الرئاسة الروسية لـ«بريكس» تواجه التباينات الداخلية والتحديات الخارجية

أولويات موسكو... تعميق الفجوة بين الشمال والجنوب وتعزيز مسار الالتفاف على العقوبات

ممثلو الدول الخمس في جوهانسبورغ، قبل التوسيع، وقد مثل روسيا وزيرخارجيتها سيرغي لافروف (رويترز)
ممثلو الدول الخمس في جوهانسبورغ، قبل التوسيع، وقد مثل روسيا وزيرخارجيتها سيرغي لافروف (رويترز)
TT

الرئاسة الروسية لـ«بريكس» تواجه التباينات الداخلية والتحديات الخارجية

ممثلو الدول الخمس في جوهانسبورغ، قبل التوسيع، وقد مثل روسيا وزيرخارجيتها سيرغي لافروف (رويترز)
ممثلو الدول الخمس في جوهانسبورغ، قبل التوسيع، وقد مثل روسيا وزيرخارجيتها سيرغي لافروف (رويترز)

مع دخول العام الجديد (2024) تولّت روسيا رئاسة مجموعة «بريكس» وفقاً لقرارات قمتها الخامسة عشرة، التي انعقدت في أغسطس (آب) من العام الماضي. تبدو المهام المطروحة أمام الرئاسة الروسية أكثر تعقيداً وتشابكاً، لجهة احتدام الموقفين الإقليمي والدولي، وازدياد التباينات الداخلية لدى البلدان أعضاء المجموعة، مع اتساع حجمها ودورها وتعاظم إمكاناتها. وفي الوقت ذاته، تتوافر لدى الكرملين مجالات وفرص أكبر، من كل مراحل عمل المجموعة التي أُسست رسمياً في عام 2011، لكن موسكو كانت عملت بشكل حثيث على تقريب وجهات النظر بين الأعضاء المؤسسين (روسيا، والصين، والهند، والبرازيل... وجنوب أفريقيا التي انضمت لاحقاً) منذ عام 2006. وقد أضاف انضمام 5 أعضاء جدد في مطلع العام، هم: مصر، وإيران، والإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، وإثيوبيا إلى «بريكس» فرصاً مهمة زادت من ثقل المجموعة وحضورها الدولي على المستويين الاقتصادي والسياسي. واليوم تبرز أسئلة كثيرة عن آفاق عمل «بريكس» خلال فترة الرئاسة الروسية. مع الأخذ بالاعتبار رؤية موسكو لتموضع المجموعة في إطار المواجهة المتفاقمة مع الغرب، ومقاربات موسكو حيال التباينات الصينية - الهندية، واحتمالات نجاح الضغوط الأميركية في عرقلة عمل المجموعة، خصوصاً على البرازيل والهند.

وفقاً لبيانات مجموعة «بريكس»، بحلول عام 2023، كان إنتاج الدول المشارِكة في هذا التكتل يمثل ما يصل إلى ثُلث إجمالي الناتج المحلي العالمي، ويعيش 42 في المائة من سكان العالم على أراضيها. ومع أن كثيراً في الغرب يقارنون هذه المجموعة بحلف شمال الأطلسي (ناتو) أو بإطار أممي يشبه الأمم المتحدة، ويصفونها بأنها كتلة بديلة عن التكتلات الغربية، فهذا المدخل ليس دقيقاً.

أصلاً هذه المجموعة ليس لها مقر، وتعاوُنها يقوم على حلّ مشترك للقضايا الاقتصادية لا على إبرام اتفاقيات عسكرية أو تحالفات سياسية. وفي عام 2006، جرى تضمين مؤشر «BRIC-50»، الذي يضم أسهم 50 شركة كبيرة في البرازيل والهند والصين وروسيا في حزمة «داو جونز». وفي يونيو (حزيران) من العام نفسه، خلال أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، عقد زعماء هذه الدول الأربع اجتماعهم الرسمي الأول، وأقرّوا خطة مشتركة لتطوير التعاون في مختلف المجالات. ثم في عام 2008، عقدت المجموعة قمة في اليابان على هامش أعمال مؤتمر «مجموعة الثمانية».

كانت هذه المقدّمات الرئيسة لظهور «بريكس» لاحقاً في عام 2011. وبعدها انضمت جنوب أفريقيا لتأسيس «الخماسي» (حاملاً اسمه الأحرف الأولى من أسماء دوله) الذي استمرّ نشاطه لمدة 9 سنوات قبل إقرار انضمام مجموعة البلدان الجديدة. ولقد قامت الفكرة الرئيسة على توحيد إمكانات بلدان نامية لديها مصالح مشتركة وعندها إمكانات هائلة. وتبعاً لتسلسل الأحرف، فالبرازيل ثامن أكبر اقتصاد في العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي، وهي مصدر زراعي رئيس. وروسيا خامس أكبر اقتصاد في العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي، وتمتلك احتياطيات كبيرة من الموارد المعدنية والمواد الهيدروكربونية، بجانب أكبر مساحة مناسبة للأغراض الزراعية. والهند ثالث أكبر اقتصاد في العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي وأكبر دولة من حيث عدد السكان في العالم، والصين الاقتصاد الأول في العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي والدولة الثانية من حيث عدد السكان بعد الهند، الرائدة في الصادرات (مصنع العالم).

هل يصمد "التعاون" الصيني الهندي؟ (آ ب)

ثم انضمت جنوب أفريقيا، التي تشغل المرتبة 23 عالمياً من حيث الناتج المحلي الإجمالي وهي غنية بمجموعة متنوعة من الموارد الطبيعية، بما في ذلك الألماس. ويذكر أن كل مؤسسي مجموعة «بريكس» مشاركون في اتحادات التكامل الإقليمي (الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، ورابطة أمم جنوب شرقي آسيا، والاتحاد الأفريقي، وما إلى ذلك) ما يضع أهمية إضافية وفقاً للمؤسسين لهذا التكتل.

من ناحية ثانية، مع الدول التي جرى العمل لضمها خلال قمة جوهانسبورغ في 2023، وهي الإمارات والسعودية ومصر وإيران وإثيوبيا و(الأرجنتين التي تراجعت لاحقاً عن قرار الانضمام) أعربت تركيا وفنزويلا وبنغلاديش وبيلاروسيا والجزائر وإندونيسيا ونيجيريا ودول أخرى رغبتها في الانضمام إلى «بريكس»، لكن حتى الآن لم تحل مسألة عضويتها.

عناصر قوة وضعفمع عناصر القوة التي يوفرها حضور هذه المجموعة في تكتل اقتصادي لديه تطلعات مشتركة، فإن نقاط الضعف تبدو ماثلة في التباينات الصينية - الهندية التي ظهرت غير مرة، كما في الخلافات بين الأعضاء حول قضايا إقليمية مهمة مثل الخلاف المصري - الإثيوبي، والتباينات العربية - الإيرانية. ويضيف هذا الواقع تساؤلات حول قدرة المجموعة على مواجهة التحديات الداخلية، وحول جدوى المضي لاحقاً في مسار توسيع المجموعة، وما إذا كان ذلك سيشكّل رافعة جديدة لنشاطها... أم عنصر عرقلة إضافياً لاتخاذ القرارات المشتركة ومجالات تعزيز دورها ومكانتها في النظام الاقتصادي العالمي.

أداة في مواجهة الغربفي الاجتماع الأول، حدد قادة الدول هدف الشراكة بأنه «حوار وتعاون متسق ونشط وعملي ومفتوح وشفاف». وكان الرهان على أنه عبر التعاون، تتوقع جميع البلدان تعزيز مواقعها الاقتصادية والسياسية على الساحة العالمية. وكان بين الأهداف المعلنة أيضاً بناء عالم متناغم وازدهار. وغطت الموضوعات التي نوقشت في اجتماعات «بريكس» جميع جوانب الحياة ذات الصلة، بما في ذلك المشكلات البيئية والفقر والتنمية الاجتماعية والمؤسسات المالية، وما إلى ذلك. ومن ثم عملت بلدان المجموعة على إطلاق نشاط مشترك في اتجاهات عدة، أبرزها المصالح الاقتصادية؛ حيث تنتج دول «بريكس» معاً ما يقرب من رُبع إجمالي الناتج المحلي العالمي، وهي بحد ذاتها سوق عالمية واسعة النطاق، وتضم 42 في المائة من سكان العالم (نحو 3.21 مليار شخص).

بحسب المفهوم الاقتصادي للمنظمة، تُعطى الأولويات في دول «بريكس» للزراعة والتجارة والاستثمار والمواد الخام المعدنية. وجرى تطوير استراتيجية الشراكة الاقتصادية حتى عام 2025 بمبادرة من وزارة التنمية الاقتصادية الروسية، مع الأخذ في الاعتبار المصالح الوطنية للدول الأعضاء، وهي تشتمل على 3 مسارات رئيسة: التجارة البينية، والاستثمارات والتمويل، والاقتصاد الرقمي والتنمية المستدامة.

وكان بين الأولويات تنسيق توحيد الجهود للتغلب على جميع أنواع الأزمات الاقتصادية والعالمية، مثل جائحة «كوفيد - 19». كما نشطت البلدان بمواجهة القيود التجارية وتعزيز مسار إصلاح منظمة التجارة العالمية. أضف إلى ذلك، تحديد «بريكس» مهمة تطوير التسويات المالية بالعملات الوطنية لتسريع النمو الاقتصادي وإضعاف تأثير الدولار على اقتصاداتها.

عام 2014، ظهر «بنك التنمية الجديد» ضمن أولويات «بريكس»، وقد صمم بوصفه آليةً للاستقرار المالي للبلدان المتضررة من أزمة ميزان المدفوعات. ووافق «بنك التنمية الجديد» خلال سنوات نشاطه الأولى، على مشروعات تتعلق بالطاقة المتجددة والبنى التحتية في دول المجموعة بقيمة إجمالية تبلغ نحو 8 مليارات دولار. ووفقاً لصندوق النقد الدولي، كانت تجارة واستثمارات مجموعة «بريكس» مع البلدان المنخفضة الدخل أحد عناصر الدعم الرئيس للاقتصاد العالمي بعد الأزمة المالية العالمية.

أيضاً، كانت إحدى أهم القضايا المثارة في قمم «بريكس» انعكاسات تغير المناخ، بمحاولة البلدان الموازنة بين مصالحها الاقتصادية ومصالح الطاقة ومكافحة ظاهرة الاحتباس الحراري. كذلك أدركت المجموعة الحاجة إلى تعزيز العلاقات الدولية، خصوصاً تبادل المواهب، وتطوير التعاون في مجالات الثقافة والرياضة والتعليم. وتشمل رزم الاتفاقيات المُبرمة بينها مبادرات التبادل الطلابي والمهني؛ لتعزيز الانفتاح والشمول والتعلم المتبادل. وفي مجال السياسات، تتبادل الدول المشارِكة باستمرار التوصيات وأفضل الممارسات في حل المشكلات الخارجية والداخلية.

وبالتالي، تروّج «بريكس» عموماً لآيديولوجية عالم متعدد الأقطاب وأكثر توازناً، ويستند إلى مبدأ «الاتفاقيات المتعددة الأطراف». وعلى وجه الخصوص، أصبحت المجموعة الآن إحدى القوى الأساسية الدافعة لتنفيذ جدول الأعمال الأفريقي أداة مهمة لروسيا والصين في مواجهة الضغوط الغربية المتزايدة.

ولقد كان طبيبعياً أن تقود سياسات موسكو وبكين إلى تحويل «بريكس» تدريجياً، نحو صيغة تعارض «مجموعة السبع» (بريطانيا، والولايات المتحدة، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، واليابان، وكندا)، مستفيدة من أنها تقدم بالفعل مساهمة أكبر في الناتج المحلي الإجمالي العالمي مقارنة بالدول المتقدمة في التحالف المجاور. ووفقاً لشركة «أكورن ماكرو» للاستشارات البريطانية، فإن مجموعة «بريكس» أسهمت في عام 2023 بنحو 31.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، في حين انخفضت حصة «مجموعة السبع» في الاقتصاد العالمي إلى 30 في المائة. ومع اعتبار انضمام دول جديدة، فإن المجموعة مرشحة حتى قبل حلول عام 2030، لتسهم بنحو 50 في المائة من الناتج الإجمالي العالمي.

ومع أنه لا مواجهة معلنة مباشرة بين التكتلين، تحاول دول «مجموعة السبع» إبطاء تنمية دول «بريكس» من خلال العقوبات والقيود التجارية. وهذا يؤدي وفقاً لموسكو إلى تعميق تقسيم الاقتصاد العالمي إلى مناطق منفصلة، وبالتالي تكثيف النضال من أجل عالم متعدد أكثر عدلاً. في الوقت ذاته، تحاول «بريكس» تحقيق تمثيل أكبر في مختلف الهياكل الدولية مثل الأمم المتحدة، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية. عموماً، تضع المنظمة نفسها بوصفها مصلحاً للعلاقات الدولية ومشروعاً عالمي النطاق. وقد يكون العنوان الذي اختارته روسيا بصفتها رئيساً حالياً للمجموعة المؤشر الأهم إلى أولويات موسكو الحالية. إذ ينعقد الحدث الرئيس - قمة رؤساء الدول - في قازان خلال أكتوبر (تشرين الأول) المقبل تحت شعار «تعزيز التعددية من أجل تنمية وأمن عالميَّين منصفَين». ولا يخفى أن هذا الشعار يحمل رؤية موسكو لدور التكتل، وتموضعه في الصراع الحالي المتفاقم مع الغرب.

روّج «بريكس» عموماً لآيديولوجية عالم متعدد الأقطاب وأكثر توازناً ويستند إلى مبدأ الاتفاقيات المتعددة الأطراف

قمة "بريكس" 2024 استضافتها مدينة جوهانسبورغ الجنوب أفريقية (رويترز)

 

تأثير «بريكس» في الاقتصاد العالميإن الأزمة الجيوسياسية، التي اندلعت في السنوات الأخيرة على خلفية الحرب الأوكرانية، وتفاقم الأزمات الإقليمية، انعكسا بقوة على سياسات هذا التكتل. على وجه الخصوص، أدى رفض الدول الغربية الحصول على موارد الطاقة الروسية إلى زيادة إمدادات الهيدروكربونات إلى دول المجموعة، وفازت الصين والهند بحصة الأسد من الإمدادات المخفّضة السعر من روسيا. كما أن القيود التجارية الأميركية المفروضة على الصين قوبلت بزيادة التجارة مع دول «بريكس». وأتاحت الأزمة فرصة لدول المجموعة لتكثيف الجهود لضمان الاكتفاء الذاتي من السلع الغذائية والصناعية الأساسية. وبعد إغلاق عديد من دول العالم حدودها أمام السياح من روسيا أو حدّها من قدرتهم على الحصول على تأشيرات الدخول، تلقت الدول «الصديقة» تدفقاً سياحياً مُعاداً توجيهه. ثم إن اقتصادات دول «بريكس»؛ بسبب انتشارها عبر قارات مختلفة وناقلات مختلفة للتنمية، بدت وكأنها تكمل بعضها بعضاً بشكل جيد. وراهناً يرى خبراء روس أن القاعدة الاقتصادية والموارد لدول «بريكس» يمكن أن تلبي احتياجات معظم البشرية بحلول منتصف القرن، ما سيولد اهتماماً متزايداً بالتحالف من جانب الدول النامية... قد يسمح للمجموعة بالتأثير في الاقتصاد العالمي على قدم المساواة مع الدول المتقدمة.

لكن في المقابل، ثمة عناصر ضعف تتضح ملامحها أكثر وأكثر مع مسار توسيع المجموعة وتشابك مصالح الدول المنضوية فيها أو تضاربها في حالات عدة. هنا يمكن التوقف أمام تباين أولويات البلدان المنضوية في المجموعة. وهذا أمر برز بوضوح في التعامل مع الملفات الساخنة على الصعيدين الإقليمي والدولي. فمع أن المجموعة تبدو موحدة في التعامل مع مسألة القطبية وآليات اتخاذ القرار العالمي، فهي التزمت الحياد عملياً في حرب أوكرانيا، حيث لم تحصل موسكو على دعم واضح لسياساتها. وفي ملف الحرب الدائرة على غزة، فاتت المجموعة فرصة ذهبية لتكريس شعار دورها المعلن في بناء عالم جديد.

قواعد مشتركةوبجانب التباينات السياسية الداخلية، فإن إحدى الشكاوى الرئيسة التي برزت هي «غياب» قواعد مشتركة بين جميع البلدان، الأمر الذي يؤدي إلى شكوك في تبني سياسات اقتصادية شاملة أو اتخاذ خطوات لعمل مشترك ومنسجم حيال الأزمات الإقليمية والدولية. فطوال تاريخ المجموعة، قيل غير مرة إنها «وُلدت ميتة». وتراكمت الشكوك حول استدامة صيغة «بريكس»؛ لأنه رغم الخلافات الظاهرة لغالبية بلدان المجموعة مع الولايات المتحدة، مثلاً، فإن لدول التكتل (باستثناء روسيا) تجارة نشطة للغاية معها، بل تظل إحدى محطات تجارتها الأساسية. بل، برز مستوى تأثير واشنطن في عمل المجموعة عبر قرار الأرجنتين الانسحاب من المجموعة واتجاهها لتعزيز التعاون مع واشنطن، وفي هذا السياق تزداد المخاوف من أن واشنطن تحاول تفكيك «بريكس» من خلال زيادة الضغط على الهند والبرازيل.

أخيراً، ثمة أيضاً خلافات داخلية في «بريكس»، خصوصاً حيال مسألة المزيد من التوسيع. ولا يخفى أن الصين التي كانت متحمسة بدعم روسي لقرار التوسيع الأخير، تُواجَه بحرب داخلية شرسة من جانب الهند التي كانت تفضّل التريث. وعموماً، يرى خبراء أن قرارات «بريكس» السابقة كانت نتيجة توافقات داخلية صعبة، وأن التوسيع سيعني تعقيداً أكبر في آليات اتخاذ قرارات مشتركة.

 

الرئيس فلاديمير بوتين يناقش خطط المجموعة في لقاء صحافي (رويترز)

ماذا تريد الرئاسة الروسية؟

> يدرك الكرملين الصعوبات التي تواجه «بريكس» بعد توسيعها، وينطلق من اعتبار أن انضمام الأعضاء الجدد «عنصر قوة» يقابل التحديات التي يضعها. وهو يعزز سياسات موسكو وبكين لتعميق الفجوة بين الشمال والجنوب، ويظهر أكثر ميل دول مؤثرة للانخراط في مسار إصلاح العلاقات الدولية، أو على الأقل المحافظة على توازنات في العلاقات مع البلدان الكبرى. ووفقاً لأولويات الكرملين، أحد مجالات العمل تنفيذ استراتيجية الشراكة الاقتصادية لـ«بريكس» حتى عام 2025 وخطة العمل الموضوعة للتعاون بين 2021 - 2024. وبذا، سيجري التركيز على زيادة دور دول المجموعة في النظام النقدي والمالي الدولي، وتطوير التعاون بين البنوك، مع التركيز على زيادة التسويات بالعملات الوطنية، وإيلاء الاهتمام لتعميق الحوار والتفاعل في مجالات الثقافة والرياضة والتبادلات الشبابية. أيضاً مخطّطٌ عقد أكثر من 200 حدث من مختلف المستويات والاتجاهات في عدد من المدن الروسية، أبرزها «القمة» المقررة في قازان. ولقد أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن روسيا تسترشد إبان رئاستها لـ«بريكس» بشعار «تعزيز العلاقات المتعددة الأطراف لصالح التنمية والأمن العالميين العادلين... وسنتخذ جميع الخطوات اللازمة لتسهيل تكييف الأعضاء الجدد مع جميع أنواع الأنشطة». من ناحية ثانية، رغم الاختلافات التكتيكية، تظهر الدول المشاركة أنها قادرة على إيجاد طرق للتعاون وتنتقد محاولات واشنطن التكلم نيابة عن المجتمع الدولي. وكمثال يمكن اعتبار انضمام الهند وباكستان إلى «منظمة شنغهاي للتعاون» عام 2005 كمراقبين، وتحولهما عضوين كاملي العضوية عام 2017، بمثابة نجاح للاعبين الرئيسيين في «الجنوب» العالمي. ووفقاً لخبراء روس، إذا تمكنت «بريكس» من حل بعض الخلافات بين الدول المشاركة، فإنها ستكون قادرة على إظهار ثقلها السياسي العالمي. ويبدو أن موسكو، التي تعد للانتخابات الرئاسية، تعتزم أن تثبت لمنافسيها الغربيين، ليس قوتها العسكرية في الحروب فقط، بل قدرتها أيضاً على «حشد الحلفاء» عبر العالم. وعلى صعيد متصل، ما زالت موسكو تروج لفكرة إنشاء عملة احتياطية دولية جديدة على أساس المجموعة. ومع أن الخبراء الغربيين يرون هذه الفكرة مستبعدة حالياً، ستعطي الرئاسة الروسية للمجموعة زخماً متواصلاً لتكريس النقاشات حول الفكرة تمهيداً لمرحلة لاحقة تتزايد فيها فرص تنفيذها. لتاريخه، وصلت حصة العملات الوطنية في التسويات المتبادلة بين دول «بريكس» إلى نحو 30 في المائة، ووفقاً لتوقعات البنوك المركزية للدول المشاركة، يُحتمل بحلول 2026 - 2027 أن تصل إلى 35 في المائة على أقل تقدير، «بافتراض ثبات السياسات الرامية إلى خلق البدائل عن الدولار الأميركي على سرعتها الحالية، ودون اتخاذ إجراءات جديدة لتسريع هذا التوجه».


مقالات ذات صلة

مزاعم عن معاناة شي جينبينغ من وعكة صحية خلال قمة «بريكس»... ما القصة؟

آسيا الرئيس الصيني شي جينبينغ يحضر قمة «بريكس» الثامنة عشرة في نيودلهي (أ.ف.ب)

مزاعم عن معاناة شي جينبينغ من وعكة صحية خلال قمة «بريكس»... ما القصة؟

عادت الحالة الصحية للرئيس الصيني شي جينبينغ إلى دائرة الاهتمام، بعد انتشار مزاعم عبر وسائل التواصل الاجتماعي تتحدث عن تعرضه لوعكة صحية خلال قمة مجموعة «بريكس».

«الشرق الأوسط» (بكين)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان خلال مباحثاته مع نظيره الهندي الدكتور سوبرامانيام جايشانكر على هامش «قمة بريكس 2026» (واس)

مباحثات سعودية في نيودلهي تعزز التعاون والتنسيق تجاه مختلف القضايا

التقى الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية السعودي، على هامش قمة «بريكس» في نيودلهي، الأحد، مسؤولي عدة دول، إذ ناقش معهم عدداً من الملفات ذات الاهتمام المشترك.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي خلال مشاركته في أعمال قمة «بريكس 2026» في نيودلهي (واس)

السعودية في قمة «بريكس»: أمننا الوطني وسلامة مقدراتنا أمر لا يقبل المساس

شددت السعودية، الأحد، على أن أمنها الوطني وسلامة أراضيها ومقدراتها أمر لا يقبل المساس، وأن دول الخليج لن تقبل باستهداف أراضيها أياً كانت الذرائع أو المسميات.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
العالم قادة الدول المجتمعون في قمة «بريكس» بنيودلهي في صورة جماعية (رويترز) p-circle

قمة «بريكس» تطلق عملاً مشتركاً لـ«عالم متعدد وأكثر عدلاً»... وإيران نقطة خلاف

اختتمت قمة «بريكس» أعمالها في نيودلهي بتوافق على تعزيز التعاون لوضع تصورات «خريطة طريق» لـ«عالم متعدد الأقطاب وأكثر عدلاً» لكن التباين في الأولويات بقي حاضراً.

رائد جبر (موسكو)
الاقتصاد صورة جماعية لرؤساء الدول الأعضاء في «بريكس» (رويترز)

قمة «بريكس» تدفع باتجاه توسيع تعاونها الاقتصادي

دفعت قمة «بريكس» في نيودلهي باتجاه توسيع التعاون الاقتصادي مع طرح الصين مبادرات جديدة بالذكاء الاصطناعي والتجارة وسلاسل الإمداد

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء وإعادة الإعمار ودعم النازحين. وفي حين أكد الحزب أنه «يعمل على برنامج خاص بهذا الملف متى توافرت الإمكانات المالية»، برزت في المقابل مواقف نيابية معارضة رأت في هذا الطرح إقراراً بعجز الحزب عن تحمّل الأعباء، وربطت أي معالجة مستدامة بإعادة الملف كاملاً إلى الدولة وحصر السلاح بيدها. يأتي هذا السجال في ظل استمرار معاناة متضررين ونازحين من الحرب، وفي وقت لم تتبلور فيه بعد آلية شاملة لتمويل إعادة الإعمار، وسط نقاش سياسي يتجاوز مسألة تأمين الأموال إلى تحديد المسؤوليات وشروط مساهمة الدولة والجهات المانحة.

النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله يغادر البرلمان اللبناني وسط بيروت 14 يونيو 2023 (رويترز)

تكشف أرقام جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» عن أن ملف إعادة الإعمار والإيواء في لبنان لا يرتبط بأضرار حرب 2026 وحدها، بل يأتي فوق خسائر حرب 2024 التي لم يكن لبنان قد انتهى من معالجتها. ففي عام 2024، بلغت الأضرار المادية المباشرة نحو 6.8 مليار دولار أميركي، بينها 4.6 مليار دولار في قطاع السكن، في حين قُدِّرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار، قبل أن تضيف الحرب الجديدة أضراراً واسعة إلى المباني والمساكن والبنى التحتية.

في الواقع، لا تتوافر حتى الآن حصيلة وطنية نهائية لتكلفة أضرار حرب 2026 أو احتياجات إعادة الإعمار، في ظل استمرار العمليات وتأخر اكتمال التقييمات. غير أن الأرقام المرحلية التي جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» تُظهِر أن الأضرار المباشرة في المباني تجاوزت، حتى شهر أبريل (نيسان) 2026، نحو 1.745 مليار دولار في جنوب لبنان وبيروت وجبل لبنان، بينها أكثر من 1.38 مليار دولار في الجنوب وحده، وأكثر من 365 مليون دولار في بيروت وجبل لبنان. وهذه أرقام جزئية لا تمثل التكلفة النهائية للحرب، ومن ثم، لا يمكن مقارنتها مباشرة بالتقييم الوطني الشامل لأضرار 2024.

أكثر من 21 ألف وحدة سكنية مُدمَّرة

تتبيّن خطورة الأزمة بصورة أوضح في القطاع السكني. إذ بلغ عدد المباني المدمّرة بالكامل 11 ألفاً و95 مبنى في المنطقة جنوبي نهر الليطاني، إضافة إلى 146 مبنى في بيروت وجبل لبنان. كذلك أظهرت التقييمات تدمير 17 ألفاً و891 وحدة سكنية بالكامل في جنوب لبنان، و3168 وحدة في بيروت وجبل لبنان، بما يزيد على 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن المناطق التي شملتها التقييمات حتى تلك المرحلة.

وتترافق هذه الخسائر مع كمّيات ضخمة من الرّكام، بلغت نحو 3.1 مليون متر مكعب في جنوب لبنان ونحو 649 ألف متر مكعب في بيروت وجبل لبنان. ويعني ذلك أن العودة لا ترتبط بإعادة بناء المنازل فحسب؛ إذ ستحتاج مناطق واسعة أولاً إلى إزالة الركام وتأهيل الطرق وشبكات المياه والكهرباء والخدمات الأساسية، قبل أن يصبح من الممكن إعادة السكان إليها بصورة مستقرة.

النزوح يوسّع أزمة الإيواء

ويتقاطع الدمار السكني هذا مع أزمة إيواء ونزوح واسعة. إذ وفق البيانات الدولية، نزح نحو مليون شخص داخلياً في بداية التصعيد، في حين عبر نحو 100 ألف شخص إلى سوريا. وحتى الأول من شهر سبتمبر (أيلول) 2026، بقي 329 ألفاً و240 شخصاً في حالة نزوح داخلي؛ الأمر الذي يعكس استمرار الحاجة إلى حلول إيواء مؤقتة ومتوسطة الأجل، ولا سيما للعائلات التي دمّرت منازلها أو باتت بلداتها تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العودة.

بلغ عدد المباني المُدمّرة بالكامل

11 ألفاً و95 مبنى

في المنطقة جنوبي نهر الليطاني

عودة إلى الأصل أي... الدولة

في هذا السياق، طرح الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم التزام الحزب بالمساهمة في تأمين الإيواء والإعمار للمتضرّرين في الجنوب، إلى جانب حثّ الدولة على القيام بدورها، وقال إن الحزب «سيعلن قريباً عن مساهمته في مشروع للإيواء».

إلا أن النائب إبراهيم منيمنة قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» معلّقاً إن «(حزب الله)، على مدى سنوات، كان يأخذ رصيد الحكومة ويجيّره لنفسه». وأشار إلى أنه «في عام 2006 كانت الدول العربية تؤمّن القسم الأكبر من التمويل، لكن (حزب الله) استغل بعض الثغرات في أداء الدولة وحاول أن يحوّل هذا الرصيد لنفسه». وأردف منيمنة: «أما الآن، فيعود إلى الأصل، وهو الدولة. الدولة هي التي ستقوم بإعادة الإعمار... وهذا اعتراف من الحزب بأنه لن يقدر على الاستغلال».

منيمنة، وهو من نواب بيروت، توقّف أيضاً عند كلام النائب حسن فضل الله - أحد نواب «حزب الله» ومنطقة الجنوب - عن أن الدولة لديها الأموال، فقال: «المفارقة عندما يقول (فضل الله) إن الدولة لديها المال، وكأنه يحاول أن يتّهم هذه الدولة بأنها لا تقوم بواجباتها في هذا الموضوع، فيما هو يعلم أن هذا الكلام ليس صحيحاً، وهم أي الحزب ممثلون في الحكومة، وبالتالي فإن كلام الحزب غير دقيق وشعبوي».

وتابع منيمنة: «مَن يريد اليوم أن يضع ملف إعادة الإعمار، فعليه أن يدخل أولاً إلى الحكومة ويناقشه فيها، وأن ينفّذ قرارات الحكومة، أو الدولة، المتعلّقة بحصر السلاح. هذه أول خطوة حتى تكون مدخلاً إلى إعادة الإعمار».

جدير بالذكر، أن النائب فضل الله، كان في وقت سابق قد شدّد على أنه «عندما يكون هناك حكومة في لبنان، فهي المسؤولة عن شعبها وعن كل مواطن على أرضها مهما كانت أسباب الحرب، سواء كنّا معها أو معارضة لها، علماً أن لديها الإمكانات والقدرات المالية والاقتصادية».

وأضاف: «وبدل أن تصرف هذه الإمكانات في مواضع في غير أماكنها، يمكنها أن تُسخّر جزءاً من الإمكانات لموضوع إعادة الإعمار والإيواء ولدعم النازحين. وهذه مسؤولية أساسية على الحكومة، ومهما كان الخلاف معها، سنحمّلها المسؤولية، ونحن نعمل من خلالها والمجلس النيابي، لتوفير ما أمكن من موارد مالية لأجل هذا الملف».

في المقابل، أوضح منيمنة أن «التردّد في إعادة الإعمار ليس لأن الدولة لا تقوم بواجباتها»، واستطرد: «أولاً، الدول المانحة التي ستساعد على الإعمار ليست مستعدة لأن تضع أموالاً ثم تحصل حرب جديدة. ومن ناحية ثانية، النقاش حول حصر السلاح لم ينتهِ ولم يُحسم هذا الموضوع... بالتالي، هذا الكلام، ولو أن فيه اعترافاً ضمنياً بدور الدولة، فهو في الدرجة الأساسية كلام منقوص»، موضحاً أن «هناك مسؤولية على (حزب الله) بأن يدخل فعلاً إلى الدولة من خلال ملف حصر السلاح».

وعن مسؤولية «حزب الله» تجاه تعويض المتضررين، قال منيمنة: «برأيي، هو أساساً في هذا المجال لم يفِ بوعوده، والناس في حالة تذمّر لأنه لا يوجد تمويل، حتى لأعمال الإيواء، خصوصاً للناس الذين ما زالوا مهجرين... وواضح أن (حزب الله) غير قادر اليوم على القيام بهذا الملف، وبما أنه لم يعد قادراً، فقد تخلّى عنه».

الحكومة مسؤولة عن شعبها

وفي موازاة ذلك، يتردد في أوساط داخل بيئة «حزب الله» أن الحزب يعد خلال الفترة القريبة المقبلة لتقديم مساعدة نقدية للمتضرّرين، تُطرح على أنها «هدية تعويض»، من دون أن يصدر حتى الآن إعلان رسمي يحدد قيمتها أو الفئات التي ستشملها أو موعد بدء توزيعها.

وكان واضحاً في تصريح نعيم قاسم الأخير أن الحزب «سيسهِم»؛ ما يعني أنه لن يكون المموّل، بل ينتظر الدولة التي قاله إنه لن يتوقّف عن حثّها على إعادة الإعمار.

في سياق متصل، يتقاطع موقف النائب مارك ضو، النائب عن جبل لبنان، مع قراءة منيمنة لانتقال الحزب إلى التعويل على الدولة؛ إذ قال لـ«الشرق الأوسط» إن تحميل «حزب الله» الحكومة مسؤولية ملف إعادة الإعمار «يشكّل تأكيداً على عجزه»، معتبراً أن انتقاله إلى التعويل الكامل على الدولة يعكس عجزه عن تحمّل تبعات ما حصل.

وأضاف ضو: «عندما يصبح كل الاتكال على الحكومة، ويقال إن الاعتماد الآن عليها، فهذا تأكيد واضح على العجز». وتابع: «هو (أي حزب الله) يطالب الدولة والحكومة بتحمّل مسؤولية إعادة الإعمار، في حين أنه لا يتعامل معهما على هذا الأساس في ممارسته السياسية... والنتيجة، أنه يريد من الدولة أن تتولّى إعادة إعمار ما نتج عن أخطائه وأفعاله».

مسارات أخرى قبل تحميل الخزينة التكلفة

بدوره، قال النائب أديب عبد المسيح لـ«الشرق الأوسط» إن «(حزب الله) يتنصّل من مسؤوليته في ملف إعادة الإعمار، ويحاول تحميل الدولة واللبنانيين تبعات حرب كان هو سببا أساسياً في اندلاعها»، معتبراً أن أمام الحزب أكثر من مسار لمعالجة هذا الملف بدلاً من مطالبة الدولة بتحمل التكلفة كاملة.

وقال عبد المسيح، وهو من نواب شمال لبنان: «(حزب الله) ممثل في الحكومة بوزيرين، فليتفضّل وزيراه ويطالبا بقرار حكومي لإعادة الإعمار، وليحاولا تأمين إجماع حكومي على هذا الموضوع. إذا كانا قادرين على ذلك، فليفعلا».

ثم أضاف: «إذا لم يتمكّن الحزب من تأمين إجماع الحكومة على إعادة الإعمار، فهناك مسارات أخرى. أولاً، عليه أن يتحمّل مسؤوليته؛ لأنه هو من ورّط لبنان وفتح النار على إسرائيل وتسبب بهذه الحرب. وثانياً، لديه الإيرانيون، ويمكن لوزير الخارجية أن يتحرّك للمطالبة بتعويضات من الدولة الإيرانية عن الأضرار، باعتبار أن (الحرس الثوري) الإيراني حاضر على الأراضي اللبنانية عبر دعمه للحزب».

وتابع عبد المسيح: «هناك أيضاً إسرائيل، وهي المسبّب المباشر للدمار. يمكن اللجوء إلى المسارات والمحاكم الدولية للمطالبة بالحقوق والتعويضات، وعند تحصيلها تُستخدم في إعادة إعمار الجنوب. هذه حلول عملية يمكن العمل عليها».

وشدّد النائب عبد المسيح على رفضه أن تتحمّل الخزينة اللبنانية وحدها تكلفة إعادة الإعمار، قائلاً: «أما أن تتحمّل الدولة اللبنانية المسؤولية في النهاية، وأن تأخذ الضرائب من الناس، فأنا أدفع وأنت لإعادة إعمار الجنوب، فهذا لن يحدث أبداً».

ورأى أن الحزب «يتنصّل» من مسؤوليته؛ إذ «يبدأ اليوم بالمطالبات والتحركات، وقد تتحول غداً تحركات في الشارع ضد الحكومة أو ضد الجيش، بحيث يحاول، بدلاً من أن يتحمل المسؤولية، أن يحملها لغيره... هذا أمر واضح مائة في المائة. يبدأ الأمر بهذه المطالبات، ثم يجري تنظيم التحرّكات على الموجة نفسها، في محاولة للظهور كجزء من المعارضة والمطالبة بحقوق شبيهة بحقوق موظفي الدولة أو سائر اللبنانيين، في حين كان الحزب أساسياً في هذه الحرب، وليس مجرد طرف عادي فيها».

الحرب تقوّض الاقتصاد اللبناني

ختاماً، يأتي اتساع حاجات الإيواء والإعمار في وقت تراجعت قدرة الاقتصاد اللبناني والدولة على تحمل أعباء إضافية. إذ تشير الأرقام إلى توقع انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 6.4 في المائة خلال 2026، في حين تضاف احتياجات الحرب الحالية إلى فاتورة إعادة إعمار 2024 المقدرة أصلاً بنحو 11 مليار دولار.بناءً عليه؛ لم يعد الملف مقتصراً على تعويض أصحاب المنازل المتضررة، بل صار يشمل تأمين الإيواء للنازحين، وإزالة ملايين الأمتار المكعبة من الركام، وإعادة تأهيل الخدمات والبنى التحتية، ثم إعادة بناء آلاف المباني وأكثر من 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن نطاق التقييمات المُنجزة حتى الآن.


سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
TT

سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز معركة الفوز بولاية سادسة في مجلس الشيوخ عن ولاين ماين، بأقصى شمال شرقي الولايات المتحدة، أمام منافسها الديمقراطي تروي جاكسون. بعد نحو ثلاثة عقود في المجلس، تدافع كولينز (73 سنة) عن سجل طويل من الخدمات والتسويات، في حين يتساءل ناخبون اعتادوا تأييدها إن كان إخراج الجمهوريين من قيادة المجلس الطريق الأجدى لتقييد الرئيس دونالد ترمب؟ وبين الحسابين، تتجاوز المعركة مستقبلها الشخصي لتطرح سؤالاً أوسع: هل تكفي الثقة بالسياسي حين يفقد الناخب ثقته بالحزب الذي ينتمي إليه؟

كولينز المولودة في السابع من ديسمبر (كانون الأول) 1952 في كاريبو، أقصى شمال ماين، واحدة من ستة أبناء لعائلة ارتبط اسمها بتجارة الأخشاب والخدمة العامة. تولّى والدها ووالدتها رئاسة بلدية المدينة، وخدم الأب في المجلس التشريعي للولاية. هناك، قرب الحدود الكندية، تشكلت صلتها بمجتمع صغير يعرف ممثليه بأسمائهم ويحاسبهم على ما يقدمونه لحياته اليومية. لكن هذه الصلة تواجه اليوم اختباراً صعباً، مع تحول مقعدها ساحة صراع على الأغلبية، وعلى مكان الوسطيين في سياسة أميركية قد تصبح فيها هوية الحزب أهم من شخصية ممثله.

من بلدة كاريبو ...إلى واشنطن

تخرجت كولينز في جامعة سانت لورانس الصغيرة الراقية بريف ولاية نيويورك عام 1975، وبدأت العمل مع النائب الجمهوري وليام كوهين (وزير الدفاع فيما بعد)، ثم انتقلت معه إلى مجلس الشيوخ.

ولاحقاً، تولت كولينز مسؤولية التنظيم المهني والمالي في حكومة ماين، ثم إدارة المكتب الإقليمي لوكالة المشاريع الصغيرة بتعيين من الرئيس جورج بوش الأب. ثم عام 1996، انتُخبت لخلافة كوهين في مجلس الشيوخ، لتبدأ مسيرة جُددت أربع مرات. وهي متزوجة من توماس دافرون، وتقيم في مدينة بانغور بولاية ماين.

بيد أن هذه التفاصيل ليست مجرد محطات في سيرة ذاتية؛ إذ تكونت سياسياً داخل «التيار التقليدي» في الحزب الجمهوري، الذي يعوّل على الخبرة التشريعية واحترام المؤسسات والتفاوض مع الديمقراطيين لإنجاز التسويات. ولم تبنِ حضورها على الخطب الصاخبة أو «التعبئة» ضد واشنطن، بل على معرفة طرقها: كيف تُكتب التشريعات، وتُجمع الأصوات، وتُنتزع المخصّصات لولاية صغيرة.

وحقاً، تلخص كولينز خلال لقاء مع الـ«واشنطن بوست»، هذه النظرة بقولها: «هناك من يعملون، وهناك من يستعرضون»، واضعة نفسها في الفئة الأولى. ثم تقول إن خطاباً نارياً يرفع شعبية صاحبه على وسائل التواصل الاجتماعي لا يغير بالضرورة النتيجة. وهذه حجة شخصية عامة مخضرمة في زمن يكافئ المواجهة العلنية، وأحياناً يعتبر التفاوض والمساومة بعيداً عن الكاميرات ضعفاً.

غير أن تداخل الأسرة والمهنة والمؤسسة، الذي منحها جذوراً وثباتاً، يسمح لخصومها أيضاً بتصويرها ممثلة لطبقة سياسية استقرت طويلاً في السلطة. فالأقدمية في حملتها رصيد يحمي مصالح ولايتها، لكنها في حملة منافسها جاكسون تطرح سؤالاً عمّا إذا كانت الخبرة ما زالت تنتج تغييراً يشعر به الناس.

استقلالية قيد المحاكمة

والواقع، أنه يصعب اعتبار كولينز «تابعاً» لترمب؛ إذ تقول حملتها إنها لم تصوّت له قط، بل كانت ضمن الجمهوريين الذين أيّدوا محاولة عزله الثانية عام 2021. كذلك خالفت إدارته في تصويتات مهمة، بينها رفض تعيين بيت هيغسيث وزيراً للحرب، ورفض النسخة النهائية من تشريع الضرائب والإنفاق الكبير عام 2025. ولها أيضاً سجلٌ يتجاوز الاعتراض؛ فقد قادت مع السيناتور جو مانشين - الذي كان آنذاك من أبرز الديمقراطيين اليمينيين قبل مغادرته الحزب -، مساراً مشتركاً لتعديل قانون فرز الأصوات الانتخابية. وأقرّ التعديل عام 2022 لمعالجة ثغرات كشفت عنها أزمة انتقال السلطة، إثر رفض ترمب الإقرار بهزيمته أمام جو بايدن وترويجه ادعاءات بتزوير انتخابات 2020. وهذه وظيفة مؤسساتية للوسط: تحويل الخلاف إلى قواعد يمكن أن يقبلها الطرفان.

لكن منتقديها يميّزون بين مخالفة الرئيس ومنعه. ووفق تحليل في الـ«نيويورك تايمز»، فإنها تعارض سياساته في التصويت أكثر من سائر الجمهوريين، لكن معارضتها نادراً ما تبدّل النتيجة. وهنا تنتقل المحاكمة من النيات إلى الفعل... فما معنى الاستقلالية إذا بقيت الإدارة قادرة على تنفيذ ما تعترض عليه؟

وتظل قضية الإجهاض الجرح الأعمق في تقييمها. فكولينز تؤيد حقوق الإجهاض، لكنها دعمت تثبيت القاضي المحافظ بريت كافانو عام 2018، قبل أن يشارك في قرار المحكمة العليا الذي ألغى الحماية الدستورية الفيدرالية لهذا الحق عام 2022. ودفاعها المستمر عن ذلك التصويت يعيد فتح مسألة الثقة لدى ناخبين يرون أن تطميناتها لم تصمد أمام النتائج.

مع ذلك، ليس كل تصويت خاسر مسرحية سياسية، كما أن ليس كل اعتراض دليلاً كافياً على المقاومة. فالشيخ لا يملك منفرداً غالبية المجلس. أما السؤال المشروع، فهو ما إذا كانت كولينز تستخدم كامل نفوذها لفرض حدود على الإدارة، أم تكتفي بمسافة محسوبة تسمح لها بالبقاء داخل ائتلافها؟ حسب المنتقدين.

ترمب على مائدة الناخب

وبالفعل، تبدو هذه المناقشة أقل تجريداً في ماين، حيث تتقاطع السياسات الرئاسية مع فواتير التدفئة والتجارة والسياحة عبر الحدود. فالحرب مع إيران رفعت تكلفة الوقود، في حين وضعت الرسوم على كندا مصالح محلية أمام ضغوط إضافية. وباتت كولينز مطالبة بمعالجة أزمات تخلقها الإدارة التي ينتمي حزبها إليها.

وفي حين ضغطت لتسريع مساعدات التدفئة للأسر محدودة الدخل، وسعت إلى استثناء الملح الذي يُرش على الطرق في فصل الشتاء من الرسوم الجمركية، حوّل منافسها جاكسون، الحطّاب والرئيس السابق لمجلس شيوخ الولاية، إنجازها إلى عبارة هجومية مؤداها أن «سكان ماين لا يستطيعون أكل ملح الطرق»، في حرصه على نقل النقاش من الاستثناءات التي تنتزعها إلى السياسات التي تجعلها ضرورية.

وفي مناظرتهما الثالثة مساء الثلاثاء، برز مجدداً ملف الهجرة بعد مقتل مهاجر برصاص أحد عناصر إنفاذ قوانين الهجرة (أيس) في بلدة بيدفورد خلال يوليو (تموز). وأقرّت كولينز بأن الإدارة نشرت أعداداً كبيرة من العناصر من دون تدقيق مناسب في اختيارهم، في حين حمّلها جاكسون مسؤولية سياسية عن التمويل.

وفي ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها مسافة عن إدارته. لكن انتقالها من تأييد الحرب في البداية إلى دعم تقييد صلاحياته العسكرية يمنح خصمها فرصة للسؤال عن توقيت الاعتراض، لا عن وجوده وحده.

في المقابل، تهاجم كولينز سجلّ جاكسون التشريعي وتحمّله مسؤولية سياسات تقول إنها رفعت تكاليف الطاقة والسكن. وبالتالي، ما عادت المواجهة بين مرشحة بلا إنجازات وخصم بلا سجل، بل بين تفسيرين للغلاء وللجهة الأقدر على تخفيفه: نفوذ جمهوري داخل الإدارة، أم غالبية ديمقراطية تراقبها وتواجهها.

غالبية أم جسر؟

عام 2020، فازت كولينز بفارق نحو 9 نقاط مئوية، في حين خسر ترمب ولاية ماين بفارق مماثل. يومها استطاع الناخب أن يرفض الرئيس ويحتفظ بالسيناتورة على ورقة الاقتراع نفسها. أما الآن، فلا انتخابات رئاسية تتيح الفصل ذاته، بل أصبح مقعدها إحدى الأدوات المباشرة لمعاقبة البيت الأبيض.

وفي تحقيقات للـ«نيويورك تايمز» والـ«واشنطن بوست»، تلتقط شهادات الناخبين هذه النقلة، حيث لا ينكرون خدماتها ولا يشككون في كفاءتها، لكنهم يريدون ببساطة مجلساً يضع قيوداً على ترمب. في المقابل، لا يزال ديمقراطيون ومستقلون يعدّونها ممثلة موثوقة، ويرفضون التضحية بها لمجرد انتمائها الحزبي. من هنا، يرى البعض أن خسارتها قد تبدو ربحاً واضحاً للديمقراطيين في حساب المقاعد، لكنها تحمل احتمال خسارة شريكة تفاوض داخل الحزب الآخر. ولا تناقض حتمياً بين الأمرين: يستطيع الديمقراطي أن يقدّر دورها، ثم يرى أن تغيير الأغلبية أرجح كفة من الاحتفاظ بذلك الدور.

وبالمثل، لن يكون فوزها هزيمة صافية لترمب؛ فهو يحتفظ للجمهوريين بمقعد بالغ الأهمية، وربما يساعدهم على حماية الغالبية. لكنه سيبرهن أيضاً على أن الفوز في بعض الولايات يتطلب الابتعاد عن الرئيس، وأن الصيغة الجمهورية القابلة للتسويق وطنياً ليست بالضرورة الصيغة الأكثر ولاءً له.

وتزداد المفارقة مع رئاسة كولينز لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ. فهي تطلب من الناخب حماية نفوذ يصعب تعويضه سريعاً، في حين يردّ خصومها بأن النفوذ يقاس بما يمنعه أيضاً. وإذا استطاعت الإدارة تعطيل إنفاق أقره الكونغرس أو الالتفاف على أولوياته، تغدو قدرة كولينز على حماية صلاحيات الكونغرس في إقرار الإنفاق جزءاً من تقييم نفوذها نفسه.

بل حتى الطرفان اللذان يريدان حسم المعركة يجدان نفسيهما أمام حسابات متعارضة: فالجمهوريون يحتاجون إلى أصوات ناخبين ينفرون من زعيمهم، والديمقراطيون يحتاجون إلى إقناع ناخبين بأن إعجابهم بسيناتورة جمهورية لا ينبغي أن يتقدّم على تغيير اتجاه الحكم.

الوسط يبحث عن جدواه

بالتالي، لا تعني هذه المعركة أن الساحة خلت تماماً من الوسطيين، ولا أن الشعبوية احتكرت الحزبين بالقدر نفسه. كما أن الوسطية ليست مرادفاً دائماً للانتماء إلى المؤسسة. فقد يكون السياسي المخضرم شديد الحزبية، وقد يكون جديداً وقادراً على بناء تسويات. وجاكسون - نفسه الذي ينافس كولينز - يعقّد الثنائية المبسطة. فهو تقدمي طبقي، لكنه صاحب خبرة في قيادة مؤسسة تشريعية. ولذلك؛ لا يكفي وضعه في خانة الشعبوية ثم اعتبار هزيمة كولينز إذا حصلت، دليلاً تلقائياً على انتصار التطرف. فالاختبار الأهم هو ما سيقدمه الفائز من سياسات، وكيف سيتعامل مع حدود السلطة وخصومه.

مع ذلك، تكشف كولينز عن أزمة حقيقية في نموذج الوساطة القديم. فحين يُطالب الناخب بمنع قرار يمس حقوقه أو معيشته، لا تكفيه الإشارة إلى حوار مستمر مع صانعيه. بل يحتاج المعتدل إلى شرح الرابط بين قدرته على الوصول إلى المسؤولين وقدرته على تغيير ما يفعلونه، وإلّا بدت التسوية امتيازاً لأهل السياسة لا منفعة للمواطنين.

وفي صورة ساخرة من الحملة، وصل خطأً إعلان يهاجم جاكسون، موَّلته مجموعة جمهورية، إلى مدينة بورتلاند بولاية أوريغون بدلاً من مدينة بورتلاند في ماين. ثم صحح الخطأ وأعيدت الأموال، لكنه أتاح لخصوم كولينز التشكيك في اتصال حلفائها بالولاية. وهذه واقعة صغيرة في سباق يختبر صدقية القرب من الناس.

الأرجح، أن انتخابات ماين لن تحسم مصير الاعتدال الأميركي، لكنها ستكشف عن الشروط الجديدة لبقائه. فنجاة كولينز ستعني أن الرصيد الشخصي والخدمات والاستقلال النسبي ما زالت قادرة على مقاومة الاستقطاب. وخسارتها ستشير إلى أن ناخبين باتوا يفضّلون تغيير ميزان السلطة على الاحتفاظ بوسيط داخلها.


وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
TT

وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)

لا يواجه جميع المعتدلين نسخة مطابقة لاختبار السيناتورة سوزان كولينز في ولاية ماين؛ إذ بعضهم يحاول النجاة في دوائر تميل إلى الحزب الآخر، وبعضهم الآخر يدافع عن استقلاليته أمام قاعدته. ومن أبرز هؤلاء من دون افتراض أن فرصهم الانتخابية ومواقفهم متساوية، الساسة التالية أسماؤهم:

• النائب الجمهوري براين فيتزباتريك في بنسلفانيا، الذي يمثل الدائرة الأولى ويواجه الديمقراطي بوب هارفي، المفوض في مقاطعة باكس والمدرّس السابق. يبني العضو السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي صورته على العمل عبر الحزبين ومخالفة ترمب في ملفات محددة. لكن خصمه يسعى إلى تحويل الاقتراع من تقييم لشخص النائب إلى حكم على الغالبية الجمهورية. ومع ذلك، لا يصح افتراض أن مجرد تشابه مأزقه مع كولينز يجعل حظوظهما متطابقة.

• النائب الجمهوري مايك لولر في نيويورك، يخوض مواجهة مع الديمقراطية كيت كونلي، صاحبة الخبرة العسكرية والأمنية، في الدائرة السابعة عشرة التي فازت فيها كامالا هاريس عام 2024. لولر يقدم نفسه جمهورياً براغماتياً قادراً على العمل مع الديمقراطيين، لكنه يحتاج إلى الاحتفاظ بالقاعدة الجمهورية أيضاً. امتحانه هو إقناع الناخب بأن استقلاله يترك أثراً ملموساً، في حين تسعى منافسته إلى جعل العلاقة بترمب محور الاختبار.

• النائبة الديمقراطية ماري غلوسنكامب بيريز في ولاية واشنطن، التي تواجه الجمهوري جون براون في الدائرة الثالثة، وتقدم نموذجاً معكوساً لكولينز؛ فهي ديمقراطية تحاول الاحتفاظ بدائرة أيدت ترمب، وتستند إلى خطاب محلي واهتمام بالمهن والتكاليف اليومية، وتخالف حزبها في بعض القضايا. لكن استمالة المحافظين لا تضمن رضا الديمقراطيين، وقد وثّقت الإذاعة العامة المحلية استياء ناخبين من خيارات السباق. ويكشف اختبارها أن بناء ائتلاف عابر للحزبين يحتاج إلى بقاء قاعدة متحمسة، لا مجرد الوصول إلى الطرف الآخر.

• النائب الديمقراطي دون ديفيس في نورث كارولينا، يواجه الجمهورية لوري باكهاوت في الدائرة الأولى، بعدما جعلت إعادة ترسيم الخريطة الانتخابية التي فرضها الجمهوريون، الفوز فيها أكثر صعوبة على الديمقراطيين. ديفيس يروّج لوسطيته، لكن الخريطة تضع حدوداً لما تستطيع السمعة الشخصية تحقيقه.

توضح هذه الحالات أن بقاء الوسط لا يعتمد فقط على اعتدال الناخبين، بل هو يتأثر بحدود الدوائر، وصورة الرئيس، وتعبئة القواعد، وقدرة المرشح على تحويل المخالفة الحزبية إلى منفعة مفهومة... ثم إن فوز معتدل من حزب قد يعني هزيمة معتدل من الآخر، لا انتصاراً تلقائياً على التطرف. لذلك قد يكون الاختبار الأعمق بعد الانتخابات: هل يملك الناجون استعداداً ونفوذاً لبناء تشريعات مشتركة، أو تفرض معركة الغالبية عليهم العودة إلى الاصطفاف الذي وعدوا ناخبيهم بتجاوزه؟