«البديل من أجل ألمانيا» يواصل فرض برنامجه على أنقاض الائتلاف الحكومي

السوريون والأفغان في طليعة المهدَّدين بالترحيل

اللاجئون السوريون في المانيا... في طايعة المهددين بالترحيل (دويتشه فيله)
اللاجئون السوريون في المانيا... في طايعة المهددين بالترحيل (دويتشه فيله)
TT

«البديل من أجل ألمانيا» يواصل فرض برنامجه على أنقاض الائتلاف الحكومي

اللاجئون السوريون في المانيا... في طايعة المهددين بالترحيل (دويتشه فيله)
اللاجئون السوريون في المانيا... في طايعة المهددين بالترحيل (دويتشه فيله)

منذ أيام تخرج في ألمانيا مظاهرات ضد المستشار فريدريش ميرتس، وآلاف المتظاهرين في مختلف المدن الألمانية يخرجون مطالبيه بالاعتذار ومتهميه بالعنصرية وباعتماد خطاب شعبوي. ومن بين المشاركين كان سياسيون من حزب «الخضر» ولكن أيضاً من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) المشارك في الحكومة. للعلم، هذه ليست المرة الأولى التي تخرج فيها مظاهرات واسعة ضد ميرتس بعد إدلائه بتصريحات مثيرة للجدل، لكنها المرة الأولى التي تخرج وهو المستشار. هذه المرة كان السبب تلميحاته بأن المهاجرين هم المسؤولون بشكل أساسي عن زيادة نسبة الجرائم وانعدام الأمان في المدن الكبرى. فخلال مؤتمر صحافي، سُئل ميرتس عن خطط حكومته لمواجهة صعود حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليمين المتطرف، فكان رده أن حكومته «تصحح أخطاء الماضي» في سياسة الهجرة، وأنها بدأت تحقق نجاحات في ذلك. وتابع: «ولكن من دون شك لدينا مشكلة في مظهر المدن... ولهذا؛ فإن وزارة الداخلية تعمل الآن على تمكين تنفيذ عمليات ترحيل واسعة النطاق». وهكذا، في جملة واحدة جمع ميرتس بين المهاجرين وارتفاع نسبة الجريمة؛ إذ إن الداخلية تعمل على ترحيل المهاجرين المدانين بجرائم إلى دولهم، من بينها الدول المصنّفة بـ«غير الآمنة» مثل سوريا وأفغانستان. وما تبع كان جملة واسعة من الانتقادات وُجّهت للمستشار بسبب تعميمه بأن كل المهاجرين واللاجئين هم من المجرمين.

اعتاد المستشار الألماني المحافظ فريدريش ميرتس على إثارة الجدل في تصريحات تتعلق بالهجرة، وغالباً ما توصف بأنها «شعبوية». ففي مطلع عام 2023، عندما كان لا يزال حزبه في المعارضة، وصف طلاب المدارس من أصول عربية وتركية بأنهم «باشوات صغار». وكان ينتقد حينها ضعف نسبة اندماج المهاجرين في المجتمعات الألمانية.

بعدها بأشهر، وصف ميرتس بلدات ألمانية ريفية كان يجول فيها استعداداً للانتخابات، بأنها «هي مَن تمثل ألمانيا الحقيقية، وليست (منطقة) كرويتسبيرغ في برلين». وتعرف مقاطعة كرويتسبيرغ بأنها واحدة من أكثر المقاطعات في العاصمة تنوعاً عرقياً وثقافياً، وتضم جالية تركية كبيرة.

وقبل أسابيع من دخوله مقر المستشارية، وأيام قبل الانتخابات، تسبّب ميرتس بموجة مظاهرات واسعة بسبب تحالف حزبه داخل البرلمان مع حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف؛ لتمرير قانون يدعو إلى تشديد قوانين الهجرة على خلفية هجمات إرهابية متتالية ارتكبها لاجئون سوريون وأفغان.

يومذاك، وُجّهت اتهامات لميرتس بأنه «أسقط جدار» رفض التحالف مع اليمين المتطرف، وهو تعهّد تكرّره جميع الأحزاب الألمانية منعاً لوصول حزب متطرف للسلطة مرة جديدة بعد تجربة النازيين. وأمام الغضب الواسع، عاد ميرتس ليقول غير مرة إنه لن يتحالف مع «البديل من أجل ألمانيا»، لكنه لم يتراجع عن أي من تصريحاته الجدلية المتعلقة بالمهاجرين واللاجئين.

لا يحب «مظهر المدن»!

وعندما سُئل المستشار عن تصريحاته الأخيرة حول «مظهر المدن»، رفض التراجع عنها، وردّ على الصحافي الذي سأله إذا كان يريد التراجع عن تصريحاته، بالقول: «لا أدري إذا كان لديك أطفال وبنات من بينهم... اسألوا بناتكم، أعتقد أنكم ستحصلون على إجابة واضحة وصريحة. ليس لديّ ما أتراجع عنه، على العكس أريد أن أعيد التأكيد أننا في حاجة إلى تغيير شيء».

تصريحات ميرتس الجديدة تسببت بمظاهرات عفوية قادتها نساء خرجن أمام مقر حزبه في وسط برلين، رافعات لافتات بأن «خوف الفتيات ليس من المهاجرين، بل من الرجال بشكل عام». وتعرّض المستشار أيضاً لانتقادات حتى من داخل حزبه، على رأسهم عمدة برلين كاي فاغنير الذي حذّر من «التعميم». واتهمه آخرون من حزبه، الاتحاد الديمقراطي المسيحي، باعتماد خطاب أشبه بخطاب «البديل من أجل ألمانيا» الذي غالباً ما يحمّل المهاجرين واللاجئين مسؤولية ارتفاع نسبة الجرائم.

رغم كل هذا، لا تُعدُّ مواقف ميرتس من المهاجرين جديدة، وقد لا تكون تصريحاته شعبوية بقدر ما هي حقاً ما يؤمن به.

إذ إنه انتقد المستشارة السابقة أنجيلا ميركل لسماحها عام 2015 بدخول مئات آلاف السوريين وحمّلها مسؤولية صعود اليمين المتطرف. وقبل أن يصبح مستشاراً كان يروّج لوقف استقبال اللاجئين بشكل كامل، قبل أن يتراجع عن ذلك بعدما استنتج أن ذلك سيكون غير قانوني. مع ذلك، فإنه لا يزال يروّج - منذ تسلمه السلطة - لبدء عمليات ترحيل واسعة للأفغان والسوريين، وبشكل أساسي المجرمون منهم وثم الرجال.

السوريون والأفغان في الواجهة

وبالفعل، بدأت وزارة الداخلية الألمانية مفاوضات مع «طالبان» والحكومة السورية تسمح بالتوصل إلى اتفاق لترحيل مواطنيهم. وللعلم، تتفاوض برلين مع «طالبان» رغم أنها لا تعترف بها، ورغم استمرار تصنيف الخارجية الألمانية لأفغانستان بأنها «غير آمنة». والوضع مشابه مع سوريا، المصنفة بـ«غير الآمنة»، وبخاصة للأقليات، مع أن الحكومة الألمانية تقيم علاقات مع الحكومة السورية وتقدّم لها دعماً كبيراً.

بالمناسبة، ترحّل ألمانيا حالياً إلى أفغانستان أعداداً قليلة من المُدانين بجرائم وعبر وسطاء مثل قطر، لكنها تسعى إلى ترحيل أعداد أكبر وبشكل مباشر. أما بالنسبة للسوريين فيجري ترحيل أعداد قليلة منهم أيضاً إلى تركيا، ولكن فقط من هو مدان بجرائم.

هذا، ومنذ سقوط نظام الأسد، أوقفت ألمانيا البت بطلبات لجوء السوريين ريثما تتضح الصورة. وعادت قبل أشهر قليلة واستأنفت البت بها. وقال ناطق باسم وزارة الداخلية في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن دائرة الهجرة علّقت البت بطلبات لجوء السوريين بها منذ نهاية العام الماضي إثر سقوط نظام الأسد، ولكن في نهاية سبتمبر (أيلول) الماضي جرى تعديل التوجيهات لدائرة الهجرة. وبدأ البحث في طلبات الشبّان القادرين على العمل والذين وصلوا بمفردهم إلى ألمانيا، ثم وُسّع مفعول القرار ليشمل طلبات كل السوريين وإجراء مقابلات معهم «باستثناء مَن هم من الأقليات الدينية في سوريا». وأشار الناطق باسم الداخلية إلى أن البحث في طلبات «لمّ شمل العائلات» ما زال معلقاً. وتابع أن الحكومة الألمانية «مستمرة بمراقبة الوضع في سوريا وستوسّع البحث في الطلبات الأخرى المقدمة والتي ما زالت معلَّقة حسب ما يسمح الوضع هناك».

وبدأ منذ ذلك الحين عدد من السوريين يبلّغ عن تلقيهم رفض طلب لجوئهم مع الترحيل إلى سوريا للذين ليست لديهم بصمات في دول أوروبية أخرى.

اتفاقية دبلن للاجئين

حسب اتفاقية دبلن للاجئين، يتعين على طالبي اللجوء إلى الاتحاد الأوروبي أن يتقدموا بطلباتهم في أول دولة يصلون إليها. وعادة يصار إلى ترحيل مَن لديهم بصمات في دولة أوروبية أخرى إلى تلك الدولة، مثل بلغاريا التي غالباً ما تكون أول دولة أوروبية يدخلها الواصلون بشكل غير شرعي.

من الذين وصلهم رفض لجوء وطلب ترحيل إلى سوريا، حمزة إبراهيم، وهو شاب سوري في الرابعة والعشرين من العمر يتحدر من إدلب. ووصل حمزة إلى ألمانيا بعد 3 أيام على سقوط نظام الأسد في نهاية عام 2024 بعدما استغرقه الوصول براً 3 أشهر، حسب ما روى لـ«الشرق الأوسط».

لم يكن لدى حمزة بصمة في أي دولة أوروبية أخرى. ولكن بقي ملفه معلقاً قيد الدرس حتى وصله إشعار قبل أسبوعين برفض طلب لجوئه مع طلب ترحيل من ألمانيا خلال 30 يوماً. وأرسل موظفو الهجرة رفض الطلب مرفقاً بشرح مُسهب يتضمّن أسباب الرفض في 30 صفحة. وأفاد حمزة بأنها تضمنت حقيقة أنه لا ينتمي إلى الأقليات في سوريا، وإلى أن الوضع الاقتصادي بدأ يتحسّن بسبب المساعدات المالية الكبيرة المقدمة من الدول الغربية والتي ذكرها نص التفسير بأكملها.

وأضاف حمزة أن موظفي الهجرة برّروا الرفض كذلك بأنه صغير السن، وهذا يعني أنه قادر على العمل في سوريا والبداية من الصفر. هذا، واستأنف حمزة قرار الترحيل عبر محامٍ في ألمانيا متخصص بشؤون الهجرة، لكنه كان ما زال غير واثق ما إذا كان سيجري ترحيله عنوة أم لا؟

للعلم، تضمنت أوراق رفض اللجوء معلومات باللغة العربية عن برامج الحكومة للأشخاص الذين يقرّرون الرحيل طوعاً، والاستفادة من البرامج التي تقدمها الحكومة الألمانية لذلك، وتتضمن مبلغاً مالياً وتذكرة سفر. ويمكن الطعن بالقرار خلال أسبوعين أمام المحاكم التي تقرّر ما إذا كان يمكن إصدار قرار سماح بالبقاء للذين أصدرت دائرة الهجرة قرار ترحيل بحقهم.

أزمة البصمات...وفضية الترحيل

من جهة ثانية، رغم أن من لديهم بصمات في دول أوروبية أخرى، يجري ترحيلهم من ألمانيا إلى تلك الدول، فإن المعضلة تبقى للذين، مثل حمزة، ليست لديهم بصمات تسجل دخولهم إلى الاتحاد الأوروبي. ما يعني أن هؤلاء يفترض نظرياً ترحيلهم إلى سوريا. ولكن مع استمرار تصنيف الخارجية الألمانية لسوريا بـ«غير الآمنة»، فإن الذين تصدر بحقهم طلبات ترحيل غالباً ما يحصلون على سماح بالبقاء حتى إشعار آخر، حسب ما أكدت دائرة الهجرة لـ«الشرق الأوسط».

وذكر ناطق باسم الدائرة التي تصدر وتنفّذ أوامر الترحيل، أن «الترحيل إلى سوريا غير ممكن حالياً بسبب عدم وجود رحلات جوية إلى دمشق، وهذا يعني بأن هناك عوائق أمام تنفيذ عمليات الترحيل...». وأضاف أن السوريين الذين تصدر بحقهم طلبات ترحيل إلى سوريا يحصلون على «تأشيرة سماح بالبقاء حتى إشعار آخر».

لا تُعدُّ مواقف ميرتس من المهاجرين جديدة وقد لا تكون تصريحاته شعبوية بقدر ما هي حقاً

ما يؤمن به

أيضاً، حسب ناطق باسم الخارجية الألمانية، فإن تصنيف ألمانيا لدولة بأنها «غير آمنة» لا يعني قطعاً بأنه لا يمكن لدائرة الهجرة أن تصدر قرارات ترحيل إليها. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» إن «التصنيف القانوني لدولة بأنها غير آمنة ليس بحد ذاته شرطاً مسبقاً لعدم الترحيل إليها، وما إذا كان هناك حظر للترحيل إلى وجهة معينة، فهذا يعود إلى السلطات الأمنية المعنية في كل ولاية».

وراهناً، لا تصنف الخارجية الألمانية «دولاً آمنة» إلا دول الاتحاد الأوروبي و10 دول إضافية معظمها من دول البلقان وشرق أوروبا، التي بدأت منذ سنوات مفاوضات انضمام للتكتل الأوروبي، إضافة إلى السنغال وغانا. وتحدد الخارجية «الدول الآمنة» بتلك التي ليس فيها خطر ملاحقة للأشخاص الذين يطلبون الحماية.

من جانب آخر، إذا كانت عمليات الترحيل إلى سوريا وأفغانستان متوقفة الآن أو محدودة، فإن الوضع قد يتغيّر قريباً. فالحكومة الألمانية تبدو عازمة على التوصل إلى اتفاقات مع البلدين لإعادة مواطنيهما؛ كونها فتحت مشاورات مع «طالبان» رغم عدم اعترافها بها كسلطة في أفغانستان. لكن يختلف الوضع في سوريا التي أعلنت برلين دعمها للحكومة الجديدة فيها، وهي تقدم مساعدات مالية كبيرة لمساعدتها على النهوض اقتصادياً ما يسهل إعادة اللاجئين إليها، حتى من ألمانيا.

هذا، ورغم أن المستشار الألماني أوضح لاحقاً بأنه يقصد «اللاجئين غير المندمجين» والذين ليس لديهم إقامات شرعية عند كلامه عن عمليات ترحيل جماعية، فإن كلامه عن «مظهر المدن» يعكس قلقاً متزايداً في ألمانيا من تأثير الهجرة عليها... والتي باتت ظاهرة بشكل كبير في المدن الكبرى. وهذا يفسّر كذلك استمرار تنامي اليمين المتطرف الذي يبني خطابه على التحريض ضد المهاجرين.

ميرتز (آف ب)

ميرتس وحزبه يدركان أن الخطر الأكبر على الديمقراطيين المسيحيين يأتي من «حزب البديل لألمانيا»، ولقد كرر ميرتس مراراً بأن «هذه هي الفرصة الأخيرة» لمواجهة الحزب المتطرف، وأنه يعتقد بأن «اعتماد سياسة هجرة أكثر حزماً» هي الرد على ذلك.

في المقابل، لا يشارك الاشتراكيون - المشاركون في الحكومة - الديمقراطيين المسيحيين رؤيتهم. ولذا؛ بدأت انشقاقات تظهر داخل الحكومة بسبب هذه الخلافات. بل دفعت تصريحات ميرتس الاشتراكيين إلى طلب عقد قمة عاجلة لمناقشة المخاطر الأمنية في البلاد، التي يقول الحزب إنها غير مرتبطة بفئة معينة من السكان.

حرب العنصريين مستمرة على الهجرة والمهاجرين

في هذه الأثناء، يركز خطاب اليمين المتطرف على لوم المهاجرين في زيادة الجرائم مستغلاً تنفيذ عدد من طالبي اللجوء من أفغانستان وسوريا عمليات إجرامية وإرهابية متتالية في الأشهر الماضية.

ولا يبدو أن خطط ميرتس باعتماد خطاب شبيه بخطاب اليمين المتطرف، ستجدي نفعاً. إذ أظهرت آخر استطلاعات للرأي نُشرت قبل أيام وبعد كلام ميرتس عن «مظهر المدن» استمرار تقدم حزب «البديل من أجل ألمانيا» على الديمقراطيين المسيحيين. وحسب آخر استطلاع أجراه معهد «فورسا»، فإن «البديل من أجل ألمانيا» يحلّ أولاً بنسبة 25 في المائة من أصوات المستطلعة آراؤهم، بينما يحل الديمقراطيون المسيحيون في المركز الثاني بفارق بسيط جداً، ويأتي الاشتراكيون في المركز الثالث بـ13 في المائة فقط. وهذا يعني أن الائتلاف الحاكم خسر غالبيته الشعبية بعد أشهر قليلة على تشكيل الحكومة.

كذلك، أظهر استطلاع آخر أن نسبة قلة الرضا عن ميرتس مرتفعة، وأن واحداً فقط من 4 أشخاص مستطلعة آراؤهم يعتقدون بأنه يؤدي عملاً جيداً بينما الآخرون يعتقدون العكس.

بأي حال، يأمل ميرتس بأن خططه الأكثر تشدداً في ملف الهجرة واللجوء، قد تكسبه شعبية أكبر قبل الانتخابات القادمة، وتقضم من نصيب اليمين المتطرف.ذلك أن خططاً لا تشمل فقط التشدد مع اللاجئين، بل توسّعت لتطال المهاجرين القانونيين كذلك. إذ أدخلت حكومته تعديلات على قانون التجنيس وإلغاء مسار الحصول على الجنسية خلال 3 سنوات للمندمجين بشكل خاص، وهو ما كانت أدخلته الحكومة السابقة التي قادها الاشتراكيون بمشاركة حزب «الخضر».


مقالات ذات صلة

هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

حصاد الأسبوع وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)

هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

صباح الأربعاء الفائت كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يدلي بتصريح مسهب في العاصمة واشنطن حول الخيارات المطروحة على مكتب الرئيس دونالد ترمب لمعالجة الوضع

شوقي الريّس ( مدريد)
حصاد الأسبوع حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»

نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

من أروقة الأمم المتحدة ودهاليز الوساطات المعقدة في منطقة الشرق الأوسط، برز اسم السياسي البلغاري المخضرم نيكولاي ملادينوف في ملفات النزاع الإقليمي ممثلاً أعلى

فتحية الدخاخني (القاهرة)
حصاد الأسبوع كوشنر (آ ب)

«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

في يناير (كانون الثاني) الماضي وقَّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب الميثاق التأسيسي لـ«مجلس السلام» على هامش «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس بسويسرا،

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
حصاد الأسبوع العلم الأميركي يخفق بجانب أعلام الاتحاد الأوروبي في بروكسل (رويترز)

ترميم «ناتو» بين ضغوط ترمب وحرص أوروبا على تجنّب القطيعة

لم يعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب مشاركته في قمة «مجموعة السبع» في منتجع إيفيان الجبلي الفرنسي، بين 15 و17 يونيو (حزيران)، خبراً بروتوكولياً عادياً.

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع رئيسة المفوضة الأوروبية أورسولا فون دير لاين (المفوضية الأوروبية)

الولايات المتحدة والكتلة الأوروبية... ضفتان أطلسيّتان برؤيتين متباعدتين

> أبرز ما كشفت عنه «حرب إيران» أن التصدع الأطلسي لم يعد محصوراً في ملف واحد، بل صار حصيلة تراكمات متداخلة بين الأمن والتجارة والطاقة والصين وروسيا وإيران


هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
TT

هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)

صباح الأربعاء الفائت كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يدلي بتصريح مسهب في العاصمة واشنطن حول الخيارات المطروحة على مكتب الرئيس دونالد ترمب لمعالجة الوضع في كوبا، مشدّداً على أن «سيّد» البيت الأبيض يفضّل الحل السياسي «إلا أنه لن يتردد في اللجوء إلى القوة لإنهاء معاناة الشعب الكوبي». وفي الوقت نفسه تقريباً كان الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل يخاطب مواطنيه في العاصمة الكوبية هافانا معلّقاً على القرار الذي كان صدر عن وزارة العدل الأميركية بتوجيه تهمة القتل العمد إلى سلفه راؤول كاسترو في حادثة إسقاط طائرتين صغيرتين عام 1996 ومقتل أربعة من ركابها كانوا ينتمون إلى إحدى المنظمات غير الحكومية.

الرجلان، الوزير روبيو والرئيس دياز كانيل توقّفا طويلاً عند يوم مفصلي في تاريخ كوبا هو 20 مايو (أيار) من عام 1902.

الوزير روبيو، الذي هو ابن أسرة لاجئة من كوبا، توقّف ليذكّر بأنه في ذلك اليوم رفرفت الراية الكوبية فوق الدولة المستقلة لأول مرة، وبقيت صورتها محفورة في الذاكرة تشهد إلى الأبد على ولادة الجمهورية المستقلة. أما الرئيس دياز كانيل فقد ذكّر بأن ذلك التاريخ «إن شهد على شيء، فهو يشهد على أنه زرع في نفوس الكوبيين مشاعر مناهضة الإمبريالية والصمود في وجه غطرستها».

روبيو عاد إلى ذلك التاريخ بوصفه «لحظة ملحمية»، بينما طلب الرئيس الكوبي من مواطنيه ألا ينسوا التدخل الأميركي المديد في بلاده. وهذه هي حكاية العلاقة بين الولايات المتحدة وكوبا: عراك حول التاريخ واستخلاص العِبَر من محطاته.

تفاقم أزمة الكهرباء... والحصار المزمن

اللافت أنه في الوقت الذي كانت فيه وكالات الأنباء تتناقل ما ورد في تصريحات روبيو ودياز كانيل، كانت مؤسسة الكهرباء الكوبية تعلن أن قدرتها الإنتاجية هي دون نصف الاحتياج الوطني. أي أن الدولة - الجزيرة مقبلة على يوم آخر من انقطاعات التيّار الكهربائي، وأن أمواج الطلاب لن تتدفّق كعادتها على أدراج جامعة هافانا المهيبة، وأن فندق الـ«ناسيونال» Nacional الأسطوري لن يسلم هو أيضاً من العتمة، وأن الأحياء السياحية في العاصمة ستنقطع عنها المياه لساعات طويلة بعدما كادت تفرغ من الزوار الأجانب.

الواقع أنه لم يكن من باب الصدف اختيار الحكومة الأميركية هذا التاريخ، بالذات، لإصدار وزارة العدل قرار الاتهام الفيدرالي بحق الرئيس السابق راؤول كاسترو حول «مسؤوليته» عن إعطاء الأمر بإسقاط الطائرتين يوم 24 فبراير (شباط) 1996.

كاسترو، الشقيق الأصغر لفيديل كاسترو، مؤسس الاشتراكية الكوبية، وخلفه في الحكم، لم يصدر عنه حتى الآن أي تعليق على قرار الاتهام. وللعلم، هو الآن على أبواب الاحتفال بعيد ميلاده الخامس والتسعين. كذلك لا تعليق منه على الوعود التي أطلقها روبيو بقوله إن الولايات المتحدة «تريد مساعدة الكوبيين، ليس على التخفيف من حدة الأزمة المعيشية فحسب، بل أيضاً على بناء مستقبل أفضل».

ما يستحق الإشارة أن الأزمة المعيشية الممتدة في كوبا بلغت ذروة غير مسبوقة عندما ضربت الإدارة الأميركية حصاراً نفطياً على الدولة - الجزيرة في أواخر يناير (كانون الثاني) الماضي. وأعقبتها بسلسلة من التهديدات اليومية تقريباً، إلى جانب فرض العقوبات على أجهزة المخابرات، والضغط على المؤسسات العسكرية والاقتصادية، وإعلان قيود مالية، إلى أن كانت زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) الأميركية إلى هافانا. وهي التي بيّنت بوضوح أن كوبا لم تعد تشكّل تهديداً للأمن القومي الأميركي، وأيضاً أن الولايات المتحدة التي يقود وزارة خارجيتها اليوم كوبي مولود في ولاية فلوريدا، تريد أن تضع آخر رموز النظام الكاستري تحت مقصلة الإعدام السياسي... وهو على مشارف نهاية حياته!

«خبرة» روبيو الكوبية

وحقاً، لا أحد مثل روبيو يعرف «مسالك» النظام الكوبي داخل الإدارة الأميركية الحالية. ولا شك في أنه، إلى جانب البُعد الشخصي الذي تحمله الجزيرة بالنسبة إليه، يريد أن تكون «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض، هي «إنهاء الثورة الكوبية» الذي عجزت عنه كل الإدارات الأميركية منذ مطالع ستينات القرن الماضي.

بل، يبدو الوزير الأميركي اليميني الشاب مصمّماً الآن على تحميل شقيق فيديل ديون الثورة المستحقّة للشتات الكوبي، عندما يقول: «السبب في أن الجزيرة اليوم تعيش بلا كهرباء أو وقود أو غذاء، هو أن الذين أحكموا قبضتهم عليها طوال عقود قد نهبوا خيراتها عن طريق مؤسسة (غييسا) Gaesa». وللعلم، «غاييسا» هي المجموعة الحكومة المالية الحكومية التي تسيطر على 70 في المائة من اقتصاد كوبا.

لكن خارج التصريحات المتعاقبة على لسان الرئيس ترمب حول كوبا، والتهديدات المتكررة بوضع اليد عليها «في طريق عودة حاملة الطائرات إبراهام لنكولن من إيران»، أو تنصيب ماركو روبيو رئيساً عليها، ليس واضحاً بعد ما هو الهدف الذي وضعته الإدارة الأميركية من وراء تصعيد الحصار على كوبا، أو حتى من إسقاط النظام بواسطة التدخل العسكري المباشر.

الترجيحات والتوقعات لـ«سيناريو» المستقبل

متعدّدة هي الترجيحات والتوقعات في أوساط الخبراء والباحثين في الشأن الكوبي، خاصة أن التجربة الفنزويلية التي يميل كثيرون إلى التشبّه بها في الحالة الكوبية، ما زالت غامضة من حيث أهدافها والصيغة التي ستستقر عليها في نهاية المطاف.

ثمّة من يرى أن اختيار تاريخ إعلان استقلال الجمهورية الكوبية لتوجيه التهمة إلى راؤول كاسترو، يحمل دلالة «التأسيس لدولة جديدة» تدور كلياً في فلك واشنطن، وهذا بعدما استنهضت إدارة ترمب «شرعة مونرو» لإحكام السيطرة على «حديقتها الخلفية» - التي هي القارة الأميركية - وإبعادها عن التأثيرات الخارجية.

ويذهب آخرون إلى القول إن إدارة ترمب، في ضوء طبيعة العلاقات التي تنسجها مع القيادات اليمينية المتطرفة في المنطقة والعالم، قد تكون عاقدة النية على إرجاع الدولة - الجزيرة إلى عهد الديكتاتور فولخنسيو باتيستا، عندما كانت كوبا شبه محمية أميركية.

الكوبيون، من ناحيتهم، في حالة من القلق الشديد والتوتر لجهلهم المقصود من كلام الرئيس الأميركي عندما يتكلّم عن «تحرير كوبا» أو عن «فجر جديد للجزيرة». وهم يعيشون منذ خمسة أشهر تحت أشدّ الضغوط التي تعرّضوا لها على أيدي الإدارات الأميركية الاثنتي عشرة التي تعاقبت على البيت الأبيض منذ انتصار الثورة الكوبية.

ضغوط غير مسبوقة

آندي غوميز، المدير السابق لمعهد الدراسات الكوبية في جامعة ميامي الأميركية، الذي تتواصل معه «الشرق الأوسط» منذ أشهر حول الأزمة الكوبية، يقول إن «الضغوط التي تمارسها إدارة ترمب على الجزيرة، منذ مطلع هذه السنة، لا سابق لها في تاريخ الإدارات الأميركية من حيث قسوتها وتجاوزها بعض المحظورات والخطوط الحمر الإنسانية في السياسة الخارجية الأميركية».

ويضيف غوميز، الذي كان «مهندس العلاقات بين واشنطن وهافانا على عهد باراك أوباما: «لقد وضعت إدارة ترمب حبل المشنقة حول عنق الحكومة الكوبية، لكنها وضعته أيضاً حول أعناق أبناء الشعب الكوبي الذي لم يسبق أن عانى كما اليوم من السياسات الأميركية».

ويرى غوميز أن مؤسسة «غاييسا»، التي تصوّب إدارة ترمب سهامها عليها الآن، هي الأداة الرئيسة التي استخدمها راؤول كاسترو لإحكام سيطرته على النظام، لكنها ليست هي أداة النظام للسيطرة على كوبا، موضحاً: «كانت كوبا في البداية تحت قبضة فيديل (كاسترو)، ومن بعده تحت قبضة راؤول، والقول إن الدولة الكوبية مُلحقة بسلطة اقتصادية ضخمة خطأ فادح. هذه المؤسسة لا يزيد عمرها على عشرين سنة، وهي كانت دائماً وسيلة راؤول لبسط هيمنته على النظام، وعلى النخبة العسكرية التي لها الكلمة الفصل في كل شأن كوبي».

بديل روبيو المقترح

في المقابل، قال وزير الخارجية الأميركي روبيو في الكلمة التي خاطب بها الكوبيين، الأربعاء الماضي: «إن الرئيس ترمب يعرض عليكم إقامة علاقات جديدة مع الولايات المتحدة. علاقات مباشرة لا عبر الحكومة. ونحن جاهزون لفتح صفحة جديدة بين الشعبين والبلدين، لكن العائق الوحيد اليوم في الطريق نحو مستقبل أفضل هم الذين يسيطرون على كوبا».

هذا الكلام يدلّ على أن الصيغة التي يطرحها روبيو تقوم على علاقة تلتفّ على الدولة الكوبية عن طريق تعزيز القطاع الخاص والجهات المستقلة في كوبا. وعلى أن إدارة ترمب لا تريد توجيه الاستثمارات التجارية والسياحية الأميركية الموعودة في الدولة - الجزيرة عبر المؤسسات المرتبطة بالقوات المسلحة الكوبية، بل عن طريق المؤسسات الخاصة ورجال الأعمال المستقلين عن النظام، ما يهدف في نهاية المطاف إلى تغيير جذري في معادلة السلطة.

أمام هذا التوجّه، الذي ما زال يفتقر إلى الكثير من التفاصيل، يكمن اللغز الأكبر بالنسبة للكوبيين، ولمن يتابعون الشأن الكوبي، في هذه المواجهة التي انفتحت أبوابها في أعقاب العملية العسكرية في فنزويلا؛ أي العملية التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ودفعت بكوبا إلى صدارة قائمة المرشحين لهجوم أميركي جديد. بالتالي، كيف ستكون طبيعة العلاقة مع رئيس أميركي سارع في ولايته الأولى إلى هدم كل ما بنته إدارة باراك أوباما لترميم العلاقات بين واشنطن وهافانا؟ هذا لغز يزداد غموضاً مع كل تصريح يصدر عن ترمب وكبار معاونيه بشأن كوبا.

«قانون هيلمز - برتون»

يذكّر بعض الخبراء الأميركيين أن القانون الذي يحكم الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة على كوبا، والمعروف باسم «قانون هيلمز - برتون»، يشترط عملياً لرفع الحصار الاقتصادي عن الجزيرة تغيير النظام. وهذا يعني أن ترمب، حتى وإن رغب، لا يستطيع رفع الحصار ما لم يتغيّر النظام في كوبا، ومن ثم، فأقصى ما يمكن أن تذهب إليه الإدارة الحالية لا يتجاوز بكثير ما ذهبت إليه إدارة أوباما.

بمعنى آخر، ما يقوله هؤلاء إن الكرة في ملعب النظام الكوبي. والسؤال هو: ما الخطوات التي بمقدور النظام الكوبي الإقدام عليها لتسهيل مهمة ترمب وروبيو... وإجهاض احتمال التدخل العسكري المباشر؟

الرسائل التي يطلقها النظام الكوبي، على الأقل في تصريحاته العلنية، تتأرجح بين التشدّد تارة والاستعداد للتعاون تارة أخرى، ثم عودة إلى التشدد، تبعاً لوتيرة التهديدات التي تصدر عن واشنطن. والرد الأخير من الرئيس دياز كانيل على تصريحات روبيو جاء فيه قوله: «ارفعوا الحصار وتعالوا لنتكلّم». لكنه كان توعّد منذ أيام، بعد تهديد ترمب الأخير، بأن التدخل العسكري المباشر «سيؤدي إلى حمّام دم».

استطراداً، بعض الأوساط المقرّبة من روبيو في صفوف «الشتات الكوبي» الناشط سياسياً والنافذ اقتصادياً في الولايات المتحدة، تقول إنه إذا واصلت الإدارة الأميركية تصعيد الضغوط على كوبا من غير الحصول على تنازلات من النظام، فسيصبح التدخل العسكري أمراً محتوماً، وبخاصة أن المنحى الراهن يسير في اتجاه مرحلة طويلة من المعاناة وتدهور الأوضاع الإنسانية من دون تغيير حقيقي بالنسبة للمواطنين.

بناء عليه... كيف تتوقع واشنطن أن يحصل هذا التغيير؟ أعبر اتفاق اقتصادي؟ أو المزيد من التدابير القسرية؟ أم تقديم مساعدات مشروطة بتنازلات؟ أم الذهاب إلى الخيار العسكري؟

الحال أنه أياً كانت الإجابة... لا بد من سؤال آخر: هل سيؤدي التغيير المفروض بضغط أميركي فعلاً إلى تغيير حقيقي في أوضاع المواطنين الكوبيين ... أم أنه لن يكون سوى الاستعاضة عن السلطة الحالية بأخرى مرهونة للمصالح الاقتصادية والجيوسياسية الأميركية؟ يريد روبيو أن يكون «إنهاء الثورة الكوبية» بمثابة «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض


نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
TT

نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»

من أروقة الأمم المتحدة ودهاليز الوساطات المعقدة في منطقة الشرق الأوسط، برز اسم السياسي البلغاري المخضرم نيكولاي ملادينوف في ملفات النزاع الإقليمي ممثلاً أعلى لـ«مجلس السلام» في قطاع غزة، لا سيما وسط اتهامات متبادلة وتباين واضح في المواقف بينه وبين حركة «حماس»، طفت على السطح أخيراً إثر اعتبار «مجلس السلام»، الذي أسّسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الحركة «العقبة الرئيسة» أمام تنفيذ المرحلة الثانية من الهدنة في القطاع، حسب تقرير قدِّم أخيراً إلى مجلس الأمن الدولي.

يجمع نيكولاي ملادينوف بين الخلفية الأمنية والدبلوماسية والأكاديمية. ولقد استطاع خلال مسيرته المهنية التي بدأت منذ تسعينات القرن الماضي، الانتقال بسلاسة من السياسة الأوروبية المحلية إلى ملفات الدبلوماسية الدولية، في بغداد والقدس وغزة، متبنياً خطاباً يقوم على الحوار والتهدئة في ملفات عدة. وهذا مع أنه لم يَسْلَم مع الانتقادات والاتهامات بالانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية، لا سيما مع خلفيته اليمينية ودعمه التطبيع و«الاتفاقات الإبراهيمية».

نزع سلاح «حماس»

ملادينوف، الممثل الأعلى لـ«مجلس السلام»، الذي يشرف على وقف إطلاق في قطاع غزة، رَهَن في تصريحات صحافية أخيراً، استمرار الهدنة بنزع سلاح حركة «حماس». وقال إن «مرور أشهر دون إحراز تقدم في تنفيذ الاتفاق لا يخدم مصالح إسرائيل ولا الفلسطينيين». وبعدما حمّل ملادينوف «حماس» المسؤولية عن تعرّض اتفاق وقف إطلاق النار للشلل لرفضها تسليم سلاحها، قال: «نحن لا نطلب من (حماس) أن تختفي كحركة سياسية... لكن ما هو غير قابل للتفاوض أن تبقى فصائل مسلحة أو ميليشيات تمتلك هياكل قيادة عسكرية خاصة بها، وترسانات أو شبكات أنفاق خاصة بها، بالتوازي مع سلطة فلسطينية انتقالية».

هذا الأمر رفضته «حماس»، داعيةً السياسي والدبلوماسي البلغاري إلى إلزام إسرائيل بتنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار.

بدايات «المجلس»

أُنشئ «مجلس السلام» لغزة في إطار خطة ترمب لوقف إطلاق النار في غزة، التي أُقرَّت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، لكنها لم تتجاوز بعد مرحلتها الأولى. إذ ترفض «حماس» تسليم السلاح، بينما تواصل إسرائيل احتلالها القطاع وشن غارات جوية على سكانه، الأمر الذي يعقّد مهمة ملادينوف في متابعة تنفيذ الاتفاق.

في رأي ملادينوف، فإن خطة ترمب للسلام في غزة «نجحت في تحقيق ما عجزت عنه جهود سابقة». وقال في ندوة نظمها «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى» خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إن «الخطة لا تعالج الاحتياجات الإنسانية الملحّة فحسب، بل تُرسي توافقاً حول إقامة حوكمة جديدة في غزة ضمن إطار انخراطٍ إقليمي أشمل».

لكنه منذ اللحظة الأولى لتوليه مهامه في «مجلس السلام»، كان يرى أن «تجاهل (حماس) لمطالب نزع السلام يؤكد أن الوقت ينفد أمام المجتمع الدولي لبناء منظومة حوكمة شرعية تُعزّز صمود وقف إطلاق النار... وأن المسار الأجدى لمنع انبعاث (حماس) هو إصدار قرارٍ من مجلس الأمن بإنشاء قوة متعددة الجنسيات لمواجهة أي تمرد في غزة»، حسب تصريحاته في ندوة «المعهد».

... من صوفيا إلى البرلمان الأوروبي

وُلد نيكولاي ملادينوف في العاصمة البلغارية صوفيا يوم 5 مايو (أيار) 1972، في فترة كانت فيها بلغاريا ضمن المعسكر الشرقي. ونشأ في بيئة سياسية وأمنية، حيث كان والده يعمل في قطاع الأمن الدبلوماسي إبان الحقبة الشيوعية، كما انخرط عمه في السلك الدبلوماسي. ولكن مع سقوط الاتحاد السوفياتي، تحول سياسياً نحو اليمين الليبرالي وشارك في عملية التحوّل الديمقراطي لبلاده.

دراسياً، أنهى تعليمه الثانوي في المدرسة الإنجليزية بصوفيا عام 1990، وتخرّج في جامعة الاقتصاد الوطني والعالمي (في صوفيا) عام 1995 متخصّصاً في العلاقات الدولية. ثم حصل على درجة الماجستير في دراسات الحرب من كلية «كينغز كوليدج» بلندن، مما انعكس لاحقاً على مقارباته للملفات الأمنية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط.

ومهنياً، بدأ ملادينوف مسيرته المهنية فور تخرجه في الجامعة، حيث عمل مديراً للبرامج في إحدى مؤسسات المجتمع المدني بصوفيا. وعام 1999 أسس «المعهد الأوروبي» في صوفيا لتعزيز اندماج بلغاريا في الاتحاد الأوروبي، كما عمل مع البنك الدولي ومؤسسات بحثية وسياسية أوروبية.

برلماني يميني

وفي مطلع الألفية دخل الحياة السياسية من بوابة البرلمان، عضواً في برلمان بلاده، ثم في البرلمان الأوروبي خلال الفترة ما بين عامي 2007 و2009 عن حزب «مواطنون من أجل تنمية بلغاريا أوروبياً» اليميني المحافظ.

وخلال تلك الفترة عمل ملادينوف على ملفات العراق وإسرائيل وأفغانستان والعلاقات الأوربية مع الشرق الأوسط. ومن البرلمان انتقل إلى السلطة التنفيذية في بلغاريا، ليتولى وزارة الدفاع عام 2009، وهو في السابعة والثلاثين من عمره، ثم حقيبة الخارجية في الفترة ما بين عامي 2010 و2013. وتبنى خطاباً مؤيداً للتكامل الأوروبي، ودفع إلى تعزيز حضور بلغاريا داخل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي «ناتو».

مهام أممية

بعدها كان التحول الأكبر في مسيرته المهنية عام 2013، مع تعيينه ممثلاً خاصاً للأمم المتحدة في العراق ورئيسا لبعثة (UNAMI)، في فترة صعود تنظيم «داعش» الحرجة. وحقاً، لعب ملادينوف دوراً في تشكيل حكومة وحدة وطنية وفي اتفاقات النفط بين بغداد وأربيل. وبعد أقل من سنتين، تولى مسؤولية الملف الأعقد والأكثر حساسية في المنطقة مع تعيينه منسقاً خاصاً لعملية السلام في الشرق الأوسط بين عامي 2015 و2020. وارتبط اسمه خلال هذه الفترة بمحاولات «بناء الثقة» والوساطة بين إسرائيل من جهة والسلطة الفلسطينية والفصائل الفلسطينية من جهة أخرى، مع مساعٍ مستمرة لتثبيت التهدئة في قطاع غزة.

كان ملادينوف يرى أن القدس هي «حجر الزاوية لجميع الصراعات في المنطقة»، وفق ما نقلته عنه مواطنته وسفيرة بلغاريا في إسرائيل روميانا باتشفاروفا، عقب زيارتها له في القدس إبّان فترة عمله ممثلاً للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط. يومذاك دافع الرجل عن «حل الدولتين»، بوصفه السبيل الوحيد لتحقيق السلام الدائم، ودعا إلى رفع القيود عن قطاع غزة، وإعماره وتحسين الأوضاع الإنسانية، كما انتقد التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، لأنه «يقوّض فرص السلام».

من ناحية ثانية، وحسب مراقبين، تميّز في الأروقة الدبلوماسية بـ«أسلوب هادئ يعتمد الاتصالات والوساطات غير المعلنة»، وحافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف. ووصفه بعض هؤلاء بأنه «لاعب منصف يدرك حساسية جميع الأطراف وشخص جاد ملمٌّ بكل الملفات». لكن تلك الفترة لم تسلم من انتقادات، لا سيما اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية» في إدارة الصراع وإهمال السلطة الفلسطينية، والتركيز على حركة «حماس». وفي المقابل اتهمه إسرائيليون بـ«التساهل» مع الحركة.

نشط في الكواليس

في الواقع أدى ملادينوف ما يتطلبه المنصب من مهام، وكان نشطاً في كواليس الوساطات بعيداً عن أعين الإعلام، وفي حوار مع صحيفة «نيويورك تايمز» بعد مغادرته منصبه الأممي، قال إنه صدم عند وصوله إلى القدس من قلة أهمية المنصب. من ناحية أخرى، لملادينوف مقالات عدة يشرح فيها رؤيته للسلام في المنطقة، بصفته زميلاً متميزاً زائراً في «معهد واشنطن» (المتهم بأنه قريب سياسياً من تل أبيب). وسبق له أن أشار في مقال نشره عام 2024 إلى «إمكانية أن تلعب دول الخليج دوراً أكثر أهمية في مبادرات السلام والأمن نظراً لنفوذها الاقتصادي والسياسي الكبير».

دعم الاتفاقات الإبراهيمية

لكن اسم ملادينوف ارتبط أيضاً بالتسريبات المالية الشهيرة المعروفة بـ«وثائق باندورا» عام 2021، حيث تبيّن أنه أسس «شركة أوفشور» في جزر سيشل عام 2013 عبر وسيط سويسري. ودافع عن نفسه حينذاك بالقول إن الشركة أُسِّست قبل انضمامه رسميّاً إلى الأمم المتحدة، وإنها لم تقم بأي أنشطة مالية أو تجارية فعليّة.

ومن أروقة السياسة وقيادة عملية السلام انتقل إلى أروقة الأكاديمية السياسية، حيث عُيِّن مديراً لـ«أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية» في دولة الإمارات عام 2021، ليبرز كصوت داعم لـ«الاتفاقات الإبراهيمية» و«نموذج السلام الإقليمي».

وفي مطلع عام 2026 برز اسمه مجدداً في ملف الصراع العربي - الإسرائيلي مع تعيينه ممثلاً سامياً لـ«مجلس السلام» لغزة، الذي أسسه الرئيس ترمب.

أخيراً، يوصف ملادينوف بأنه «شخص عملي للغاية، يركز على تحقيق النتائج أكثر من الإجراءات البيروقراطية، ويؤمن بالحوار والتوافق». لكنّ هذه الصفات لا تكفل له، حسب متابعين، النجاح في مهمته الحالية المعقدة، لا سيما مع ما تشهده الأوضاع على الأرض من تعقيد، اعترف به ملادينوف نفسه. إذ قال في تصريحات صحافية أخيراً: «لدينا وقف لإطلاق النار، لكنه ليس مثالياً، وهو أبعد من أن يكون مثالياً». وأردف: «هناك انتهاكات يومية، وبعضها خطير جداً... وإعادة إعمار غزة ستستغرق جيلاً كاملاً».


«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)
TT

«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)

في يناير (كانون الثاني) الماضي وقَّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب الميثاق التأسيسي لـ«مجلس السلام» على هامش «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس بسويسرا، متعهداً بالتنسيق مع الأمم المتحدة، والتعامل مع تحدّيات عالمية أخرى غير الهدنة في قطاع غزة. وبعد نحو شهر من توقيع الميثاق عقد الاجتماع الأول للمجلس في واشنطن بحضور ممثلين عن 47 دولة. وجاءت غزة على قمة أولويات المجلس.

ترمب أعلن أن بلاده ستقدم 10 مليارات دولار لـ«مجلس السلام» لغزة، وأشار إلى تعهدات أخرى بلغت 7 مليارات دولار من أعضاء المجلس، مع توقعات بزيادة المساهمات. لكن بعد أكثر من ثلاثة أشهر من تشكيل المجلس لا تزال هناك فجوة بين التعهدات المالية والأموال المطلوب صرفها بموجب «خطة ترمب لإعمار غزة» التي تقدر تكلفتها بنحو 70 مليار دولار.

تقرير من «مجلس السلام» إلى مجلس الأمن الدولي نشرته وكالة «رويترز» أخيراً، ذكر أن «الفجوة بين الالتزامات والصرف يجب سدّها على وجه السرعة... وأن الأموال التي تعهّدت بها الدول ولم تصرفها بعد، تمثل الفارق بين إطار عمل موجود على الورق، وآخر يحقق نتائج ملموسة على أرض الواقع لشعب غزة». ومن ثم دعا التقرير الدول والمنظمات غير الأعضاء في المجلس إلى تقديم مساهمات لإعادة الإعمار.

ينص ميثاق «مجلس السلام» على أن عضوية الدول تقتصر على ثلاث سنوات ما لم يدفع كل منها مليار دولار لتمويل أنشطة المجلس والحصول على عضوية دائمة، وحتى الآن لم تعلن أي دولة دفع رسوم العضوية، بحسب «رويترز». هذا، وجاء تشكيل «المجلس» برئاسة ترمب في إطار «خارطة طريق» تضم 20 نقطة أعلنها الرئيس الأميركي «لتحقيق السلام والاستقرار وإعادة الإعمار والازدهار الدائم في المنطقة». وبعدها، أقر مجلس الأمن الدولي تلك الخطة.

فيدان (تاس)

وفقاً لموقع البيت الأبيض فإن «مجلس السلام» سيلعب «دوراً محورياً» في تحقيق جميع بنود الخطة العشرين، «من خلال توفير الإشراف الاستراتيجي، وتعبئة الموارد الدولية، وضمان المساءلة خلال انتقال غزة من الصراع إلى السلام والتنمية». ولتحقيق رؤية «مجلس السلام» أعلن ترمب، في يناير الماضي تشكيل «مجلس تنفيذي» تأسيسي، يضم من وصفوا بـ«قادة ذوي خبرة في مجالات الدبلوماسية والتنمية والبنية التحتية والاستراتيجية الاقتصادية». واختير فيه كل من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ومبعوث ترمب للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، إلى جانب جاريد كوشنر، وتوني بلير، ومارك روان، وأجاي بانغا، وروبرت غابرييل.

ومهمة «المجلس التنفيذي» الإشراف على بناء القدرات الإدارية، والعلاقات الإقليمية، وإعادة الإعمار، وجذب الاستثمارات، والتمويل واسع النطاق، وتعبئة رأس المال. وقد عين ترمب كلاً من أرييه لايتستون وجوش غرينباوم مستشارين لـ«مجلس السلام»، مكلفين بقيادة الاستراتيجية والعمليات اليومية، وترجمة تفويض المجلس وأولوياته الدبلوماسية إلى تنفيذ منضبط.

وأيضاً عيّن الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف عضواً في «المجلس التنفيذي» و«ممثلاً أعلى» (مفوضاً سامياً) في غزة «يعمل كحلقة وصل ميدانية بين مجلس السلام والمجلس الوطني لإدارة غزة». ومعه، عُين اللواء جاسبر جيفرز قائداً لقوة الاستقرار الدولية في غزة، لقيادة العمليات الأمنية، ودعم نزع السلاح الشامل، وإيصال المساعدات الإنسانية ومواد إعادة الإعمار بشكل آمن، وفق موقع البيت الأبيض.

وأخيراً، دعماً لمكتب الممثل الأعلى و«المجلس الوطني لحكومة غزة»، شُكل «مجلس تنفيذي لغزة»، يضم كلاً من: ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وهاكان فيدان، وعلي الذوادي، والفريق حسن رشاد، وتوني بلير، ومارك روان، وريم الهاشمي، ونيكولاي ملادينوف، وياكير غاباي، وسيغريد كاغ.