«البديل من أجل ألمانيا» يواصل فرض برنامجه على أنقاض الائتلاف الحكومي

السوريون والأفغان في طليعة المهدَّدين بالترحيل

اللاجئون السوريون في المانيا... في طايعة المهددين بالترحيل (دويتشه فيله)
اللاجئون السوريون في المانيا... في طايعة المهددين بالترحيل (دويتشه فيله)
TT

«البديل من أجل ألمانيا» يواصل فرض برنامجه على أنقاض الائتلاف الحكومي

اللاجئون السوريون في المانيا... في طايعة المهددين بالترحيل (دويتشه فيله)
اللاجئون السوريون في المانيا... في طايعة المهددين بالترحيل (دويتشه فيله)

منذ أيام تخرج في ألمانيا مظاهرات ضد المستشار فريدريش ميرتس، وآلاف المتظاهرين في مختلف المدن الألمانية يخرجون مطالبيه بالاعتذار ومتهميه بالعنصرية وباعتماد خطاب شعبوي. ومن بين المشاركين كان سياسيون من حزب «الخضر» ولكن أيضاً من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) المشارك في الحكومة. للعلم، هذه ليست المرة الأولى التي تخرج فيها مظاهرات واسعة ضد ميرتس بعد إدلائه بتصريحات مثيرة للجدل، لكنها المرة الأولى التي تخرج وهو المستشار. هذه المرة كان السبب تلميحاته بأن المهاجرين هم المسؤولون بشكل أساسي عن زيادة نسبة الجرائم وانعدام الأمان في المدن الكبرى. فخلال مؤتمر صحافي، سُئل ميرتس عن خطط حكومته لمواجهة صعود حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليمين المتطرف، فكان رده أن حكومته «تصحح أخطاء الماضي» في سياسة الهجرة، وأنها بدأت تحقق نجاحات في ذلك. وتابع: «ولكن من دون شك لدينا مشكلة في مظهر المدن... ولهذا؛ فإن وزارة الداخلية تعمل الآن على تمكين تنفيذ عمليات ترحيل واسعة النطاق». وهكذا، في جملة واحدة جمع ميرتس بين المهاجرين وارتفاع نسبة الجريمة؛ إذ إن الداخلية تعمل على ترحيل المهاجرين المدانين بجرائم إلى دولهم، من بينها الدول المصنّفة بـ«غير الآمنة» مثل سوريا وأفغانستان. وما تبع كان جملة واسعة من الانتقادات وُجّهت للمستشار بسبب تعميمه بأن كل المهاجرين واللاجئين هم من المجرمين.

اعتاد المستشار الألماني المحافظ فريدريش ميرتس على إثارة الجدل في تصريحات تتعلق بالهجرة، وغالباً ما توصف بأنها «شعبوية». ففي مطلع عام 2023، عندما كان لا يزال حزبه في المعارضة، وصف طلاب المدارس من أصول عربية وتركية بأنهم «باشوات صغار». وكان ينتقد حينها ضعف نسبة اندماج المهاجرين في المجتمعات الألمانية.

بعدها بأشهر، وصف ميرتس بلدات ألمانية ريفية كان يجول فيها استعداداً للانتخابات، بأنها «هي مَن تمثل ألمانيا الحقيقية، وليست (منطقة) كرويتسبيرغ في برلين». وتعرف مقاطعة كرويتسبيرغ بأنها واحدة من أكثر المقاطعات في العاصمة تنوعاً عرقياً وثقافياً، وتضم جالية تركية كبيرة.

وقبل أسابيع من دخوله مقر المستشارية، وأيام قبل الانتخابات، تسبّب ميرتس بموجة مظاهرات واسعة بسبب تحالف حزبه داخل البرلمان مع حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف؛ لتمرير قانون يدعو إلى تشديد قوانين الهجرة على خلفية هجمات إرهابية متتالية ارتكبها لاجئون سوريون وأفغان.

يومذاك، وُجّهت اتهامات لميرتس بأنه «أسقط جدار» رفض التحالف مع اليمين المتطرف، وهو تعهّد تكرّره جميع الأحزاب الألمانية منعاً لوصول حزب متطرف للسلطة مرة جديدة بعد تجربة النازيين. وأمام الغضب الواسع، عاد ميرتس ليقول غير مرة إنه لن يتحالف مع «البديل من أجل ألمانيا»، لكنه لم يتراجع عن أي من تصريحاته الجدلية المتعلقة بالمهاجرين واللاجئين.

لا يحب «مظهر المدن»!

وعندما سُئل المستشار عن تصريحاته الأخيرة حول «مظهر المدن»، رفض التراجع عنها، وردّ على الصحافي الذي سأله إذا كان يريد التراجع عن تصريحاته، بالقول: «لا أدري إذا كان لديك أطفال وبنات من بينهم... اسألوا بناتكم، أعتقد أنكم ستحصلون على إجابة واضحة وصريحة. ليس لديّ ما أتراجع عنه، على العكس أريد أن أعيد التأكيد أننا في حاجة إلى تغيير شيء».

تصريحات ميرتس الجديدة تسببت بمظاهرات عفوية قادتها نساء خرجن أمام مقر حزبه في وسط برلين، رافعات لافتات بأن «خوف الفتيات ليس من المهاجرين، بل من الرجال بشكل عام». وتعرّض المستشار أيضاً لانتقادات حتى من داخل حزبه، على رأسهم عمدة برلين كاي فاغنير الذي حذّر من «التعميم». واتهمه آخرون من حزبه، الاتحاد الديمقراطي المسيحي، باعتماد خطاب أشبه بخطاب «البديل من أجل ألمانيا» الذي غالباً ما يحمّل المهاجرين واللاجئين مسؤولية ارتفاع نسبة الجرائم.

رغم كل هذا، لا تُعدُّ مواقف ميرتس من المهاجرين جديدة، وقد لا تكون تصريحاته شعبوية بقدر ما هي حقاً ما يؤمن به.

إذ إنه انتقد المستشارة السابقة أنجيلا ميركل لسماحها عام 2015 بدخول مئات آلاف السوريين وحمّلها مسؤولية صعود اليمين المتطرف. وقبل أن يصبح مستشاراً كان يروّج لوقف استقبال اللاجئين بشكل كامل، قبل أن يتراجع عن ذلك بعدما استنتج أن ذلك سيكون غير قانوني. مع ذلك، فإنه لا يزال يروّج - منذ تسلمه السلطة - لبدء عمليات ترحيل واسعة للأفغان والسوريين، وبشكل أساسي المجرمون منهم وثم الرجال.

السوريون والأفغان في الواجهة

وبالفعل، بدأت وزارة الداخلية الألمانية مفاوضات مع «طالبان» والحكومة السورية تسمح بالتوصل إلى اتفاق لترحيل مواطنيهم. وللعلم، تتفاوض برلين مع «طالبان» رغم أنها لا تعترف بها، ورغم استمرار تصنيف الخارجية الألمانية لأفغانستان بأنها «غير آمنة». والوضع مشابه مع سوريا، المصنفة بـ«غير الآمنة»، وبخاصة للأقليات، مع أن الحكومة الألمانية تقيم علاقات مع الحكومة السورية وتقدّم لها دعماً كبيراً.

بالمناسبة، ترحّل ألمانيا حالياً إلى أفغانستان أعداداً قليلة من المُدانين بجرائم وعبر وسطاء مثل قطر، لكنها تسعى إلى ترحيل أعداد أكبر وبشكل مباشر. أما بالنسبة للسوريين فيجري ترحيل أعداد قليلة منهم أيضاً إلى تركيا، ولكن فقط من هو مدان بجرائم.

هذا، ومنذ سقوط نظام الأسد، أوقفت ألمانيا البت بطلبات لجوء السوريين ريثما تتضح الصورة. وعادت قبل أشهر قليلة واستأنفت البت بها. وقال ناطق باسم وزارة الداخلية في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن دائرة الهجرة علّقت البت بطلبات لجوء السوريين بها منذ نهاية العام الماضي إثر سقوط نظام الأسد، ولكن في نهاية سبتمبر (أيلول) الماضي جرى تعديل التوجيهات لدائرة الهجرة. وبدأ البحث في طلبات الشبّان القادرين على العمل والذين وصلوا بمفردهم إلى ألمانيا، ثم وُسّع مفعول القرار ليشمل طلبات كل السوريين وإجراء مقابلات معهم «باستثناء مَن هم من الأقليات الدينية في سوريا». وأشار الناطق باسم الداخلية إلى أن البحث في طلبات «لمّ شمل العائلات» ما زال معلقاً. وتابع أن الحكومة الألمانية «مستمرة بمراقبة الوضع في سوريا وستوسّع البحث في الطلبات الأخرى المقدمة والتي ما زالت معلَّقة حسب ما يسمح الوضع هناك».

وبدأ منذ ذلك الحين عدد من السوريين يبلّغ عن تلقيهم رفض طلب لجوئهم مع الترحيل إلى سوريا للذين ليست لديهم بصمات في دول أوروبية أخرى.

اتفاقية دبلن للاجئين

حسب اتفاقية دبلن للاجئين، يتعين على طالبي اللجوء إلى الاتحاد الأوروبي أن يتقدموا بطلباتهم في أول دولة يصلون إليها. وعادة يصار إلى ترحيل مَن لديهم بصمات في دولة أوروبية أخرى إلى تلك الدولة، مثل بلغاريا التي غالباً ما تكون أول دولة أوروبية يدخلها الواصلون بشكل غير شرعي.

من الذين وصلهم رفض لجوء وطلب ترحيل إلى سوريا، حمزة إبراهيم، وهو شاب سوري في الرابعة والعشرين من العمر يتحدر من إدلب. ووصل حمزة إلى ألمانيا بعد 3 أيام على سقوط نظام الأسد في نهاية عام 2024 بعدما استغرقه الوصول براً 3 أشهر، حسب ما روى لـ«الشرق الأوسط».

لم يكن لدى حمزة بصمة في أي دولة أوروبية أخرى. ولكن بقي ملفه معلقاً قيد الدرس حتى وصله إشعار قبل أسبوعين برفض طلب لجوئه مع طلب ترحيل من ألمانيا خلال 30 يوماً. وأرسل موظفو الهجرة رفض الطلب مرفقاً بشرح مُسهب يتضمّن أسباب الرفض في 30 صفحة. وأفاد حمزة بأنها تضمنت حقيقة أنه لا ينتمي إلى الأقليات في سوريا، وإلى أن الوضع الاقتصادي بدأ يتحسّن بسبب المساعدات المالية الكبيرة المقدمة من الدول الغربية والتي ذكرها نص التفسير بأكملها.

وأضاف حمزة أن موظفي الهجرة برّروا الرفض كذلك بأنه صغير السن، وهذا يعني أنه قادر على العمل في سوريا والبداية من الصفر. هذا، واستأنف حمزة قرار الترحيل عبر محامٍ في ألمانيا متخصص بشؤون الهجرة، لكنه كان ما زال غير واثق ما إذا كان سيجري ترحيله عنوة أم لا؟

للعلم، تضمنت أوراق رفض اللجوء معلومات باللغة العربية عن برامج الحكومة للأشخاص الذين يقرّرون الرحيل طوعاً، والاستفادة من البرامج التي تقدمها الحكومة الألمانية لذلك، وتتضمن مبلغاً مالياً وتذكرة سفر. ويمكن الطعن بالقرار خلال أسبوعين أمام المحاكم التي تقرّر ما إذا كان يمكن إصدار قرار سماح بالبقاء للذين أصدرت دائرة الهجرة قرار ترحيل بحقهم.

أزمة البصمات...وفضية الترحيل

من جهة ثانية، رغم أن من لديهم بصمات في دول أوروبية أخرى، يجري ترحيلهم من ألمانيا إلى تلك الدول، فإن المعضلة تبقى للذين، مثل حمزة، ليست لديهم بصمات تسجل دخولهم إلى الاتحاد الأوروبي. ما يعني أن هؤلاء يفترض نظرياً ترحيلهم إلى سوريا. ولكن مع استمرار تصنيف الخارجية الألمانية لسوريا بـ«غير الآمنة»، فإن الذين تصدر بحقهم طلبات ترحيل غالباً ما يحصلون على سماح بالبقاء حتى إشعار آخر، حسب ما أكدت دائرة الهجرة لـ«الشرق الأوسط».

وذكر ناطق باسم الدائرة التي تصدر وتنفّذ أوامر الترحيل، أن «الترحيل إلى سوريا غير ممكن حالياً بسبب عدم وجود رحلات جوية إلى دمشق، وهذا يعني بأن هناك عوائق أمام تنفيذ عمليات الترحيل...». وأضاف أن السوريين الذين تصدر بحقهم طلبات ترحيل إلى سوريا يحصلون على «تأشيرة سماح بالبقاء حتى إشعار آخر».

لا تُعدُّ مواقف ميرتس من المهاجرين جديدة وقد لا تكون تصريحاته شعبوية بقدر ما هي حقاً

ما يؤمن به

أيضاً، حسب ناطق باسم الخارجية الألمانية، فإن تصنيف ألمانيا لدولة بأنها «غير آمنة» لا يعني قطعاً بأنه لا يمكن لدائرة الهجرة أن تصدر قرارات ترحيل إليها. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» إن «التصنيف القانوني لدولة بأنها غير آمنة ليس بحد ذاته شرطاً مسبقاً لعدم الترحيل إليها، وما إذا كان هناك حظر للترحيل إلى وجهة معينة، فهذا يعود إلى السلطات الأمنية المعنية في كل ولاية».

وراهناً، لا تصنف الخارجية الألمانية «دولاً آمنة» إلا دول الاتحاد الأوروبي و10 دول إضافية معظمها من دول البلقان وشرق أوروبا، التي بدأت منذ سنوات مفاوضات انضمام للتكتل الأوروبي، إضافة إلى السنغال وغانا. وتحدد الخارجية «الدول الآمنة» بتلك التي ليس فيها خطر ملاحقة للأشخاص الذين يطلبون الحماية.

من جانب آخر، إذا كانت عمليات الترحيل إلى سوريا وأفغانستان متوقفة الآن أو محدودة، فإن الوضع قد يتغيّر قريباً. فالحكومة الألمانية تبدو عازمة على التوصل إلى اتفاقات مع البلدين لإعادة مواطنيهما؛ كونها فتحت مشاورات مع «طالبان» رغم عدم اعترافها بها كسلطة في أفغانستان. لكن يختلف الوضع في سوريا التي أعلنت برلين دعمها للحكومة الجديدة فيها، وهي تقدم مساعدات مالية كبيرة لمساعدتها على النهوض اقتصادياً ما يسهل إعادة اللاجئين إليها، حتى من ألمانيا.

هذا، ورغم أن المستشار الألماني أوضح لاحقاً بأنه يقصد «اللاجئين غير المندمجين» والذين ليس لديهم إقامات شرعية عند كلامه عن عمليات ترحيل جماعية، فإن كلامه عن «مظهر المدن» يعكس قلقاً متزايداً في ألمانيا من تأثير الهجرة عليها... والتي باتت ظاهرة بشكل كبير في المدن الكبرى. وهذا يفسّر كذلك استمرار تنامي اليمين المتطرف الذي يبني خطابه على التحريض ضد المهاجرين.

ميرتز (آف ب)

ميرتس وحزبه يدركان أن الخطر الأكبر على الديمقراطيين المسيحيين يأتي من «حزب البديل لألمانيا»، ولقد كرر ميرتس مراراً بأن «هذه هي الفرصة الأخيرة» لمواجهة الحزب المتطرف، وأنه يعتقد بأن «اعتماد سياسة هجرة أكثر حزماً» هي الرد على ذلك.

في المقابل، لا يشارك الاشتراكيون - المشاركون في الحكومة - الديمقراطيين المسيحيين رؤيتهم. ولذا؛ بدأت انشقاقات تظهر داخل الحكومة بسبب هذه الخلافات. بل دفعت تصريحات ميرتس الاشتراكيين إلى طلب عقد قمة عاجلة لمناقشة المخاطر الأمنية في البلاد، التي يقول الحزب إنها غير مرتبطة بفئة معينة من السكان.

حرب العنصريين مستمرة على الهجرة والمهاجرين

في هذه الأثناء، يركز خطاب اليمين المتطرف على لوم المهاجرين في زيادة الجرائم مستغلاً تنفيذ عدد من طالبي اللجوء من أفغانستان وسوريا عمليات إجرامية وإرهابية متتالية في الأشهر الماضية.

ولا يبدو أن خطط ميرتس باعتماد خطاب شبيه بخطاب اليمين المتطرف، ستجدي نفعاً. إذ أظهرت آخر استطلاعات للرأي نُشرت قبل أيام وبعد كلام ميرتس عن «مظهر المدن» استمرار تقدم حزب «البديل من أجل ألمانيا» على الديمقراطيين المسيحيين. وحسب آخر استطلاع أجراه معهد «فورسا»، فإن «البديل من أجل ألمانيا» يحلّ أولاً بنسبة 25 في المائة من أصوات المستطلعة آراؤهم، بينما يحل الديمقراطيون المسيحيون في المركز الثاني بفارق بسيط جداً، ويأتي الاشتراكيون في المركز الثالث بـ13 في المائة فقط. وهذا يعني أن الائتلاف الحاكم خسر غالبيته الشعبية بعد أشهر قليلة على تشكيل الحكومة.

كذلك، أظهر استطلاع آخر أن نسبة قلة الرضا عن ميرتس مرتفعة، وأن واحداً فقط من 4 أشخاص مستطلعة آراؤهم يعتقدون بأنه يؤدي عملاً جيداً بينما الآخرون يعتقدون العكس.

بأي حال، يأمل ميرتس بأن خططه الأكثر تشدداً في ملف الهجرة واللجوء، قد تكسبه شعبية أكبر قبل الانتخابات القادمة، وتقضم من نصيب اليمين المتطرف.ذلك أن خططاً لا تشمل فقط التشدد مع اللاجئين، بل توسّعت لتطال المهاجرين القانونيين كذلك. إذ أدخلت حكومته تعديلات على قانون التجنيس وإلغاء مسار الحصول على الجنسية خلال 3 سنوات للمندمجين بشكل خاص، وهو ما كانت أدخلته الحكومة السابقة التي قادها الاشتراكيون بمشاركة حزب «الخضر».


مقالات ذات صلة

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

حصاد الأسبوع باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك،

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي

حصاد الأسبوع كيريكو (آ ف ب)

بنين... الديمقراطية «المستقرة نسبياً» في أفريقيا

تُعدّ بنين، التي كانت تُعرف سابقاً باسم داهومي، والتي يقارب عدد سكانها 14 مليون نسمة، واحدة من أكثر الدول استقراراً نسبياً في أفريقيا. وسياسياً، عاصمة بنين

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
حصاد الأسبوع صورة جامعة للقادة المشاركين في «القمة» (رويترز)

«القوى التقدمية» في الغرب تسعى لاستعادة الثقة بالنفس

عندما بزغ فجر القرن الحادي والعشرين، كانت كوكبة من القيادات «التقدمية» - الاشتراكية أو من اليسار المعتدل - تتربع على قمم السلطات التنفيذية في أوروبا، من بينها:

شوقي الريّس ( مدريد)

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.