غزة: «الحرب الكاشفة» طرحت أسئلة عن دورَي روسيا والصين وطموحات النظام العالمي الجديد

تباين في الأولويات يضعف تأثير «شنغهاي» و«بريكس»

من حرب غزة .. ودمارها (آ ف ب / غيتي)
من حرب غزة .. ودمارها (آ ف ب / غيتي)
TT

غزة: «الحرب الكاشفة» طرحت أسئلة عن دورَي روسيا والصين وطموحات النظام العالمي الجديد

من حرب غزة .. ودمارها (آ ف ب / غيتي)
من حرب غزة .. ودمارها (آ ف ب / غيتي)

يطلق محللون فلسطينيون وعرب على الحرب الدائرة في قطاع غزة منذ أكثر من شهرين، تسمية «الحرب الكاشفة». وهؤلاء يرون أن الحرب غير المسبوقة في ضراوتها وتأثيراتها المحتملة على الصعيدين الإقليمي والدولي، أظهرت كثيراً من مكامن الضعف لدى منظمات وتجمعات إقليمية، فشلت في تبني سياسات تضغط باتجاه وقف الحرب. بين التساؤلات الكثيرة التي طرحتها التطورات المحيطة بغزة، ما يتعلق بمواقف روسيا والصين، وهما البلدان اللذان أعلنا بشكل واضح ومباشر عن معارضة سياسة العقوبات الجماعية، وطالبا بوقف الحرب. إلا أن هذه المواقف لم تترجم بتحركات سياسية نشطة تعكس ثقل وحجم تأثير البلدين العملاقين. وبالتالي، فإن السؤال الأكثر تردداً لدى خبراء في روسيا والصين، دار عن سبب إخفاق البلدين اللذين طالما تكلما عن دفع التحرك نحو ترسيخ ملامح نظام عالمي جديد، وغدا هذا المسار جزءاً أساسياً من عقيدتيهما في مجال السياسة الخارجية في السنوات الأخيرة. وبالفعل، كتب معلق روسي أخيراً: «هل يوجد ظروف دولية أفضل من هذه التي يشهدها العالم حالياً لتكريس فكرة الانتقال إلى نظام دولي جديد عبر تحركات جدية تضع بدائل للهيمنة على القرار الدولي من جانب الغرب»؟ خبراء في موسكو يتوقعون، في أي حال، أن يتضمن الوضع الإقليمي الذي أسست له حرب غزة - مهما كانت نتيجتها الميدانية - من بين أمور عدة، عودة أنشط للولايات المتحدة إلى المنطقة، لا استمراراً لانحسار دور واشنطن وتأثيرها كما اعتقد البعض. وهذا، من دون أن يعني ذلك، تقليص الحضور الروسي أو الصيني المتزايد أيضاً في المنطقة.

من اجتماع مجموعة "بريكس" الأخير (آ ف ب)

منذ الأسبوع الأول للحرب في قطاع غزة بدا أن موسكو استعدت لحصد فوائد عدة من اشتعال الجبهة، أبرزها اتجاه الأنظار نحو الشرق الأوسط، وغياب الحرب الأوكرانية عن العناوين الرئيسية للأخبار العالمية.

تزامن هذا مع اتساع السجالات داخل المجتمعات الغربية حول جدوى مواصلة تسليح أوكرانيا، ولقد لعب تعثر الهجوم الأوكراني المضاد دوراً في زيادة سخونة التساؤلات. ولكن كان الأهم بالنسبة إلى موسكو أن حرب غزة وفرت فرصة مهمة لتأكيد «انحياز روسيا إلى الجزء الجنوبي من العالم الذي يعارض سياسات واشنطن والغرب». وهذا الأمر برز كثيراً في تصريحات المسؤولين الروس.

اللافت أن الموقف الروسي بُني في البداية على قناعة بأن هذه ستكون حرباً خاطفة مثل سابقاتها. وهذا، في الواقع، ما بدا من تصريحات وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، عندما قال إن روسيا «تأمل أن يأخذ الجميع على محمل الجد الالتزام بإنشاء دولة فلسطين، بعد انتهاء المرحلة الساخنة من الصراع الحالي في الشرق الأوسط». وشدد على «ضرورة التزام طرفي النزاع الفلسطيني الإسرائيلي باحترام القانون الإنساني، وتجنب الاستخدام العشوائي للقوة، وأن يتحلى الجميع بالمسؤولية الجدية لتنفيذ قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بشأن إنشاء دولة فلسطينية على أساس المبادئ التي وافقت عليها الأمم المتحدة».

لقد بدا أن موسكو تعاملت في الأسابيع الأولى للحرب، مع الملف ليس بصفته حدثاً كبيراً يمكن أن يغيّر المنطقة والعالم، بل باعتباره «ورقة من أوراق المواجهة مع الغرب»، أي أن موسكو لم تكن مقتنعة بأن التحرك الإسرائيلي المستند إلى دعم غربي واضح وكامل يقوم على وضع مقدّمات لـ«حل نهائي» للمسألة الفلسطينية، بل باعتبار المواجهة الحالية «واحدة من حلقات الصراع المتكررة». وبهذا المعنى، عكس الموقف الرسمي بشدة انعكاسات المواجهة المتفاقمة مع الغرب.

روسيا: عرض وساطة

في وقت لاحق، أكّد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده مستعدة لتقديم جهود «وساطة» بين الطرفين، من دون أن يوضح المدخل الذي ستنطلق منه إذا وافق الطرفان على تلك الجهود. وهذا أمر له دلالاته؛ لأن روسيا كانت تقليدياً تعلن استعدادها لاستقبال مفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ثم تتكلم لاحقاً عن أن هذا يتطلب «موافقة الطرفين»، الأمر الذي لا يمكن تحقيقه عملياً.

أيضاً، قال الرئيس الروسي: «يتعيّن علينا البحث عن حل سلمي لتفاقم الصراع الفلسطيني الإسرائيلي؛ نظراً لأنه في الوضع الراهن لم تعد هناك بدائل أخرى». وهذه العبارة كانت لافتة أيضاً، ففي حين يراقب العالم حرباً شاملة واستعداداً لعملية تهجير شاملة جديدة للفلسطينيين من غزة، ركّزت تصريحات الكرملين على تكرار خطاب سياسي صحيح من وجهة النظر القانونية، لكنه منفصل عن الواقع المتسارع في تدهوره وعن ألسنة اللهب المتصاعدة حول غزة.

كانت «الشرق الأوسط» سألت دبلوماسياً سابقاً عن تفسيره لهذه المواقف، فقال إن «اللحظة العالمية» كانت مواتية لموسكو وبكين لترسيخ فكرة هدم آليات هيمنة الغرب على اتخاذ القرار العالمي، لكن الطرفين فضّلا تكرار خطاب سابق على إطلاق أفكار جديدة أو إعلان تحرك ملموس لوقف التحركات العسكرية الإسرائيلية، ولمواجهة عمليات «حشد القوات الغربية في البحر المتوسط والمنطقة». ورأى أن هذا الحشد رغم أن مهمته الرئيسية «تخويف أطراف إقليمية»، كان اللافت أن روسيا لم تقم بأي خطوة عملية لإعلان اعتراضها على ذلك.

وصحيح أن المواقف الروسية تطورت لاحقاً إلى اشتباك قوي في مجلس الأمن، ومطالبات واضحة بوقف القتال، غير أنها لم تتحول إلى البحث عن آليات ضاغطة في هذا الشأن. ويرجع خبراء روس ذلك إلى أنه رغم الفتور الذي اعترى العلاقات الروسية - الإسرائيلية على خلفية مواقف تل أبيب من الحرب الأوكرانية، فلا تزال روسيا ترى أن قطع الطريق أمام علاقاتها مع إسرائيل ستكون له تأثيرات سلبية نحو تقويض الرهان على لعب دوائر الضغط الإسرائيلية في الغرب دوراً ما في تقليص العقوبات المفروضة على روسيا، وإعادة فتح بعض قنوات الاتصال.

المندوب الصيني لدى الأمم المتحدة جانغ جون يتكلم في مجلس في مجلس الأمن ((آ ف ب)

الموقف الصيني

الموقف الصيني جاء مماثلاً لمواقف موسكو في رفض الحرب الشاملة والتحذير من اتساع نطاقها جغرافياً. وأيضاً طرحت بكين بدورها فكرة بذل جهود للوساطة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، لكن كانت هناك حدود لما يمكن أن تنجزه الصين في هذا الملفّ.

في الشهر الأول للحرب، تحرّكت بكين دبلوماسياً، وزار وزير الخارجية الصيني وانغ يي واشنطن، وناقش مع مسؤولين أميركيين أبعاد الصراع بين إسرائيل و«حماس». وأيضاً، تكلم الوزير الصيني إلى نظيرَيه في إسرائيل والأراضي الفلسطينية، بعدما وصل مبعوث الصين الخاص للشرق الأوسط تشاي جيون إلى المنطقة للقاء قادة عرب. وكانت الصين من أقوى الداعمين في اجتماعات الأمم المتحدة الأخيرة لوقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حماس».

ومثلما هو الحال بالنسبة إلى روسيا، فإن رهاناً قد ظهر لدى الغرب على أن الصين ربما تكون قادرة على الضغط على إيران، على خلفية العلاقات الجيدة بين الطرفين، ووفقاً لصحيفة «فايننشال تايمز»، ضغط مسؤولون أميركيون على الوزير الصيني من أجل «حثّ الإيرانيين على التهدئة».

الفارق بين روسيا والصين أن الأخيرة لديها مصالح متشابكة جداً وكبيرة مع كل الأطراف الإقليمية المتناقضة أحياناً في مصالحها؛ إذ تعدّ الصين أكبر شريك تجاريّ لإيران. وفي وقت سابق من العام الجاري نجحت بكين في التوصل إلى اختراق سياسي كبير بين طهران والرياض.

أيضاً لدى الصين علاقات شراكة مهمة مع كل البلدان العربية تقريباً، ومع إسرائيل أيضاً. وهي ترتبط بعلاقات متوازنة نسبياً مع كل أطراف الصراع الراهن، ومن ثمّ كان يمكن النظر إلى بكين باعتبارها وسيطاً مقبولاً.

هنا، يقول خبراء إن بكين ربما لم ترغب في استثمار هذه العلاقات حتى الآن، وبذل جهد جدي يعكس مكانتها وحجمها الاقتصادي الهائل. غير أن هناك مراقبين آخرين يرون أن الصين لا تزال لاعباً ثانوياً على ساحة سياسات الشرق الأوسط. ومن هؤلاء جوناثان فولتون، الباحث المتخصص في علاقات الصين والشرق الأوسط.

يقول فولتون: «الصين ليست فاعلاً جديّاً في هذه القضية. وبالتحدث إلى الناس في أنحاء المنطقة، لا أحد يتوقع أن تُسهم الصين بالحل». رغم ذلك، يرى الخبير أن لدى بكين فرصاً أكبر للعب دور وساطة يمكّنها من المحافظة على المصالح الاقتصادية للصين في الشرق الأوسط، والتي ستتأثر حال اتساع دائرة الصراع. وللعلم، بلغ حجم التبادل التجاري لبكين مع إسرائيل 22 مليار دولار العام الماضي، وهذا فقط جزء صغير من مصالح الصين بالنظر إلى حجم الاستثمارات المباشرة في مشاريع البنى التحتية التي تحظى بأهمية كبرى.

أيضاً، تتعامل بكين مع الملف انطلاقاً من أولوياتها السياسية، وبالأخص، خططها الاستراتيجية في إطار مبادرة «الحزام والطريق». وتتزايد أهمية بلدان الشرق الأوسط بوصفها أطرافاً مؤثرة في هذه المبادرة التي تشكّل حجر الزاوية في سياسة الصين الخارجية والاقتصادية. رغم ذلك كله، فضّلت الصين الاكتفاء بإطلاق دعوات للتهدئة، وفي أحسن الحالات فهي تحدثت عن احتمال الدعوة إلى مؤتمر دولي لتسوية الوضع في الشرق الأوسط، في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب.

المثير أن الدعوة الصينية لم تلق تجاوباً من الحليف الأقرب... روسيا؛ إذ لم تعلق موسكو نهائياً على الفكرة، التي كانت دائماً تتردد في السابق على ألسنة المسؤولين الروس. والأكثر من ذلك، أن موسكو وجهت لاحقاً نداءً إلى الأمين العام للأمم المتحدة من أجل تبني فكرة المؤتمر الدولي، ولم تشر في هذا الإطار إلى دور الصين إلا من خلال التأكيد على ضرورة «حضور كل الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن» المؤتمر المنشود.

تكتلات إقليمية عملاقة غابت عن الحدث

دلّ هذا على غياب التنسيق بين موسكو وبكين في حدث إقليمي له تداعيات عالمية، واكتفاء الطرفين بإعلان مواقف متشابهة، لكنها لم ترق إلى مجالات تحرك مشترك.

كذلك لم تر موسكو وبكين حاجة إلى الدعوة إلى قمة طارئة لـ«منظمة شنغهاي للتعاون»، التي يرى الطرفان أنها تشكل الحجر الأساس في التحركات المشتركة لمواجهة التحديات المشتركة في العالم. وبينما يفاخر خبراء روس كثيراً بأن هذه المنظمة تضم «نصف البشرية» مع قدرات إنسانية واقتصادية هائلة، لكن في المقابل لا يخفى أن كل اجتماعات المنظمة عكست تبايناً في أولويات البلدان المنضوية فيها، وهو ما عكسته - مثلاً - السجالات الصينية - الهندية المتكررة.

في المقابل، عقدت مجموعة «بريكس» اجتماعاً، الشهر الماضي، خصص لمناقشة الحرب على غزة خلص إلى إصدار بيان دعا إلى «هدنة إنسانية فورية» تفضي إلى وقف إطلاق النار وحماية المدنيين، وتوفير المساعدات الإنسانية في قطاع غزة. وخلال القمة الافتراضية الطارئة التي استضافتها مدينة جوهانسبرغ، بجنوب أفريقيا، للدول الخمس الأعضاء في «بريكس» (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا)، دعا القادة «أطراف النزاع إلى التهدئة ووقف إطلاق النار وإطلاق سراح الأسرى والمحتجزين».

لكن حتى في «بريكس»، وهي تكتل بالغ الأهمية لديه آفاق واسعة للتطور مع انضمام بلدان عديدة بينها عدد من البلدان العربية، برز أيضاً خلال النقاشات تباين واسع وهوة كبيرة في مواقف الأطراف بين بلدان المجموعة اكتفت بعبارات الدعوة إلى تهدئة، وبعضها رفعت سقف المطالب بشكل قوي لدرجة الدعوة إلى عرض الملف على محكمة الجنايات الدولية، كما ظهر في مواقف جنوب أفريقيا. وهذه الدعوة لم تظهر في البيان الختامي المشترك، مثل مواقف عديدة أخرى ظلت تعبر فقط عن أصحابها. أيضاً، رغم كل ما سبق، أكد القادة بشكل جماعي أن دول المجموعة قادرة على «أداء دور أساسي» على هذا الصعيد، ودعا بعضهم إلى «عقد مؤتمر دولي للسلام» يتيح «العمل على إيجاد حل شامل وعادل ودائم للقضية الفلسطينية».

واللافت، أخيراً، أن موسكو وبكين طرحتا مواقف متشابهة حول الحاجة لحل مستدام وطويل الأمد للصراع في غزة، وضرورة حماية المدنيين في فلسطين، وتوفير ممرات إنسانية. من دون وضع أساس مشترك للتحرك على هذا الصعيد.

خبراء روس يتوقعون عواقب إقليمية واسعة للحرب

*على خلفية المواقف المتباينة حيال حرب غزة، وفشل الجهود الدولية والإقليمية لوقف التصعيد وتقليص التداعيات المتوقعة، بدأ خبراء روس بوضع تصورات للوضع في منطقة الشرق الأوسط في اليوم التالي للحرب.

إذ رأى عدد من الباحثين في مراكز روسية بينها «نادي فالداي» للحوار الاستراتيجي أن المنطقة مقبلة على عواقب خطرة. وكتب أندريه كورتونوف أحد أبرز الخبراء في «فالداي» أن الجولة الحالية من المواجهة الإسرائيلية - الفلسطينية «ستخلّف عواقب واسعة النطاق وطويلة الأمد، ليس فقط على طرفي الصراع، بل أيضاً على منطقة الشرق الأوسط كلها». ورأى الخبير أن «بعض اتجاهات التنمية الإقليمية التي بدأت في وقت سابق تتلقى زخماً قوياً إضافياً، في حين أن البعض الآخر، على العكس من ذلك، سوف يضعف بشكل كبير».

وفقاً للباحث القريب من الكرملين؛ في المقام الأول من الأهمية يمكن ملاحظة أن الأزمة ستعمل على «ترسيخ الانقسامات القائمة في العالم العربي»، بما في ذلك على صعيد السجالات التي كانت قائمة سابقاً حول جدوى سياسات التطبيع. وهو مع إقراره بأن البلدان التي كانت قد أرست اتفاقات للتطبيع مع إسرائيل ستواصل العمل على هذا الاتجاه، فإنه رأى أنه بالنسبة لبقية الدول العربية «سيكون التحرك في هذا الاتجاه مستقبلاً صعباً للغاية، خاصة مع استمرار الصراع وتزايد عدد الضحايا المدنيين في غزة». وأيضاً، رجّح أن تزيد الفجوة بين النخب في العديد من الدول العربية المهتمة بتوسيع التعاون مع إسرائيل، و«الشارع العربي» الذي يطالب حكوماته بدعم أكثر حسماً للفلسطينيين. وقال من ثم: «هناك من الأسباب ما يجعلنا نفترض أن الصراع بين إسرائيل وفلسطين سيشكل عاملاً إضافياً من عوامل انعدام الاستقرار الداخلي في مختلف أنحاء العالم العربي».

أيضاً وفقاً لتقرير قدمه كورتونوف أمام «مجلس السياسات الخارجية»، أظهرت الأزمة أيضاً أن اللاعبين السياسيين العسكريين من غير البلدان العربية ما زالوا «أقوياء ونشطين للغاية» في المنطقة. وتوقّع أن تواصل إيران سياساتها الإقليمية، والسعي إلى مواصلة تشكيل تهديد لأمن إسرائيل. وزاد أنه «حتى لو تمكنت قوات الجيش الإسرائيلي من هزيمة (حماس) بشكل كامل... لا شك في أن مجموعات أصولية أخرى لا تقل تطرفاً ستأخذ مكانها». وتابع: «إذا كان الضعف المستمر لدى بعض الأطراف العربية قد أعطى إسرائيل في وقت ما مزايا معينة في مواجهة خصوم فإنه يتحول الآن إلى إحدى مشاكلها الرئيسية»، موضحاً أنه «قد لا تجد القيادة الإسرائيلية في المنطقة، ببساطة، شركاء حوار مسؤولين».

العنصر الثاني الذي يحذر منه الخبير بعد انتهاء المرحلة النشطة من الصراع الحالي، هو عامل اللاجئين والنازحين الذي «سيبقى عنصراً داخلياً مهماً في الحياة السياسية في المنطقة». وهذا، مع التذكير بأن هذه المشكلة لا تتعلق باللاجئين الفلسطينيين وحدهم مع وجود مجموعات من اللاجئين السوريين والعراقيين واليمنيين والأفغان وغيرهم من اللاجئين. هنا ثمة توقع بأنه «لن تستمر كل هذه المجموعات في الضغط على البنية التحتية الاجتماعية في البلدان المضيفة فحسب، بل ستساهم أيضاً في تعزيز نزعات التطرف السياسي في المجتمعات المضيفة». وأيضاً وفقاً للتوقعات المتشائمة، ستؤدي الأزمة الحالية في ظل الظروف الحالية، إلى إعلاء النخب السياسية في الدول العربية ملفات إعطاء القضايا الأمنية أولوية غير مشروطة على جميع القضايا الأخرى المدرجة على الأجندات الوطنية. مع إشارة إلى أنه «من الممكن ليس فقط زيادة ميزانيات الدفاع في العديد من دول الشرق الأوسط، بل أيضاً تعزيز المواقف السياسية للقوات العسكرية وغيرها من قوات الأمن».

وخلص كورتونوف إلى أن «الأزمة الحالية أظهرت بوضوح فشل استراتيجية واشنطن الطويلة المدى، التي كانت تهدف إلى دفع المشكلة الفلسطينية إلى خلفية السياسة الإقليمية، والاستعاضة عنها بمهمة خلق جبهة موحدة بين إسرائيل ودول الخليج العربي الرائدة في المواجهة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية». لكن في المقابل، كان ملاحظاً أن أوساط البحث الروسية لم تضع تصورات للسياسة الروسية تجاه المنطقة بعد الحدث المتفاقم حالياً.


مقالات ذات صلة

شاهد... بن غفير يشارك في عملية هدم مبنى سكني يضم 70 فلسطينياً بالقدس

المشرق العربي وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير في المحكمة العليا الإسرائيلية (أرشيفية - أ.ف.ب)

شاهد... بن غفير يشارك في عملية هدم مبنى سكني يضم 70 فلسطينياً بالقدس

شارك وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير اليوم في اقتحام بلدة الطور شرق القدس المحتلة، بالتزامن مع هدم قوات الاحتلال بناية سكنية يسكنها نحو 70 مواطناً.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي جثمان فلسطيني داخل كيس أزرق عقب مقتله برصاص الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية (أ.ف.ب)

مقتل فلسطيني وإصابة اثنين برصاص الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية

قتلت القوات الإسرائيلية فلسطينياً وأصابت آخرَين، الاثنين، بإطلاق النار على سيارة كانوا يستقلونها بجنوب الضفة الغربية المحتلة، وفق ما أفادت هيئة فلسطينية حكومية

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي جنود إسرائيليون يقومون بدورية في أحد الشوارع عقب هجوم شنه مستوطنون إسرائيليون في قرية عورتا (أوسارين) جنوب نابلس بالضفة الغربية أمس (إ.ب.أ)

إسرائيل تقرر إغلاق الضفة ومعابر غزة في ذكرى «هجوم 7 أكتوبر»

قررت السلطات الإسرائيلية اليوم (الأحد)، فرض إغلاق على الضفة الغربية وإغلاق المعابر المؤدية إلى قطاع غزة يومي الاثنين والأربعاء المقبلين.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي فلسطينيون يشاركون في مراسم تأبين بمدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

«الصحة العالمية» تندد بتأخر دخول المساعدات إلى غزة

كشفت منظمة الصحة العالمية الجمعة عن أن إدخال المساعدات الإنسانية إلى غزة عبر إسرائيل يشهد «تأخيراً تلو الآخر»، منددة بـ«نقص مزمن» في الإمدادات الطبية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص  شقة سكنية مدمرة تظهر عقب غارة جوية إسرائيلية غرب مدينة غزة (إ.ب.أ)

خاص إسرائيل تتحدث عن محاولة اغتيال علي العامودي بغزة... و«حماس» تشكك

أفادت وسائل إعلام إسرائيلية، نقلاً عن مصادر أمنية، بوقوع غارة جوية الليلة الماضية في مدينة غزة، استهدفت القادي البارز في حركة «حماس»، علي العامودي.

«الشرق الأوسط» (غزة)

هل تنجح إثيوبيا في فك عقدة «المنفذ البحري»؟

جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)
جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)
TT

هل تنجح إثيوبيا في فك عقدة «المنفذ البحري»؟

جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)
جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)

تصاعدت تحركات إثيوبيا، على مدار العقد الماضي، للحصول على منفذ بحري يجنّبها أزمة استقلال إريتريا عنها عام 1993، وجعلها «دولة حبيسة» تعتمد على موانئ جارتها الشرقية جيبوتي. إلا أن تمسّكها بفك عزلتها الجغرافية يصطدم برفض «الجارتين» الصومال شرقاً وإريتريا شمالاً، في ظل توتر مع السودان في شمالها الغربي، ناهيك من أزمات داخلية مسلحة تصاعدت منذ نحو أسبوع. القاهرة تتعاطف مع «جارات» إثيوبيا وسط الخلافات العميقة بشأن مياه النيل، مقابل دعم إسرائيلي لافت. ووسط ذلك المشهد لا يعتقد خبراء بالشأن الأفريقي، حاورتهم «الشرق الأوسط»، أن نجاح أديس أبابا في فك «عقدة» المنفذ البحري ستكون سهلة، في ظل تعقيداتها القانونية الدولية والرفض المصري المتكرّر، والتوترات المستمرة مع دول الجوار والأزمات الداخلية. ومقابل ذلك يُثني برلماني إثيوبي، التقته «الشرق الأوسط»، على تصريحات رئيس وزراء بلاده آبي أحمد بأن الوصول إلى المنفذ البحري «حق وجودي». ويشدّد على أنه «حق» قائم على المنفعة المتبادلة وصون أمن القرن الأفريقي، ويتوقع وصول أديس أبابا له على الرغم من كل تلك التوترات، وذلك عقب تفاهمات ومشاورات رسمية.

تستعرض «الشرق الأوسط»، فيما يلي، «خريطة» المواقف الإثيوبية بشأن الوصول إلى منفذ بحري، والتي يعوّل بعضها على تفاهمات، وكذلك المواقف المؤيدة لها، مقابل الرافضة لها التي تستند إلى أن أي قبول لهذا الأمر غير القانوني سيحدث إرباكاً لمصر، لا سيما، أن ثمة دولاً أخرى «حبيسة» ستطالب بدورها بمنافذ بحرية مشابهة.

الموقف الإثيوبي

مع وصول آبي أحمد إلى السلطة في إثيوبيا في أبريل (نيسان) 2018، طرح ما أسماه «دبلوماسية الموانئ» لاستعادة المنفذ البحري مجدداً بعد فقد بلاده ميناءي عصب ومصوَّع في عام 1993 إثر استقلال إريتريا آنذاك.

وحقاً، عقدت حكومة آبي أحمد عدة اتفاقات أبرزها مع السودان في مايو (أيار) 2018 للنفاذ إلى ميناء بورتسودان. وفي الشهر التالي، وقعت اتفاقاً مع الصومال للاستثمار في عدة موانئ بحرية، ولكن تلك المسارات لم تر النور بسبب اختلافات أو تعقيدات حالت دون الاستمرار فيها.

بعدها، في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، صعّد آبي أحمد لهجته، مشدداً في خطاب له على أن وصول بلاده لمنفذ في البحر الأحمر «ضرورة وجودية».

ومن ثم، لم يتوقف الكلام من جانب آبي أحمد، ولا من جانب وسائل الإعلام الإثيوبية، عند هذه الضرورة. بل أخذ الوضع أبعاداً مختلفة في يوليو (تموز) 2026، عندما قال رئيس أركان الجيش الإثيوبي، برهانو جولا، في حفل تخريج دفعة من كلية الدفاع الوطني، إن «سعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري يتطلّب الحفاظ على جاهزية عالية... خاصة أن الوضع الأمني في البحر الأحمر والقرن الأفريقي يتدهور!». وحذر برهانو جولا من أن «جهات خارجية وجماعات مسلحة محلية تعمل بتنسيق تام لتقويض أمن إثيوبيا ومنعها من القيام بدورها في تحقيق الاستقرار في المنطقة».

البرلماني الإثيوبي، محمد نور أحمد، قال في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إن حصول بلاده على منفذ بحري يُعد ضرورة استراتيجية واقتصادية ملحّة بالنظر إلى حجمها وجغرافيتها وكثافتها السكانية العالية. وشدّد على أن أديس أبابا «تلتزم بالمسار السلمي والحوار البنّاء مع دول الجوار، وتستبعد تماماً خيار المواجهة». ثم أردف: «بلادي تؤكد أن الوصول إلى منفذ بحري لن يكون على حساب طرف آخر، بل يستند إلى مبدأ الأخذ والعطاء والتعاون وفق أحكام القانون الدولي، بما يحقق منافع اقتصادية وتنموية مشتركة للدول المضيفة وإثيوبيا على حد سواء».

ولفت محمد نور أحمد إلى «إمكانية أن توفر إثيوبيا لتلك الشراكة عدة مزايا يمكن لدول الجوار الاستفادة منها، في مقدمتها الطاقة الكهربائية المولّدة من سد النهضة، إلى جانب الثروات الطبيعية والفرص الاقتصادية المتعددة منها». واعتبر أن «وجود منفذ بحري لإثيوبيا سيعزّز جهود الأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ويُسهم في التصدّي للتحديات المشتركة وفي مقدمتها أعمال القرصنة والتهديدات الأمنية البحرية». وأعرب عن اعتقاده أن التوترات الداخلية في شمالي إثيوبيا ستكون مؤقتة، وستنتهي لأنها بلا حاضنة شعبية، ولن تؤثر على خطط البلاد للوصول لمنفذ بحري.

الرئيس الإثيوبي آبي أحمد (أ.ف.ب)

تصدّت مقديشو بقوة لمذكرة تفاهم وقعتها أديس أبابا مع إقليم «أرض الصومال» الانفصالي عام 2024

الموقف المصري

في وجه هذه المساعي الإثيوبية، كان الموقف المصري رافضاً بشكل صريح وصول إثيوبيا لمنفذ بحري، من دون أن يربط ذلك بخلافه مع أديس أبابا بملف المياه.

وحول المنفذ البحري الذي تريده إثيوبيا، قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في تصريحات يوم 10 سبتمبر (أيلول) المنصرم، إن «هناك دولاً ذات سيادة، لديها موانئ على البحر الأحمر، ولا أحد يملك أن يمنح أي دولة نفاذاً بحرياً عسكرياً، وإلا فستكون فوضى، خاصة أن دولاً أفريقية كثيرة حبيسة».

وأواخر أغسطس (آب)، شدّد عبد العاطي، خلال اتصال هاتفي مع مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس، على «ضرورة احترام سيادة ووحدة وسلامة أراضي دول المنطقة، والامتناع عن أي تحركات أحادية من شأنها تهديد السلم والأمن الإقليميين، أو السعي لفرض النفاذ البحري بالقوة بالمخالفة لقواعد القانون الدولي».

كما أكد عبد العاطي، في تصريحات أخرى، أن الدول المطلّة على البحر الأحمر هي صاحبة السيادة على موانئه، وأنه لا يمكن منح أي دولة منفذاً بحرياً عسكرياً، محذّراً من أن خلاف ذلك من شأنه أن يفتح الباب أمام الفوضى، مع تأكيده على عدم وجود مشكلة في النفاذ التجاري للدول الحبيسة.

ومع أن عبد العاطي لم يُسمِّ الدول المقصودة، فإنه قال في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، إن «مصر ترفض دخول إثيوبيا في حوكمة سواحل البحر الأحمر». وهذا الرفض المصري لنفاذ إثيوبيا إلى البحر الأحمر متكرّر، وخلال لقاء عبد العاطي في مايو الماضي مع رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني في القاهرة، بُحثت مسألة أمن البحر الأحمر، وخليج عدن. وشدد عبد العاطي حينذاك على «الرفض المصري القاطع لأي مساعٍ لتدويل أو عسكرة البحر الأحمر، وخليج عدن، وكذا رفض انخراط أي أطراف غير مطلة عليه في ترتيبات تخصه».

أيضاً، في أثناء زيارة عبد العاطي إلى أسمرة في مايو الماضي، فإنه التقى مع وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح، وشدّدا على أن أمن وإدارة البحر الأحمر «يظلان مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، وأن مصر ترفض أي محاولات من أطراف غير مشاطئة لفرض ترتيبات أو أدوار أمنية في هذا السياق»، بحسب بيان للخارجية المصرية آنذاك.

بالمقابل، قال نبيات غيتاتشو، الناطق باسم وزارة الخارجية الإثيوبية، في مايو الماضي، إن الحكومة المصرية «تحاول تطويق وعرقلة وصول بلاده إلى البحر الأحمر». ومع أنه لم يحدد تفاصيل، فإنه أكد أن إثيوبيا ستواصل العمل جاهدة للحصول على منفذ بحري عبر طرق سلمية، ومستدامة.

هنا، ينبه خبير الشؤون الأفريقية، الدكتور رمضان قرني، إلى أن مصر لا تمانع في حصول أديس أبابا على منفذ تجاري وفق أطر قانونية ترعاها دول الجوار، كما طرحت جيبوتي سابقاً ورفضته إثيوبيا، «لكن القاهرة تُجابه المساعي العسكرية بصرامة، تحسباً لتداعيات فتح منافذ على البحر الأحمر تضر بالأمن القومي العربي والأفريقي، لا سيما مع دخول أطراف كإسرائيل على خط الأزمة ودعم الجماعات الحوثية لتهديدات باب المندب».

ويرى الخبير المصري أنه رغم الحشد الإعلامي والدبلوماسي لحكومة آبي أحمد، تظل فرص انتزاع موطئ قدم عسكري دائم على البحر الأحمر محاطة بتحديات معقّدة؛ أبرزها الرفض الدولي والإقليمي من الاتحاد الأفريقي والجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، الداعم لسيادة الصومال. وهذا، فضلاً عن خشية أديس أبابا من العزلة الأفريقية والمساس بمكانتها كمقر لمؤسسات الاتحاد الأفريقي، واستمرار الضغوط الداخلية وسط تفاقم الأزمات الاقتصادية والأمنية الإثيوبية في أقاليم مثل أورومو، وأمهرة، وتيغراي، إضافة إلى التوتر في علاقاتها مع دول الجوار (السودان وإريتريا والصومال).

ويؤكد قرني أن القاهرة «نجحت في بناء جدار صلب من التوافقات الاستخباراتية والسياسية الإقليمية والدولية، محاصِرةً أي خطوات أحادية، بما يضمن صون الأمن القومي وحماية الممرات المائية الحيوية بالمنطقة».

الموقف الإريتري - الصومالي

من جهة ثانية، يُسجَّل للموقف الإريتري الصومالي، حضور لافت في خندق الرافضين لهذا المسار الإثيوبي بشأن المنفذ البحري.

إذ تصدّت مقديشو بقوة لمذكرة تفاهم وقعتها أديس أبابا مع إقليم «أرض الصومال» الانفصالي عام 2024، تتمكن بموجبه من النفاذ لميناء بربرة. وأصدرت قراراً رئاسياً بإلغاء الاتفاق، وسط دعم عربي، لا سيما مصر، لهذا الرفض، قبل أن تتدخل تركيا بوساطة نهاية ذلك العام ويتوارى ذلك المسعى عن الأنظار.

أيضاً، إريتريا، مالكة ميناء عصب، التي تتهم إثيوبيا بالتطلع للسيطرة عليه مجدداً، رفضت أكثر من مرة ذلك المسار. ومن أبرز المواقف اتهام الرئيس الإريتري آسياس أفورقي خلال يوليو 2025، إثيوبيا بالسعي إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي تحت شعارات تتعلق بالمياه والمُطالبة بمنفذ على البحر الأحمر، معتبراً هذا المطلب «ذريعة لتأجيج الصراعات». وآنذاك، وصف وزير الإعلام الإريتري يماني جبر مسكل، الخطاب الإثيوبي بشأن المنفذ البحري بأنه «تهوّر وعودة إلى قرع طبول الحرب»، مؤكداً أن سيادة إريتريا وسواحلها غير قابلة للمراجعة.

وفي مايو الماضي، شبّه نبيات غيتاتشو، الناطق باسم الخارجية الإثيوبية تحركات القاهرة داخل دول في المنطقة، من بينها إريتريا وجيبوتي وكينيا، بـ«محاولة حصار إثيوبيا ومنعها من الوصول إلى منفذ بحري».

بحسب قرني، شكلت أزمة الاتفاق بين إثيوبيا وإقليم «أرض الصومال» تحولاً استراتيجياً في منطقة القرن الأفريقي، ومحركاً رئيساً للسياسة الخارجية المصرية في المنطقة؛ إذ جاء هذا التطور كـ«جرس إنذار حقيقي» دفع القاهرة إلى تحرك مكثف ومتعدد المسارات لحماية أمنها القومي وأمن المنطقة.

ولفت إلى أن هذا ترجم بشراكات مع إريتريا والصومال، وبتحالف ثلاثي وشبه توافق تام بين مصر والشركاء الثلاثة الرئيسيين (إريتريا، جيبوتي، الصومال) على فكرة الحق الحصري للدول المتشاطئة فيما يتعلق بالمنفذ الساحلي أو وجود سواحل على شاطئ البحر الأحمر.

الدعم الإسرائيلي

في المقابل، خلال سبتمبر المنصرم، أفادت «وكالة الأنباء الإثيوبية بأن إسرائيل أعلنت دعمها الدبلوماسي لمساعي إثيوبيا الرامية إلى تأمين منفذ إلى البحر، ونقلت عن السفير الإسرائيلي لدى إثيوبيا، أفراهام نغوسي، قوله إن بلاده تقف بقوة إلى جانب جهود إثيوبيا لتأمين منفذ بحري إلى البحر الأحمر. وتابع السفير لـ«وكالة الأنباء الإثيوبية»، إن «تمكين إثيوبيا وتعزيزها وتحقيق الاستقرار في البحر الأحمر هو مصلحة للجميع، وليس لإثيوبيا وحدها، وإسرائيل تقف إلى جانب إثيوبيا في هذا الجهد».

وهذا ليس الموقف الأول الذي يطرحه نغوسي في مواقف مرتبطة بتوترات بين مصر وإثيوبيا، ففي أغسطس (آب) الماضي، قال في تصريح صحافي إن إسرائيل «ستواصل تعزيز دعمها لإثيوبيا، بهدف مساعدتها كي تصبح قوة اقتصادية رائدة في القارة الأفريقية». وحينذاك، حذر السفير محمد العرابي، وزير الخارجية الأسبق وعضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ ورئيس «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، من تداعيات التصريحات الإسرائيلية، مشيراً في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنها «لن تنال ولن تغير» من مواقف مصر.

قرني، من جهته، لا يعتقد أن هذا الدعم الإسرائيلي سيغيّر موقف مصر الثابت في رفض المنفذ البحري لإثيوبيا، مشدداً على أن إسرائيل تريد الضغط فقط على مصر في ملفات أخرى، لكن الدولة المصرية قادرة على حماية حقوقها.

من جهة ثانية، قال عبد المنعم أبو إدريس، الخبير في الشؤون الأفريقية، لـ«الشرق الأوسط»، إن حصول أديس أبابا على منفذ بحري في ظل توتّراتها الحالية مع جيرانها أمر صعب، خاصة أنها متهمة من السودان بمساندة ميليشيا «الدعم السريع».

وشدّد على أن مصر لا يمكن أن تسمح بوجود عسكري إثيوبي في الساحل السوداني أو البحر الأحمر؛ حرصاً على أمنها القومي وأمن المنطقة.

لكن البرلماني الإثيوبي، محمد نور أحمد، يرى إمكانية تحقيق ذلك، مشيراً إلى أن حكومة بلاده تعمل على إقناع الأطراف والدول المجاورة على مراجعة مواقفها والانخراط في تفاهمات تعزز مصالح الجميع.


فاطمة الزهراء المنصوري... من عمودية مراكش إلى رئاسة الحكومة المغربية

ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة
ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة
TT

فاطمة الزهراء المنصوري... من عمودية مراكش إلى رئاسة الحكومة المغربية

ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة
ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة

في الممرات الرخامية الهادئة للقصر الملكي بالعاصمة المغربية الرباط، لم يكن المشهد مجرد بروتوكول سياسي معتاد، بل كان إعلاناً عن انعطافة تاريخية كبرى في مسار الدولة المغربية الحديثة؛ إذ تقدمت فاطمة الزهراء المنصوري لتؤدي القسم القانوني أمام العاهل المغربي الملك محمد السادس، وكانت خطواتها الواثقة تختزل عقوداً طويلة من نضال الحركة النسائية المغربية، وتفتح فصلاً غير مسبوق في كتاب السياسة المغربية.

لم يكن الحدث عابراً أو مجرد مناوبة حكومية عادية، فالمنصوري، الملقبة في الأوساط السياسية والإعلامية بـ«المرأة الحديدية»، باتت أول امرأة تتقلد منصب رئيسة الحكومة في تاريخ المملكة المغربية، بعدما قادت حزبها «الأصالة والمعاصرة» إلى صدارة المشهد الانتخابي وحققت فوزاً تشريعياً أعاد رسم الخريطة الحزبية في البلاد.

هذا الصعود المطّرد لامرأة قادمة من خلفية حقوقية وقانونية صارمة، لم يكن وليد الصدفة أو نتاج ترتيبات سياسية عابرة، بل هو ثمرة مسار حافل بالمعارك الانتخابية الطاحنة، وإدارة الأزمات المحلية الكبرى، والقدرة الفائقة على التوازن والمناورة في معترك يوصف غالباً في الأدبيات السياسية بأنه حكر على الرجال.

من رداء المحاماة الأسود في قاعات المحاكم، إلى عمودية مدينة مراكش التاريخية، وصولاً إلى قيادة الحزب السياسي ثم رئاسة الجهاز التنفيذي، تشكل المنصوري حالة استثنائية وبديعة في هندسة النخبة السياسية المغربية الجديدة التي تؤسس لمغرب القرن الحادي والعشرين، وتمنح العمل السياسي بعداً حداثياً حقيقياً يتماشى مع التطلعات المجتمعية الكبرى في البناء والتشييد والتنمية المستدامة المعاصرة.

لم تكن فاطمة الزهراء المنصوري غريبة عن عالم السلطة والتدبير العام وأروقة صناعة القرار، فقد ولدت في الثالث من يناير (كانون الثاني) عام 1976 في قلب مدينة مراكش، لأسرة عريقة، تتحدر من منطقة الرحامنة، والتي ضربت جذورها عميقاً في تاريخ «المدينة الحمراء» وثقافتها وسياساتها المحلية.

والدها الراحل عبد الرحمن المنصوري، كان رجلاً وازناً في بنية الدولة المغربية؛ إذ شغل منصب باشا مدينة مراكش لسنوات طويلة، وكان سفيراً للمملكة لدى دولة الإمارات العربية المتحدة. وفي هذا المناخ المفعم بالسياسة والدبلوماسية وحب الوطن، تشرّبت الطفلة فاطمة الزهراء أبجديات الدولة والخدمة العامة، وتعلّمت في مجالس والدها كيف تقرأ موازين القوى وفنون الحوار البنَّاء في بيئة لا تعترف إلا بالقوة والوضوح والالتزام بالعهود الكبرى التي تقطعها النخب أمام الشعب المغربي.

مراحل التعليم

تلقّت المنصوري تعليمها الأولي والثانوي في المدارس الفرنسية بمراكش، تحديداً في ثانوية «فيكتور هوغو» العريقة، حيث بدأت تتشكل ملامح شخصيتها المتمرّدة والمنضبطة في آن واحد، وهي الشخصية التي ترفض القوالب الجاهزة وتسعى دائماً للتميز في كل مجال تطأه قدمها. ولأنها كانت تطمح لفهم آليات العدالة وصناعة القرار وتطبيق القانون بشكل ينصف المجتمع؛ اختارت سلوك درب العلوم القانونية. بعدها انتقلت إلى فرنسا، وهناك نالت شهادة الدراسات العليا في قانون عقود الأعمال من جامعة مونبلييه العريقة، نالت الإجازة في القانون الخاص من جامعة محمد الخامس بالرباط.

إلا أنها لم تكتفِ بالتحصيل المعرفي الأوروبي، بل قادها شغفها الأكاديمي إلى الولايات المتحدة الأميركية، حيث تعمَّقت في دراسة القانون الأنجلو - ساكسوني من جامعة بيس الأميركية في نيويورك. وحقاً، منحها هذا التكوين الأكاديمي الثلاثي الأبعاد أفقاً فكرياً واسعاً، وقدرة على محاورة النخب الدولية بلغات متعدّدة وبثقة كاملة.

وفور عودتها إلى المغرب، أسّست مكتباً للمحاماة استحال سريعاً واحداً من أبرز المكاتب المتخصصة في قانون الأعمال والعقارات منذ 22 مارس (آذار) 2005، لتصنع لنفسها اسماً مستقلاً بعيداً عن جلباب والدها الراحل ونفوذه القديم في أروقة الإدارة المحلية بمراكش.

عائلياً، فاطمة الزهراء المنصوري أم لطفلين، استطاعت التوفيق بين مسارها المهني المتطلب في قطاع الأعمال والتزاماتها الأسرية، معلنةً في مناسبات إعلامية نادرة أن الفصل بين الحياة الخاصة والواجب العام هو معيار أساسي لتقييم كفاءة أي مسؤول سياسي بعيداً عن القوالب النمطية. ومن ناحية أخرى، اختارت مجلة «فوربس» عام 2014، المنصوري على رأس قائمة من 20 امرأة شابة، الأكثر تأثيراً في القارة الأفريقية. واختيرت في السنة ذاتها ضمن القادة الشباب العالميين. وراهناً تُعدّ رئيسة الوزراء الجديدة عضواً في «الجمعية الدولية للعمداء الفرنكفونيين»، كما أنها نائبة رئيس «الجمعية المغربية لرؤساء المجالس الجماعية».

المنعطف السياسي الأول

شكّلت الانتخابات البلدية لعام 2009 المنعطف الأول في المسار السياسي للمنصوري، حين ترشّحت باسم حزب «الأصالة والمعاصرة»، الناشئ آنذاك، في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على تدبير مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة. ونجحت المحامية الشابة في إحداث مفاجأة انتخابية عندما أطاحت بالعمدة المخضرم عمر الجزولي، لتُنتخب في سن الثالثة والثلاثين عمدةً لـ«المدينة الحمراء». وتغدو، بالتالي، أول امرأة تتقلد هذا المنصب في مدينة كبرى بالمغرب.

مع هذا، لم يكن تدبيرها للمجلس الجماعي خالياً من الأزمات والنزاعات السياسية والقانونية الشرسة، فقد واجهت معارضة قوية من الخصوم الذين شككوا في قدرتها على إدارة مدينة سياحية ذات ثقل دولي ومشاكل هيكلية معقدة. غير أن فترتها الانتدابية الأولى تميّزت بفتح ملفات تنظيمية شائكة تتعلق بمالية البلدية، ومراجعة عقود التدبير المفوض لقطاعات النظافة والنقل والإنارة وتطهير الأوعية العقارية؛ الأمر الذي منحها تجربة ميدانية في مواجهة التدافعات السياسية المحلية واكتساب آليات التفاوض والتدبير المباشر مع المصالح المركزية لوزارة الداخلية.

من القيادة الحزبية إلى الحقيبة الوزارية

وبالتوازي مع عملها على رأس مجلس مدينة مراكش، حرصت المنصوري على تعزيز موقعها داخل البنية التنظيمية لحزب «الأصالة والمعاصرة»، حيث تولت رئاسة المجلس الوطني للحزب، وهو الهيئة التقريرية الثانية بعد المؤتمر الوطني. وفي هذا الموقع، لعبت دوراً محوَرياً في ضبط التوازنات الداخلية وتدبير الخلافات المستمرة بين التيارات المتنافسة على القيادة.

وعقب الانتخابات التشريعية والجماعية لعام 2021، عادت المنصوري لتتولى عمودية مراكش للمرة الثانية، بالتزامن مع تعيينها وزيرة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة في حكومة عزيز أخنوش.

وفي هذا الموقع، تميّزت فترتها الوزارية بمحاولة إصلاح قطاع التعمير عبر تبسيط مساطر البناء في العالم القروي، وإطلاق الحوار الوطني للتعمير والإسكان، وتنزيل الدعم المباشر للسكن. وهي ملفات واجهت فيها صعوبات ترتبط بالبيروقراطية الإدارية وتداخل الاختصاصات مع القطاعات الحكومية الأخرى والمجالس المنتخبة؛ ما تطلب منها اعتماد مقاربة صارمة في تدبير الصفقات وإعادة هيكلة الوكالات الحضرية.

المؤتمر الخامس وصياغة نموذج القيادة الجماعية

من جهة ثانية، عاش حزب «الأصالة والمعاصرة» خلال فبراير (شباط) من عام 2024 أزمة تنظيمية حادة هدَّدت تماسك بيته الداخلي في أعقاب تطورات سياسية وقضائية مسّت قادة بارزين فيه. وخلال المؤتمر الوطني الخامس المنعقد في مدينة بوزنيقة، برزت المنصوري كشخصية توافقية قادرة على إنقاذ الحزب من الانقسام؛ إذ قادت هندسة تنظيمية جديدة اعتمدت لأول مرة في تاريخ المشهد الحزبي المغربي، وتمثّلت في إلغاء منصب الأمين العام الفردي وتعويضه بـ«قيادة جماعية أمانة عامة» ثلاثية الأعضاء.

وتولت المنصوري منصب «المنسّقة الوطنية» لهذه القيادة الجماعية، لتصبح الناطق الرسمي والمدبّر الفعلي لشؤون الحزب واستراتيجيته السياسية والانتخابية. وبالفعل، نجحت هذه المقاربة التنظيمية في إعادة الاستقرار للحزب وضبط قواعده وتأهيله لخوض المحطّات الانتخابية اللاحقة التي أسفرت عن تصدّره النتائج والتموقع في صدارة المشهد السياسي.

الرهانات الكبرى

جلوس فاطمة الزهراء المنصوري على مقعد رئاسة الحكومة الجديدة، لتقود مرحلة ممتدة حتى عام 2031، سيواجه حزمة من الملفات الاقتصادية والاجتماعية الثقيلة التي لا تقبل التأجيل في ظل وضعية دولية وإقليمية متقلبة.

ويأتي على رأس هذه الملفات: استكمال وتدبير الورش الملكية المرتبطة بالدولة الاجتماعية، وهو ما يشمل تعميم التغطية الصحية الشاملة، وتطوير منظومة الدعم الاجتماعي المباشر للأسر المعوزة، وهما من المشاريع التي تتطلب حَكامة مالية صارمة وإصلاحاً حقيقياً للإدارة لمنع الهدر وضمان استدامة التمويل.

وأيضاً، تواجه الحكومة تحدي إصلاح منظومتي الصحة والتعليم اللتين تعانيان من مشاكل بنيوية مزمنة واحتجاجات فئوية متكررة، فضلاً عن معالجة أزمة الجفاف الحادة التي تضرب البلاد لسنوات متتالية، وما يترتب عنها من إجهاد مائي غير مسبوق يتطلّب تسريع إنجاز محطات تحلية مياه البحر وسدود الربط المائي، وتحفيز الاستثمار لخلق فرص شغل مستدامة للشباب القروي والحضري على حدِّ سواء.

وإلى جانب ذلك كله، يبرز التحدّي التنظيمي واللوجستي البنيوي الأكبر المتمثّل في إشراف الحكومة على التحضيرات الكبرى الخاصة باستضافة المغرب لنهائيات كأس العالم لكرة القدم عام 2030 بالاشتراك مع إسبانيا والبرتغال. وهذا مشروع يتطلب استثمارات ضخمة في البنى التحتية والنقل والفندقة والاتصالات، ووضع خطط تمويلية دقيقة تجنب ميزانية الدولة أي هزّات أو عجز هيكلي قد يؤثر على التوازنات الماكرو - اقتصادية للمملكة خلال السنوات المقبلة.

تفتيت «العرش الذكوري»

جدير بالذكر أنه منذ حصول المغرب على استقلاله في عام 1956، احتكر الرجال منصب رئاسة الحكومة بصفة مطلقة، حيث تعاقبت على هذا المركز الرفيع وجوه سياسية وتكنوقراطية صبغت القرار التنفيذي بخصائص ومقاربات متباينة توافقت مع طبيعة المراحل التاريخية التي مرت بها المملكة.

وبدأت هذه السلسلة التدبيرية مع مبارك البكاي لهبيل كأول رئيس حكومة، وتوالت الأسماء التاريخية مثل أحمد بلافريج، وعبد الله إبراهيم، وأحمد باحنيني، ومحمد بنهيمة، وأحمد العراقي، ومحمد كريم العمراني (تولى رئاسة الحكومة 3 مرات)، وأحمد عصمان، والمعطي بوعبيد، وعز الدين العراقي وعبد اللطيف الفيلالي. وكانت «الصالونات السياسية» في الرباط تنظر إلى منصب رئيس الحكومة بوصفه فضاءً محاطاً باعتبارات أمنية وقبلية وحزبية معقدة تفصَّل دائماً على مقاسات رجالية، في حين ظل حضور المرأة مقتصراً لسنوات طويلة على الهوامش الحقوقية والجمعوية دون النفاذ إلى مراكز القرار التنفيذي الأول بالبلاد.

ومع دخول المغرب مرحلة الانفتاح السياسي والتناوب التوافقي في نهاية التسعينات، قاد الراحل عبد الرحمن اليوسفي تجربة حكومية فريدة اعتمدت على التوافق السياسي وبناء المؤسسات، وتلاه إدريس جطو بمقاربته التكنوقراطية الصارمة وإدارته المشاريع الاقتصادية الكبرى، ثم عباس الفاسي الفهري.

وشهد العقد الماضي صعود تيار الإسلام السياسي لقيادة الحكومة عبر محطتي عبد الإله بنكيران، وسعد الدين العثماني، اللذين ركَّزا على ملفات الدعم وصندوق المقاصة ونقاشات الهوية، وصولاً إلى التجربة الليبرالية التدبيرية الأخيرة لعزيز أخنوش التي ركزت على الفاعلية الاستثمارية والأوراش الكبرى. وتشارَك هؤلاء القادة جميعاً في صياغة السياسات بعيون رجالية، ليمثل تعيين المنصوري كأول امرأة خطوةً تفكك هذا الاحتكار الطويل وتضع الكفاءة والقدرة التدبيرية معياراً وحيداً للمسؤولية.


حزب «الأصالة والمعاصرة»... وسياق البحث عن التوازن الحزبي

مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)
مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)
TT

حزب «الأصالة والمعاصرة»... وسياق البحث عن التوازن الحزبي

مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)
مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)

يرتبط المسار التنفيذي لفاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة وزراء المغرب الجديدة، بشكل عضوي بنشأة وتطور حزب «الأصالة والمعاصرة» (المعروف اختصاراً بالـ«بام»)، الذي أسس في أغسطس (آب) 2008 في سياق سياسي مثير للجدل. تأسيس الحزب جاء بمبادرة قادها فؤاد عالي الهمّة، المستشار بالديوان الملكي المغربي، برفقة شخصيات حقوقية ويسارية سابقة ووجوه تكنوقراطية، من خلال دمج خمسة أحزاب سياسية صغيرة في إطار ما سمي آنذاك «حركة لكل الديمقراطيين».

وتمثلت الفكرة المحورية للحزب في تقديم عرض سياسي حداثي يهدف إلى إعادة التوازن للمشهد الحزبي المغربي، وكسر القطبية الحادة والتصدّي لصعود تيارات الإسلام السياسي التي كانت تهيمن على المشهد الانتخابي والشارع المغربي. وفعلاً، طرح الحزب أطروحة فكرية تحاول التوفيق بين الأصالة المغربية القائمة على الملكية والدين والتقاليد، والمعاصرة القائمة على قيم الديمقراطية وحقوق المرأة والمنظومة الحداثية والتحديث الاقتصادي الشامل والمنفتح.

ومنذ التأسيس وحتى الانتقال إلى القيادة الجماعية الحالية، تعاقب على الأمانة العامة لحزب «الأصالة والمعاصرة» خمسة قادة عكس كل منهم مرحلة سياسية محددة من تاريخ التدافع الحزبي في البلاد. وبدأت المرحلة مع محمد الشيخ بيد الله في الفترة ما بين عامي 2009 و2012، وهو طبيب ووزير سابق متحدر من الأقاليم الجنوبية، وتركزت مهمته في تثبيت الحزب ومواجهة هزات حراك 20 فبراير (شباط) عام 2011. ثم تولى مصطفى الباكوري القيادة بين 2012 و2016، وهو رجل اقتصاد وتكنوقراط صبغ الحزب بطابع تدبيري عقلاني ركّز على البرامج الاقتصادية والمشاريع الاستثمارية، مبتعداً عن الصدامات الآيديولوجية المباشرة مع الخصوم السياسيين بالبلاد.

شعار حزب «الأصالة والمعاصرة» (الحزب)

بعده، شهدت الفترة بين عامي 2016 و2018 تولي إلياس العماري للأمانة العامة، وهو شخصية كاريزمية آتية من اليسار الراديكالي، واتسمت فترته بالاستقطاب الحاد والشرس مع حزب «العدالة والتنمية» وقيادة معارضة قوية انتهت باستقالته عقب تحولات سياسية معقدة. ثم جاء دور حكيم بنشماش بين عامي 2018 و2020، وشهدت فترته انقسامات وصراعات داخلية حادة بين التيارات المتنافسة كادت تعصف بوحدة الحزب التنظيمية.

وأخيراً، قاد الحزب عبد اللطيف وهبي بين عامي 2020 و2024، وهو محامٍ تميز بالجرأة والمصادمة، ونجح في نقل الحزب من مقاعد المعارضة إلى التدبير الحكومي لأول مرة عقب انتخابات عام 2021 متولّياً وزارة العدل، ومثيراً لنقاشات مجتمعية واسعة حول إصلاح القوانين ومدونة الأسرة، لتستقر قيادة «الجرّار» - والجرّار الزراعي هو شعار الحزب - الحزبي اليوم في يد جماعية تقودها المنصوري بحسابات سياسية دقيقة تسعى للحفاظ على موقع الحزب وصدارته للمشهد التنفيذي الحداثي في المملكة المغربية.