد أثر ضرب منشآت الوقود والكهرباء والميناء إلى الخدمات المدنية والإمدادات، بل إن اعتراض المسيرة لا ينهي الخطر بالضرورة، فيمكن أن تتساقط أجزاء الهيكل والمحرك والوقود والرأس الحربي، فضلاً عن أجزاء من وسيلة الاعتراض نفسها، وقد يبقى الرأس الحربي الذي لم ينفجر ذخيرة خطرة على الأرض، خصوصاً في المناطق المأهولة.

واختتم جبارة بالقول: «إن مواقع كانت تعد بعيدة عن الحرب أصبحت داخل نطاقها، والهدوء في الشارع لا يعني أن الحرب بعيدة، والمسافة من المدافع لا تضمن أن المدينة أصبحت خارج المدى... هكذا لم يعد على الحرب في السودان، أن تقطع الطريق كله براً حتى تصل إلى الناس، بل يكفي أحياناً أن تأتيهم من السماء».