ميريام أديلسون... «سيدة المال والنفوذ» ورمز حلف اليمينين الأميركي والإسرائيلي

أوضح مَن يشرح آليات اتخاذ القرار السياسي في واشنطن

ترى أديلسون أن الدفاع عن إسرائيل ليس خياراً سياسياً بل هو واجب أخلاقي يعبّر عن روح الغرب الحديثة
ترى أديلسون أن الدفاع عن إسرائيل ليس خياراً سياسياً بل هو واجب أخلاقي يعبّر عن روح الغرب الحديثة
TT

ميريام أديلسون... «سيدة المال والنفوذ» ورمز حلف اليمينين الأميركي والإسرائيلي

ترى أديلسون أن الدفاع عن إسرائيل ليس خياراً سياسياً بل هو واجب أخلاقي يعبّر عن روح الغرب الحديثة
ترى أديلسون أن الدفاع عن إسرائيل ليس خياراً سياسياً بل هو واجب أخلاقي يعبّر عن روح الغرب الحديثة

حين طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب من ميريام أديلسون أن تقف في قاعة الكنيست الإسرائيلي أثناء كلمته قبيل توجّهه إلى شرم الشيخ لتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، بدا المشهد في ظاهره تحية شخصية. لكنه في عمقه كان تعبيراً عن شبكة مصالح وتحالفات تمتدّ من تل أبيب إلى واشنطن، ومن الحزب الجمهوري إلى حركة اليمين الشعبوي العالمي. في تلك اللحظة، لم يكن ترمب يشكر امرأة ثرية فحسب، بل كان يُقرّ علناً بالدور الذي لعبته ولا تزال تلعبه ميريام أديلسون، وريثة الإمبراطورية التي بناها زوجها الراحل شيلدون أديلسون، في تمويل مشاريع سياسية وإعلامية شكلت أحد أعمدة العلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة وإسرائيل خلال العقدين الأخيرين. ذلك المشهد، بكل رمزيته، لم يكن مجرد لفتة بروتوكولية، بل إعلاناً متجدداً عن تحالف المال والعقيدة والهوية، الذي بات يحدد ملامح اليمين الأميركي في عصر ما بعد ترمب.

 

 

 

وُلدت ميريام فربشتاين (الاسم الأصلي لعائلتها) في تل أبيب عام 1945 لأبوين يهوديين نجيا من أهوال «المحرقة النازية» بعدما فرّا من بولندا قبل الحرب العالمية الثانية. ونشأت في مدينة حيفا، حيث كان والدها - اليساري الميول - يملك عدة دور سينما، وتلقت تعليمها في المدرسة الريالية العبرية.

وبعدما درست العلوم الدقيقة في الجامعة العبرية في القدس، حصلت على درجة دكتوراه الطب من جامعة تل أبيب بتفوّق، قبل أن تعمل طبيبة في مستشفى «روكاح» (هداسا) في تل أبيب، وتصبح لاحقاً رئيسة قسم الطوارئ فيه. وفي منتصف الثمانينات، انتقلت ميريام إلى جامعة روكفلر في مدينة نيويورك طبيبة باحثة متخصصة في علاج الإدمان، وهناك عملت مع العالمة الشهيرة ماري جين كريك، الرائدة في تطوير علاج الميثادون لمدمني الهيرويين.

اللقاء... والزواج والعمل المشترك

بعد طلاقها من زوجها الأول، التقت ميريام عام 1989 بشيلدون أديلسون، رجل الأعمال اليهودي الثري – الذي حملت اسم عائلته – وصاحب إمبراطورية «لاس فيغاس ساندز» التي تُعد من أكبر شركات الكازينوهات والفنادق في العالم.

ومن ثم، تزوّجا عام 1991 وأنجبا ولدين (آدم وماتان). وفي 1993 افتتحا «عيادة أديلسون» لعلاج الإدمان في تل أبيب، ثم أسّسا فرعاً آخر في لاس فيغاس عام 2000.

كانت تلك البداية لمسيرة تمزج بين العمل الإنساني والتمويل السياسي، ليتحوّل «الزوجان أدلسون» إلى أيقونة النفوذ المالي - السياسي في واشنطن وتل أبيب. وبفضل ثروتهما والتزامهما السياسي اليميني المتشدّد، قدّما مئات ملايين الدولارات للحزب الجمهوري الأميركي، دعماً لمرشحين يتبنون خطاباً مؤيداً لإسرائيل بلا تحفظ. وكانا من أبرز مموّلي حملة ترمب الانتخابية عام 2016، ثم حملة إعادة انتخابه عام 2020. ولقد مُنحت ميريام وسام الحرية الرئاسي عام 2018، في تكريم اعتُبر اعترافاً علنياً بدورها في دعم التحالف الأميركي - الإسرائيلي المحافظ.

جدير بالذكر أن شيلدون أديلسون كان أبرز مموّلي حملة جورج بوش الابن، ثم جون ماكين، قبل أن يجد في دونالد ترمب تجسيداً مثالياً للتحالف الجديد بين اليمين القومي الأميركي واليمين الديني الإسرائيلي. وبعد وفاته عام 2021، ورثت ميريام الحصة الكبرى في شركة «لاس فيغاس ساندز»، إلى جانب ملكيتها لصحيفتي «إسرائيل هايوم» (الأوسع انتشاراً في إسرائيل) و«لاس فيغاس ريفيو - جورنال» في الولايات المتحدة. ووفق تقديرات «بلومبرغ» في أغسطس (آب) 2025، تبلغ ثروتها نحو 40.5 مليار دولار، ما يجعلها المرأة الـ48 الأكثر ثراءً في العالم.

أيضاً، اشترت ميريام نادي «دالاس مافريكس» لكرة السلة، ما عزّز حضورها في المشهد الاقتصادي الأميركي. بيد أنها لم تكتفِ بإدارة الثروة، بل سخّرتها لبناء نفوذ سياسي ضخم داخل الحزب الجمهوري، وواصلت تمويل المؤسسات والمنظمات التي ترى أن «إسرائيل ليست حليفاً فقط، بل جزء من هوية أميركا المسيحية – اليهودية»، كما قالت في أكثر من مناسبة.

«أيباك» و«جي ستريت»

حين يُذكر مصطلح «اللوبي اليهودي» في واشنطن، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو منظمة «أيباك»، التي تأسست في خمسينات القرن الماضي لتكون الصوت السياسي الرسمي المؤيد لإسرائيل بلا تحفظ، والقوة الضاغطة القادرة على ترجيح كفة الأصوات داخل الكونغرس لمصلحة أي تشريع يخدم تل أبيب.

لكن المشهد اليوم أكثر تعقيداً. إذ ظهرت خلال العقدين الأخيرين تنظيمات يهودية ليبرالية مثل «جي ستريت»، التي تنتقد سياسات الاحتلال وتدعو إلى حل الدولتين. ورغم اتساع نفوذها داخل صفوف الديمقراطيين، فإنها ما زالت تواجه مقاومة قوية من «اللوبي» التقليدي الذي يميل إلى التحالف مع الجمهوريين واليمين الإيفانجيلي الأميركي. وهو ما يعكس انقساماً داخل المجتمع اليهودي الأميركي نفسه بين تيارين؛ الأول محافظ يرى في دعم إسرائيل واجباً دينياً وتاريخياً، والثاني يساري يرى أن سياسات نتنياهو وحلفائه تهدد القيم الليبرالية الأميركية.

ميريام أديلسون تقف بوضوح في الضفة الأولى، حيث يتلاقى المال المحافظ اليهودي مع اليمين الإيفانجيلي الأميركي، في حلف يغلّف نفسه بخطاب لاهوتي وسياسي في آنٍ. فهي لا تموّل «أيباك» فحسب، بل أيضاً وسائل إعلام ومؤسّسات بحثية تروّج لفكرة أن دعم إسرائيل دفاعٌ عن «قِيَم الغرب في مواجهة الإسلام السياسي وإيران»، وهو منطق يتردّد صداه في خطاب ترمب وحلفائه الجمهوريين.

المال السياسي وصناعة القرار

في النظام السياسي الأميركي، المال ليس مجرّد أداة دعم، بل عنصر حاسم في تشكيل القرار. إذ تسمح قوانين تمويل الحملات بإنشاء «لجان عمل سياسي» ضخمة قادرة على ضخّ ملايين الدولارات لصالح مرشحين محدّدين. وفي هذا الإطار، برزت عائلة أديلسون كإحدى أقوى الجهات المانحة، ليس على مستوى الحزب الجمهوري فقط، بل في توجيه السياسات الخارجية، خصوصاً تجاه الشرق الأوسط.

إبّان إدارة ترمب الأولى، كان دعم آل أديلسون عاملاً حاسماً في قرارات مثل نقل السفارة الأميركية إلى القدس والاعتراف بضم الجولان السوري المحتل لإسرائيل. ومارس الزوجان نفوذاً مباشراً داخل الدائرة الضيقة لصنع القرار، عبر علاقات شخصية ومساهمات مالية في مؤسسات الحزب الجمهوري.

وصحيفة «واشنطن بوست» عدّت عائلة أديلسون «العصب المالي للسياسة الإسرائيلية في واشنطن»، معتبرة أن دعمها لم يكن مجرّد تبرع، بل «استثمار استراتيجي في هوية الحزب الجمهوري الجديد».

وحقاً، وصف أحد المسؤولين السابقين في الإدارة ذلك بقوله: «حين يتكلّم آل أديلسون، يصغي الجميع. إنهم لا يشترون الولاء، بل يخلقون بيئة سياسية حيث يصبح الولاء لإسرائيل مصلحة انتخابية بحد ذاته». وأردف: «البيت الأبيض كان يعرف جيداً ما الذي يعنيه دعم شيلدون وميريام؛ دعم كامل من شبكة المموّلين المحافظين الموالين لإسرائيل».

تحوّلات في مشهد اليمين الأميركي

لكن مشهد الإجماع التقليدي حول إسرائيل بدأ يتصدّع. ففي السنوات الأخيرة، ظهرت أصوات داخل اليمين الأميركي نفسه تنتقد العلاقة غير المتكافئة مع تل أبيب. من هؤلاء الإعلامي الشهير تاكر كارلسون، الذي حذّر مراراً من أن «سياسات واشنطن في الشرق الأوسط تُدار وفق حسابات اللوبيات، لا وفق المصلحة الوطنية».

كذلك برزت النائبة الجمهورية مارجوري تايلور غرين بانتقادات حادة للمساعدات العسكرية لإسرائيل، معتبرة أنها تأتي على حساب دافعي الضرائب الأميركيين.

هذه الأصوات، وإن ما زالت أقلية، تعبّر عن تحول ثقافي أعمق داخل القاعدة الشعبوية الجمهورية التي ترى أن الأولوية يجب أن تكون «أميركا أولاً»، وأنّ التحالف مع إسرائيل يجب أن يخضع لمعادلة مصالح متبادلة، لا لالتزام عقائدي مطلق.

ويرى محللون أن هذا الاتجاه يشكل تحدياً استراتيجياً للنفوذ اليهودي التقليدي في الحزب الجمهوري، إذ للمرة الأولى منذ عقود، يُطرح سؤال جوهري حول حدود هذا النفوذ ومشروعيته السياسية.

بين المال والرسالة

بعد وفاة زوجها، لم تكتفِ ميريام بالاستمرار في نهج التمويل السياسي، بل أعادت تشكيله بأسلوب شخصي أكثر آيديولوجية.

فهي تقدّم نفسها على أنها «مدافعة عن إسرائيل وعن القيم الأميركية معاً»، وتواصل تمويل برامج مثل «بيرثرايت (حق الولادة) إسرائيل» التي أتاحت لأكثر من 750 ألف شاب يهودي زيارة إسرائيل مجاناً، وقدّمت لها مع زوجها أكثر من 250 مليون دولار.

واستثمرت في أبحاث مكافحة الإدمان، لكنها في الوقت ذاته موّلت مؤسسات فكرية يمينية مثل «هيريتيج فاونديشن» (مؤسّسة التراث) التي ينسب إليها «مشروع 2025» الذي يعدّ بمثابة خطة عمل ترمب في ولايته الثانية، و«فري بيكون»، التي تروّج لرؤية محافظة في السياسة الخارجية.

صحيفة «نيويورك تايمز» عدّتها «الوريثة الروحية لشيلدون، والأمّ السياسية للجيل الجديد من الجمهوريين المؤيدين لإسرائيل»، وهو وصف يعكس مكانتها الفريدة كصاحبة قرار لا مجرّد مموّلة.

تبدّل في العلاقة

يؤكد باحثون في الشأن الأميركي أن التحالف بين واشنطن وتل أبيب تجاوز منذ سنوات حدود المصالح الاستراتيجية إلى ما يمكن وصفه بـ«الشراكة العقائدية». ففي خطاب ترمب، كما في مواقف مستشاريه، نجد حضوراً قوياً لفكرة «القدر المشترك بين إسرائيل وأميركا»، باعتبارهما دولتين أنشئتا على أسس دينية أخلاقية لمقاومة «الشرّ العالمي».

هذا الخطاب يتلاقى مع رؤية ميريام أديلسون، التي ترى أن الدفاع عن إسرائيل ليس خياراً سياسياً، بل واجب أخلاقي يعبّر عن روح الغرب الحديثة.

لكن هذه الرؤية تواجه اليوم تحديات متعددة؛ من تحولات الرأي العام الأميركي بين الشباب، حيث تتراجع صورة إسرائيل، إلى تنامي النزعة الانعزالية في الداخل الأميركي التي ترى أن التحالفات الخارجية باتت عبئاً اقتصادياً وسياسياً.

في ظل هذه التحولات، يجد المموّلون اليهود أنفسهم أمام معادلة جديدة؛ كيف يحافظون على نفوذهم في نظام سياسي بات أكثر انقساماً، وفي مجتمع يعيد تعريف أولوياته القومية؟

لقد كان النفوذ اليهودي في واشنطن لعقود يقوم على تحالف ثابت بين الحزبين، لكن الاستقطاب الحاد بين الجمهوريين والديمقراطيين، وتحوّل الحزب الأخير نحو قاعدة شبابية ليبرالية أقل حماسة لإسرائيل، جعل هذا النفوذ موضع مراجعة. فجماعة «جي ستريت»، التي تمثل الصوت اليهودي الليبرالي، تزداد نفوذاً داخل دوائر الحزب الديمقراطي، فيما يواجه التيار المحافظ الموالي لإسرائيل صراعاً داخلياً مع أصوات اليمين الشعبوي.وسط هذه المعادلة، تبرز ميريام أديلسون كصوت مقاوم لهذا التبدّل، تسعى إلى ترسيخ إرث زوجها بوصفه «المموّل الذي غيّر وجه السياسة الأميركية تجاه إسرائيل»، لكنها تواجه تحدّياً؛ هل يمكن للمال وحده أن يواجه تغيّر الثقافة السياسية الأميركية؟ وإلى أي مدى يمكن لتحالف المال والآيديولوجيا أن يصمد أمام تحولات الديمقراطية الأميركية، وأمام رأي عام بدأ يطالب بمساءلة حلفائه التاريخيين؟ وفي هذا التناقض، تتكثّف قصة علاقةٍ عمرها 7 عقود، بين أقوى ديمقراطية في العالم، وأشدّ حلفائها إثارة للجدل.

 


مقالات ذات صلة

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

حصاد الأسبوع «تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات

ميشال أبونجم (باريس)
حصاد الأسبوع ميلونشون (رويترز)

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

«الشرق الأوسط» (باريس)
حصاد الأسبوع قناة السويس (رويترز)

مصر والصين بعد زيارة شي جينبينغ... من شراكة المشاريع إلى صناعة المستقبل

قبل زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى القاهرة، انشغل معظم القراءات بالسؤال عمّا يمكن أن تضيفه الزيارة إلى العلاقات المصرية - الصينية. أما بعد اختتامها،

وارف قميحة
حصاد الأسبوع تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)

رئيس الوزراء الإسرائيلي... ما بين «شمشون الجبّار» وجرافة الـ«دي 9»

قصة شمشون الجبار تُذكر كثيراً في السنوات الثلاث الأخيرة؛ فهذه الشخصية التاريخية لبني إسرائيل، اشتهرت في الحكاية التوراتية كمَن صاحب العبارة الشهيرة


«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس
TT

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة من احتياطيها النفطي، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب من البيت الأبيض، بأن الظروف الراهنة لا تسمح بإجراء الانتخابات الموعودة في فنزويلا. rnوأضاف أنه ورودريغيز يرغبان في إجرائها «عندما تتوافر الأجواء المناسبة». في غضون ذلك، كانت تتوالى الانتقادات لهذا الاتفاق، وهو الأكبر في العالم، بما في ذلك بين أوساط المعارضة الفنزويلية التي كانت قد هللت من قبل للتدخل العسكري الأميركي الذي أطاح نيكولاس مادورو، والتي بدأ التصدّع يظهر في صفوفها بعد إصرار واشنطن على تهميشها وفتح قنوات الحوار مع النظام.

تصريحات الرئيس دونالد ترمب جاءت بعد الكشف عن بعض تفاصيل الاتفاق التي بيّنت أن سيطرة واشنطن على خُمس احتياط النفط الفنزويلي لفترة مائة سنة، ستكون عبر مساهمتها في شركة خاصة فنزويلية يملكها صديق لترمب هو المليونير أليخاندرو بيتانكور. وبالمناسبة، هذا الأخير ملاحق قضائياً في كل من سويسرا وإسبانيا بتهم تبيض الأموال.

في المقابل، أعربت أوساط المعارضة الفنزويلية عن مخاوفها من أن يشكّل هذا الاتفاق حافزاً لإبقاء الحكومة المؤقتة في السلطة، وتأجيل عملية الانتقال الديمقراطي، او حتى صرف النظر عنها كلياً.

ديلسي رودريغيز (آ فب/يونهاب)

فنزويلا ليست جاهزة للانتخابات

ترمب قال في تصريحاته حول الموضوع: «لا أعتقد أن فنزويلا جاهزة للانتخابات... إنها حكومة جديدة أنقذناها من النظام السابق ونقيم معها الآن علاقات جيدة، والرئيسة ديلسي رودريغيز تقوم بعمل ممتاز وتحظى باحترام الجميع، وهذا ما نريده».

الرئيس الأميركي امتنع أيضاً عن تحديد موعد لإجراء الانتخابات الموعودة، أو الشروط التي ينبغي أن تتوافر لإجرائها، مكتفياً بالقول إنها «قد تحصل قريباً». وبالتالي، يؤكد هذا الموقف المعلن لإدارة ترمب منذ العملية العسكرية الخاطفة التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهمة الاتجار بالمخدّرات.

إذ يستند موقف واشنطن، التي تمارس عملياً الوصاية على فنزويلا، إلى «خارطة طريق» من ثلاث مراحل: إعادة بناء قطاع النفط الذي يشكّل المحرك الأساسي للاقتصاد الفنزويلي، و«تحقيق الاستقرار» (وفق واشنطن)، وبعد ذلك انتقال السلطة إلى حكومة جديدة «عبر انتخابات حرة».

وفي هذا الاتجاه، يشدّد المسؤولون عن الملف الفنزويلي في واشنطن على أن الهدف ليس إجراء الانتخابات لمجرد إجرائها، بل لكي تؤدي إلى قيام «نظام سياسي ثابت ومستقر»، عبر حوار صريح وجدّي بين الحكومة المؤقتة وممثلين عن المعارضة، من المفترض أن ينطلق أواسط الشهر الجاري. وللعلم، كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد ردّ أخيراً على استفسار صحافي حول الانتخابات التي وعدت واشنطن بإجرائها في فنزويلا بالقول: «لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات. إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها. الاستقرار هو الذي يسمح بترسيخ هذا النظام اقتصادياً وقانونياً، وأن تكون هناك صحافة حرة، وأحزاب سياسية أُتيحت لها الظروف والوقت الكافي لتنظيم صفوفها، وأن تُجرى الانتخابات على أساس نظام قانوني يبعث على الثقة ولا يُقصي احداً».

اعتراف من المعارضة... وانتقادات بالجملة

في المقابل، تعترف المعارضة الفنزويلية ذاتها بأن المؤسّسات الفنزويلية الضامنة للنظام الديمقراطي «تعطّلت وأُفرغت من صلاحياتها» إبان الحقبة السابقة. وبناءً عليه، لا بد من إعادة بنائها قبل الانتقال إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة. بيد أن معظم قيادات هذه المعارضة بدأت تساورها شكوك حول نيّات واشنطن الحقيقية بعدما لمست مدى التناغم والتقارب بين إدارة ترمب والرئيسة المؤقتة التي كانت لسنوات طويلة من الركائز الأساسية في نظام مادورو، وقبله في نظام هوغو تشافيز.

الرئيس ترمب وصف الاتفاق بـ«التاريخي». وقال إنه «هديّة من الشعب الفنزويلي إلى الولايات المتحدة». وأردف أنه لن يكلّف بلاده فلساً واحداً، بل سيساعد على تجديد احتياطي النفط الأميركي الاستراتيجي الذي وصل حالياً إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود.

ولكن، منذ أن بدأت ترشح المعلومات الأولى عن بنود هذا الاتفاق -الذي جرى التفاوض والموافقة عليه سرّاً- حتى سارعت جميع أطياف المشهد السياسي الفنزويلي، من أركان النظام السابق وأنصاره إلى المعارضة، إلى انتقاده بشدة لكونه يجعل من الحكومة الاميركية الشريك الرئيس في مؤسسة تسيطر على 17 من آبار النفط الفنزويلية طيلة 25 سنة قابلة للتجديد ثلاث مرات، كما أعلنت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز.

يضاف إلى ما تقدّم، أن كل التفاصيل الأخرى في الاتفاق ما زالت طي الكتمان، سوى أنه سيجعل الاقتصاد الفنزويلي في قبضة الولايات المتحدة، وعملية الانتقال السياسي رهينة مزاج الرئيس الأميركي وحساباته السياسية الداخلية.

اقرأ أيضاً

لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات... إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها

روبيو

تطابُق مصالح مرحلي

لويس فيسنتي ليون، الخبير الاقتصادي المحاضر في جامعة كاراكاس، قال معلّقاً إن هذا الاتفاق هو «ثمرة تطابق المصالح الاميركية والفنزويلية في هذه المرحلة. فهو يفتح امام واشنطن نافذة لتجديد احتياطيها الاستراتيجي من النفط الذي وصل إلى أدنى مستوياته، بينما تواصل أسعار المحروقات ارتفاعها على أبواب استحقاق الانتخابات النصفية، فضلاً عن أن الحرب مع إيران ما زالت بعيدة عن الحسم ويرجَّح أن تطول أكثر مما كان متوقعاً. أما الحكومة الفنزويلية، فهي بحاجة ماسة إلى الموارد، وليس لديها أي هامش للمناورة مع واشنطن».

وأردف: «... والحماسة التي أبداها الرئيس الأميركي، عند إعلانه الاتفاق، تدعم مواقف الذين سبق أن ندّدوا بالعملية العسكرية التي أطاحت مادورو تحت عنوان مكافحة تجارة المخدرات، واتهامهم واشنطن بأن الهدف منها هو السيطرة على موارد النفط وليس تسهيل العودة إلى النظام الديمقراطي... التي كلفت المعارضة سنوات من النضال ومئات الضحايا وملايين المهاجرين».

وتابع فيسنتي ليون، في حوار هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن هذا الاتفاق «يضرّ بصورة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، إذ يدحض بشكل نهائي المزاعم بأن التدخل العسكري الأميركي مطلع هذا العام كان دفاعاً عن الديمقراطية في وجه نظام مستبد، ويبيّن أن سياسة واشنطن لا تقيم أي وزن للقيم والمبادئ التي تتشدّق بها».

من جهة ثانية، يرى آخرون أن شركات النفط الأميركية التي تجاوبت مع دعوة ترمب إلى الاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي «إنما فعلت ذلك مكرهة بفعل الضغوط التي تعرّضت لها... وأنها كانت مترددة للإقدام على هذه الخطوة بسبب المخاطر التي تلمسها في بلد تحكمه رئيسة غير منتخبة، ويحتاج قطاعه النفطي إلى استثمارات ضخمة قبل أن يستعيد مستويات الإنتاج السابقة». ويبدو أن ذلك التردد هو الذي دفع الرئيس ترمب إلى اتخاذ قرار يجعل من حكومته المستثمر في هذه الصفقة، بواسطة مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الحرب (البنتاغون).

ترمب (آ ف ب/غيتي)

تأثير الاتفاق على فرص ترمب

مع هذا، فإن المعارضين لهذا الاتفاق يراهنون على الانتخابات النصفية الأميركية أواسط الخريف المقبل التي يرجح كثيرون أن تكون حاسمة بالنسبة لمستقبل ترمب وخططه. فالرئيس الأميركي يعرف أن أسعار المحروقات لن تنخفض بموجب هذا الاتفاق قبل مرور فترة طويلة، لكنه يريد استخدام هذه الورقة لإطلاق وعود بأن الأنباء السارة قادمة، لا سيما أن التوقعات تشير إلى أن الجمهوريين قد يخسرون الغالبية في مجلس النواب، وربما في مجلس الشيوخ أيضاً.

المعارضة المنقسمة

في هذه الأثناء، على الجبهة الفنزويلية يشكّل هذا الاتفاق «رافعة» أساسية لتحسين الوضع الاقتصادي المتردي، وخوض الانتخابات المقبلة تحت شعاره. ولقد كان لافتاً كيف أن اركان النظام سوّقوا الاتفاق في تصريحاتهم وتغريداتهم على منصّات التواصل الاجتماعي، حتى إن نجل نيكولاس مادورو نشره على حسابه، مؤكداً أن تيّار والده سيفوز في الانتخابات المقبلة.

وحقاً، ليس مستغرباً أن يسود التفاؤل أوساط أنصار النظام بعد التصدّع الذي بدأ يظهر في صفوف المعارضة التي لم تنجح في توحيد مواقفها طيلة سنوات. إذ سارع اثنان من الأحزاب الرئيسية في المعارضة، هما «العدالة أولاً» و«الإرادة الشعبية»، إلى التجاوب مع دعوة واشنطن لاستئناف جولات التفاوض مع النظام حول الانتقال الديمقراطي، في حين كانت الأحزاب اليمينية المنضوية تحت زعامة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة «جائزة نوبل للسلام» والتي ما زالت واشنطن تقصيها عن الدور التي كانت موعودة به، تتكلّم عن «خيانة» الحلفاء في المعسكر المعارض.

هذا، ووعدت ماتشادو، التي ما زالت خارج فنزويلا، بأنها ستعود قريباً لتستأنف التواصل مع أنصارها، رافضةً «الاكتفاء بالفُتات الذي ربما أثمرته المفاوضات مع النظام»، الأمر الذي يؤكد أنها لم تعُد الورقة التي كانت تراهن عليها واشنطن للتغيير في فنزويلا.


رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
TT

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات الرأي وتموضع المرشحين الذين يزيد عددهم على الثلاثين وبرامجهم، تبدو قراءة المشهد بالغة التعقيد. وما يميزه أن هناك وجوهاً معروفة سبق لها أن ترشحت العديد من المرات مثل مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، أو مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون. لكن هناك سياسيين يخوضون غمارها للمرة الأولى. هم جُدد في هذه «المهنة» رغم خبراتهم السابقة وزراء أو نواباً في البرلمان الفرنسي أو الأوروبي. وأبرز هؤلاء، في الوقت الحاضر، رافاييل غلوكسمان الذي أعلن ترشّحه أواخر الشهر الماضي ويحلم بأن يكون مرشح الحزب الاشتراكي ومرشح حزبه الصغير المسمّى «الساحة العامة».

الأمور بالنسبة للمرشح رافاييل غلوكسمان يتوقع أن تحسم في اقتراع إلكتروني لأعضاء الحزبين، الشهر المقبل. مع العلم أن غلوكسمان رغم خوضه الانتخابات الأوروبية على رأس اللائحة الاشتراكية مرتين (2019 و2024)، يجهل الفرنسيون الكثير من تفاصيل حياته. بل، ربما أكثر ما يعرفه العديد منهم أنه «رفيق درب» الصحافية ليا سلامة، ابنة وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة.

ولقد أسهمت الصور التي نشرتها «باري ماتش»، مجلة المشاهير، على غلافها أخيراً وهي تُظهر الاثنين معاً بملابس البحر خلال عطلتهما الصيفية في جزيرة كورسيكا، في تقريب السياسي والصحافي السابق من الجمهور الفرنسي. بيد أن ذلك لا يكفي؛ إذ لا يمكن فهم انخراط رافاييل في العمل السياسي خارج سيرة عائلته، وانخراط والده أندريه في معمعة الجدل الفكري والسياسي طيلة عقود طويلة.

الإرث العائلي: من الجد إلى الأب

مساء يوم 31 يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، بثت قناة التلفزيون التابعة لمجلس الشيوخ الفرنسي فيلماً وثائقياً عن عائلة غلوكسمان بأجيالها الثلاثة التي بدأت قصتها مع الجدّ روبين غلوكسمان، المولود عام 1889، في مدينة تشرنيفستي التابعة حينذاك للإمبراطورية النمساوية ــ المجرية (قائمة حالياً في أوكرانيا)، في عائلة يهودية أشكنازية (يهود أوروبا الوسطى والشرقية)، وتواصلت مع ابنه المفكّر والفيلسوف الفرنسي الماركسي - الماوي أندريه، ثم الآن مع حفيده رافاييل.

رافاييل كان قد خاض منذ بضع سنوات الحقل السياسي، وهو اليوم مرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرىَ نهاية شهر أبريل (نيسان) وبداية شهر مايو (أيار) من العام المقبل. لكن لا بد من القول إن قصة هذه العائلة مشوّقة.

فالجد روبين، الذي تبنى لاحقاً اسم روفين غيدوني، وخدم جندياً في الجيش الإمبراطوري، هاجر في عام 1920 إلى فلسطين مع زوجته مارتا كيسلر، بعدما اعتنق كلاهما العقيدة الصهيونية عندما أصبحت بريطانيا السلطة المَنتدَبة على فلسطين عقب انهيار الخلافة العثمانية.

«تحوّل» فكري في فلسطين

الطريف في القصة أن روبين ومارتا انتميا هناك إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان يضم في حينه بضع عشرات من الأعضاء. بل يمكن القول إن روبين توجّه إلى فلسطين «صهيونياً» وعاد منها «شيوعياً»؛ إذ إنه انتمى لاحقاً إلى تنظيم «الكومنترن» الذي أنشأه لينين عام 1919، وكانت مهمته بث الفكر الشيوعي عبر العالم والتعجيل باندلاع الثورة الشيوعية العالمية.

ثم، بعد فلسطين، استقر روبين مع عائلته في مدينة هامبورغ الألمانية. وهناك كان، من الناحية الرسمية، موظفاً في شركة تأمين بينما كان في الحقيقة عميلاً لـ«الكومنترن» والاستخبارات السوفياتية، يشمل إطار مهمته العديد من البلدان الأوروبية. إلا أن هذا الوضع لم يَدُم؛ لأن صعود النازية في ألمانيا دفعه إلى الانتقال إلى فرنسا عام 1935، وبالأخص بعدما علم أن الشرطة السياسية الألمانية «الغستابو» تراقبه. وفي فرنسا، رسا خياره مع زوجته على العيش في ضاحية بولوني بييانكور الواقعة على مدخل باريس الغربي. وفي هذه المدينة ولد ابنه أندريه.

من باريس إلى لندن

أيضاً، لم يبق روبين طويلاً في باريس؛ إذ انتقل منها إلى لندن في عام 1937 حيث استقر وحيداً بغطاء مهني، مديراً لشركة تجارية «فار إيسترن فور تريدينغ كومباني» تتعاطى تجارة الفرو. لكن الشرطة البريطانية ساورتها الظنون سريعاً حول طبيعة عمله، وانتهى بها الأمر إلى أن ألقت القبض عليه مرتين في عام 1940.

وفي المرة الثانية، توافرت لها معلومات موثّقة عن حقيقة مهمته عميلاً استخباراتياً لصالح الاتحاد السوفياتي فاعتقل ثم صدر أمر بترحيله إلى كندا. غير أن الباخرة التي وضع على متنها، وكانت تحمل اسم «إس إس أراندورا ستار» أصيبت يوم 2 يوليو (تموز) من العام نفسه بمقذوف غواصة ألمانية دمّرها وأغرقها على بعد 140 كلم من الشواطئ الآيرلندية، وبذا انتهت حياة جد رافاييل غلوكسمان في مياه الأطلسي.

صحافي ومنتج أفلام وثائقية

قبل أن يغوص رافاييل غلوكسمان في بحر السياسة، جرّب الصحافة والإنتاج السينمائي والكتابة. وكان ينظر إليه على أنه مثقّف وكاتب ومفكّر، وأنه سار على درب والده أندريه صاحب الثلاثين كتاباً... تدور غالبيتها حول التوتاليتارية والحرب والسلم وحقوق الإنسان. والواقع أن أندريه تنقّل ما بين الماركسية اللينينية والماركسية الماوية لينهي رحلته الفكرية والسياسية يمينياً - وأحياناً يمينياً متطرفاً - يبرّر حرب جورج بوش «الابن» على العراق، ويدعم وصول نيكولا ساركوزي إلى قصر الإليزيه.

وبالفعل، دار الكثير من الجدل حول مواقفه السياسية ومواقف أقران له من مجموعة «الفلاسفة الجدد»، مثل برنار هنري ليفي وباسكال بروكنير.

النشأة والمسيرة

ولد رافاييل غلوكسمان في عام 1979، ودرس في باريس في ثانويتين معروفتين هما «لامارتين» و«هنري4». وبعدها دخل إلى «معهد العلوم السياسية» (سيانس بو) وتخرّج فيه في عام 2003. إلا أنه لم يَسِر على درب النخبة الفرنسية التي تتوجّه عادة إلى «معهد الإدارة الوطني» (إينا)، بل انصرف سريعاً إلى العمل الصحافي. وهنا كانت بداية غلوكسمان مع صحيفة جزائرية هي «لو سوار» بالتوازي مع عمله منتجاً لأفلام وثائقية أبرزها: وثائقي بعنوان «اقتلوهم جميعاً» عن مجازر التوتسي في رواندا وعن مسؤولية فرنسا فيها، ووثائقي آخر بعنوان «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا. وخلال سنواتٍ عمل لمجلات ثقافية منها مجلات أميركية الهوى، لا بل من تيار «المحافظين الجدد».

بعدها، في عام 2017، عيّن غلوكسمان رئيساً لتحرير «المجلة الأدبية الجديدة». وكذلك تعاون مع عدة إذاعات وقنوات تلفزيونية، الأمر الذي جعله وجهاً معروفاً لدى الفرنسيين. غير أن دخوله المعترك السياسي، مباشرة، انطلق مع تأسيس حزب «الساحة العامة» عام 2018 برئاسة مشتركة بينه وبين أورور لالوك، وكان الهدف منه توحيد اليسار الداعم للاندماج الأوروبي والوقوف بوجه حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد الذي يتزعمه جان لوك ميلونشون.

المخاض السياسي في الخارج والداخل

من جهة ثانية، تعود أول تجربة سياسية - انتخابية لغلوكسمان في فرنسا إلى عام 2019 عندما اقترح عليه الحزب الاشتراكي ترؤس لائحة مشتركة للانتخابات الأوروبية تضم الاشتراكيين و«الساحة العامة» وحزباً صغيراً آخر غير معروف اسمه «المُعطىَ الجديد». بيد أن هذه المحاولة فشلت عندما رفض «البيئويون» بتشكيلتيهم السياسيتين السير بمشروعه، وكذلك رفض الحزب الشيوعي، بينما اقتصر تجاوب الحزب الاشتراكي معه على الصعيد الانتخابي. وفي الحصيلة، أدى التحالف الانتخابي إلى انقسامات داخل الحزب الناشئ ودفع عدداً من كبار مؤسّسيه إلى الابتعاد عنه.

التجربة تجددت في انتخابات عام 2024، حين حصلت لائحة غلوكسمان على نحو 14 في المائة من الأصوات فحلت في المرتبة الثالثة. لكن قبل فرنسا، جرّب غلوكسمان السياسة في شرق أوروبا، وتحديداً في أوكرانيا وجورجيا.

ففي «عزّ» الحرب في جورجيا، سافر السياسي الطموح إلى عاصمتها تبيليسي، صيف عام 2008، ووضع نفسه في خدمة رئيسها ميكاييل سكاشفيلي ذي التوجّهات اليمينية الليبرالية الغربية، وأصبح في عام 2009 مستشاره الرسمي للشؤون الأوروبية، وكُلّف، من ثم، التفاوض مع بروكسل لانضمام جورجيا إلى النادي الأوروبي.

أيضاً لعب غلوكسمان دور الوسيط بينه وبين ساركوزي، وكذلك ساعد سكاشفيلي على كتابة خطاباته. وأكثر من ذلك، تزوّج غلوكسمان وزيرة الداخلية الجورجية إيكا زغولادزه في عام 2009 وأنجب منها صبياً اسمه ألكسندر. ولكن، بعد هزيمة سكاشفيلي في انتخابات عام 2013 الرئاسية، غادر غلوكسمان تبيليسي مع عائلته وانتقل إلى أوكرانيا، حيث انطلقت الحركة الاحتجاجية المعروفة بـ«يوروميدان»، وحيث تحمل زوجته جنسيتها، والتي عُيّنت لاحقاً نائبة لوزير الداخلية في أوكرانيا.

«مستشار» سياسي ذو تموضعات لافتة

في أوكرانيا، أصبح غلوكسمان مستشاراً للمرشح الرئاسي فيتالي كليتشكو. ومنذ سنوات، يُعدّ دعم أوكرانيا المطلق أحد أهم خياراته والتزاماته السياسية الأساسية. بالتوازي، شكّلت نتائج الانتخابات الأوروبية لعام 2024 «الرافعة» السياسية الأساسية لغلوكسمان الذي وضع لنهجه السياسي خطين عريضين: الأول مواجهة اليسار المتشدد ... والثاني مواجهة اليمين المتطرف.

وفي المعركة الرئاسية المقبلة، يجد الرجل نفسه بمواجهة جان لوك ميلونشون على تزعّم اليسار، علماً بأنه من دعاة الانفصال التام عن «فرنسا الأبيّة» ومن المروّجين لقدرة اليسار غير الميلونشوني على الفوز في الانتخابات. ولكن - كعادة غلوكسمان - لهذه «القاعدة استثناءات»؛ إذ سبق له دعم الجبهة اليسارية التي تشكلت بمناسبة الانتخابات التشريعية في عام 2024 من أجل قطع الطريق على وصول حزب «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبان إلى السلطة.

لكنه، في الانتخابات المحلية البلدية التي أجريت هذا العام، أعلن أنه لن يدعم أي قائمة مشتركة مع اليسار المتشدّد، على الرغم من احتمال الفشل وفوز اليمين المتطرّف في البلديات المعنيّة.

في الحقيقة، يصعب أحياناً تتبع انعطافات غلوكسمان السياسية. وحقاً، بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردّد في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات». ومع هذا، لم تمنعه هذه «الوفاة» من أن يخوض المنافسة الراهنة لتسميته مرشحاً عن الحزب «المتوفى» وعن حزبه الصغير «الساحة العامة».بالتالي، في غياب التسمية المشتركة، يفقد غلوكسمان أي أمل في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. ومعلوم، أنه حتى اليوم، ووفق استطلاعات الرأي، يهيمن على هذه الانتخابات مرشحان رئيسان: اليمينية مارين لوبان، واليساري جان لوك ميلونشون؛ أي: ممثلَيْ التيارين اللذين يحاربهما غلوكسمان.


عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)
TT

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

غلوكسمان أعلن ترشحه لهذه الانتخابات يوم 26 أغسطس (آب) الماضي، لينضم بذلك إلى عدد كبير من المرشحين يتجاوز الثلاثين مرشحاً، يميناً ويساراً. ولكن سيتعيّن عليه اجتياز عقبة أولى تتمثّل بالانتخابات الداخلية التي ستجرى خلال الأسبوعين الأولين من الشهر المقبل للفوز بترشيح التيار الاشتراكي - الديمقراطي الممثل بالحزب الاشتراكي وبحزب «الساحة العامة» الذي أطلقه غلوكسمان في عام 2018، والحزب الآخر الصغير المسمى «اليسار الاشتراكي الجمهوري».

عددياً، المقترعون في هذه المنافسة قلة قليلة؛ إذ لا يتجاوز عديدهم 39 ألف مقترع في بلد يضم 67 مليون نسمة. ثم إن درب غلوكسمان ليس مفروشاً بالورود؛ إذ ينافسه، من الداخل، مرشحون أبرزهم: أمين عام الحزب الاشتراكي أوليفيه فور، والمرشحة الرئاسية السابقة سيغولين رويال، ويتربص به من الخارج الرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا أولاند ورئيس الوزراء الأسبق برنار كازنوف.

لو بن (آ ف ب)

حتى اليوم، تبين استطلاعات الرأي أن غلوكسمان سيجتاز بنجاح العقبة الأولى. لكن بعدها عليه فرض نفسه في معسكر اليسار، حيث سيواجه المرشح العنيد جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد، والخبير في المعارك الرئاسية؛ إذ يخوض منافسته الرابعة، ولقد كاد يتأهل عام 2022 للجولة الثانية الحاسمة بحصوله على نحو 22 في المائة من الأصوات. ولليوم، تبدو حملته الأكثر ديناميكية، كما أن استطلاعات الرأي ترجّح أن يتمكّن في الربيع المقبل من «السقف الزجاجي» الذي حال دوماً دون ولوجه المنافسة النهائية.

في المقابل، تبدو مارين لوبان، ابنة جان ماري لوبان، مؤسس «الجبهة الوطنية» التي تغيّر اسمها إلى «التجمّع الوطني» ووريثته السياسية، هي الوحيدة الواثقة من تأهلها للجولة الانتخابية الثانية، وفق نتائج استطلاعات الرأي التي تمنحها ما بين 33 و35 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى، بينما أقرب منافسيها، ميلونشون، يلهث وراءها لكنه لا يزال بعيداً عنها بما لا يقل عن 15 إلى 18 في المائة من الأصوات.

أيضاً، تبين هذه الاستطلاعات أن لوبان ستفوز بفوارق كبيرة في الجولة الثانية الحاسمة، خصوصاً إذا كان منافسها ميلونشون.

حقيقة الأمر أن الموعد الرئاسي ما زال بعيداً، والرأي العام متحول، والمعركة الانتخابية ما زالت في بداياتها. ورهان غلوكسمان، أن تستمر «حرب» مرشحي «الكتلة المركزية»، بينما يتمكن هو من تجاوز ميلونشون، وعندها يجد الناخب الفرنسي نفسه ملزماً بالاختيار بينه وبين لوبان.