غزة: «الحرب الكاشفة» طرحت أسئلة عن دورَي روسيا والصين وطموحات النظام العالمي الجديد

تباين في الأولويات يضعف تأثير «شنغهاي» و«بريكس»

من حرب غزة .. ودمارها (آ ف ب / غيتي)
من حرب غزة .. ودمارها (آ ف ب / غيتي)
TT

غزة: «الحرب الكاشفة» طرحت أسئلة عن دورَي روسيا والصين وطموحات النظام العالمي الجديد

من حرب غزة .. ودمارها (آ ف ب / غيتي)
من حرب غزة .. ودمارها (آ ف ب / غيتي)

يطلق محللون فلسطينيون وعرب على الحرب الدائرة في قطاع غزة منذ أكثر من شهرين، تسمية «الحرب الكاشفة». وهؤلاء يرون أن الحرب غير المسبوقة في ضراوتها وتأثيراتها المحتملة على الصعيدين الإقليمي والدولي، أظهرت كثيراً من مكامن الضعف لدى منظمات وتجمعات إقليمية، فشلت في تبني سياسات تضغط باتجاه وقف الحرب. بين التساؤلات الكثيرة التي طرحتها التطورات المحيطة بغزة، ما يتعلق بمواقف روسيا والصين، وهما البلدان اللذان أعلنا بشكل واضح ومباشر عن معارضة سياسة العقوبات الجماعية، وطالبا بوقف الحرب. إلا أن هذه المواقف لم تترجم بتحركات سياسية نشطة تعكس ثقل وحجم تأثير البلدين العملاقين. وبالتالي، فإن السؤال الأكثر تردداً لدى خبراء في روسيا والصين، دار عن سبب إخفاق البلدين اللذين طالما تكلما عن دفع التحرك نحو ترسيخ ملامح نظام عالمي جديد، وغدا هذا المسار جزءاً أساسياً من عقيدتيهما في مجال السياسة الخارجية في السنوات الأخيرة. وبالفعل، كتب معلق روسي أخيراً: «هل يوجد ظروف دولية أفضل من هذه التي يشهدها العالم حالياً لتكريس فكرة الانتقال إلى نظام دولي جديد عبر تحركات جدية تضع بدائل للهيمنة على القرار الدولي من جانب الغرب»؟ خبراء في موسكو يتوقعون، في أي حال، أن يتضمن الوضع الإقليمي الذي أسست له حرب غزة - مهما كانت نتيجتها الميدانية - من بين أمور عدة، عودة أنشط للولايات المتحدة إلى المنطقة، لا استمراراً لانحسار دور واشنطن وتأثيرها كما اعتقد البعض. وهذا، من دون أن يعني ذلك، تقليص الحضور الروسي أو الصيني المتزايد أيضاً في المنطقة.

من اجتماع مجموعة "بريكس" الأخير (آ ف ب)

منذ الأسبوع الأول للحرب في قطاع غزة بدا أن موسكو استعدت لحصد فوائد عدة من اشتعال الجبهة، أبرزها اتجاه الأنظار نحو الشرق الأوسط، وغياب الحرب الأوكرانية عن العناوين الرئيسية للأخبار العالمية.

تزامن هذا مع اتساع السجالات داخل المجتمعات الغربية حول جدوى مواصلة تسليح أوكرانيا، ولقد لعب تعثر الهجوم الأوكراني المضاد دوراً في زيادة سخونة التساؤلات. ولكن كان الأهم بالنسبة إلى موسكو أن حرب غزة وفرت فرصة مهمة لتأكيد «انحياز روسيا إلى الجزء الجنوبي من العالم الذي يعارض سياسات واشنطن والغرب». وهذا الأمر برز كثيراً في تصريحات المسؤولين الروس.

اللافت أن الموقف الروسي بُني في البداية على قناعة بأن هذه ستكون حرباً خاطفة مثل سابقاتها. وهذا، في الواقع، ما بدا من تصريحات وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، عندما قال إن روسيا «تأمل أن يأخذ الجميع على محمل الجد الالتزام بإنشاء دولة فلسطين، بعد انتهاء المرحلة الساخنة من الصراع الحالي في الشرق الأوسط». وشدد على «ضرورة التزام طرفي النزاع الفلسطيني الإسرائيلي باحترام القانون الإنساني، وتجنب الاستخدام العشوائي للقوة، وأن يتحلى الجميع بالمسؤولية الجدية لتنفيذ قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بشأن إنشاء دولة فلسطينية على أساس المبادئ التي وافقت عليها الأمم المتحدة».

لقد بدا أن موسكو تعاملت في الأسابيع الأولى للحرب، مع الملف ليس بصفته حدثاً كبيراً يمكن أن يغيّر المنطقة والعالم، بل باعتباره «ورقة من أوراق المواجهة مع الغرب»، أي أن موسكو لم تكن مقتنعة بأن التحرك الإسرائيلي المستند إلى دعم غربي واضح وكامل يقوم على وضع مقدّمات لـ«حل نهائي» للمسألة الفلسطينية، بل باعتبار المواجهة الحالية «واحدة من حلقات الصراع المتكررة». وبهذا المعنى، عكس الموقف الرسمي بشدة انعكاسات المواجهة المتفاقمة مع الغرب.

روسيا: عرض وساطة

في وقت لاحق، أكّد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده مستعدة لتقديم جهود «وساطة» بين الطرفين، من دون أن يوضح المدخل الذي ستنطلق منه إذا وافق الطرفان على تلك الجهود. وهذا أمر له دلالاته؛ لأن روسيا كانت تقليدياً تعلن استعدادها لاستقبال مفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ثم تتكلم لاحقاً عن أن هذا يتطلب «موافقة الطرفين»، الأمر الذي لا يمكن تحقيقه عملياً.

أيضاً، قال الرئيس الروسي: «يتعيّن علينا البحث عن حل سلمي لتفاقم الصراع الفلسطيني الإسرائيلي؛ نظراً لأنه في الوضع الراهن لم تعد هناك بدائل أخرى». وهذه العبارة كانت لافتة أيضاً، ففي حين يراقب العالم حرباً شاملة واستعداداً لعملية تهجير شاملة جديدة للفلسطينيين من غزة، ركّزت تصريحات الكرملين على تكرار خطاب سياسي صحيح من وجهة النظر القانونية، لكنه منفصل عن الواقع المتسارع في تدهوره وعن ألسنة اللهب المتصاعدة حول غزة.

كانت «الشرق الأوسط» سألت دبلوماسياً سابقاً عن تفسيره لهذه المواقف، فقال إن «اللحظة العالمية» كانت مواتية لموسكو وبكين لترسيخ فكرة هدم آليات هيمنة الغرب على اتخاذ القرار العالمي، لكن الطرفين فضّلا تكرار خطاب سابق على إطلاق أفكار جديدة أو إعلان تحرك ملموس لوقف التحركات العسكرية الإسرائيلية، ولمواجهة عمليات «حشد القوات الغربية في البحر المتوسط والمنطقة». ورأى أن هذا الحشد رغم أن مهمته الرئيسية «تخويف أطراف إقليمية»، كان اللافت أن روسيا لم تقم بأي خطوة عملية لإعلان اعتراضها على ذلك.

وصحيح أن المواقف الروسية تطورت لاحقاً إلى اشتباك قوي في مجلس الأمن، ومطالبات واضحة بوقف القتال، غير أنها لم تتحول إلى البحث عن آليات ضاغطة في هذا الشأن. ويرجع خبراء روس ذلك إلى أنه رغم الفتور الذي اعترى العلاقات الروسية - الإسرائيلية على خلفية مواقف تل أبيب من الحرب الأوكرانية، فلا تزال روسيا ترى أن قطع الطريق أمام علاقاتها مع إسرائيل ستكون له تأثيرات سلبية نحو تقويض الرهان على لعب دوائر الضغط الإسرائيلية في الغرب دوراً ما في تقليص العقوبات المفروضة على روسيا، وإعادة فتح بعض قنوات الاتصال.

المندوب الصيني لدى الأمم المتحدة جانغ جون يتكلم في مجلس في مجلس الأمن ((آ ف ب)

الموقف الصيني

الموقف الصيني جاء مماثلاً لمواقف موسكو في رفض الحرب الشاملة والتحذير من اتساع نطاقها جغرافياً. وأيضاً طرحت بكين بدورها فكرة بذل جهود للوساطة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، لكن كانت هناك حدود لما يمكن أن تنجزه الصين في هذا الملفّ.

في الشهر الأول للحرب، تحرّكت بكين دبلوماسياً، وزار وزير الخارجية الصيني وانغ يي واشنطن، وناقش مع مسؤولين أميركيين أبعاد الصراع بين إسرائيل و«حماس». وأيضاً، تكلم الوزير الصيني إلى نظيرَيه في إسرائيل والأراضي الفلسطينية، بعدما وصل مبعوث الصين الخاص للشرق الأوسط تشاي جيون إلى المنطقة للقاء قادة عرب. وكانت الصين من أقوى الداعمين في اجتماعات الأمم المتحدة الأخيرة لوقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حماس».

ومثلما هو الحال بالنسبة إلى روسيا، فإن رهاناً قد ظهر لدى الغرب على أن الصين ربما تكون قادرة على الضغط على إيران، على خلفية العلاقات الجيدة بين الطرفين، ووفقاً لصحيفة «فايننشال تايمز»، ضغط مسؤولون أميركيون على الوزير الصيني من أجل «حثّ الإيرانيين على التهدئة».

الفارق بين روسيا والصين أن الأخيرة لديها مصالح متشابكة جداً وكبيرة مع كل الأطراف الإقليمية المتناقضة أحياناً في مصالحها؛ إذ تعدّ الصين أكبر شريك تجاريّ لإيران. وفي وقت سابق من العام الجاري نجحت بكين في التوصل إلى اختراق سياسي كبير بين طهران والرياض.

أيضاً لدى الصين علاقات شراكة مهمة مع كل البلدان العربية تقريباً، ومع إسرائيل أيضاً. وهي ترتبط بعلاقات متوازنة نسبياً مع كل أطراف الصراع الراهن، ومن ثمّ كان يمكن النظر إلى بكين باعتبارها وسيطاً مقبولاً.

هنا، يقول خبراء إن بكين ربما لم ترغب في استثمار هذه العلاقات حتى الآن، وبذل جهد جدي يعكس مكانتها وحجمها الاقتصادي الهائل. غير أن هناك مراقبين آخرين يرون أن الصين لا تزال لاعباً ثانوياً على ساحة سياسات الشرق الأوسط. ومن هؤلاء جوناثان فولتون، الباحث المتخصص في علاقات الصين والشرق الأوسط.

يقول فولتون: «الصين ليست فاعلاً جديّاً في هذه القضية. وبالتحدث إلى الناس في أنحاء المنطقة، لا أحد يتوقع أن تُسهم الصين بالحل». رغم ذلك، يرى الخبير أن لدى بكين فرصاً أكبر للعب دور وساطة يمكّنها من المحافظة على المصالح الاقتصادية للصين في الشرق الأوسط، والتي ستتأثر حال اتساع دائرة الصراع. وللعلم، بلغ حجم التبادل التجاري لبكين مع إسرائيل 22 مليار دولار العام الماضي، وهذا فقط جزء صغير من مصالح الصين بالنظر إلى حجم الاستثمارات المباشرة في مشاريع البنى التحتية التي تحظى بأهمية كبرى.

أيضاً، تتعامل بكين مع الملف انطلاقاً من أولوياتها السياسية، وبالأخص، خططها الاستراتيجية في إطار مبادرة «الحزام والطريق». وتتزايد أهمية بلدان الشرق الأوسط بوصفها أطرافاً مؤثرة في هذه المبادرة التي تشكّل حجر الزاوية في سياسة الصين الخارجية والاقتصادية. رغم ذلك كله، فضّلت الصين الاكتفاء بإطلاق دعوات للتهدئة، وفي أحسن الحالات فهي تحدثت عن احتمال الدعوة إلى مؤتمر دولي لتسوية الوضع في الشرق الأوسط، في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب.

المثير أن الدعوة الصينية لم تلق تجاوباً من الحليف الأقرب... روسيا؛ إذ لم تعلق موسكو نهائياً على الفكرة، التي كانت دائماً تتردد في السابق على ألسنة المسؤولين الروس. والأكثر من ذلك، أن موسكو وجهت لاحقاً نداءً إلى الأمين العام للأمم المتحدة من أجل تبني فكرة المؤتمر الدولي، ولم تشر في هذا الإطار إلى دور الصين إلا من خلال التأكيد على ضرورة «حضور كل الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن» المؤتمر المنشود.

تكتلات إقليمية عملاقة غابت عن الحدث

دلّ هذا على غياب التنسيق بين موسكو وبكين في حدث إقليمي له تداعيات عالمية، واكتفاء الطرفين بإعلان مواقف متشابهة، لكنها لم ترق إلى مجالات تحرك مشترك.

كذلك لم تر موسكو وبكين حاجة إلى الدعوة إلى قمة طارئة لـ«منظمة شنغهاي للتعاون»، التي يرى الطرفان أنها تشكل الحجر الأساس في التحركات المشتركة لمواجهة التحديات المشتركة في العالم. وبينما يفاخر خبراء روس كثيراً بأن هذه المنظمة تضم «نصف البشرية» مع قدرات إنسانية واقتصادية هائلة، لكن في المقابل لا يخفى أن كل اجتماعات المنظمة عكست تبايناً في أولويات البلدان المنضوية فيها، وهو ما عكسته - مثلاً - السجالات الصينية - الهندية المتكررة.

في المقابل، عقدت مجموعة «بريكس» اجتماعاً، الشهر الماضي، خصص لمناقشة الحرب على غزة خلص إلى إصدار بيان دعا إلى «هدنة إنسانية فورية» تفضي إلى وقف إطلاق النار وحماية المدنيين، وتوفير المساعدات الإنسانية في قطاع غزة. وخلال القمة الافتراضية الطارئة التي استضافتها مدينة جوهانسبرغ، بجنوب أفريقيا، للدول الخمس الأعضاء في «بريكس» (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا)، دعا القادة «أطراف النزاع إلى التهدئة ووقف إطلاق النار وإطلاق سراح الأسرى والمحتجزين».

لكن حتى في «بريكس»، وهي تكتل بالغ الأهمية لديه آفاق واسعة للتطور مع انضمام بلدان عديدة بينها عدد من البلدان العربية، برز أيضاً خلال النقاشات تباين واسع وهوة كبيرة في مواقف الأطراف بين بلدان المجموعة اكتفت بعبارات الدعوة إلى تهدئة، وبعضها رفعت سقف المطالب بشكل قوي لدرجة الدعوة إلى عرض الملف على محكمة الجنايات الدولية، كما ظهر في مواقف جنوب أفريقيا. وهذه الدعوة لم تظهر في البيان الختامي المشترك، مثل مواقف عديدة أخرى ظلت تعبر فقط عن أصحابها. أيضاً، رغم كل ما سبق، أكد القادة بشكل جماعي أن دول المجموعة قادرة على «أداء دور أساسي» على هذا الصعيد، ودعا بعضهم إلى «عقد مؤتمر دولي للسلام» يتيح «العمل على إيجاد حل شامل وعادل ودائم للقضية الفلسطينية».

واللافت، أخيراً، أن موسكو وبكين طرحتا مواقف متشابهة حول الحاجة لحل مستدام وطويل الأمد للصراع في غزة، وضرورة حماية المدنيين في فلسطين، وتوفير ممرات إنسانية. من دون وضع أساس مشترك للتحرك على هذا الصعيد.

خبراء روس يتوقعون عواقب إقليمية واسعة للحرب

*على خلفية المواقف المتباينة حيال حرب غزة، وفشل الجهود الدولية والإقليمية لوقف التصعيد وتقليص التداعيات المتوقعة، بدأ خبراء روس بوضع تصورات للوضع في منطقة الشرق الأوسط في اليوم التالي للحرب.

إذ رأى عدد من الباحثين في مراكز روسية بينها «نادي فالداي» للحوار الاستراتيجي أن المنطقة مقبلة على عواقب خطرة. وكتب أندريه كورتونوف أحد أبرز الخبراء في «فالداي» أن الجولة الحالية من المواجهة الإسرائيلية - الفلسطينية «ستخلّف عواقب واسعة النطاق وطويلة الأمد، ليس فقط على طرفي الصراع، بل أيضاً على منطقة الشرق الأوسط كلها». ورأى الخبير أن «بعض اتجاهات التنمية الإقليمية التي بدأت في وقت سابق تتلقى زخماً قوياً إضافياً، في حين أن البعض الآخر، على العكس من ذلك، سوف يضعف بشكل كبير».

وفقاً للباحث القريب من الكرملين؛ في المقام الأول من الأهمية يمكن ملاحظة أن الأزمة ستعمل على «ترسيخ الانقسامات القائمة في العالم العربي»، بما في ذلك على صعيد السجالات التي كانت قائمة سابقاً حول جدوى سياسات التطبيع. وهو مع إقراره بأن البلدان التي كانت قد أرست اتفاقات للتطبيع مع إسرائيل ستواصل العمل على هذا الاتجاه، فإنه رأى أنه بالنسبة لبقية الدول العربية «سيكون التحرك في هذا الاتجاه مستقبلاً صعباً للغاية، خاصة مع استمرار الصراع وتزايد عدد الضحايا المدنيين في غزة». وأيضاً، رجّح أن تزيد الفجوة بين النخب في العديد من الدول العربية المهتمة بتوسيع التعاون مع إسرائيل، و«الشارع العربي» الذي يطالب حكوماته بدعم أكثر حسماً للفلسطينيين. وقال من ثم: «هناك من الأسباب ما يجعلنا نفترض أن الصراع بين إسرائيل وفلسطين سيشكل عاملاً إضافياً من عوامل انعدام الاستقرار الداخلي في مختلف أنحاء العالم العربي».

أيضاً وفقاً لتقرير قدمه كورتونوف أمام «مجلس السياسات الخارجية»، أظهرت الأزمة أيضاً أن اللاعبين السياسيين العسكريين من غير البلدان العربية ما زالوا «أقوياء ونشطين للغاية» في المنطقة. وتوقّع أن تواصل إيران سياساتها الإقليمية، والسعي إلى مواصلة تشكيل تهديد لأمن إسرائيل. وزاد أنه «حتى لو تمكنت قوات الجيش الإسرائيلي من هزيمة (حماس) بشكل كامل... لا شك في أن مجموعات أصولية أخرى لا تقل تطرفاً ستأخذ مكانها». وتابع: «إذا كان الضعف المستمر لدى بعض الأطراف العربية قد أعطى إسرائيل في وقت ما مزايا معينة في مواجهة خصوم فإنه يتحول الآن إلى إحدى مشاكلها الرئيسية»، موضحاً أنه «قد لا تجد القيادة الإسرائيلية في المنطقة، ببساطة، شركاء حوار مسؤولين».

العنصر الثاني الذي يحذر منه الخبير بعد انتهاء المرحلة النشطة من الصراع الحالي، هو عامل اللاجئين والنازحين الذي «سيبقى عنصراً داخلياً مهماً في الحياة السياسية في المنطقة». وهذا، مع التذكير بأن هذه المشكلة لا تتعلق باللاجئين الفلسطينيين وحدهم مع وجود مجموعات من اللاجئين السوريين والعراقيين واليمنيين والأفغان وغيرهم من اللاجئين. هنا ثمة توقع بأنه «لن تستمر كل هذه المجموعات في الضغط على البنية التحتية الاجتماعية في البلدان المضيفة فحسب، بل ستساهم أيضاً في تعزيز نزعات التطرف السياسي في المجتمعات المضيفة». وأيضاً وفقاً للتوقعات المتشائمة، ستؤدي الأزمة الحالية في ظل الظروف الحالية، إلى إعلاء النخب السياسية في الدول العربية ملفات إعطاء القضايا الأمنية أولوية غير مشروطة على جميع القضايا الأخرى المدرجة على الأجندات الوطنية. مع إشارة إلى أنه «من الممكن ليس فقط زيادة ميزانيات الدفاع في العديد من دول الشرق الأوسط، بل أيضاً تعزيز المواقف السياسية للقوات العسكرية وغيرها من قوات الأمن».

وخلص كورتونوف إلى أن «الأزمة الحالية أظهرت بوضوح فشل استراتيجية واشنطن الطويلة المدى، التي كانت تهدف إلى دفع المشكلة الفلسطينية إلى خلفية السياسة الإقليمية، والاستعاضة عنها بمهمة خلق جبهة موحدة بين إسرائيل ودول الخليج العربي الرائدة في المواجهة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية». لكن في المقابل، كان ملاحظاً أن أوساط البحث الروسية لم تضع تصورات للسياسة الروسية تجاه المنطقة بعد الحدث المتفاقم حالياً.


مقالات ذات صلة

انطلاق أول اجتماع لـ«لجنة إدارة غزة» في القاهرة وسط «تفاؤل حذر»

العالم العربي فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

انطلاق أول اجتماع لـ«لجنة إدارة غزة» في القاهرة وسط «تفاؤل حذر»

جرت مياه جديدة في مسار اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بأول اجتماع في القاهرة لـ«لجنة التكنوقراط» المعنية بإدارة القطاع، بعد تشكيلها بتوافق فلسطيني.

محمد محمود (القاهرة )
المشرق العربي العلَم الإسرائيلي ويظهر جزء من مستوطنة معاليه أدوميم الإسرائيلية في الخلفية بالضفة الغربية المحتلة 14 أغسطس 2025 (رويترز) play-circle

الاتحاد الأوروبي يدعو إسرائيل لوقف مشروع إقامة مستوطنة في الضفة الغربية

دعا الاتحاد الأوروبي حكومة إسرائيل لوقف مشروع إقامة مستوطنة جديدة بالضفة الغربية، ووصف الخطوة بأنها «استفزاز خطير».

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
المشرق العربي فلسطينيون يشاهدون آلية عسكرية إسرائيلية تنقل جنوداً إلى مخيم نور شمس قرب طولكرم بالضفة الغربية (إ.ب.أ) play-circle

جنود إسرائيليون يقتلون صبياً فلسطينياً في الضفة الغربية

قال الجيش الإسرائيلي إن جنوداً قتلوا بالرصاص فلسطينياً كان يرشقهم بالحجارة في الضفة الغربية المحتلة.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي جندي إسرائيلي ومعه أحد الكلاب المدرَّبة خلف الخط الأصفر بقطاع غزة (الجيش الإسرائيلي) play-circle

إسرائيل تنفي صحة تقرير بنقل الخط الأصفر إلى داخل قطاع غزة

نفى الجيش الإسرائيلي صحة تقرير يفيد بأنه نقل خط الترسيم الأصفر إلى داخل قطاع غزة، أيْ وسّع المنطقة التي تخضع لسيطرته.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
خاص خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة في حين تجتاح رياح شتوية قوية القطاع (أ.ف.ب) play-circle

خاص «حماس» لا تقبل «تغييبها» عن المشهد السياسي في غزة

يبدأ العد التنازلي نحو إطلاق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة بينما يترقب مصير «حماس»، التي كانت في صدارة مواجهة إسرائيل على مدار نحو عامين.

محمد محمود (القاهرة)

في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
TT

في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo

تقف غينيا، الواقعة في قلب غرب أفريقيا، عند مفترق طرق اقتصادي وسياسي حاسم وبالغ الحساسية. فالبلد الذي يزخر بواحدة من أغنى الثروات الطبيعية في القارة، يجد نفسه أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في تحويل هذه الموارد الهائلة إلى نمو اقتصادي شامل ومستدام، بالتوازي مع مساعٍ لتحقيق استقرار سياسي بعد عقود من الاضطرابات والانقلابات العسكرية التي ألقت بظلالها الثقيلة على مسار التنمية.

منذ الاستقلال عن فرنسا عام 1958، شهدت غينيا ثلاثة انقلابات عسكرية بارزة أعوام 1984 و2008 و2021، أطاحت برؤساء مدنيين أو عسكريين، ورسّخت صورة بلد يعاني من هشاشة سياسية مزمنة.

هذا الإرث الانقلابي أسهم في إضعاف ثقة المستثمرين، وعرقل في فترات كثيرة الاستفادة الكاملة من الثروات الطبيعية، وبالتالي الإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي تمتلكها غينيا.

وأيضاً رغم هذا السياق السياسي المعقَّد، شهد الاقتصاد الغيني خلال السنوات الأخيرة نمواً ملحوظاً، مدفوعاً أساساً بقطاع التعدين. إذ أعادت الطفرة في صادرات المعادن غينيا إلى واجهة الاهتمام الدولي، لا سيما مع امتلاكها أكثر من 25 في المائة من احتياطيات البوكسيت العالمية، ما يجعل منها واحدة من أكبر مصدّري هذه المادة الخام الأساسية لصناعة الألمنيوم. وبالإضافة إلى البوكسيت، تزخر البلاد باحتياطيات معتبرة من الذهب والألماس ومعادن أخرى، ما يمنحها موقعاً استراتيجياً في خريطة الموارد الطبيعية الأفريقية.

في نهاية عام 2025، خطت الحكومة الغينية خطوة وُصفت بالتاريخية عبر تدشينها استغلال منجم سيماندو العملاق للحديد في جنوب البلاد، وهو أحد أكبر مكامن الحديد غير المستغلة في العالم. ولقد رُوّج للمشروع رسمياً بأنه «حلم أجيال»، نظراً لما يُنتظر أن يوفره من عائدات مالية وفرص عمل، إضافة إلى دوره في تعزيز البنية التحتية عبر إنشاء خطوط سكك حديدية وموانئ مرتبطة به. بيد أن المشروع، على ضخامته، يضع غينيا قبالة تحديات كبيرة تتعلق بالحوكمة والشفافية، بالذات في قطاع التعدين الذي لطالما كان بؤرة نزاعات سياسية وقانونية.

بيانات البنك الدولي تفيد بأن الناتج المحلي الإجمالي لغينيا سجل نمواً ثابتاً في السنوات الأخيرة، مستفيداً من توسع أنشطة التعدين وارتفاع الإنتاج الزراعي. ومع هذا، لا يزال الاقتصاد الغيني يعاني من اختلالات هيكلية، في مقدمتها الاعتماد المُفرط على الموارد الطبيعية وضعف تنويع القطاعات الاقتصادية، إلى جانب محدودية الإيرادات الضريبية، ما يقيّد قدرة الدولة على تمويل الخدمات الاجتماعية الأساسية.

من ناحية أخرى، تظل الزراعة، التي تشغّل أكثر من نصف القوى العاملة، قطاعاً حيوياً، لكنه يعاني من ضعف الإنتاجية واعتماد أساليب تقليدية، الأمر الذي يقلص مساهمته في الصادرات والنمو الاقتصادي. ويرى خبراء أن تحديث هذا القطاع يمكن أن يشكل رافعة حقيقية للتنمية، خصوصاً في المناطق الريفية الأكثر فقراً.

إلى جانب التعدين والزراعة، تمتلك غينيا إمكانات هيدروليكية كبيرة تؤهلها لأن تغدو مصدراً رئيساً للطاقة في غرب أفريقيا. وراهناً تسعى السلطات إلى استثمار هذه الموارد عبر مشاريع لتوسيع إنتاج الكهرباء، وتحديث الموانئ، وتطوير شبكات السكك الحديدية، من بينها خط سيماندو – موريبايا الذي يمتد لأكثر من 650 كيلومتراً، بما يعزّز ربط البلاد بالأسواق العالمية ويسهل حركة التجارة.

ولكن، رغم هذه الآفاق الواعدة، تبقى التحديات الاجتماعية والاقتصادية حاضرة بقوة. فالفقر ما زال واسع الانتشار، وإمكانات الدولة المالية محدودة، في حين يواصل ضعف الشفافية في قطاع التعدين إثارة مخاوف المستثمرين الدوليين. وبالطبع يبقى الاستقرار السياسي عاملاً حاسماً وضرورياً في مستقبل البلاد، في ظل تاريخ طويل من الانقلابات والحكم المدني المتعثر.

وبالتالي، يرجّح مراقبون أن نجاح غينيا في تحويل ثرواتها الطبيعية إلى تنمية حقيقية يتوقف على تنفيذ تغييرات بنيوية عميقة، تشمل تعزيز الإدارة المالية والاستثمار في رأس المال البشري وتنويع الاقتصاد بدلاً من الاعتماد الأحادي على التعدين، وقبل كل ذلك بيئة سياسية دون انقلابات عسكرية أو توترات سياسية.


سنة على عهد الرئيس اللبناني... تثبيت الدولة

سلاح "حزب الله" في قلب اختبار النيات السياسية والتحديات الإقليمية (آ ف ب/غيتي)
سلاح "حزب الله" في قلب اختبار النيات السياسية والتحديات الإقليمية (آ ف ب/غيتي)
TT

سنة على عهد الرئيس اللبناني... تثبيت الدولة

سلاح "حزب الله" في قلب اختبار النيات السياسية والتحديات الإقليمية (آ ف ب/غيتي)
سلاح "حزب الله" في قلب اختبار النيات السياسية والتحديات الإقليمية (آ ف ب/غيتي)

شكّلت السنة الأولى من عمر عهد الرئيس اللبناني جوزيف عون محطة مفصلية وأساسية في مسار استعادة الدولة. وفي بلد مثقل بالأزمات لم تكن السنة الأولى مرحلة إنجازات مكتملة بقدر ما شكّلت محطة تأسيسية لإعادة انتظام العمل العام، وتعزيز موقع الدولة كمرجعية وحيدة في إدارة الشأن الوطني وعلى رأسها قرار الحرب والسلم. وفي هذا الإطار، سُجّل تركيز واضح على دعم الجيش اللبناني بوصفه المؤسسة الضامنة للاستقرار والوحدة الوطنية، إلى جانب اعتماد مقاربة مسؤولة، وإن لم تكن سهلة، لملف حصرية السلاح بيد الدولة، وعلى رأسها نزع سلاح «حزب الله»، ضمن رؤية تدريجية تفتح الباب أمام حوار وطني يراعي التوازنات الداخلية والظروف الإقليمية. وهو ما كان تحدياً بالنسبة إلى العهد والحكومة على حد سواء مع الضغوط الدولية والإقليمية التي رافقت هذا المسار وبعد النتائج المدمرة للحرب الإسرائيلية على لبنان نتيجة حرب الإسناد التي بدأ بها «حزب الله»، وانتهت باتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 يتضمن بشكل أساسي حصرية السلاح وسيطرة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية.

مع بعض الانتقادات التي يوجّهها جزء من الأفرقاء اللبنانيين إلى العهد، عمدت الرئاسة الأولى إلى إصدار تقرير بعد مرور سنة على تولي الرئيس جوزيف عون، حمل عنوان «سنة أولى من ولاية الرئيس العماد جوزيف عون... ماذا تحقق من خطاب القسم؟»، نشر خلاله ما تحقق خلال هذه الفترة من إنجازات لما تعهد به الرئيس يوم انتخابه، مع إقراره بأن «ثمة مسائل أخرى لا تزال عالقة لأسباب مختلفة، وهناك ملفات أخرى لم تفتح بعد في انتظار الظروف المناسبة».

تثبيت منطق الدولة... والمؤسسات

شهدت السنة الأولى من العهد اللبناني الجديد جهوداً ملحوظة لإعادة انتظام العمل الحكومي وتفعيل دور المؤسسات الدستورية، في محاولة للخروج من منطق الشلل الذي طبع المرحلة السابقة. وشددت الرئاسة في «جردتها»، على احترام الدستور و«وثيقة الوفاق الوطني» خلال العام الأول من الرئاسة، وتأكيد الرئيس عون على التزامه الحفاظ على الميثاق الوطني و«وثيقة الوفاق الوطني»، وممارسة صلاحياته الدستورية كاملة بوصفه حَكَماً عادلاً بين المؤسسات.

كذلك شهدت السنة الأولى تعيينات شملت قادة الأجهزة الأمنية وأعضاء المجلس العسكري، وتشكيلات قضائية شاملة، وتعيينات دبلوماسية ومالية، من بينها حاكم مصرف لبنان ونوابه، إضافة إلى تعيينات في مؤسسات عامة وهيئات ناظمة ووظائف الفئة الأولى، إضافة إلى إقرار قانون جديد لتنظيم القضاء العدلي. وفي إطار تعهده بعدم توفير أي حصانة لمجرم أو فاسد، صدرت تشكيلات قضائية للمرة الأولى منذ عام 2016، ما أدى إلى تكثيف عمل المحاكم والنيابات العامة وتسريع البت في الدعاوى العالقة والملفات الطارئة.

حصرية السلاح ودعم الجيش

برز دعم الجيش اللبناني كأولوية ثابتة في خطاب وممارسة العهد، انطلاقاً من دوره الجامع والضامن للاستقرار الداخلي. وفي موازاة ذلك، جرى اعتماد مقاربة واقعية وتدريجية لملف حصرية السلاح بيد الدولة، بدأ بقرار في جلسة الحكومة في 5 أغسطس (آب) الماضي رغم اعتراض «الثنائي الشيعي» (حزب الله وحركة أمل)، واستكمل بخطوات عملية شملت في المرحلة الأولى حصر السلاح ونزعه في جنوب الليطاني، على أن يستكمل العمل في المرحلة المقبلة في شمال الليطاني.

هذا الإنجاز لاقى ترحيباً داخلياً وخارجياً، وبناء عليه حُدّد بعد طول انتظار موعد لمؤتمر لدعم الجيش اللبناني في باريس يوم 5 مارس (آذار) المقبل. وذلك بعدما كان قد بدأ التفاوض المباشر مع إسرائيل، رغم الانقسام الداخلي حوله، عبر تكليف السفير السابق سيمون كرم رئيساً للوفد اللبناني في لجنة الـ«ميكانيزم»، تعزيزاً للتنسيق مع القوات الدولية، وتأكيداً لالتزام لبنان القرارات الدولية واتفاق الهدنة.

ويلفت تقرير الرئاسة أيضاً إلى هذا الملف، مشيراً إلى ارتباطه بملف المخيمات الفلسطينية، حيث جرى التأكيد على رفض التوطين، مع بدء تسليم السلاح في عدد من المخيمات إلى الدولة اللبنانية، بعد اتفاق فلسطيني - لبناني بهذا الشأن مع استمرار تعنّت حركة «حماس» ورفضها تسليم سلاحها.

الإصلاح الاقتصادي وأموال المودعين

وفي مجال الإصلاح المالي والاقتصادي بعد الأزمة التي أطاحت بأموال المُودعين، جاء قانون الفجوة المالية الذي أقرّته الحكومة وأحالته إلى مجلس النواب، حيث ستكون الكلمة الفصل بشأنه في البرلمان، في ظل انقسام حاد حوله، ورفض له من قبل المودعين وجمعية المصارف، واعتبار المسؤولين، ولا سيما رئيس الحكومة، بأنه «أفضل الممكن». وفي هذا الإطار، يلفت تقرير الرئاسة إلى إصدار موازنة عام 2025 بموجب مرسوم، وإحالة مشروع قانون موازنة 2026 إلى مجلس النواب ضمن المهلة الدستورية، إضافة إلى توقيع قوانين متصلة بسرية المصارف وإصلاح القطاع المصرفي.

العلاقات العربية والدولية

وبعد الفراغ في رئاسة الجمهورية الذي تجاوز السنتين، وما رافقه من انقطاع في العلاقات مع لبنان على خلفية قضايا عدّة، ولا سيما منها سيطرة «حزب الله» على قرار الدولة، أعاد الرئيس عون تفعيل علاقات لبنان مع الدول العربية، وشارك في قمم عربية، وزار دولاً أوروبية وعربية، وشارك في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وبعد سقوط نظام بشار الأسد الذي اتسمت العلاقة معه بالـ«عداوة السياسية»، أعيد إحياء هذه العلاقة مع تولي الرئيس أحمد الشرع السلطة، وبدأت مفاوضات بين الطرفين، تولّاها من الجانب اللبناني نائب رئيس الحكومة الدكتور طارق متري، وقد حققت المباحثات حتى الآن تقدماً في قضايا عدة لا سيما في ضبط الحدود، في حين لا يزال ملف إعادة النازحين عالقاً، إضافة إلى الملف الأساس المرتبط بالموقوفين السوريين في لبنان والمفقودين في سوريا.

... وانتقادات للعهد

ولكن رغم انطلاق العهد وحكومة الدكتور نواف سلام في مسارات سياسية وأمنية تأسيسية، لا يزال بعض الأفرقاء يرون أنها ناقصة ويوجهون لهما انتقادات، مقابل إقرار الرئاسة بأن ثمة مسائل أخرى لا تزال عالقة لأسباب مختلفة، وهناك ملفات أخرى لم تفتح بعد في انتظار الظروف المناسبة.

يأتي «التيار الوطني الحر» الذي تولى رئيسه السابق ميشال عون الولاية الرئاسية الأخيرة، ولقد رفض الأخير انتخاب جوزيف عون رئيساً، في مقدمة المنتقدين، وهو الذي لطالما ولا يزال يوجّه له انتقادات على خلفية الإخفاق في إدارة البلاد على امتداد الأربع سنوات. ومن جهة ثانية، تبرز الملاحظات التي يطلقها حزب «القوات اللبنانية» على الرئاسة والعهد، وهو الذي انتخبت كتلته الرئيس عون، ويشارك في الحكومة عبر وزراء محسوبين عليه.

ويرى حزب «القوات»، على لسان النائب جورج عقيص، أنه «يمكن اعتبار العام الذي مضى (سنة سماح) مع محاولة الرئيس خلالها وضع الأسس، لكن المحاسبة الحقيقية ستبدأ مع انطلاق العام الثاني في سدة الرئاسة».

وبينما يرى عقيص أننا «بعيدون عن بناء الدولة»، يقول: «كل ما يحصل راهناً أننا نسمع حديثاً عن بناء الدولة... لكننا لم نر أساسات ولا عمّالاً انطلقوا فعلياً بهذه الورشة».

ويضيف: «لا يمكن أن نقول إن الرئيس عون لم يحاول، لكنه لا شك لم يتمكن من نقل اللبنانيين من مزاج لآخر ويحقق ثقة كاملة بالدولة ومؤسساتها، وإن كان لا يتحمل هذه المسؤولية وحيداً». ومن ثم انتقد النائب «القواتي» العجز عن إنجاز ملف واحد بالكامل، شارحاً: «لا نتيجة لتحقيقات انفجار المرفأ، ولا نقلة نوعية قضائية، ولا نقلة نوعية بالكهرباء أو بقطاع الاتصالات. فقط في وزارة الخارجية يمكن القول إننا انتقلنا من وزارة تدور في فلك معين إلى وزارة تراعي المصلحة اللبنانية».

ووفق عقيص، فإن «الجيش يحاول بقدرات ضئيلة تحقيق سحب السلاح من جنوب الليطاني، لكن تردد السلطة السياسية بإعطاء التعليمات اللازمة للقيام بالمثل في منطقة شمال الليطاني يطرح علامات استفهام». وفي حين يعارض حزب «القوات» مشروع قانون الفجوة المالية، وسبق له أن هاجم الحكومة على خلفيته، يلفت عقيص إلى أهمية إجراء الانتخابات النيابية في شهر مايو (أيار) المقبل، قائلاً: «في حال قبل عون لسبب أو لآخر أن تتأجل الانتخابات النيابية فعندها يمكن القول إنه فشل».

رغم انطلاق العهد وحكومة نواف سلام في مسارات سياسية وأمنية تأسيسية فلا يزال بعض الأفرقاء يرون أنها ناقصة

بين تثبيت الدولة وقصور الإصلاح

من جهة ثانية، يقول الدكتور عماد سلامة، أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية الأميركية في بيروت: «يمكن اعتبار السنة الأولى من العهد مرحلة تثبيت سياسي وأمني، وضعت الأسس الضرورية، ولو غير الكافية بعد، للانتقال في المرحلة المقبلة من إدارة الأزمات إلى معالجتها».

ويتابع سلامة، في لقاء مع «الشرق الأوسط»: «يمكن القول إن أداء الرئيس عون اتّسم أساساً بإعادة تثبيت موقع الدولة بعد سنوات من الشلل والانقسام. فقد نجح في إنهاء الفراغ الرئاسي، ووفّر مظلّة سياسية أعادت انتظام عمل المؤسسات الدستورية، وعزّز حضور الدولة والجيش ولا سيما في الجنوب، وكرّس مبدأ حصر السلاح بيد الدولة كخيار سيادي داخلي. كما أسهم خطابه المتوازن في تحسين صورة الرئاسة خارجياً، وإعادة فتح قنوات التواصل مع شركاء عرب ودوليين، بما ساعد على احتواء مخاطر الانزلاق إلى تصعيد واسع في ظل بيئة إقليمية شديدة الهشاشة».

لكن في المقابل، يتحدث سلامة عن «قصور محدّد في ملف الإصلاح الاقتصادي، حيث لم ينجح العهد بعد في دفع إصلاحات مالية وهيكلية حاسمة، مثل إعادة هيكلة القطاع المصرفي، أو وضع مسار واضح لمعالجة الخسائر وتوزيعها، أو تحقيق اختراق فعلي في التفاوض مع المؤسسات الدولية، ما أبقى الأزمة المعيشية على حدّتها». ثم يضيف: «كذلك، رغم المواقف السياسية الواضحة المندّدة بالاعتداءات الإسرائيلية، بقيت قدرة الرئاسة على ترجمة هذا الموقف إلى ردع فعلي أو حماية دولية ملموسة محدودة، سواء عبر تفعيل آليات الرقابة الدولية، أو فرض التزام فعلي بوقف الانتهاكات».

عام واحد لا يكفي للحكم

هذا، وفي حين تقرّ مصادر وزارية مقربة من رئاسة الجمهورية بأن هناك بعض الملفات العالقة التي تشكّل تحدياً بالنسبة إلى الرئاسة والعهد في المرحلة المقبلة، فهي ترفض الدخول في سجالات أو الرد على الانتقادات؛ إذ إنها تكتفي بالقول لـ«الشرق الأوسط»: «من لا يريد أن يرى كل ما تحقّق خلال سنة فقط تبقى المشكلة عنده، وعند مَن يفترض أن يكون ملماً بكل تفاصيل الأزمات التي كانت متربّصة بالدولة ومؤسساتها، بحيث شهد العام الأول تنفيذ الكثير من الالتزامات»، مجددة التأكيد أنه «لدى الرئيس قناعة راسخة بأن خطاب القسم لم يكن مجرد حبر على ورق، بل هو كتب لينفذ، لكن لا يمكن أن يتحقق كله في سنة واحدة».

تحديات المرحلة المقبلة

من جهة ثانية، وبينما يُنتظر أن تشكّل القدرة على تحويل المسارات، التي أُطلقت خلال السنة الأولى إلى نتائج عملية، المعيار الأساسي لتقييم أداء العهد، تتحدث المصادر الوزارية لـ«الشرق الأوسط» عن تحديات أساسية أمامه في المرحلة المقبلة، وهي أمنية وسياسية.

ويأتي إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وإعادة الإعمار، وعودة النازحين إلى بلداتهم - بحسب المصادر - في أولوية تحديات العهد في المرحلة المقبلة، إضافة إلى استكمال مسار حصرية السلاح ودعم الجيش اللبناني الذي يأخذ حيزاً أساسياً من الاهتمام الدولي في هذه المرحلة، بعد التقدم الذي حقّقه في المرحلة الماضية، معوّلة في ذلك على ما سيصدر من مؤتمر دعم المؤسسة العسكرية في باريس في شهر مارس المقبل.

وتلفت المصادر إلى أنه من بين الأمور التي لم تتحقق من خطاب القسم، وضع استراتيجية للأمن الوطني، موضحة: «هذا الموضوع سيأتي في مرحلة لاحقة بعد الانتهاء من حصرية السلاح».

ومن ثم، في حين تتجّه الأنظار في لبنان إلى ما سيكون عليه التوافق السياسي حول قانون الانتخابات النيابية والانقسامات السياسية حوله، ترى فيه المصادر أنه يشكّل تحدياً فعلياً بالنسبة إلى الرئيس جوزيف عون الذي قال في حديث تلفزيوني قبل أيام: «الانتخابات النيابية ممنوع أن تتأجل وممنوع ألا تُجرى».


قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
TT

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)

في عام 2020، أطلق السياسي الروسي الراحل والمثير للجدل فلاديمير جيرينوفسكي نبوءة لافتة؛ إذ قال إن الولايات المتحدة سوف تسيطر على فنزويلا، وإن الطريق سيكون ممهداً لصفقة مُرضية للطرفين: فنزويلا للأميركيين، وأوكرانيا لروسيا! جيرينوفسكي عُرف على مدى سنوات طويلة بإطلاق توقعات صاخبة، أصابت في أكثر من مناسبة، بينها بالنسبة للشرق الأوسط مثلاً انفجار مواجهة كبرى في الشرق الأوسط بين عامي 2023 و2024، وتعرض إيران لهجوم قوي من جانب واشنطن وتل أبيب. وسقوط مدوٍ لنظام بشار الأسد في سوريا، فضلاً عن بعض التوقعات الدقيقة لتطورات جرت في روسيا وحولها، مثل اندلاع الحرب الكبرى في أوكرانيا في 2023. كان السياسي الراحل (توفي عام 2022) يتكلم حينذاك في برنامج «توك شو» تلفزيوني، وقال إن الرئيس دونالد ترمب سيعود بقوة إلى البيت الأبيض بعد انتخابات 2024... و«علينا أن نساعده»(!)، قبل أن يضيف أن التوافق مع الرئيس الجمهوري في عدد من الملفات الحيوية «ممكن وضروري». وبعد ذلك أطلق عباراته المشهورة: «سوف يستولي (ترمب) على فنزويلا... هذا أمر واضح وأكيد، ونحن سنحكم سيطرتنا على أوكرانيا»، ورأى أن تلك ستكون «صفقة عادلة».

ليس من قبيل المصادفة أن يتذكّر الجميع في روسيا كلمات فلاديمير جيرينوفسكي بعد «العملية الخارقة» الأميركية التي أسفرت عن إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي اليساري نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك بالطريقة التي تابعها العالم. ولا شك أن السياسي الشعبوي الروسي، الذي كان مقرّباً جداً من دوائر اتخاذ القرار في روسيا لسنوات طويلة، لم يكن ليطلق نبوءاته السياسية جزافاً، وهذا على الرغم من أن الكثير منها بدا للوهلة الأولى «ساذجاً» - حسب وصْف معلقين - أو «سخيفة وغير محتملة إطلاقاً»، مثل حديثه عن «انهيار سريع لنظام الأسد»، في وقت كانت فيه موسكو تؤكد انتهاء الحرب السورية، واستقرار الوضع نهائياً في هذا البلد.

لكن، عندما يستعيد الروس حالياً شريط توقعاته بشأن فنزويلا والصفقة المحتملة مع واشنطن، فإن النظرة إليها تختلف بالتأكيد عن نظرتهم لعباراته الصاخبة في أوقات سابقة.

جيرينوفسكي (آ ب)

ارتباك في أوساط النخب السياسية

واقع الأمر أن العملية الأميركية الخاطفة في فنزويلا، أصابت بعض النخب السياسية الروسية بنوع من الارتباك. ولقد برز هذا في تعليقات أظهرت انقساماً واضحاً حيال الحدث الفنزويلي بين طرفين:

إذ يرى الطرف الأول أن العملية الأميركية تشكل «فرصة مهمة» أمام موسكو لإطلاق عمليات مماثلة تجاه أوكرانيا، وللتشدد أكثر تجاه ملف التسوية.

أما الطرف الثاني فمال إلى تغليب الموقف التقليدي المتحفّظ، منطلقاً في حساباته من أن واشنطن، على الرغم من اختطاف الرئيس مادورو، «ليست قريبة أبداً من فرض سيطرة مطلقة في فنزويلا التي يحافظ التشافيزيون (نسبة إلى الرئيس السابق الراحل هوغو تشافيز) على تماسك مواقعهم وسيطرتهم في البلاد، بل يرى أصحاب هذا الرأي، الذي عبّرت عنه وكالة «نوفوستي» الحكومية في مقالة لمعلّقها السياسي، أن الطريق ما زالت طويلة أمام ترمب لإحكام السيطرة على نفط فنزويلا، وأن تهديداته للقادة الحاليين في هذا البلد لن تنعكس خطوات عملية؛ لأن هذا سوف يعني إدخال فنزويلا في حرب أهلية دامية.

لا تأثير يذكر لموقف روسيا والصين

في أي حال، هذا الرأي (الثاني)، وفقاً لمعلّقين، لن تكون له تأثيرات كبرى على آليات تعامل الكرملين مع الحدث الكبير، وخصوصاً أنه مهما كانت طبيعة التطورات اللاحقة، فإن مستوى التأثير الروسي أو الصيني على الأحداث اللاحقة سيكون محدوداً للغاية. وهذا ما يعني الحاجة إلى الإقرار بأن واشنطن انتقلت بالفعل إلى استخدام «القوة الخشنة» لتأمين مصالحها، وبدأت بفرض واقع جديد ينطلق من فكرة إحياء «شرعة مونرو»، وإحباط أي جهد خارجي للتأثير في منطقة نفوذ الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي.

بعبارة أخرى، فإن الرؤية الروسية التي تجري بلورتها حالياً، قد تقوم على تحاشي تصعيد المواجهة مع واشنطن، والانطلاق - بدلاً عن ذلك - من تفحّص الفرص التي يمكن أن يوفرها الحدث الفنزويلي لتحقيق مكاسب لروسيا.

في هذا الإطار، يستبعد خبراء روس أن تذهب موسكو باتجاه تكرار «سيناريو» فنزويلا حرفياً. ذلك أنها ليست بحاجة إلى اختطاف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، لكن الأولوية ستكون باتجاه تصعيد الضغط العسكري على كييف لحملها على تقديم تنازلات مؤلمة. ومن جهة أخرى، تصعيد الضغط السياسي على العواصم الأوروبية، بهدف تقليص الأخيرة مطالبها حول الضمانات الأمنية التي تجري مناقشتها راهناً. ومن ثم، بالتوازي مع هذا المسار، يتوقع خبراء أن تعمل موسكو على تثبيت مبدأ «عدم شرعية زيلينسكي»، وأنه لن يكون مقبولاً في أي مرحلة مقبلة كـ«شريك في السلام».

بين حسابات الصفقات والتعامل مع الدخل

بطبيعة الحال، تعود هنا إلى الأذهان فكرة «الصفقة» المحتملة لاحقاً مع واشنطن، وهذا على الرغم من الضجة التي أثارها ترمب أخيراً حول تشديد العقوبات على موسكو.

في المقابل، ثمة مخاوف أخرى لدى الروس برزت بعد العملية الأميركية في فنزويلا. وهي تقوم على انتهاج القيادة الأميركية سياسة جديدة متشددة في التعامل مع ملفات إقليمية عدة، في جوهرها استخدام القوة العسكرية والتدخل المباشر بدلاً من استخدام أدوات «القوة الناعمة» التي لطالما استُخدمت في أوقات سابقة.

ولا شك أن هذا العنصر سيضيف هاجساً جديداً للسياسة الروسية، التي استشعرت - على الرغم من كل المؤشرات - اقتراب الرئيس ترمب من فهم أوسع لمطالب موسكو في أوكرانيا؛ إذ إن خطوته العملية الأخيرة في فنزويلا، من شأنها التسبب بأضرار فادحة للكرملين على المدى البعيد.

من الأمثلة على ذلك في الفترة القصيرة الفائتة، استبعاد موسكو عملياً من مناقشة الملفات الإقليمءية، كما ظهر في ملف التسوية في غزة، وأيضاً استبعادها من الملف النووي الإيراني. وهذا وذاك فضلاً عن سياسات «عزل» موسكو في آسيا الوسطى التي هي تقليدياً منطقة نفوذ حيوي روسي، وتفاقم المنافسة الأميركية (والصينية) في هذا الإقليم.

جنوب القوقاز... أو الخاصرة الرخوة

غير أن الأخطر من كل هذا، أن موسكو واجهت تطوراً غير مسبوق في منطقة جنوب القوقاز، التي لا تقل في أهميتها وخطورتها بالنسبة إلى الكرملين عن آسيا الوسطى... فهي «الخاصرة الرخوة» لروسيا على مدى قرون.

في هذه المنطقة لم تكتف واشنطن بإبعاد موسكو عن مباحثات التسوية بين أرمينيا وأذربيجان، بل فرضت واقعاً جديداً عبر إبرام اتفاق «ممر زانغزور». وهذا اتفاق يسمح للولايات المتحدة، وللمرة الأولى في التاريخ، أن يكون لها وجود أمني واقتصادي - وربما عسكري لاحقاً - في هذه المنطقة، الأمر الذي يهدد بشكل مباشر المصالح الاستراتيجية لروسيا، ولإيران أيضاً.

كل هذا حدث خلال العام الأول من ولاية دونالد ترمب الثانية فقط. وهذا المنحى مرشح للتصاعد أكثر في سياق العملية الأميركية في فنزويلا، وليس فقط بسبب التوقعات المتشائمة في موسكو بانخفاض حاد على أسعار النفط. فهذه توقعات لم ترتبط فقط بالحدث الفنزويلي بل سبقتها مؤشرات عدة.

مع هذا البعد الاقتصادي، الحيوي جداً للكرملين في هذه الظروف، تبدو الأبعاد السياسية المحتملة لانتقال واشنطن إلى استخدام القوة الخشنة لفرض سياساتها مسألة أكثر إلحاحاً للكرملين.

خلال الفترة القصيرة الفائتة جرى استبعاد موسكو عملياً

من مناقشة الملفات الإقليمية كملفي التسوية في غزة

و«النووي» الإيراني

الفهم الروسي لإزاحة مادورو

ينطلق الفهم الروسي من أن الولايات المتحدة لم تكتف في فنزويلا بالإطاحة برئيسٍ عجزت عن السيطرة عليه؛ إذ عبر خطف نيكولاس مادورو، كشفت واشنطن عن «تقنية» جديدة تستثمرها للتأثير الدولي. وبعد هذا الاستعراض الباهر الذي تعمّد ترمب وفريقه إبراز كل تفاصيله، يتوقع على نطاق واسع «استنساخ» هذه «التقنية»، بل تصديرها.

ما يستحق الإشارة إليه في هذا السياق، ما كتبه محلل سياسي روسي عن أنه في السنوات الأخيرة، برزت شكوك قوية حول قدرة الولايات المتحدة على التأثير في حياة وسياسات الدول الأخرى.

فلقد كانت التقنية الرئيسة للتأثير الأميركي في الخارج بأواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين هي ما يُسمى بـ«الثورات الملوّنة»، أي تغيير الأنظمة الناتج عن اضطرابات جماهيرية تُدبّرها شبكات من وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية وقادة الرأي الموالين للغرب.

أما اليوم، فبات من الواضح أن هذه التقنية قد توقّفت عن العمل. وكان هذا جلياً من خلال فشل الثورات الملوّنة في جورجيا وبيلاروسيا (روسيا البيضاء) وصربيا والمكسيك، وفنزويلا أيضاً.

هنا يرى فريق من الخبراء الروس أن هذا فقط واحد من الأسباب - وليس لأن الحزب الديمقراطي الأميركي كان يتولى السلطة في واشنطن - التي دفعت دونالد ترمب إلى حلّ الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) العام الماضي. ومعلومٌ أن تلك الوكالة كانت أكبر جهة مانحة وراعية لجميع هؤلاء «القادة الشعبيين للاحتجاج» حول العالم، لكنها فقدت كل فاعليتها.

انطلاقاً من هذه الحقيقة، بات واضحاً أن البيت الأبيض لن يتقبّل بعد اليوم بسهولة فقدان النفوذ الأميركي في الخارج، بل سيسعى إلى أدوات جديدة أكثر فاعلية.

الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران... نموذجاً

وبهذا الفهم، تحديداً، يفسّر الخبراء الروس الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران، العام الماضي، بوصفه «تجربة أولية» للمبدأ الجديد للسياسة الأميركية القائم على استخدام القوة المباشرة.

هذا المبدأ يقوم على تغيير الأنظمة التي تناكف واشنطن من خلال تدخل عسكري خارجي مباشر، مدعوم بخيانة داخلية. وهنا يجوز القول إنه ما كان من الممكن، مثلاً، القضاء على القيادة العسكرية الإيرانية لولا عملاء «الموساد» الإسرائيلي، الذين قدموا «التوجيهات» داخل العاصمة الإيرانية طهران. وحالياً، لا تنكر واشنطن البتة عامل التواطؤ مع بعض عناصر الدائرة المقرّبة من مادورو.

باختصار، عند هذه النقطة، تعود الولايات المتحدة إلى ممارسة قديمة، وإن كانت مُحسّنة قليلاً، ألا وهي «الانقلابات العسكرية». ولإعادة إحياء «القوة الناعمة» الأميركية، طُوّرت معادلة «الغزو بالإضافة إلى التآمر داخل النخبة».

ومن ثم، يرى بعض الخبراء أن التجربة الأميركية قد لا تقتصر على بلدان في فناء أميركا الخلفي بل قد تمتد إلى مناطق عدة، بينها حتى أوروبا، التي لا تبدي بعض دولها ارتياحاً كبيراً للتحركات الأميركية.

أما من الناحية الاستراتيجية، فقد يصبح «الفضاء ما بعد السوفياتي» بأكمله هدفاً لهذه الممارسة الأميركية القديمة – الجديدة؛ كونه منطقة حساسة لاثنين من منافسي أميركا العالميين: روسيا والصين. وبالتالي، فإن كازاخستان وتركمانستان وبيلاروسيا (روسيا البيضاء)، جميعها دول مُعرّضة للهجوم.

لوكاشينكو (آ ب)

حالة بيلاروسيا

في بيلاروسيا، على سبيل المثال، وعلى مدار السنوات الثلاثين التي تولت السلطة فيها حكومة متحالفة مع روسيا، جرت ست أو سبع محاولات لـ«ثورات ملوّنة» هزّت العاصمة مينسك، غير أنها باءت جميعها بالفشل. مع هذا لا يزال الغرب يرفض الاعتراف بأن دولة رئيسة (بيلوروسيا) في أوروبا الشرقية لا تزال متحالفة عسكرياً وسياسياً مع موسكو.

من هذا المنطلق، يحذر خبراء في موسكو من أن الغرب قد يحاول التخلّص من الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو باستخدام «سيناريو مادورو». ولعل «صياغة» اتهامات ضد لوكاشينكو تُصنّفه كـ«مجرم» لن تشكّل مشكلةً للأميركيين. علاوة على ذلك، هناك بولندا، «جارة» بيلاروسيا، التي تتهم لوكاشينكو «بتصدير الفوضى والسلاح والمهاجرين غير الشرعيين» إليها. وبالمناسبة، يرى البعض في روسيا أن «وظيفة» بولندا بالنسبة إلى سياسات ترمب في أوروبا تكاد تكون مُطابقة لوظيفة إسرائيل في الشرق الأوسط.بالتأكيد، لا يعني وجود هذا التهديد حتمية تطبيقه، لكن حقيقة أن تعليقات ومقالات كثيرة في روسيا باتت ترسل إشارات وتنبيهات من هذا النوع، تعكس درجة من القلق المتزايد بسبب سياسات ترمب.