كوريا الجنوبية في قلب «لعبة التوازن الصعب» بين الصين وأميركا

«معجزة النهضة الكورية» رفعت البلاد في 4 عقود إلى مرتبة القوة الاقتصادية الثامنة في العالم

Protesters attend a rally calling for impeached South Korean President Yoon Suk Yeol to step down near the Constitutional Court in Seoul, South Korea, Monday, March 17, 2025. The letters read "Arrest Yoon Suk Yeol " (AP Photo/Ahn Young-joon)
Protesters attend a rally calling for impeached South Korean President Yoon Suk Yeol to step down near the Constitutional Court in Seoul, South Korea, Monday, March 17, 2025. The letters read "Arrest Yoon Suk Yeol " (AP Photo/Ahn Young-joon)
TT

كوريا الجنوبية في قلب «لعبة التوازن الصعب» بين الصين وأميركا

Protesters attend a rally calling for impeached South Korean President Yoon Suk Yeol to step down near the Constitutional Court in Seoul, South Korea, Monday, March 17, 2025. The letters read "Arrest Yoon Suk Yeol " (AP Photo/Ahn Young-joon)
Protesters attend a rally calling for impeached South Korean President Yoon Suk Yeol to step down near the Constitutional Court in Seoul, South Korea, Monday, March 17, 2025. The letters read "Arrest Yoon Suk Yeol " (AP Photo/Ahn Young-joon)

أعادت الاتفاقية الأمنية والتجارية، التي وقّعتها سيول وواشنطن في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، كوريا الجنوبية إلى قلب لعبة التوازن الصعب بين التجاذبات الصينية والأميركية التي تشكّل الهاجس السياسي الرئيسي للكوريين الجنوبيين. تسلط «الشرق الأوسط» في هذا التقرير من سيول، الضوء على التجاذبات التي تشهدها كوريا الجنوبية منذ إعلان الرئيس السابق يون سوك يول الأحكام العرفية التي تسببت في إطاحته عام 2024. كما يسلط التقرير الضوء على الانقسامات بين معسكر يدفع باتجاه تعميق التحالف مع الإدارة الأميركية الجديدة، ورصّ الصفوف الإقليمية في مواجهة الصعود الصيني، ومعسكر يدعو إلى الإبحار في الاتجاه المعاكس خشية وقوع المنطقة مجدداً في براثن الصراع بين القوى الكبرى.

في أواسط القرن الثامن عشر، وبسبب سياسة الانغلاق التي كانت تنتهجها السلالات الملكية الحاكمة في شبه الجزيرة الكورية والتقشّف الذي كانت تفرضه على رعاياها، أُطلق على كوريا لقب «المملكة الناسكة» التي كانت، نظراً لأهمية موقعها الجغرافي، محطّ مطامع الإمبراطوريتين الآسيويتين الكبريين: الصينية واليابانية. وبعد الحرب الطاحنة التي أخضعت فيها اليابان، التي تُعرف بـ«بلاد الشمس الطالعة»، منافستها الصينية على الزعامة الإقليمية، ثم بعد انتصارها على روسيا، وقعت كوريا في قبضة الاستعمار الياباني الذي تميّز بممارسات تنكيلية وقسوة ما زالت تحفر في عمق الذاكرة الكورية إلى اليوم.

بعد هزيمة اليابان واستسلامها في نهاية الحرب العالمية الثانية، تقاسمت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي شبه الجزيرة الكورية: الشمال تحت نفوذ موسكو، ورئاسة حليفها كيم إيل سونغ، المعروف بعدائه الشديد لليابان، والجنوب تحت سيطرة واشنطن التي وضعت على رأس السلطة في سيول السياسي اليميني سينغمان ري، الذي كان منفياً في الولايات المتحدة. لكن بعد أقل من 5 سنوات على ذلك التقسيم الاعتباطي، اندلعت «الحرب الكورية» الضارية عندما اجتاحت قوات الشمال، مدعومة من الاتحاد السوفياتي والصين، القسم الجنوبي من شبه الجزيرة، فتدخلت الولايات المتحدة بذريعة «وقف الاعتداء»، كما وصفه المندوب الأميركي يومذاك في مجلس الأمن، علماً أن بكين كانت ما زالت غائبة عنه قبل الاعتراف رسمياً بعضويتها في الأمم المتحدة عام 1971. وكان مندوب الاتحاد السوفياتي غائباً هو أيضاً عن جلسات مجلس الأمن في تلك الفترة، بعد أن كانت موسكو قد قررت مقاطعة الأمم المتحدة احتجاجاً على عدم قبول عضوية الصين.

كانت الحرب الكورية من أكثر الحروب دموية ودماراً في التاريخ، فاتحة «الحروب بالوكالة» التي شهدتها الحرب الباردة بين الشرق والغرب، وألحقت دماراً هائلاً في البنى التحتية الضعيفة، متسببة في مرحلة مديدة من الفقر الشديد والمجاعة، فضلاً عن وقوع خسائر بشرية فادحة بين الطرفين: 700 ألف قتيل، نصفهم من المدنيين، في القسم الجنوبي، و750 ألفاً في القسم الشمالي، بينهم 400 ألف جندي صيني. وقد خسرت الولايات المتحدة في تلك الحرب ما يزيد على 55 ألف جندي، وأكثر من 100 ألف جريح، ودُمّرت 2700 من طائراتها، فيما وقع 3 آلاف قتيل في صفوف قوات الأمم المتحدة، التي شاركت فيها أكثر من 15 دولة. ويقدَّر عدد الضحايا الإجمالي، التي خلّفتها تلك الحرب، بنحو 5 ملايين، بينهم ما يزيد على 3 ملايين مدني.

عندما وضعت تلك الحرب أوزارها في صيف عام 1953 أعلن كل من الطرفين «انتصاره»، وتمّ التوقيع على وقف لإطلاق النار من غير إبرام أي معاهدة صلح أو سلام، وأعلنت الأمم المتحدة إنشاء منطقة منزوعة السلاح بعرض 4 كيلومترات على طول الحدود الفاصلة بين الطرفين، وتشكلت لجنة للتحقيق في جرائم الحرب التي شملت اغتيالات جماعية للشيوعيين على أيدي قوات كوريا الجنوبية، وتعذيب وتجويع الأسرى على يد قوات الشمال.

يقول البروفسور جي بين، المحاضر في كلية العلوم السياسية بجامعة سيول المركزية، ومؤسس معهد الدراسات السياسية، إنه عندما توقفت الحرب كانت جميع المدن الكورية قد دُمّرت بكاملها تقريباً، وإن القصف الجوي والبري والبحري الذي تعرّضت له كوريا الشمالية، لا مثيل له في تاريخ البشرية. يضيف جي بين: «الذين شاهدوا ذلك الدمار، وأنا منهم عندما كنت في صباي الأول، شاهدوا شعباً بكامله مقهوراً فوق الركام، ومحبطاً في مصيره بعد حقب الاستعمار المديد والحروب المدمرة، ويائساً من قدرته على النهوض والعيش بسلام».

يعتبر جي بين في مؤلفه «معجزة النهضة الكورية»، وهي النهضة الاقتصادية التي شهدتها كوريا الجنوبية منذ نهاية الحرب حتى عام 1996، أن هذه النهضة لا نظير لها في التاريخ، وأنها تتجاوز النهضة التي عرفتها كل من ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية. فقد شهدت كوريا الجنوبية، خلال تلك الفترة، وخاصة عاصمتها سيول، حيث يعيش نصف سكان البلاد، تطوراً صناعياً وتكنولوجياً وتعليمياً سريعاً، وارتفاعاً في مستوى الحياة وجودة الخدمات الأساسية، رفعها في 4 عقود إلى مرتبة القوة الاقتصادية الثامنة في العالم. وتزامنت تلك النهضة مع مرحلة «النضوج» في نظام الحكم، تعاقبت عليها في بداياتها حكومات عسكرية مستبدة إلى أن أجريت أول انتخابات حرة وعادلة في عام 1987، وراح النظام الديمقراطي يترسّخ فيها حتى أصبحت قدوة في محيطها الإقليمي من حيث نزاهة انتخاباتها ومحاسبة كبار المسؤولين عن الشطط والفساد في الحكم. وكان لتلك النهضة الاقتصادية، والارتقاء في النظام الديمقراطي، كبير الأثر في الشعور بالاعتزاز الذي يتميّز به الكوريون اليوم، والذي أصيب بصدمة كبيرة أواخر عام 2024 عندما أعلن الرئيس يون سوك يول الأحكام العرفية، متهماً الحزب الديمقراطي المعارض بالتواطؤ مع نظام كوريا الشمالية للانقلاب على الحكم، وأصدر أوامره بمنع الأنشطة السياسية والبرلمانية، وألغى حرية الصحافة.

تلك كانت أول مرة تُعلن فيها الأحكام العرفية في كوريا الجنوبية منذ عام 1980 عقب اغتيال الديكتاتور بترك شونغ هي. لكن كان قد سبقها 17 إعلاناً للأحكام العرفية منذ تشكيل الحكومة الأولى بعد الحرب العالمية عام 1948.

بعد ساعات قليلة على صدور قرار الأحكام العرفية، سارعت جميع الأحزاب السياسية، بما فيها الحزب الحاكم، إلى إعلان معارضتها للقرار، فيما اعتبر الحزب الديمقراطي، وهو حزب المعارضة الرئيسي الذي يسيطر على الأغلبية في البرلمان، أن يون لم يعد رئيساً للبلاد، ودعا المواطنين للنزول إلى الشوارع والتوجه نحو البرلمان، ودخلت كوريا الجنوبية في أزمة سياسية أعادت إلى الأذهان مرحلة الانقلابات العسكرية المتتالية التي كان الكوريون الجنوبيون ظنّوا أنها أصبحت من الماضي. وبعد جلسة صاخبة في البرلمان، صوّت النواب بأغلبية ساحقة، كان ضمنها عدد من أعضاء الحزب الحاكم، لرفع الأحكام العرفية، ما اضطر يون إلى عقد اجتماع طارئ لحكومته، تقرر فيه الإذعان لقرار البرلمان وإلغاء الأحكام العرفية.

استمرت التجاذبات بين يون والبرلمان عدة أسابيع، غرقت فيها كوريا الجنوبية في حال من الفوضى السياسية، فيما كانت دول عديدة تطلب من رعاياها عدم السفر إلى سيول، والحلف الأطلسي يحذّر كوريا الشمالية من استغلال الوضع للقيام بأي عمل عسكري ضد الجارة الجنوبية. وفي 15 يناير (كانون الثاني) من عام 2025، صدر أمر باعتقال يون ليصبح أول رئيس في تاريخ كوريا يلقى القبض عليه، ثم صدر قرار عن المحكمة الدستورية في 4 أبريل (نيسان)، يؤكد القرار الذي كان صدر عن البرلمان بعزله نهائياً من الرئاسة.

في 3 يونيو (حزيران) الفائت ذهب الكوريون الجنوبيون مجدداً إلى صناديق الاقتراع لانتخاب خلف ليون، ففاز في الانتخابات زعيم المعارضة لي ​جيه-ميونغ، الذي كان خسر في الانتخابات السابقة أمام يون. بلغت نسبة المشاركة في الاقتراع 79 في المائة، وهي أعلى نسبة منذ عودة الديمقراطية.

لكن رغم عودة مياه المسار الديمقراطي إلى مجاريها، لا تزال كوريا الجنوبية تعاني من شرخ سياسي واجتماعي عميق، وخيبة واسعة نشأت عن صدمة محاولة الانقلاب على النظام الديمقراطي التي قام بها الرئيس السابق. وقد ازداد هذا الانقسام السياسي حدة وتعقيداً في ضوء التداعيات الإقليمية للتحولات الجيو-استراتيجية العالمية، والسياسة التي تنتهجها الإدارة الأميركية في المنطقة، خاصة بعد الزيارة التي قام بها الرئيس دونالد ترمب إلى سيول في أكتوبر (تشرين الأول) الفائت، والاتفاقية الأمنية والتجارية التي وقّعها الطرفان، والتي أعادت كوريا الجنوبية إلى قلب لعبة التوازن الصعب بين التجاذبات الصينية والأميركية، التي تشكّل الهاجس السياسي الرئيسي للكوريين الجنوبيين.

تنصّ الاتفاقية التي وقّعتها كوريا الجنوبية مع الولايات المتحدة خلال زيارة ترمب، على تعهد سيول باستثمار 350 مليار دولار في السوق الأميركية خلال السنوات الخمس المقبلة، وهو مبلغ يكاد يعادل 5 إجمالي الناتج القومي لكوريا الجنوبية في عام 2024. وكانت واشنطن أبلغت سيول، خلال زيارة وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث إلى العاصمة الكورية، بأنه في حال وقوع صدام مباشر بين الولايات المتحدة والصين حول مراكز اقتصادية حساسة، مثل جزيرة تايوان أو طرق الملاحة في بحر الصين، لن يكون مسموحاً لكوريا الجنوبية بأن تقف على الحياد أو تنأى عن التدخل. والمعروف أن القوات المسلحة الكورية الجنوبية ما زالت إلى اليوم، بموجب المعاهدة التي وقّعتها سيول مع واشنطن في نهاية الحرب الكورية، تخضع لقيادة القوات الأميركية في حال نشوب حرب أو المشاركة في صراعات عسكرية خارجية. ويعلّق الكوريون الجنوبيون أهمية كبيرة على التخلص من هذه التبعية التي كانت واشنطن وعدت برفعها العام الماضي، لكن الإدارة الأميركية عادت وغيّرت رأيها واقترحت تأجيل القرار إلى عام 2027 من غير إعطاء ضمانات بذلك.

وقبل أيام حذّرت حكومة كوريا الشمالية من أن البرنامج النووي المشترك بين كوريا الجنوبية والولايات المتحدة، الذي نصّت عليه الاتفاقية المذكورة الموقعة بين واشنطن وسيول، ويتضمّن تكليف هذه الأخيرة بناء غواصات نووية، دليل على عدوانية واشنطن وحليفتها الكورية، وأن الهدف المعلن لنزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية يقتصر فحسب على نزع سلاح كوريا الشمالية. ورغم أن غالبية الكوريين الجنوبيين رحّبوا بهذا البرنامج من باب الاعتزاز بالقدرات التكنولوجية الوطنية في الميدان النووي، حيث كوريا الجنوبية هي إحدى الدول الأربع في العالم، إلى جانب الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا، القادرة على بناء محطات نووية في الخارج، لكن كثيرين يحذرون من عواقب هذا الاتجاه الذي من شأنه أن يطلق سباقاً إقليمياً للتسلح النووي.

ويكرر مسؤولون كوريون جنوبيون أن المشكلة الرئيسية، والمتفاقمة منذ سنوات، في العلاقات مع الولايات المتحدة، هي أن واشنطن تواصل مطالبة حلفائها بالمزيد، في الوقت الذي تعدهم بتغطية أمنية أقل وتخضعهم للابتزاز التجاري. وهذا ما يدفع الحكومات الآسيوية، كما يبدو، إلى التساؤل اليوم حول كيفية تأمين الحماية الأمنية في هذه المرحلة المضطربة مع صعود قوة الصين وظهور طموحاتها الإقليمية. وكان الرئيس الأميركي ترمب قد أوفد مبعوثين مؤخراً إلى المنطقة الآسيوية ليطلب من الحكومات الحليفة أن تتحمل المزيد من المسؤوليات الأمنية والعسكرية «لأن القوات والطائرات والسفن الحربية الأميركية لن تبقى في المنطقة إلى الأبد لحمايتكم»، بحسب ما قال في إحدى تغريداته على منصة «تروث سوشال». لكنه حذّر في نفس الوقت من تعميق الروابط التجارية مع الصين، وهدّد بعواقب اقتصادية لمن يرفض التجاوب بجعل الولايات المتحدة الشريك التكنولوجي والتجاري المفضّل، ويدعم ذلك باستثمارات مليارية في السوق الأميركية.

في غضون ذلك، يتجه المشهد السياسي في كوريا الجنوبية إلى مزيد من الانقسام بين معسكر يدفع باتجاه تعميق التحالف مع الإدارة الأميركية الجديدة، ورصّ الصفوف الإقليمية في مواجهة الصعود الصيني، ومعسكر يدعو إلى الإبحار في الاتجاه المعاكس خشية وقوع المنطقة مجدداً في براثن الصراع بين القوى الكبرى، فيما يلتقي المعسكران حول شعور يتنامى بالاعتزاز القومي بعد الإعلان عن الغواصة النووية الأولى التي ستخرج من أحواض السفن الكورية الجنوبية، وستكون لسلاح بحرية اليابان، القوة الاستعمارية التي أذلّت الكوريين الجنوبيين على مدى عقود.


مقالات ذات صلة

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

حصاد الأسبوع من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة

وارف قميحة (بيروت)
حصاد الأسبوع خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب

«الشرق الأوسط» ( واشنطن)
حصاد الأسبوع 
مظاهرة نسائية إسبانية ضد الحرب (أ.ف.ب)

سانشيز يضع مدريد في مواجهة مباشرة مع واشنطن

عندما وقف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز على مدخل مقر رئاسة الحكومة في الرابع من هذا الشهر ليقول إن موقف بلاده من الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران

شوقي الريّس ( مدريد)
حصاد الأسبوع سانشيز يخطب امام البرلمان (آ ف ب)

سانشيز يراهن على المشاعر وتعاطف الحلفاء والأصدقاء

لا يغيب عن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أن الخروج عن «بيت الطاعة» الأميركي في ظل إدارة دونالد ترمب، تترتب عليه تكلفة باهظة. إلا أنه يدرك أيضاً أن له


الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.