حلّ البرلمان البرتغالي يعد اليمين باسترجاع الحكم في أعقاب استقالة رئيس الحكومة

تحقيقات بملفات فساد أطاحت «منارة الأمل» الاشتراكية الأوروبية

رئيس الجمهورية ريبيلو دي سوسا... دعا إلى انتخاب برلمان جديد (إيبا إيفي)
رئيس الجمهورية ريبيلو دي سوسا... دعا إلى انتخاب برلمان جديد (إيبا إيفي)
TT

حلّ البرلمان البرتغالي يعد اليمين باسترجاع الحكم في أعقاب استقالة رئيس الحكومة

رئيس الجمهورية ريبيلو دي سوسا... دعا إلى انتخاب برلمان جديد (إيبا إيفي)
رئيس الجمهورية ريبيلو دي سوسا... دعا إلى انتخاب برلمان جديد (إيبا إيفي)

مطلع العام الحالي، كان رئيس الوزراء البرتغالي المستقيل، أنطونيو كوستا، يتناول طعام العشاء في عاصمة بلاده لشبونة، محفوفاً بالمستشار الألماني لأولاف شولتس، ورئيس الحكومة الإسبانية الأسبق فيليبي غونزاليس، بمناسبة الاحتفال باليوبيل الذهبي للحزب الاشتراكي البرتغالي الذي كان قد أسّسه في المنفى الدكتور ماريو سواريش. ويومذاك أسس سواريش الحزب برفقة مجموعة من المنشقّين عن ديكتاتورية أنطونيو سالازار التي امتدت من ثلاثينات القرن الماضي حتى سقوطها في عام 1974 عندما قامت «ثورة القرنفل»، التي قادتها مجموعة من الضبّاط الذين خدموا في مستعمرات البرتغال الأفريقية. في ذلك العشاء الاحتفالي، قال رئيس «الحزب الاشتراكي الأوروبي» ستيفان لوفين، وهو رئيس وزراء السويد الأسبق، إن كوستا «منارة أمل» بالنسبة للاشتراكيين الأوروبيين، بينما وصفه نظيره الإسباني بيدرو سانتشيز بـ«الحصن الاشتراكي المنيع»، وسط التيار الليبرالي في أوروبا. لكن في مطلع الأسبوع الفائت، خسر الاشتراكيون رئيس الوزراء الاشتراكي الوحيد في أوروبا الذي كان يحكم بغالبية نيابية مطلقة، إلى جانب المالطي روبرت أبيلا، عندما توجه أنطونيو كوستا إلى مقرّ رئاسة الجمهورية ليقدّم استقالته بعد الكشف عن فضيحة فساد تطول عدداً من أقرب معاونيه.

منطقة كوفاس دو بارّوسو (لوسا)

مضى أسبوعان تقريباً على استقالة أنطونيو كوستا، وما زال البرتغاليون في دهشة أمام هذه النهاية الصادمة لحقبة فريدة في تاريخ البرتغال السياسي امتدت ثماني سنوات. وللعلم، كان كثيرون يرجّحون أن تنتهي هذه الحقبة بمنصب رفيع يتولاه كوستا في إحدى مؤسسات «الاتحاد الأوروبي» الذي كان قد استقبله بتحفظ شديد وشكوك عندما وصل للمرة الأولى إلى الحكم في عام 2015 متحالفاً مع كتلة اليسار و«الحزب الشيوعي البرتغالي».

وحقاً، لم يكن أحد يتوقع، بداية الأسبوع الماضي، أن البرتغال ستبدأ، في اليوم التالي، رحلة البحث عن رئيس جديد للحكومة وزعيم للحزب الاشتراكي خلفاً لكوستا، في أعقاب إعلان المحكمة العليا أنها ستفتح تحقيقاً حول دوره في الموافقة على مشروعات كبرى في مجال الطاقة لإنتاج الهيدروجين الأخضر واستخراج الليثيوم. بيد أن كوستا عند مثوله أمام الصحافة ليعلن استقالته، قال نافياً أي ذنب: «أريد أن أقول للبرتغاليين وأنا أُحدّق في عيونهم: إن ضميري مرتاح من أي مخالفة أو تصرّف غير قانوني».

على أية حال، بعد استقالة كوستا، أصبح القرار بيد رئيس الجمهورية مارسيلو ريبيلو دي سوسا، الذي يجيز له الدستور حل البرلمان، والدعوة لإجراء انتخابات مسبّقة أو مبكرة، أو تكليف شخصية أخرى لتشكيل حكومة جديدة من «الحزب الاشتراكي» الذي يتمتع بغالبية واسعة في البرلمان. غير أنه بعد مشاورات مكثفة مع قيادات الكتل البرلمانية وأعضاء «مجلس الدولة»، قرّر رئيس الجمهورية إنهاء الولاية التشريعية التي كانت قد بدأت في ربيع العام الفائت بعد الانتخابات العامة، ودعا إلى إجراء انتخابات جديدة ستُجرى في مارس (آذار) المقبل.

فرصة فرناندو ميدينا

من بين الأسماء التي بدأت تتداولها الأوساط السياسية لتشكيل الحكومة الجديدة قبل قرار دي سوسا حل البرلمان، وزير المال الحالي فرناندو ميدينا، المقرَّب من كوستا، والذي يحظى بتقدير واسع، حتى في بعض أوساط المعارضة التي فتحت هذه الأزمةُ المفاجئة نافذة غير متوقّعة أمامها للعودة إلى الحكم. إلا أن قرار الرئيس قطع عليه الطريق، على الرغم من إصرار «الحزب الاشتراكي» على استعداده لطرح اسم خليفة لسوسا، ما يفتح الآن أمامه باب زعامة الحزب التي أصرّ كوستا أيضاً على الاستقالة منها.

ولعلّ ما يزيد من حظوظ ميدينا الآن في تولّي قيادة «الحزب الاشتراكي» أن هذه الأزمة تتزامن مع مناقشة البرلمان الموازنة العامة التي تسجّل حدثاً غير مسبوق في تاريخ البرتغال الحديث. هذا الحدث هو انخفاض مستوى الدَّين العام إلى ما دون إجمالي الناتج المحلي، بحيث تصبح البرتغال، للمرة الأولى، خارج «نادي» الدول الأوروبية المثقلة بالديون. والواقع أن ثمة إجماعاً في الأوساط السياسية والاقتصادية، البرتغالية والأوروبية، على أن فرناندو ميدينا أحسن تطبيق سياسة «الحسابات الصحيحة» التي كان كوستا قد جعل منها العماد الأساسي لسياسة حكومته، وذلك منذ شكّل الحكومة، للمرة الأولى، في عام 2015، وتحوّلت، من ثم، إلى هاجسه الأساسي لمنع انزلاق البلاد مرة أخرى نحو الأزمة المالية والاجتماعية الخانقة التي تعرّضت لها عام 2011.

في المقابل، كانت تلك السياسة التقشفية الصارمة التي جعل منها كوستا العنوان الرئيس لإدارته، قد حالت دون إجراء الإصلاحات والاستثمارات الكبرى التي تحتاج إليها البرتغال، إلى أن جاءت مساعدات «صندوق الإنعاش الأوروبي» للنهوض من تبِعات جائحة «كوفيد-19». وقد تقرّر تخصيص جزء مهم من هذه المساعدات لتمويل مشروعات في مجال الطاقة بهدف وقف انبعاثات الكربون في الاقتصادات الأوروبية.

وبالفعل، سارع كوستا حينذاك إلى تبنّي هذا التوجّه، ليجعل منه أساس «الثورة الخضراء»، التي أمل أن تكون إرثه السياسي بعد ثماني سنوات من الحكم، ولا سيما بعدما أصبحت البرتغال - في عهده - رابع أكبر منتج أوروبي للطاقة المتجددة خلف كل من النمسا والسويد والدنمارك. وفي هذا السباق المحموم نحو «تصفير» انبعاثات الكربون، اعتمدت الحكومة الاشتراكية تخفيف القيود والشروط البيئية على الشركات، لتمكينها من الإسراع في تنفيذ مشروعاتها، وتحقيق هدف التصفير بحلول عام 2045. إلا أن تلك التسهيلات أدّت إلى منح تراخيص لمشروعات مثيرة للجدل، منها، مثلاً، منجم استخراج الليثيوم في منطقة كوفاس دو بارّوسو، المشهورة بمزاياها البيئية والزراعية الاستثنائية، التي استحقت معها أنْ أدرجتها «منظمة الأمم المتحدة» على قائمة «التراث الزراعي العالمي». وكان هذا أحد المشروعين الأبرز اللذين أثيرت حولهما الشبهات، إلى جانب مشروع ضخم لإنتاج الهيدروجين الأخضر... ومن ثم تحركت النيابة العامة لفتح تحقيق حول ملابسات الترخيص له.

انطونيو كوستا (إيبا إيفي)

الإنجاز الأبرز الذي حققته حكومة أنطونيو كوستا كان خفض الدَّين العام ومستوى العجز في الموازنة، لكنها أظهرت عجزاً واضحاً عن فتح قنوات للحوار مع بقية القوى السياسية

تحقيقات النيابة العامة

ما يجدر ذكره هنا أن النيابة العامة البرتغالية كانت قد باشرت تحقيقاتها، في أواخر عام 2019، وأسفرت، في مرحلتها الأخيرة، خلال الأسبوعين الأخيرين، عن إلقاء القبض على اثنين من أفراد الدائرة الضيّقة المقرَّبة جداً من أنطونيو كوستا، هما مدير مكتبه فيتور أسكاريا، وصديقه رجل الأعمال البارز ديوغو لاسيردا ماتشادو، وهذا، فضلاً عن توجيه تهمة الاشتباه الرسمي إلى وزير البنى التحتية جواو غالامبا. وقد سبق لغالامبا أن أثار جدلاً واسعاً حول أسلوبه وإدارته التي تسببت أخيراً في تعكير صفاء العلاقة المتينة التي كانت تربط كوستا برئيس الجمهورية ريبيلو دي سوسا، وذلك بعدما أصرّ كوستا على إبقائه في الحكومة، رغم سلسلة الفضائح التي شهدتها وزارته. هذا، وكان قد ورد، في بيان النيابة العامة، أن إلقاء القبض على أسكاريا وماتشادو جاء لقطع الطريق على احتمال فرارهما من وجه العدالة، ومواصلة الأفعال الجنائية والتحقيقات القضائية الجارية، لكشف جميع الملابسات، والتأكد من وقوع الفساد وسوء التصرف بالأموال العامة.

وإلى جانب ما تقدّم، كانت الشرطة القضائية البرتغالية قد نفّذت ما يزيد عن 40 عملية مداهمة، بما فيها مداهمات مقرّات رئاسة الحكومة ووزارات البني التحتية والبيئة، وعدد من المنازل الخاصة والمكاتب القانونية.

من جانبه، قال كوستا، لدى مثوله أمام وسائل الإعلام في القصر الحكومي: «كرامة المنصب تتعارض مع فتح التحقيقات من جانب المحكمة العليا... وأنا من واجبي أن أحافظ على كرامة المؤسسات الديمقراطية». ثم أكّد أنه ما كان على علم بالأفعال التي حرّكت شبهات النيابة العامة، لكن مجرّد الإعلان عن إخضاعه للتحقيق يمنع استمراره في منصب رئيس الحكومة. ثم أضاف: «أنا لستُ فوق القانون، وإذا كانت هناك شبهات فلا بد من التحقيق فيها». وحقاً، جاء في تسريبات نشرتها مجلة «إكسبريسو»، الواسعة الاطلاع، أن النيابة العامة كانت قد أخضعت مكالمات وزير البيئة السابق للتنصّت، بعد الاشتباه بضلوعه في أفعال جنائية. وقد تبيّن أنه تواصل مع رئيس الحكومة في أربع مناسبات، بحثا خلالها اجتذاب استثمارات أوروبية ودولية ضخمة لقطاع إنتاج الطاقة المتجددة في البرتغال.

غير أن المبادرة الجريئة، التي صدرت عن كوستا بتقديمه استقالته، فور إعلان المحكمة العليا إخضاعه للتحقيق - والتي كانت موضع تقدير وثناء في الأوساط السياسية والشعبية - لا تحجب الحالات الكثيرة التي تعرّض فيها عدد من وزرائه لشبهة الفساد في السابق، وانتهت بخروجهم من الحكومة؛ ليس بضغط من رئيس الحكومة، بل بفعل التحقيقات القضائية وتبِعاتها.

استحقاقان صعبان للاشتراكيين

على صعيد آخر، يرجّح المطّلعون أن السبب الرئيس الذي حدا برئيس الجمهورية البرتغالي إلى رفض التجاوب مع الدعوات لتكليف شخصية من الغالبية البرلمانية الاشتراكية لتشكيل حكومة جديدة، أنه في أعقاب انتخابات العام الفائت التي نال فيها «الحزب الاشتراكي» الغالبية المطلقة، أبلغ كوستا صراحةً بأن الغالبية هي، في المقام الأول، له شخصياً. وهو ما يعني أن رحيله لتولي منصب أوروبي رفيع - كما كان متداولاً - يعني نهاية الولاية التشريعية للبرلمان المنتخب.

مهما يكن من أمر، فإن الإنجاز الأبرز الذي حققته حكومة أنطونيو كوستا كان خفض الدين العام ومستوى العجز في الموازنة، لكنها في المقابل أظهرت عجزاً واضحاً عن فتح قنوات للحوار مع بقية القوى السياسية الممثلة في البرلمان والنقابات العمالية. واليوم، يواجه الاشتراكيون استحقاقاً صعباً على جبهتين:

الأولى هي التوافق على زعيم جديد للحزب الذي يعاني انقسامات داخلية كان كوستا قادراً على تهدئتها.

والثانية تجاوز الإرث الصعب الذي تركته فضائح الفساد التي دفعت كوستا إلى الاستقالة، وخصوصاً أن الرئيس المستقيل كان قد خصّص قسطاً كبيراً من جهوده لتطهير الحزب من أدران الفساد الذي كان قد نخره على عهد رئيس الوزراء الأسبق، خوسيه سوقراطيس، الذي حُكم عليه بالسجن عام 2014 بسبب ضلوعه في فضيحة فساد مالي.

وضع معسكر اليمين

على الجانب اليميني، «الحزب الاجتماعي الديمقراطي» اليميني وحده قادر على تغيير المعادلة البرلمانية الراهنة، وخصوصاً إذا أُجريت الانتخابات المسبّقة، بعدما يكون القضاء قد أصدر أحكام الإدانة في قضايا الفساد التي هزّت أركان الحزب الاشتراكي.

والحقيقة أن الاجتماعيين الديمقراطيين يرون في الأزمة الراهنة فرصة ذهبية للعودة إلى الحكم، غير أن حزبهم سيحتاج إلى التحالف مع أحزاب أخرى، وخصوصاً مع «حزب المبادرة الليبرالية»، والحزب اليميني المتطرف «شيغا» الذي حقق صعوداً لافتاً في الانتخابات الأخيرة. ووفق المراقبين والمحللين، تبدو حظوظ «الحزب الاجتماعي الديمقراطي» في التحالف مع القوى اليمينية أوفر بكثير من حظوظ الاشتراكيين في التحالف مع أحزاب اليسار الذي قطع معهم خطوط التواصل في الفترة الأخيرة بسبب من السياسة الوسطية واليمينية التي انتهجتها حكومة كوستا.

وهنا، يقول المراقبون في الأوساط السياسية البرتغالية إن الدرس الذي أعطاه أنطونيو كوستا في الأخلاقيات السياسية، يوم الثلاثاء الفائت، عندما هرع إلى رئيس الجمهورية لتقديم استقالته فور الإعلان عن إخضاعه للتحقيق، وقوله إنه لا يعرف بالضبط التهم الموجهة إليه، لا يعفيه من مسؤولية تطبيق معاييره للنزاهة على أقرب معاونيه، ولا سيما أن كثيرين كانوا قد حذّروه من عواقب «الصداقة المتينة» التي تربطه برجل الأعمال المثير للجدل، ديوغو لاسيردا ماتشادو.

وللعلم، تعود الصداقة بين الرجلين إلى أيام الدراسة الجامعية في كلية الحقوق بجامعة لشبونة، وظلت تتوطّد إلى أن طلب كوستا من صديقه أن يكون إشبينه (مرافقه المقرَّب) يوم زفافه، كما أصرّ على أن يبقى قريباً منه منذ أن تولّى رئاسة الحكومة. وبعدها، كانت أول مهمة كلّف كوستا صديقه بتوليها هي تأميم شركة الطيران الوطنية «تاب»، بعدما كانت الحكومة السابقة قد وضعتها في يد القطاع الخاص، ليتولّى ماتشادو بعد ذلك رئاسة مجلس إدارتها.

بعد ذلك عاد كوستا وكلّف ماتشادو بإدارة الأزمة مع المتضرّرين من أزمة انهيار مصرف «سبيريتو سانتو»؛ أحد أكبر المصارف البرتغالية وأعرقها، ثم كلّفة بتسوية النزاع بين مصرف «كايشا» وابنة الرئيس الأنغولي الأسبق جوزيه إدواردو دو سانتوس؛ الملاحَقة دولياً في عدد من قضايا الفساد واختلاس المال العام. وقد تمّ ذلك التكليف دون أن يُخضع لرقابة الإدارة العامة، ما تسبَّب في عاصفة من الانتقادات والجدل دفعت كوستا إلى اتخاذ قرار بالتعاقد مع صديقه براتب رمزي قدره 2000 يورو شهرياً. وهنا أيضاً تجدر الإشارة إلى أن ماتشادو، الذي تدور حوله معظم الشبهات في هذه الفضائح التي أدت إلى استقالة كوستا، لا ينتمي أصلاً إلى «الحزب الاشتراكي»، بل كان فقط مستشاراً لكوستا عندما تولّى هذا الأخير حقيبة العدل في الحكومة التي ترأسها الأمين العام الحالي للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش. ولعلّ ما يستحق الإشارة في هذا السياق أن صداقة وطيدة تربط غوتيريش برئيس الوزراء المستقيل كوستا.

وإلى جانب كل ذلك، كان مدير مكتب كوستا، فيتور أسكاريا الذي أُلقي القبض عليه أيضاً، قد اضطر للاستقالة عام 2017 من منصبه بصفته مستشاراً اقتصادياً لرئيس الوزراء بسبب فضيحة قبوله هدايا ودعوات لرحلات سياحية مع أسرته لحضور نهائيات «كأس الأمم الأوروبية» في فرنسا عام 2016.

 

ببدرو نونو سانتوس (لوسا)

خلافة كوستا بين خياري الاستمرارية والتوجه يساراً

> تحولت البرتغال، خلال السنوات الماضية، بفضل قيادة أنطونيو كوستا ومهارته في فتح قنوات الحوار مع الخصوم السياسيين والتوافق على القضايا الكبرى، إلى قدوة في الاستقرار السياسي الديمقراطي والعمل الطبيعي للمؤسسات العامة في محيط أوروبي دائم التأرجح على شفا الأزمات والاهتزازات السياسية. ورغم خطورة الفضائح التي أدَّت إلى استقالة كوستا، ينبغي التوقف عند ظاهرتين: الأولى موقف كوستا الذي، رغم الغالبية الواسعة التي تؤيده في البرلمان، قرر الاستقالة، لإدراكه مدى الضرر الذي يلحقه بقاؤه في المنصب، خلال الإجراءات القضائية، بالمؤسسات العامة. والثانية تأكيد استقلالية القضاء البرتغالي الذي يؤدي عمله دون أن يتأثر بمستوى المسؤولية العامة التي يتولاها الأشخاص الذين يخضعون لملاحقة الأجهزة وتحقيقاتها. ولا شك في أن قرار رئيس الجمهورية مارسيلو ريبيلو دي سوسا بإجراء الانتخابات المسبقة على أعتاب الربيع المقبل، هو لإفساح المجال الكافي أمام «الحزب الاشتراكي» كي يعيد تنظيم صفوفه وانتخاب زعيم جديد في الأشهر المقبلة. ووفق المعطيات الراهنة، بين الأسماء الأخرى التي ينتظر أن تنافس فرناندو ميدينا على زعامة الحزب، الوزير السابق للبنى التحتية بيدرو نونو سانتوس. وكان هذا الأخير قد استقال من حكومة كوستا في عام 2021، بعد تفاقم الخلاف بينهما حول سياسة التحالفات البرلمانية لتعزيز الغالبية التي تتمتع بها الحكومة في البرلمان. هذا، ويقود نونو سانتوس التيار الذي يدعو إلى الانفتاح على الأحزاب اليسارية، ومنها «الحزب الشيوعي»، والعودة إلى اتباع سياسة يسارية على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، في حين كان كوستا مؤيداً للانفتاح على الأحزاب الوسطية، واتباع سياسة اقتصادية أقرب إلى البرنامج الليبرالي، مع تخفيض الخدمات الاجتماعية للطبقة العاملة وموظفي القطاع العام.


مقالات ذات صلة

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع اوربان (آ ب)

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل.

«الشرق الأوسط» (برلين)
حصاد الأسبوع مضيق هرمز.... شريان حيوي لصادرات العراق ((ايبا)

العراق: حكومة بلا صلاحيات حرب... واقتصاد أسير لـ«مضيق هرمز»

بالكاد تمكّنت القوى السياسية العراقية الأسبوع الماضي من إتمام ثاني استحقاق دستوري بعد إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي والمتمثل في انتخاب رئيس

حمزة مصطفى ( بغداد)
حصاد الأسبوع مسعود بارزاني (آ ب)

الكتل «المكوناتية» العراقية... والتعايش مع كسر «التوافقية»

> وسط الأجواء المعقدة، فإنه مع عجز كل من القوى الشيعية والكردية العراقية عن حسم مصير منصبي رئيس الحكومة والجمهورية خلال المدة المقرّرة، وهي شهر بعد إجراء


قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.