بولندا تأمل في العودة إلى أوروبا مع استعادة توسك الحكم

بروكسل متفائلة بهزيمة اليمين المتشدد رغم استمرار القلق

حشد انتخابي وعرض عضلات في العاصمة وارسو لتحالف المعارضة البولندية الفائز (رويترز)
حشد انتخابي وعرض عضلات في العاصمة وارسو لتحالف المعارضة البولندية الفائز (رويترز)
TT

بولندا تأمل في العودة إلى أوروبا مع استعادة توسك الحكم

حشد انتخابي وعرض عضلات في العاصمة وارسو لتحالف المعارضة البولندية الفائز (رويترز)
حشد انتخابي وعرض عضلات في العاصمة وارسو لتحالف المعارضة البولندية الفائز (رويترز)

لم تحظ الانتخابات التي شهدتها بولندا الأحد الماضي بالكثير من الاهتمام، ومع ذلك، فإن متابعيها وصفوها بأنها كانت الانتخابات الأهم التي مرّت على البلاد منذ سنوات، وربما منذ سقوط الاتحاد السوفياتي. السنوات الـ8 الماضية التي حكم خلالها حزب «القانون والعدالة» اليميني المتشدد بولندا، سجّلت تراجعاً كبيراً في مستوى الحريات العامة قياساً بمعايير الاتحاد الأوروبي، وبالتالي، دخلت الحكومة التي يرأسها ماتيوش ماروفييتسكي في مسار المواجهة الدائمة مع الاتحاد. بل، دفعت الأمور المفوضية الأوروبية إلى تجميد ما يقارب الـ35 مليون يورو كمساعدات سبق أن أُقرّت عام 2020 للدول الأعضاء لمواجهة تبعات جائحة «كوفيد - 19». وجاء قرار تجميد الأموال رداً على تغييرات قضائية أدخلتها الحكومة اليمينية، وعدّت المفوضية أنها تقوض الحريات وتؤثر على استقلالية القضاء. غير أن نتائج انتخابات الأحد الماضي أظهرت تقدّم ائتلاف يضم 3 أحزاب يقودها دونالد توسك، رئيس المجلس الأوروبي سابقاً وزعيم حزب «المنبر المدني» ورئيس الحكومة البولندية بين 2007 و2014. ومع أن حزب «القانون والعدالة» حصل على أكبر نسبة من الأصوات قاربت الـ37 في المائة، فإنه سيعجز عن تشكيل ائتلاف حكومي؛ لأن شريكه المحتمل لم يحصل على أصوات كافية تخولهما الحكم بغالبية مطلقة. وهكذا، فُتح الباب أمام توسك ليشكل إئتلافاً حاكماً يضم 3 أحزاب - من اليمين المعتدل والوسط واليسار المعتدل - كانت قد اتفقت قبل الانتخابات على التحالف سوية في وجه «القانون والعدالة».

عندما بدأت تظهر نتائج الانتخابات البولندية مساء الأحد، بدأت مفوضية الاتحاد الأوروبي في بروكسل ومعها دول أوروبية أخرى، خاصة ألمانيا، تتنفس الصعداء. ذلك أن برلين كانت قد تحوّلت هدفاً سهلاً لحزب «القانون والعدالة» البولندي الحاكم طوال الأسابيع الماضية. والسبب، أن الحزب اليميني المتشدد والشعبوي - المناوئ للتكامل الأوروبي والمعادي للهجرة - الذي حكم بولندا منذ عام 2015، لم يكتفِ بوضع البلاد على خط المواجهة مع بروكسل، بل مع برلين أيضاً.

المطالبة بتعويضات الحرب وخلال الأشهر الماضية طغت على العلاقة بين حكومتي الدولتين «الجارتين» ألمانيا وبولندا مسألة التعويضات عن خسائر الحرب العالمية الثانية، التي طالبت وارسو من برلين دفعها بمبالغ تزيد على تريليون يورو. وفي سبتمبر (أيلول) من العام الماضي، قدّمت بولندا فاتورة لألمانيا في الذكرى الـ83 لهجوم ألمانيا النازية عليها، مطالبة بتعويضات بمبلغ 1.3 تريليون يورو. وهنا تجدر الإشارة إلى أن المسؤولين الألمان يكرّرون دائماً الإقرار بمسؤولية بلادهم تجاه بولندا بسبب الجرائم التي ارتكبها النازيون هناك، إلا أن الحكومة الألمانية ترفض إعادة فتح ملف تعويضات الحرب وتقول: إنه ملف أُغلق ولن تعاد مناقشته. وكذلك، ترى أن المبلغ المطلوب من بولندا ضخم جداً، وبالتالي، وغير مقبول.

من جهة ثانية، لا تخيم فقط مسألة العلاقة التاريخية بين الدولتين «الجارتين» على طبيعة العلاقة الثنائية الحالية، بل تمتد إلى خلافات أخرى أساسية، منها على سبيل المثال السياسة الخارجية، وفي طليعتها مسألة التعامل مع روسيا.

وما يستحق الذكر، أنه قبل الحرب بين روسيا وأوكرانيا، كانت برلين تنظر إلى الحكومة البولندية على أنها شديدة العدائية تجاه موسكو، بينما يرى اليمين البولندي الحاكم - حتى الانتخابات الأخيرة - أن الحكومة الألمانية مقربة بشكل ساذج من روسيا.

ثم إبان أزمة اللاجئين عام 2015، اختلفت حكومتا برلين ووارسو حول مقاربة المشكلة التي قسمت أوروبا كذلك. وفي حين فتحت ألمانيا الأبواب أمام مئات آلاف اللاجئين، أغلقته بولندا ورفضت تقاسم «أعباء اللجوء واللاجئين». وأخيراً، في الأسابيع الماضية، هزّت بولندا فضيحة بيع تأشيرات «شينغن» للاجئين بهدف تسهيل دخولهم إلى ألمانيا؛ ما زاد العلاقات الثنائية تعقيداً، ودفع ببرلين إلى طلب توضيحات حول المسألة من وارسو. وفي هذه الأثناء، تحوّلت ألمانيا نفسها هدفاً سهلاً لهجمات حزب «القانون والعدالة» طوال الحملة الانتخابية، بل الحزب وجّه اتهامات لزعيم الائتلاف المنافس تاسك بأنه «عميل لألمانيا» وأنه «ينقاد خلفها من دون تفكير».

ترحيب حار بالنتائجبعدها، ولدى توالي إعلان نتائج الانتخابات، علّق السفير الألماني في وارسو رولف نيكل - الذي كان هو نفسه قد غدا هدفاً لتهم «القانون والعدالة» وهجماته - فقال بارتياح وسعادة لقناة ألمانية: إن «الناخبين في بولندا خلقوا ربيعاً في منتصف أكتوبر (تشرين الأول)».

ولم تلبث أن توالت ترحيبات مشابهة من نواب ألمان، فقال تيري راينتكه، النائب في البرلمان الأوروبي عن حزب «الخضر» المشارك في الحكومة الألمانية، إنه يتوقع أن تصبح «بولندا شريكاً بنّاءً... وأن يقوّي التغيير الذي ستحمله الحكومة الجديدة موقعها داخل أوروبا». إذ رأت كاتيا لايكرت، العضو في البرلمان الألماني عن حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي المعارض، أن نتائج الانتخابات في بولندا «تعطي أملاً لأوروبا». وكتبت على منصة «إكس» (تويتر سابقاً): «سيكون مهماً جداً أن يصبح لبولندا من جديد حكومة تؤيد الديمقراطية والاتحاد الأوروبي، وبالأخص، في وقت الأزمات الذي نمر به راهناً».

وسمعت أصداء مشابهة في بروكسل، حيث عمل دونالد توسك بين عامي 2014 و2019 وترأس المجلس الأوروبي - بعد مغادرته منصب رئيس وزراء بولندا بين 2007 و2014 -، وحيث كانت بولندا قد تحوّلت في السنوات الماضية شريكاً مزعجاً ودائم الانتقاد للمؤسسات الأوروبية ومُعرقلاً لقوانين أوروبية مهمة.

وحقاً، نقلت مجلة «بوليتيكو» عن دبلوماسي أوروبي قوله: إن نتائج الانتخابات البولندية «يجب أن تؤدي إلى عمل أكثر سلاسة داخل الاتحاد الأوروبي يعكس أسس الاتحاد وقيمه، خاصة لجهة المسؤولية والتضامن». وأردف الدبلوماسي للمجلة: إن «رفض سياسات الأحزاب اليمينية المتشددة يجب أن يكون مثالاً للآخرين، على أمل أن يدفع هذا الأمر بالاتحاد الأوروبي إلى أن يصبح أقوى في وجه التهديدات الجيو سياسية».

منعطف يشجع الاعتدالوفي الإطار نفسه، رأت عدة جهات أن انتصار ائتلاف توسك المعتدل على اليمين المتشدد الشعبوي الممسك في السلطة حتى هزيمته بالأمس، «إشارة أمل إلى الأحزاب الأوروبية المعتدلة» بعد موجة من انتصارات الأحزاب والقوى المتشددة والمتطرفة شهدتها دول عدة، منها إيطاليا والمجر وسلوفاكيا. ولقد رأت صحيفة «الغارديان» البريطانية أن نتائج انتخابات بولندا «ملفتة بشكل كبير، خاصة إذا ما وضعت في السياق الأوروبي».

وذكّرت الصحيفة، بالذات، بفوز الحزب اليميني المتطرف «حركة الإخوة الإيطاليين» (الفاشيون الجدد) بزعامة جورجيا ميلوني في إيطاليا، والزعيم اليميني الشعبوي فيكتور أوربان في المجر بولاية حكم رابعة قاضياً على ائتلاف 6 أحزاب معارضة، وأخيراً، فوز روبرت فيتسو (الشيوعي السابق والشعبوي المعادي للمسلمين حالياً) في سلوفاكيا الذي وصفته الصحيفة بأنه «شبيه أوربان».

ماتيوش ماروفييتسكي ... يدلي بصورته (إ.ب.أ)

وقارنت «الغارديان» فوز تلك الأحزاب وما حصل في بولندا، فذكرت أن حزب «القانون والعدالة» البولندي استنسخ واقعياً سياسات الأحزاب المتطرفة في الدول الأوروبية الأخرى، أي الاعتماد على أصوات المتقدّمين في السن، والناخبين خارج المدن الكبيرة من الشرائح الأفقر عبر مزيج من زيادة الإنفاق الاجتماعي والخطاب الشعبوي. وتابعت الصحيفة البريطانية بأن «هذا التكتيك لم ينجح في بولندا، التي شهدت الانتخابات فيها إقبالاً على التصويت غير مسبوق وصل إلى 74 في المائة مقارنة بـ62 في المائة فقط عام 2019، بل إن العاصمة وارسو سجّلت هذه المرة نسبة تصويت زادت عن الـ85 في المائة». واستطردت لتوضح، أن الانتخابات الأخيرة لم تحدّدها أصوات «كبار السن»، بل أصوات الشباب الليبراليين الذين صوّتوا بأعداد كبيرة بعدما نجح توسك في تحريكهم.

وعود توسك لناخبيهخلال الحملة الانتخابات تعهّد دونالد توسك بتأييد زواج المثليين، والسماح بالإجهاض، وهذان موضوعان يحصلان على تأييد الشباب الليبراليين ومعارضة الكبار في السن الذين يكونون عادة محافظين أكثر، ولا سيما في بلد كاثوليكي شديد المحافظة. وشرحت الصحيفة، بأن توسك حرص، من جانب آخر، على الترويج لسياسات اقتصادية تنافس وعود الحزب الحاكم. إذ روّج - مثلاً - لزيادة المساعدات الاجتماعية، والإبقاء على سن التقاعد على حاله، وزيادة مرتبات الموظفين الحكوميين... وغيرها من السياسات التي تشير إلى رفضه اعتماد مبدأ تقليص الانفاق.

من جهتها، قارنت مجلة «بوليتيكو» بين فوز توسك مقابل فوز زعماء شعبويين في دول أخرى، لتستنتج أن «كسب الانتخابات يحتاج إلى موهبة». وأشارت إلى أن توسك «محاور جيد وقادر على التواصل مع الناخبين، كما أنه يعرف كيف يستخدم وسائل الإعلام الحديثة». وتابعت: إن حزب «المنبر المدني» الذي كان توسك من مؤسسيه، «انهار بعدما غادر إلى بروكسل عام 2015 ولكنه الآن قد بُعثت فيه الحياة من جديد».

دونالد توسك... راسماً شارة النصر بإصبعيه (رويترز)

توسك... وملف الهجرة و«المسلمين»

> على الرغم من التفاؤل الأوروبي، قد لا يكون دونالد توسك «الشريك الأوروبي» الذي يطمح إليه الكثيرون. فالرجل أثبت خلال الحملة الانتخابية أن آراءه المتعلقة بالهجرة واللجوء ما عادت تختلف كثيراً عن آراء شعبويي اليمين الذين قارعهم في الانتخابات الأخيرة.

ومع أن حزب «القانون والعدالة حاول مهاجمة توسك في هذه النقطة إبان الحملة الانتخابية، محذّراً الناخبين من أنه «سيدخل آلاف اللاجئين إلى بولندا ويحوّلها إلى لامبيدوزا (جزيرة الاستقبال الإيطالية) ثانية»، فإن الرجل نفسه انتقد سماح الحكومة بدخول أعداد كبيرة من المهاجرين «من دول مسلمة». بل إنه تكلّم عن ضرورة إعادة فرض «السيطرة على حدود» البلاد. وشكّل كلامه هذا قبل أشهر من الانتخابات مفاجأة، ونقيضاً لمواقف سابقة له انتقد فيها الخطاب الشعبوي للحزب الحاكم حول اللاجئين والمهاجرين.

وحول المسلمين، كان توسك يشير إلى مشروع قانون كانت تعمل عليه الخارجية البولندية يتيح لمواطني دول من بينها دول مسلمة، التقدم للحصول على التأشيرات مباشرة من الخارجية - عوضاً عن المرور عبر القنصليات - وهو أمر ما كان متاحاً فقط لمواطني بيلاروسيا. ولقد سعت الخارجية لإدخال التعديلات بحجة ضرورة تسهيل دخول اليد العاملة المطلوبة في العديد من المجالات في بولندا.

وفي تعليق على المشروع، قال توسك في فيديو نشره على «إكس» (تويتر سابقاً) منتقداً زعيم الحزب الحاكم ياروسلاف كاجينسكي: «لقد أدخل 130 ألف مواطن من هذه الدول العام الماضي، وهذا أعلى بـ50 مرة عن عام 2015 - الذي كان العام الأول بعد خروج حزب توسك من السلطة -... فلماذا يهاجم (أي كاجينسكي) المهاجرين واللاجئين، وفي الوقت نفسه، يريد أن يدخل مئات الآلاف من هذه الدول؟».

ما يجدر ذكره، أن بولندا رفضت في السنوات الـ8 الماضية أن تأخذ حصتها من اللاجئين في أوروبا، وقد سجّلت أعلى نسبة مهاجرين في تاريخ البلاد. وفي الأشهر الماضية كان الأوكرانيون هم غالبية اللاجئين، ولكن كان هناك أيضاً أعداد كبيرة من اللاجئين من الشرق الأوسط وآسيا.

وآنذاك تعرّض توسك لانتقادات من الأحزاب التي تحالف معها لتشكيل حكومة لاحقاً في حال الفوز بالانتخابات. وقال أدريان زاندبيرغ، أحد زعماء اليسار: إن «الرهان مع اليمين المتطرّف حول الهجرة مثل مصارعة خنزير في الوحل... هذا ليس أمراً يمكن أن يكسب أصواتاً؛ إذ حاولت أحزاب كثيرة في أوروبا ذلك، وبالنتيجة كان الرابح الوحيد هم الفاشيون».

أيضاً، انتقد توسك عضو سابق في حزبه، وهو من أصل نيجيري اسمه جون غودسون، وكان الوحيد من أصول أفريقية الذي أصبح نائباً عام 2010. إذ كتب غودسون على «إكس» مغرداً: «توسك أكد أن بولندا دولة ترحب بالمهاجرين. دونالد، ما الذي تغير؟».

عليه، يبقى أن يثبت الزعيم العائد ما إذا كانت مواقفه تلك من المهاجرين حقيقية أم كانت لأهداف انتخابية. وهي في حال كانت حقيقية، قد تجد بولندا نفسها في موقع صدام جديد مع الاتحاد الأوروبي الذي يسعى لإصلاح قانون اللجوء داخل الاتحاد كي يصبح توزيع اللاجئين أكثر عدلاً. فحالياً تعتمد الدول على ما يعرف بـ«اتفاقية برشلونة» التي تنص على أن يتقدم طالب اللجوء بأوراقه في أول دولة داخل الاتحاد الأوروبي يصل إليها؛ ما يعني أن إيطاليا واليونان تتحمّلان العبء الأكبر بسبب موقعيهما الجغرافيين على البحر المتوسط.

في مطلق الأحوال، يرى البعض أن التغييرات التي حصلت في بولندا خلال السنوات الـ8 لن يكون سهلاً قلبها رأساً على عقب. وحول هذا الواقع كتب «معهد كارنيغي للأبحاث» أنه رغم اعتراف حزب «القانون والعدالة» بخسارته، لا يجب توقع «انتقال سلس» للسلطة.

وتابع المعهد أن الرئيس الحالي أندريه دودا - المفترض أنه مستقل ولكنه بقي في منصبه منذ تولي «القانون والعدالة» للسلطة، ما زالت لديه سنتان قبل انتهاء ولايته. وحسب المعهد، يستطيع دودا أن يعارض ويعطل إطاحة توسك التغييرات التي أدخلتها الحكومة الحالية، ووضعت بولندا في مواجهة مع الاتحاد الأوروبي.

أوكرانيا... قد تتنفس الصعداء

> انتصار المعتدلين في بولندا يريح القيادة الحالية في أوكرانيا إلى جانب الدول الأوروبية. وعلى الرغم من أن بولندا كانت حليف كييف الأول منذ بداية الحرب مع روسيا، فإن العلاقات سرعان ما توترت خلال الأشهر الماضية، خاصة، بسبب الخلافات حول تصدير الحبوب. ثم أن الحملات الانتخابية شهدت استهدافاً من بعض السياسيين في حزب «القانون والعدالة» لأوكرانيا، وتعهدات بأن وارسو لن تمدها بالسلاح بعد الآن، بل ستركز على تسليح نفسها.

في أي حال، ومع أن هذا الكلام يمكن تفسيره بأنه يتعلق أكثر بأجواء الانتخابات، يشير المتابعون إلى أن الزعيم البولندي «العائد» دونالد توسك معروف، منذ أيامه في بروكسل، بأنه «من الصقور» الذي يدعون لسياسات أكثر تشدداً مع روسيا.

كذلك، في عام 2014، عندما ضمت روسيا شبه جزيرة القرم، كان توسك من موقعه كرئيس للمجلس الأوروبي يعمل بجهد بالغ على إقناع الدول الأوروبية بالتشدد أكثر مع روسيا. ووفق المصادر العليمة، كان يحاول إقناع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل (آنذاك) بتشييد سياستها تجاه موسكو كذلك، من دون أن ينجح.

لهذه الأسباب؛ يرى المراقبون السياسيون أن عودة توسك إلى السلطة في بولندا سيكون مؤشراً إيجابياً لأوروبا التي تنظر بقلق إلى تقلص الحماسة الأميركية لدعم أوكرانيا مقابل توجيه واشنطن تركيزها أكثر على الشرق الأوسط والحرب بين اسرائيل و«حماس».

أيضاً، يأمل البعض أن يتمكن الزعيم البولندي من إعادة وارسو للعب دور قوي داخل الاتحاد الأوروبي، بعد سنوات من التهميش بسبب سياسات الحكومة الحالية. وبالفعل، كتبت مجلة «بوليتيكو»: إن «الترويكا الأوروبية المتمثلة ببرلين وباريس ووارسو هي الأمل الأفضل لأوروبا إذا أرادت أن تكون جدّية في ما يتعلق بأمنها»، في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا. وأضافت أنه في حال «تراجع الدعم الأميركي لحلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوكرانيا، سيتوجب على أوروبا تعويض ذلك». ورأت، من ثم، أن التحول في السياسة في بولندا فرصة جديدة لتحقيق هذا الهدف، وبخاصة أن أوروبا تناقش باستمرار مسألة الاستقلالية الأمنية عن واشنطن، ولكن من دون تقدم. وعليه، عدّت أن توسك «أنقذ الديمقراطية في بولندا وبمقدوره أيضاً أن يقوي الوحدة الأمنية الأوروبية».


مقالات ذات صلة

بعد 25 عاماً من المفاوضات… توقيع اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي و«ميركوسور» اليوم

الاقتصاد سيستفيد أكثر من 700 مليون شخص من اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي و«ميركوسور» (رويترز)

بعد 25 عاماً من المفاوضات… توقيع اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي و«ميركوسور» اليوم

يوقِّع الاتحاد الأوروبي وتكتل ميركوسور التجاري في أميركا اللاتينية، اتفاقية التجارة الحرة التاريخية بين الجانبين، اليوم السبت، بعد نحو 25 عاماً من المفاوضات.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
المشرق العربي العلَم الإسرائيلي ويظهر جزء من مستوطنة معاليه أدوميم الإسرائيلية في الخلفية بالضفة الغربية المحتلة 14 أغسطس 2025 (رويترز) play-circle

الاتحاد الأوروبي يدعو إسرائيل لوقف مشروع إقامة مستوطنة في الضفة الغربية

دعا الاتحاد الأوروبي حكومة إسرائيل لوقف مشروع إقامة مستوطنة جديدة بالضفة الغربية، ووصف الخطوة بأنها «استفزاز خطير».

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا صورة عامة لنوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)

رئيسة وزراء الدنمارك: سنواصل التصدي لمساعي أميركا لضم غرينلاند

قالت رئيسة وزراء الدنمارك، ميته فريدريكسن، اليوم (الخميس)، إن طموح الولايات المتحدة في امتلاك غرينلاند «لا يزال قائماً»

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)
أوروبا الدمار يظهر في موقع غارة إسرائيلية استهدفت منزلاً وسط قطاع غزة (رويترز) play-circle

يدعو لتنفيذها بالكامل... الاتحاد الأوروبي يرحّب بإطلاق المرحلة الثانية من خطة ترمب بشأن غزة

رحَّب الاتحاد الأوروبي، اليوم (الخميس)، بإعلان البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للسلام في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد نماذج لبراميل نفط ومضخة استخراج تظهر أمام ألوان علمي الاتحاد الأوروبي وروسيا (رويترز)

الاتحاد الأوروبي يخفض سقف سعر النفط الروسي إلى 44.10 دولار للبرميل

أعلنت المفوضية الأوروبية، يوم الخميس، خفض سقف سعر النفط الروسي إلى 44.10 دولار للبرميل اعتباراً من 1 فبراير (شباط).

«الشرق الأوسط» (بروكسل )

أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)

تعد العملية الدراماتيكية التي نفّذتها الولايات المتحدة لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وزوجته سيليا فلوريس، وإزاحتهما من السلطة على يد قوات عسكرية أميركية خاصة، واحدة من أهم الأحداث الجيوسياسية في حقبة ما بعد «الحرب الباردة». ومع أن «مسرح» العملية كان في أميركا اللاتينية، فإن تداعياتها تمتد إلى ما هو أبعد من المنطقة. أيضاً يشير الواقع إلى أن الهدف من العملية لم يكن مجرد إسقاط نظام مادورو، بل أيضاً العرض المتعمد للقوة الأميركية، من أجل تعطيل الشبكات الاستراتيجية لأبرز منافسي واشنطن على الساحة العالمية.

يرى مراقبون استراتيجيون أن الولايات المتحدة، عبر عملية اختطاف نيكولاس مادورو واعتقاله، لم تكتفِ بتحييد نظام معادٍ، بل أظهرت كذلك قدرتها على اختراق قيادة حاكمة، وإسقاطها من السلطة، داخل دولة لطالما حظيت بحماية دبلوماسية واقتصادية وعسكرية من منافسي واشنطن الكبار. وبذا، لم تتحدَّ واشنطن حكومة مادورو فحسب، بل تحدّت أيضاً الفرضيات التي يقوم عليها التخطيط الاستراتيجي الصيني والروسي والكوري الشمالي.

في هذا السياق، يعرب المحلل الجيوسياسي الهندي مانيش تشيبر عن اعتقاده بأن العملية الأميركية «ما كانت تهدف إلى تغيير النظام في كاراكاس، بقدر ما كانت تهدف إلى إعادة تأكيد الهيمنة الأميركية... وعموماً سعت العملية إلى تعطيل قدرة الدول المنافسة على بسط نفوذها وتعزيز التسلسل الهرمي في النظام الدولي. وجاءت الرسالة واضحة لا لبس فيها: التحالف مع خصوم الولايات المتحدة لا يضمن الحماية». ويضيف تشيبر: «من وجهة نظر واشنطن، مثّلت فنزويلا نقطة ضغط مثالية؛ إذ كانت متجذّرة بعمق في البنية الاستراتيجية لكل من الصين وروسيا، وتعتمد بشدة على دعمهما الاقتصادي والعسكري، ناهيك من أنها تقع جغرافياً في منطقة تُعتبر تاريخياً حيوية للأمن الوطني الأميركي. وبالتالي، فالضربة في فنزويلا مكّنت واشنطن في آن معاً من تعطيل شبكات منافسة متعددة». وحقاً، كان كل من الصين وروسيا قد استثمرتا بكثافة في فنزويلا ضمن مساعيهما لتحدي النفوذ الأميركي في ما تعتبره واشنطن منذ فترة طويلة «فناءها الخلفي» الاستراتيجي.

انتكاسة استراتيجية لبكين

بالنسبة للصين، يأتي إسقاط مادورو بمثابة ضربة قاسية. إذ إن فنزويلا لم تكُن مجرد شريك آخر في جهود بكين المتنامية للانخراط داخل دول «الجنوب»، بل كانت محوراً استراتيجياً لها في أميركا اللاتينية، واختباراً حاسماً لقدرتها على حماية مصالحها وتحدّي هيمنة واشنطن خارج شرق آسيا.

وحقاً، طيلة عقدين، رسّخت بكين مكانتها كشريك لا غنى عنه لفنزويلا - بلداً وسلطةً - بفضل القروض المدعومة بالنفط، والتعاون في مجال الطاقة، وتمويل البنية التحتية، والدعم الدبلوماسي. وكثيراً ما وصف المحلّلون الصينيون هذه الشراكة بأنها تقوم على «المنفعة المتبادلة»، إذ تلقت كاراكاس دعماً مالياً ودعماً سياسياً. وفي المقابل، أمّنت بكين إمدادات الطاقة ونفوذاً إقليمياً.

أيضاً، برزت الصين كأكبر مستورد للنفط الخام الفنزويلي، وتكشف الأرقام أنها استوردت ما يقارب 400 ألف برميل يومياً عام 2025، أي أكثر من نصف إجمالي صادرات فنزويلا. وكانت هذه التدفّقات النفطية «شريان حياة» لحكومة مادورو، إذ حافظت على إيرادات الدولة تحت وطأة عقوبات وانهيار اقتصادي واضطرابات داخلية مستمرة.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن فنزويلا تهدّدت بأزمات مالية هائلة. ومنذ مطلع العقد الأول من الألفية الثانية، قدّمت لها بكين قروضاً تجاوزت قيمتها 100 مليار دولار، أي ما يقارب 39 في المائة من إجمالي القروض الصينية المقدمة لمجمل دول أميركا اللاتينية. ومع أنها سددت جزءاً من هذه الديون، لا تزال فنزويلا مدينة للصين بما يُقدّر بما بين 10 و12 مليار دولار، معظمها مُرتبط بترتيبات تتعلق بالسلع الأساسية. وبجانب النفط، استثمرت الشركات الصينية بكثافة في التعدين، (بالذات) الذهب والاتصالات والبنية التحتية.

نقاط الضعف الصينية

بالتوازي، وبينما ركّزت التحركات الأميركية الأخيرة في فنزويلا علناً على النفط والنفوذ السياسي، يرى محللون أن «تقييد» المصالح الصينية شكّل هدفاً رئيسياً. إذ لطالما كانت الصين مشترياً أساسياً للنفط الخام الفنزويلي، واستثمرت بكثافة عبر صفقات «قروض مقابل النفط»، التي ربطت التمويل بضمانات إمدادات النفط. ويُبرز تعطيل هذا الترتيب هشاشة أصول الطاقة الصينية في الخارج، ولا سيما المناطق الهشّة سياسياً، وتلك التي تقع خارج نطاق سيطرتها العسكرية. وربما يدفع هذا الانكشاف بكين إلى إعادة تقييم استثماراتها في أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا الوسطى.

الواقع أن فنزويلا تمثّل معضلة في الاستراتيجية الصينية تجاه الموارد الخارجية. فغالباً ما يؤدي تأمين أصول الطاقة والمعادن البعيدة من دون التزامات أمنية مقابلة إلى انكشافها، بدلاً من تعزيز قدرتها على الصمود. وقد تتحوّل الأصول التي كانت تُعدّ في السابق حواجز استراتيجية إلى أعباء في المناطق المتنازع عليها، خاصةً في ظل اشتداد المنافسة الجيوسياسية وقدرة الخصوم على إعادة رسم النتائج بالقوة أو الدبلوماسية.

الثروات الأرضية النادرة

وهنا يتناقض ضعف الصين بشكل حادّ مع موقعها في مجال الثروات الأرضية النادرة والمعادن الحيوية. ولقد وصف مسؤولون ومحللون أميركيون المتطلبات الصينية المتعلقة بتراخيص التصدير التي أقرّت أواخر عام 2025 بأنها محاولات «لاستغلال» قدرتها التصنيعية شبه المهيمنة، خاصة في مجال المعادن النادرة المتوسطة والثقيلة التي تتسم بأهمية بالغة لأنظمة الدفاع والإلكترونيات المتقدمة والمركبات الكهربائية وتقنيات الطاقة المتجددة. وجاءت هذه الإجراءات عقب فرض واشنطن قيوداً على أشباه الموصلات وغيرها من التقنيات ذات الاستخدام المزدوج للشركات الصينية. ومع أن بكين حافظت لاحقاً على الصادرات بموجب ترتيبات محدودة ومؤقتة، عزّزت هذه العملية المخاوف من جاهزيتها لتحويل هيمنتها التصنيعية إلى نفوذ جيوسياسي.

في هذا الإطار، يرى المحلل الهندي راجا موهان أن الضغط الأميركي على فنزويلا «قد يُستخدم كورقة ضغط مضادة غير مباشرة في مواجهة السيطرة الصينية على المعادن النادرة وغيرها من المواد الاستراتيجية». وعبر تهديد مصدر طاقة رئيس واحتياطيات معدنية محتملة، «تضغط واشنطن على بكين في مجالات استراتيجية متعدّدة»... وبالتالي، يمكن اعتبار تشديد بكين اللاحق على «ضوابط» تصدير المعادن النادرة خطوة دفاعية أو انتقامية في خضم صراع جيوسياسي متصاعد، لا مجرّد إجراء اقتصادي معزول.

من جهة ثانية، لا تقتصر الأهمية الاستراتيجية لفنزويلا على النفط وحده، إذ تختزن أرضها أيضاً احتياطيات غير مستغلة من المعادن النادرة البالغة الأهمية للتخطيط الصناعي والتكنولوجي والدفاعي الطويل الأجل. وفي هذا الإطار، رأى المحلل الهندي سوشانت سارين أن قضية المعادن النادرة «تُسلط الضوء على حدود جهود الإكراه الاقتصادي من دون وجود نفوذ أمني مُكمّل. فالهيمنة على سلاسل التوريد قد تُوفر قوة تفاوضية قصيرة الأجل، لكنها لا تستطيع منع الخصوم من إعادة تشكيل المشهد الاستراتيجي بالوسائل السياسية أو العسكرية». وهكذا، تحمل فنزويلا درساً مهماً لبكين: فالسيطرة على نقاط الاختناق في عمليات المعالجة لا تعني بالضرورة السيطرة على نتائجها داخل المساحات الجيوسياسية، التي تحركها الأزمات.

انكشاف فجوة الصدقية

وللعلم، في أعقاب العملية مباشرة، أصدرت بكين إدانة دبلوماسية شديدة اللهجة، متهمة واشنطن بانتهاك القانون الدولي وتهديد الاستقرار الإقليمي. واستنكر المسؤولون الصينيون ما وصفوه بـ«السلوك الساعي لفرض الهيمنة»، وحذّروا من الإجراءات أحادية الجانب. لكن، بخلاف الخطابات والتصريحات، لم تُقدّم القيادة الصينية أي ردّ ملموس. إذ لم تكن هناك أي إشارة عسكرية، ولا أي نشر وقائي، ولا أي إجراء مضاد لحماية مصالحها أو أفرادها على الأرض. وأكثر من هذا، تشير تقارير إلى أن الاستخبارات الصينية بوغتت بالعملية الأميركية، في حين أثبتت أنظمة الدفاع الجوي الصينية في فنزويلا انعدام فاعليتها خلال العملية.

بخلاف التداعيات الدبلوماسية المباشرة، قد تجبر الأزمة الفنزويلية بكين على مواجهة تناقضات هيكلية أعمق في استراتيجيتها العالمية؛ فقد بنت الصين نفوذها الخارجي أصلاً على المهارة الاقتصادية للدولة كالقروض، والبنية التحتية، وشراكات الطاقة، والإحجام عن فرض شروط سياسية. لكن أزمة فنزويلا الأخيرة كشفت أن العمق الاقتصادي لا يُترجم تلقائياً إلى قدرة على الصمود في وجه الأزمات. وهنا يحلّل راجا موهان المسألة على النحو الآتي: «تكشف هذه الحادثة عن فجوة في مصداقية الاستراتيجية الصينية العالمية. إذ بمقدور بكين تقديم الاستثمار والتجارة والدعم السياسي، لكنها عاجزة حتى الآن عن تقديم ضمانات أمنية قاطعة بمواجهة قوة أحادية حاسمة».

ويتابع المحلل الهندي: «بما يخص حكومات أميركا اللاتينية، تثير التداعيات القلق، فالتقارب مع الصين يُحقق فوائد اقتصادية، لكنه لا يُترجم بالضرورة إلى حماية عند مواجهة ضغوط واشنطن. بل قد يتبع ذلك إعادة تقييم هادئة للتوجّه نحو واشنطن للحصول على ضمانات أمنية... ما يُبطئ وتيرة التوسع الصيني إقليمياً».

أما المحلل الاستراتيجي الهندي أماليندو ميسرا، فيوضح: «إن أمام صانعي السياسة الصينيين الآن مراجعة صعبة. فحماية الاستثمارات الخارجية بالوسائل العسكرية تتطلب تمركزاً متقدماً، واختراقاً استخباراتياً، وتأهباً للتصعيد... وهذه خطوات تتناقض في مجملها مع تركيز بكين المُستمر على تجنّب التدخل. ومع ذلك، فإن استمرار ضبط النفس يُهدد بمزيد من تآكل المصداقية بين الدول الشريكة».

هذه الفجوة في الصدقية لا تنطبق على فنزويلا وحدها، بل يتردد صداها في جميع أنحاء منطقة «مبادرة الحزام والطريق» الصينية الأوسع، حيث يجري عدد من الدول المستفيدة من «المبادرة» تقييماً هادئاً لمدى ضمان الشراكات الاقتصادية مع الصين، أي حماية أمنية فعّالة خلال فترات الأزمات الحادة. وعليه، فمثال انعدام الحماية الصينية في فنزويلا قد يؤثر على المفاوضات المستقبلية، وتقييمات المخاطر، والتوقعات السياسية في مناطق بعيدة عن أميركا اللاتينية.

هل تُشكّل فنزويلا نموذجاً لتايوان؟

على صعيد آخر، بين القراءات الأكثر جدية لعواقب العملية الأميركية القراءة الخاصة بمصير تايوان. فهل تعتبر بكين العملية نموذجاً لمعاملة تايوان؟

ظاهرياً، استغلّ المسؤولون الصينيون العملية للتشكيك في صدقية الولايات المتحدة حيال الالتزام بمبادئ السيادة والقانون الدولي. لكن ثمة محللين عقدوا مقارنات مباشرة بين فنزويلا وتايوان. وكمثال، وصف ستيف تسانغ، مدير معهد الدراسات الصينية في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية (سواس) بجامعة لندن، هذا بأنه «فخّ نفاق» يسمح لبكين بالزعم أن المعايير الدولية تُطبّق بشكل انتقائي، وبالتالي فهي قابلة للتفاوض.

وفي المقابل، يرفض آخرون فكرة أن فنزويلا تُقدّم نموذجاً تكتيكياً لتايوان. ووفق واي كيه سينها، السفير الهندي السابق لدى فنزويلا: «ثمة فوارق واضحة... فنزويلا تفتقر إلى حلفاء موثوقين مستعدين للقتال، ولم تكن لديها ضمانات أمنية مُلزمة، كما كانت قدراتها الردعية ضئيلة. أما تايوان فتشكل النقيض تماماً، إذ تتميّز بدعم أميركي عميق، وتكامل عسكري كثيف، ومخاطر تصعيد عالية للغاية، الأمر الذي تدركه بكين بوضوح».

ولكن رغم استبعاد أن تُشكّل فنزويلا نموذجاً عسكرياً لتايوان، فإنها تُزوّد بكين بذخيرة خطابية في بحر الصين الجنوبي. وعبر تسليط الضوء على الأحادية الأميركية، تستطيع بكين أن تُجادل بأن الأعراف السائدة تتبع القوة، بدلاً من أن تُقيّدها. ويدعم هذا التأطير ادعاء بكين القديم بأن أفعالها في المياه المتنازع عليها لا تختلف عن التدخلات الأميركية في أماكن أخرى.

كوريا الشمالية...وتعزيز خطاب الردع

في اتجاه آخر، إلى جانب الصين، وجّهت عملية فنزويلا رسالة ردع إلى كوريا الشمالية. وجاء ردّ فعل قيادتها أقوى وأكثر حدة من كثير من الردود الدولية الأخرى. وبعكس بعض حلفاء واشنطن، الذين أعربوا عن قلقهم، لكنهم لم يصلوا إلى حد الإدانة الصريحة، كان ردّ بيونغ يانغ قاسياً وذا طابع آيديولوجي، متسقاً مع معارضتها التاريخية للعمليات العسكرية الأميركية.

إذ أدانت وزارة خارجية بيونغ يانغ، عبر وكالة الأنباء المركزية الكورية الرسمية، العملية، ووصفتها بأنها «أخطر شكل من أشكال التعدي على السيادة»، واصفةً الولايات المتحدة بأنها «مارقة ووحشية». وأعقب هذه الإدانة إطلاق صواريخ باليستية - الأولى منذ عدة أسابيع – ما فُسِّر على نطاق واسع بأنه إشارة متعمدة.

ومن ثم، يرى محللون أن العملية الفنزويلية تعزز الاعتقاد الاستراتيجي الأساسي لدى كوريا الشمالية بأن الأسلحة النووية لا تزال الضمانة النهائية لبقاء النظام. ووفق المحلل الهندي سوشانت سارين: «فيما يخص يونغ يانغ، تُعزز فنزويلا قناعة راسخة مفادها أن الأنظمة التي تفتقر إلى رادع موثوق، تظل عرضة للخطر بغضّ النظر عن التحالفات الدبلوماسية. وتُعزز هذه الحادثة مبررات كوريا الشمالية للاحتفاظ بترسانتها النووية وتوسيعها، وتُصعّد مقاومتها لنزع السلاح النووي، وتُرسّخ فكرة أن القوة العسكرية الضمانة الوحيدة ضد التدخل الخارجي».

نمط استراتيجي أوسع

في نهاية المطاف، تُبرز عملية فنزويلا سمة أساسية للجغرافيا السياسية المعاصرة: أن القوة تُمارس بشكل متزايد من خلال السرعة والدقة والتأثير النفسي، بدلاً من المواجهة المطولة. وفي ما يخص الصين وكوريا الشمالية، بل روسيا أيضاً، تُذكّر هذه الحادثة بأن النفوذ دون حماية قابلة للتنفيذ يبقى مشروطاً. وفي نظام تكون فيه مصداقية الردع أهم من التحالفات القائمة على التصريحات والبيانات، من المرجح أن يشكل التوازن بين النطاق الاقتصادي والقدرة الأمنية النتائج الاستراتيجية في السنوات المقبلة.


مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
TT

مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع

في قلب غرب أفريقيا، تبرز قصة الرئيس الغيني مامادي دومبويا، كواحدة من أكثر التحولات السياسية دراماتيكية، المشحونة بالتناقضات خلال العقد الأخير. إذ نجح العسكري الذي أمضى معظم حياته برتبة عريف أوَّل في الجيش الفرنسي، خلال 4 سنوات فقط في التدرّج من قائد انقلاب عسكري إلى رئيس منتخب أخيراً، في مشهد يعكس تعقيدات السلطة والسياسة في «القارة السمراء». ما يجعل رحلة دومبويا أكثر إثارة للجدل هو التناقض العميق في شخصيته وسياساته، فهو يحكم بلداً غنياً بالثروات المعدنية، لكن البلاد تعاني تحت وطأة الفقر. ثم إن دومبويا، الذي تلقى إعداداً عسكرياً مبكّراً في إسرائيل، يقف في قلب مفارقة تاريخية وسياسية، فقيادته جاءت في بلد عرف بدعمه لحركات التحرّر الوطني الأفريقي وبتوتراته مع إسرائيل، لكنه اليوم يسعى لإعادة تشكيل الدولة وفق رؤيته الخاصة.

مامادي دومبويا، البالغ من العمر 42 سنة، لم يتردّد في استخدام سرعته العسكرية لتحقيق السلطة، لكنه لم يكتفِ بذلك، بل مضى نحو كسب شرعية انتخابية لإعادة إنتاج قيادته وإضفاء طابع قانوني على حكمه، في قارة شهدت عشر انقلابات خلال 5 سنوات.

تحيط أستار السرّية بنشأة دومبويا، المولود يوم 5 ديسمبر (كانون الأول) 1984 في مدينة كانكان بشرق غينيا، لكن المعروف أنه ينتمي إلى شعب «المالينكي»، وهو مجتمع تاريخياً محافظ، وقيادي، ومتماسك اجتماعياً، له تأثير سياسي واضح، ما يفسّر حضور شخصيات مثل دومبويا في المشهد العسكري والسياسي لغينيا وأفريقيا الغربية.

زوجة فرنسية

هذا الانتماء العرقي الأصيل لم يمنع دومبويا من الزواج من سيدة فرنسية بيضاء، اسمها لوريان داربو، وسط شحِ في المعلومات عن «سيدة غينيا الأولى» المرتقبة. ومن ناحية ثانية، يُنظر إلى الرئيس الغيني كقائد عسكري استثنائي، تميَّز عن نظرائه من قادة الانقلابات في القارة الأفريقية، إذ جمع بين التدريب التكتيكي التقليدي والخبرة في الأمن السيبراني والإدارة الاستراتيجية. ولقد صُقلت هذه المهارات عبر مسار مهني طويل، تميّز بالتدريب الدولي والعمل الميداني في عدة دول، أبرزها فرنسا حيث أمضى 15 سنة ضمن صفوف الجيش و«الفيلق الأجنبي» الفرنسي، مكتسباً خبرة لا تقتصر على التكتيكات العسكرية التقليدية فحسب، بل شملت أيضاً مهارات القيادة في بيئات معقّدة ومتعدِّدة الأبعاد.

خلال مسيرته، شارك دومبويا في عدة مهام عملياتية في مناطق النزاعات حول العالم، من أفغانستان وكوت ديفوار إلى جيبوتي وجمهورية أفريقيا الوسطى، كما تولّى حماية شخصيات دولية في إسرائيل وقبرص وبريطانيا وغينيا، وفق تقارير «إنتليجنس أونلاين». كلّ هذه التجارب أكسبته رؤية شاملة لمفاهيم الأمن وإدارة الأزمات، جعلته قادراً على التحرّك بسرعة وكفاءة في مواجهة التحدّيات السياسية والعسكرية على حد سواء.

وبدت مفارقة الأقدار متجسّدة بوضوح في المسار الذي أوصل دومبويا إلى قمة السلطة، بتناغم لافت مع مقولة الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه «مَن يرفعكَ إلى القمة قد يكون أول مَن يدفعك منها». إذ في عام 2018، لم يكُن الرئيس السابق ألفا كوندي يتوقّع أن قراره بتكليف دومبويا بقيادة مجموعة «القوات الخاصة» النخبوية (GFS) سيؤسس، بعد ثلاث سنوات فقط، لانقلاب عسكري أطاح به في سبتمبر (أيلول) 2021 على يد «الوحدة» ذاتها التي أوكل إليها حمايته وترسيخ نفوذه.

نموذج معقّد للقادة الانتقاليين

بعد هذا الانقلاب، الذي لحق بموجة انقلابات اجتاحت «القارة السمراء» منذ مطلع هذا العقد، جسَّد مامادي دومبويا نموذجاً معقداً لقائد انتقالي يجمع بين خطاب الاستقرار والتنمية وطموح تثبيت السلطة، في ظل مسار سياسي يثير جدلاً واسعاً حول الالتزام بالديمقراطية والحرّيات.

ذلك أنه بينما قدّم نفسه منقذاً للدولة من «حكم الفرد» التسلّطي في أول ظهور تليفزيوني له عقب الانقلاب، تلازمت سلطته مع تضييق غير مسبوق على المعارضة، شمل حلّ عشرات الأحزاب وإقصاء المنافسين المحتملين، ما أفرغ الانتخابات الرئاسية من مضمون التعدّدية.

وفي الاتجاه نفسه، حمل تحوّل الرجل من «قائد انقلاب» إلى «رئيس منتخب» تناقضات صارخة، أبرزها تراجعه عن تعهدات سابقة بالامتناع عن الترشح، عقب تعديل دستوري أزال القيود المفروضة على أعضاء المجلس العسكري. وفي مقابل خطابه الذي بشّر بإنهاء الحكم الفردي، تتهمه تقارير دولية ومحلية اليوم بتقييد الحرّيات وقمع الاحتجاجات وتهميش الخصوم السياسيين.

وحقاً، بين تثبيت الشرعية والتضييق على المعارضين داخلياً، يخضع مسار مامادي دومبويا لاختبار دقيق بين السلطة والحقوق. ففوزه الرئاسي بنسبة 86.72 في المائة بيَّن دعماً شعبياً شكلياً، خاصة بين الشباب والعمال، وهو ما كشفته شهادات بثتها وكالات أنباء عالمية. وفي المقابل، حاول ترسيخ صورة انتقاله من قائد عسكري إلى صاحب شرعية انتخابية مدنية وسياسية جديدة كاملة، بكلامه عن «غينيا للجميع».

من جهة أخرى، ركَّز دومبويا اقتصادياً، على قطاع التعدين ومشروع «سيماندو» للحديد، الذي تملك الصين 75 في المائة منه، مع استثمارات البوكسيت والبنية التحتية. وهنا نشير إلى أنه، على الرغم من برامج تدريب الشباب الرقمية، يواجه نصف سكان غينيا فقراً، وأمناً غذائياً هشّاً، وسط انتقادات ترى الإصلاحات تكريساً للسلطة واستمرار التحديات الاجتماعية الكبرى.

اختبار السياسة... إقليمياً ودولياً

على الصعيد السياسي، يأتي الاختبار التقليدي لمسار دومبويا على المستوى القاري الأفريقي، ضمن موجة الانقلابات التي وقعت منذ عام 2020 في غرب أفريقيا والساحل. وهذه الانقلابات تجسّد توتر علاقة الجيوش بالسلطة المدنية، مع سعي قادتها «إنتاج» شرعيتهم انتخابياً. وكما هو معروف، تشهد أفريقيا جنوبي الصحراء عدة حالات لقادة عسكريين شرعنوا بقاءهم حتى 2029 تقريباً، مع إمكانية إجراء انتخابات فقط إذا تحسّنت الظروف الأمنية.

أما لجهة السياسة الدولية العليا، فلم توضع علاقات دومبويا مع واشنطن على محك التجربة بعد بشكل مباشر ومعلن. إلا أن فوزه حظي بلهجة معتدلة من جانب واشنطن، عبر سفارتها، التي أعربت عن دعمها الرسمي للرئيس المنتخب، مع التركيز على العلاقات الاقتصادية والاستقرار. واللافت أن الصين، الشريك الاقتصادي الرئيسي لدومبويا، لم تكن بمنأى عن المشهد، إذ سارع رئيسها شي جينبينغ برسالة تهنئة، مشدّداً على تطوير الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين.

دور إسرائيل الموعود... والمتعاظم مستقبلاً

ولكن بجانب هذه المفارقة، ثمة مفارقة مهمة أخرى لا تبدو اليوم لافتة بقدر ما هي دالة تاريخياً. ففي بلدٍ، كغينيا ارتبط اسمه طويلاً بموقف عدائي صريح من إسرائيل إبان عهد زعيمه الاستقلالي التاريخي أحمد سيكوتوري، تبدو الأمور إلى تغيّر جذري.

سيكوتوري كان قد قطع العلاقات مع الدولة العبرية تضامناً مع الدول العربية عقب نكسة الخامس من يونيو (حزيران) 1967، إلا أن المشهد السياسي الراهن يسير في مسار مغاير تماماً، ولعل الترحيب الأميركي بانتخاب دومبويا ينمّ عن التغيّر المرجح. ذلك أنه سبق لدومبويا، أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع، بعدما أوفدته فرنسا ضمن برامج ذات طابع أمني، فيما يوحي بوجود تحوّل عميق في بوصلة العلاقات الخارجية لكوناكري.

أيضاً، إبان عهد دومبويا، أبدت إسرائيل اهتماماً خاصاً بتعزيز حضورها في قطاع الأمن السيبراني الغيني، وفق ما أورده موقع «إنتليجنس أونلاين» الاستخباراتي، وهذه خطوة تعكس استمرارية العلاقات الدبلوماسية التي أُعيد إحياؤها عام 2016 بعد قطيعة دامت قرابة خمسة عقود. وكذلك يشير هذا التطور إلى فتح صفحة جديدة من التعاون تتجاوز الطابع الدبلوماسي التقليدي إلى شراكات أمنية وتقنية أكثر عمقاً. ويرى خبراء أن هذا المسار مرشّح لمزيد من التوسّع.

تطبيع واستخبارات

وفي تقدير للدكتور يسري العزباوي، الباحث السياسي في «مركز تريندز للبحوث والاستشارات» في أبوظبي، فإن دومبويا، سواءً استمر في السلطة أو خلفه غيره، «سيمضي بخطوات أوسع على طريق التطبيع مع إسرائيل، لا سيما في مجالي التعاون العسكري والتسليح». ويضيف العزباوي أن مجموعة كبيرة من الدول الأفريقية التي تشهد انقلابات عسكرية تبقى عملياً رهينة للرضى الأميركي، مذكّراً بأن «المدخل إلى هذا الرضى يمر غالباً عبر إسرائيل».

ويستند العزباوي في تحليله، إلى ما يصفه بـ«التوغّل الإسرائيلي المتنامي في أفريقيا طيلة السنوات الأخيرة، في مقابل غياب تنسيق عربي فاعل». ويلفت في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن السلاح الإسرائيلي لم يعُد حاضراً في دول أفريقيا جنوبي الصحراء ووسطها فحسب، بل امتد أيضاً إلى شمال القارة.

ووفق العزباوي، يكتسب هذا التوجّه زخماً إضافياً، من «التأييد الكامل الذي وفّرته إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب لإسرائيل»، ما يمنحها هامش حركة أوسع في الساحة الأفريقية.وإجمالاً، فإن نجاح دومبويا في الانتقال من قائد انقلاب إلى رئيس منتخب يمثل اختباراً نادراً في أفريقيا، حيث لا تتيح الانقلابات العسكرية عادةً فرصة للتحوّل إلى قيادة مدنية شرعية، بما يفتح باب التساؤل... هل تكون تناقضات دومبويا هي «كلمة السرّ» التي ستجعله استثناءً في «القارة السمراء»؟


في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
TT

في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo

تقف غينيا، الواقعة في قلب غرب أفريقيا، عند مفترق طرق اقتصادي وسياسي حاسم وبالغ الحساسية. فالبلد الذي يزخر بواحدة من أغنى الثروات الطبيعية في القارة، يجد نفسه أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في تحويل هذه الموارد الهائلة إلى نمو اقتصادي شامل ومستدام، بالتوازي مع مساعٍ لتحقيق استقرار سياسي بعد عقود من الاضطرابات والانقلابات العسكرية التي ألقت بظلالها الثقيلة على مسار التنمية.

منذ الاستقلال عن فرنسا عام 1958، شهدت غينيا ثلاثة انقلابات عسكرية بارزة أعوام 1984 و2008 و2021، أطاحت برؤساء مدنيين أو عسكريين، ورسّخت صورة بلد يعاني من هشاشة سياسية مزمنة.

هذا الإرث الانقلابي أسهم في إضعاف ثقة المستثمرين، وعرقل في فترات كثيرة الاستفادة الكاملة من الثروات الطبيعية، وبالتالي الإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي تمتلكها غينيا.

وأيضاً رغم هذا السياق السياسي المعقَّد، شهد الاقتصاد الغيني خلال السنوات الأخيرة نمواً ملحوظاً، مدفوعاً أساساً بقطاع التعدين. إذ أعادت الطفرة في صادرات المعادن غينيا إلى واجهة الاهتمام الدولي، لا سيما مع امتلاكها أكثر من 25 في المائة من احتياطيات البوكسيت العالمية، ما يجعل منها واحدة من أكبر مصدّري هذه المادة الخام الأساسية لصناعة الألمنيوم. وبالإضافة إلى البوكسيت، تزخر البلاد باحتياطيات معتبرة من الذهب والألماس ومعادن أخرى، ما يمنحها موقعاً استراتيجياً في خريطة الموارد الطبيعية الأفريقية.

في نهاية عام 2025، خطت الحكومة الغينية خطوة وُصفت بالتاريخية عبر تدشينها استغلال منجم سيماندو العملاق للحديد في جنوب البلاد، وهو أحد أكبر مكامن الحديد غير المستغلة في العالم. ولقد رُوّج للمشروع رسمياً بأنه «حلم أجيال»، نظراً لما يُنتظر أن يوفره من عائدات مالية وفرص عمل، إضافة إلى دوره في تعزيز البنية التحتية عبر إنشاء خطوط سكك حديدية وموانئ مرتبطة به. بيد أن المشروع، على ضخامته، يضع غينيا قبالة تحديات كبيرة تتعلق بالحوكمة والشفافية، بالذات في قطاع التعدين الذي لطالما كان بؤرة نزاعات سياسية وقانونية.

بيانات البنك الدولي تفيد بأن الناتج المحلي الإجمالي لغينيا سجل نمواً ثابتاً في السنوات الأخيرة، مستفيداً من توسع أنشطة التعدين وارتفاع الإنتاج الزراعي. ومع هذا، لا يزال الاقتصاد الغيني يعاني من اختلالات هيكلية، في مقدمتها الاعتماد المُفرط على الموارد الطبيعية وضعف تنويع القطاعات الاقتصادية، إلى جانب محدودية الإيرادات الضريبية، ما يقيّد قدرة الدولة على تمويل الخدمات الاجتماعية الأساسية.

من ناحية أخرى، تظل الزراعة، التي تشغّل أكثر من نصف القوى العاملة، قطاعاً حيوياً، لكنه يعاني من ضعف الإنتاجية واعتماد أساليب تقليدية، الأمر الذي يقلص مساهمته في الصادرات والنمو الاقتصادي. ويرى خبراء أن تحديث هذا القطاع يمكن أن يشكل رافعة حقيقية للتنمية، خصوصاً في المناطق الريفية الأكثر فقراً.

إلى جانب التعدين والزراعة، تمتلك غينيا إمكانات هيدروليكية كبيرة تؤهلها لأن تغدو مصدراً رئيساً للطاقة في غرب أفريقيا. وراهناً تسعى السلطات إلى استثمار هذه الموارد عبر مشاريع لتوسيع إنتاج الكهرباء، وتحديث الموانئ، وتطوير شبكات السكك الحديدية، من بينها خط سيماندو – موريبايا الذي يمتد لأكثر من 650 كيلومتراً، بما يعزّز ربط البلاد بالأسواق العالمية ويسهل حركة التجارة.

ولكن، رغم هذه الآفاق الواعدة، تبقى التحديات الاجتماعية والاقتصادية حاضرة بقوة. فالفقر ما زال واسع الانتشار، وإمكانات الدولة المالية محدودة، في حين يواصل ضعف الشفافية في قطاع التعدين إثارة مخاوف المستثمرين الدوليين. وبالطبع يبقى الاستقرار السياسي عاملاً حاسماً وضرورياً في مستقبل البلاد، في ظل تاريخ طويل من الانقلابات والحكم المدني المتعثر.

وبالتالي، يرجّح مراقبون أن نجاح غينيا في تحويل ثرواتها الطبيعية إلى تنمية حقيقية يتوقف على تنفيذ تغييرات بنيوية عميقة، تشمل تعزيز الإدارة المالية والاستثمار في رأس المال البشري وتنويع الاقتصاد بدلاً من الاعتماد الأحادي على التعدين، وقبل كل ذلك بيئة سياسية دون انقلابات عسكرية أو توترات سياسية.