بولندا تأمل في العودة إلى أوروبا مع استعادة توسك الحكم

بروكسل متفائلة بهزيمة اليمين المتشدد رغم استمرار القلق

حشد انتخابي وعرض عضلات في العاصمة وارسو لتحالف المعارضة البولندية الفائز (رويترز)
حشد انتخابي وعرض عضلات في العاصمة وارسو لتحالف المعارضة البولندية الفائز (رويترز)
TT

بولندا تأمل في العودة إلى أوروبا مع استعادة توسك الحكم

حشد انتخابي وعرض عضلات في العاصمة وارسو لتحالف المعارضة البولندية الفائز (رويترز)
حشد انتخابي وعرض عضلات في العاصمة وارسو لتحالف المعارضة البولندية الفائز (رويترز)

لم تحظ الانتخابات التي شهدتها بولندا الأحد الماضي بالكثير من الاهتمام، ومع ذلك، فإن متابعيها وصفوها بأنها كانت الانتخابات الأهم التي مرّت على البلاد منذ سنوات، وربما منذ سقوط الاتحاد السوفياتي. السنوات الـ8 الماضية التي حكم خلالها حزب «القانون والعدالة» اليميني المتشدد بولندا، سجّلت تراجعاً كبيراً في مستوى الحريات العامة قياساً بمعايير الاتحاد الأوروبي، وبالتالي، دخلت الحكومة التي يرأسها ماتيوش ماروفييتسكي في مسار المواجهة الدائمة مع الاتحاد. بل، دفعت الأمور المفوضية الأوروبية إلى تجميد ما يقارب الـ35 مليون يورو كمساعدات سبق أن أُقرّت عام 2020 للدول الأعضاء لمواجهة تبعات جائحة «كوفيد - 19». وجاء قرار تجميد الأموال رداً على تغييرات قضائية أدخلتها الحكومة اليمينية، وعدّت المفوضية أنها تقوض الحريات وتؤثر على استقلالية القضاء. غير أن نتائج انتخابات الأحد الماضي أظهرت تقدّم ائتلاف يضم 3 أحزاب يقودها دونالد توسك، رئيس المجلس الأوروبي سابقاً وزعيم حزب «المنبر المدني» ورئيس الحكومة البولندية بين 2007 و2014. ومع أن حزب «القانون والعدالة» حصل على أكبر نسبة من الأصوات قاربت الـ37 في المائة، فإنه سيعجز عن تشكيل ائتلاف حكومي؛ لأن شريكه المحتمل لم يحصل على أصوات كافية تخولهما الحكم بغالبية مطلقة. وهكذا، فُتح الباب أمام توسك ليشكل إئتلافاً حاكماً يضم 3 أحزاب - من اليمين المعتدل والوسط واليسار المعتدل - كانت قد اتفقت قبل الانتخابات على التحالف سوية في وجه «القانون والعدالة».

عندما بدأت تظهر نتائج الانتخابات البولندية مساء الأحد، بدأت مفوضية الاتحاد الأوروبي في بروكسل ومعها دول أوروبية أخرى، خاصة ألمانيا، تتنفس الصعداء. ذلك أن برلين كانت قد تحوّلت هدفاً سهلاً لحزب «القانون والعدالة» البولندي الحاكم طوال الأسابيع الماضية. والسبب، أن الحزب اليميني المتشدد والشعبوي - المناوئ للتكامل الأوروبي والمعادي للهجرة - الذي حكم بولندا منذ عام 2015، لم يكتفِ بوضع البلاد على خط المواجهة مع بروكسل، بل مع برلين أيضاً.

المطالبة بتعويضات الحرب وخلال الأشهر الماضية طغت على العلاقة بين حكومتي الدولتين «الجارتين» ألمانيا وبولندا مسألة التعويضات عن خسائر الحرب العالمية الثانية، التي طالبت وارسو من برلين دفعها بمبالغ تزيد على تريليون يورو. وفي سبتمبر (أيلول) من العام الماضي، قدّمت بولندا فاتورة لألمانيا في الذكرى الـ83 لهجوم ألمانيا النازية عليها، مطالبة بتعويضات بمبلغ 1.3 تريليون يورو. وهنا تجدر الإشارة إلى أن المسؤولين الألمان يكرّرون دائماً الإقرار بمسؤولية بلادهم تجاه بولندا بسبب الجرائم التي ارتكبها النازيون هناك، إلا أن الحكومة الألمانية ترفض إعادة فتح ملف تعويضات الحرب وتقول: إنه ملف أُغلق ولن تعاد مناقشته. وكذلك، ترى أن المبلغ المطلوب من بولندا ضخم جداً، وبالتالي، وغير مقبول.

من جهة ثانية، لا تخيم فقط مسألة العلاقة التاريخية بين الدولتين «الجارتين» على طبيعة العلاقة الثنائية الحالية، بل تمتد إلى خلافات أخرى أساسية، منها على سبيل المثال السياسة الخارجية، وفي طليعتها مسألة التعامل مع روسيا.

وما يستحق الذكر، أنه قبل الحرب بين روسيا وأوكرانيا، كانت برلين تنظر إلى الحكومة البولندية على أنها شديدة العدائية تجاه موسكو، بينما يرى اليمين البولندي الحاكم - حتى الانتخابات الأخيرة - أن الحكومة الألمانية مقربة بشكل ساذج من روسيا.

ثم إبان أزمة اللاجئين عام 2015، اختلفت حكومتا برلين ووارسو حول مقاربة المشكلة التي قسمت أوروبا كذلك. وفي حين فتحت ألمانيا الأبواب أمام مئات آلاف اللاجئين، أغلقته بولندا ورفضت تقاسم «أعباء اللجوء واللاجئين». وأخيراً، في الأسابيع الماضية، هزّت بولندا فضيحة بيع تأشيرات «شينغن» للاجئين بهدف تسهيل دخولهم إلى ألمانيا؛ ما زاد العلاقات الثنائية تعقيداً، ودفع ببرلين إلى طلب توضيحات حول المسألة من وارسو. وفي هذه الأثناء، تحوّلت ألمانيا نفسها هدفاً سهلاً لهجمات حزب «القانون والعدالة» طوال الحملة الانتخابية، بل الحزب وجّه اتهامات لزعيم الائتلاف المنافس تاسك بأنه «عميل لألمانيا» وأنه «ينقاد خلفها من دون تفكير».

ترحيب حار بالنتائجبعدها، ولدى توالي إعلان نتائج الانتخابات، علّق السفير الألماني في وارسو رولف نيكل - الذي كان هو نفسه قد غدا هدفاً لتهم «القانون والعدالة» وهجماته - فقال بارتياح وسعادة لقناة ألمانية: إن «الناخبين في بولندا خلقوا ربيعاً في منتصف أكتوبر (تشرين الأول)».

ولم تلبث أن توالت ترحيبات مشابهة من نواب ألمان، فقال تيري راينتكه، النائب في البرلمان الأوروبي عن حزب «الخضر» المشارك في الحكومة الألمانية، إنه يتوقع أن تصبح «بولندا شريكاً بنّاءً... وأن يقوّي التغيير الذي ستحمله الحكومة الجديدة موقعها داخل أوروبا». إذ رأت كاتيا لايكرت، العضو في البرلمان الألماني عن حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي المعارض، أن نتائج الانتخابات في بولندا «تعطي أملاً لأوروبا». وكتبت على منصة «إكس» (تويتر سابقاً): «سيكون مهماً جداً أن يصبح لبولندا من جديد حكومة تؤيد الديمقراطية والاتحاد الأوروبي، وبالأخص، في وقت الأزمات الذي نمر به راهناً».

وسمعت أصداء مشابهة في بروكسل، حيث عمل دونالد توسك بين عامي 2014 و2019 وترأس المجلس الأوروبي - بعد مغادرته منصب رئيس وزراء بولندا بين 2007 و2014 -، وحيث كانت بولندا قد تحوّلت في السنوات الماضية شريكاً مزعجاً ودائم الانتقاد للمؤسسات الأوروبية ومُعرقلاً لقوانين أوروبية مهمة.

وحقاً، نقلت مجلة «بوليتيكو» عن دبلوماسي أوروبي قوله: إن نتائج الانتخابات البولندية «يجب أن تؤدي إلى عمل أكثر سلاسة داخل الاتحاد الأوروبي يعكس أسس الاتحاد وقيمه، خاصة لجهة المسؤولية والتضامن». وأردف الدبلوماسي للمجلة: إن «رفض سياسات الأحزاب اليمينية المتشددة يجب أن يكون مثالاً للآخرين، على أمل أن يدفع هذا الأمر بالاتحاد الأوروبي إلى أن يصبح أقوى في وجه التهديدات الجيو سياسية».

منعطف يشجع الاعتدالوفي الإطار نفسه، رأت عدة جهات أن انتصار ائتلاف توسك المعتدل على اليمين المتشدد الشعبوي الممسك في السلطة حتى هزيمته بالأمس، «إشارة أمل إلى الأحزاب الأوروبية المعتدلة» بعد موجة من انتصارات الأحزاب والقوى المتشددة والمتطرفة شهدتها دول عدة، منها إيطاليا والمجر وسلوفاكيا. ولقد رأت صحيفة «الغارديان» البريطانية أن نتائج انتخابات بولندا «ملفتة بشكل كبير، خاصة إذا ما وضعت في السياق الأوروبي».

وذكّرت الصحيفة، بالذات، بفوز الحزب اليميني المتطرف «حركة الإخوة الإيطاليين» (الفاشيون الجدد) بزعامة جورجيا ميلوني في إيطاليا، والزعيم اليميني الشعبوي فيكتور أوربان في المجر بولاية حكم رابعة قاضياً على ائتلاف 6 أحزاب معارضة، وأخيراً، فوز روبرت فيتسو (الشيوعي السابق والشعبوي المعادي للمسلمين حالياً) في سلوفاكيا الذي وصفته الصحيفة بأنه «شبيه أوربان».

ماتيوش ماروفييتسكي ... يدلي بصورته (إ.ب.أ)

وقارنت «الغارديان» فوز تلك الأحزاب وما حصل في بولندا، فذكرت أن حزب «القانون والعدالة» البولندي استنسخ واقعياً سياسات الأحزاب المتطرفة في الدول الأوروبية الأخرى، أي الاعتماد على أصوات المتقدّمين في السن، والناخبين خارج المدن الكبيرة من الشرائح الأفقر عبر مزيج من زيادة الإنفاق الاجتماعي والخطاب الشعبوي. وتابعت الصحيفة البريطانية بأن «هذا التكتيك لم ينجح في بولندا، التي شهدت الانتخابات فيها إقبالاً على التصويت غير مسبوق وصل إلى 74 في المائة مقارنة بـ62 في المائة فقط عام 2019، بل إن العاصمة وارسو سجّلت هذه المرة نسبة تصويت زادت عن الـ85 في المائة». واستطردت لتوضح، أن الانتخابات الأخيرة لم تحدّدها أصوات «كبار السن»، بل أصوات الشباب الليبراليين الذين صوّتوا بأعداد كبيرة بعدما نجح توسك في تحريكهم.

وعود توسك لناخبيهخلال الحملة الانتخابات تعهّد دونالد توسك بتأييد زواج المثليين، والسماح بالإجهاض، وهذان موضوعان يحصلان على تأييد الشباب الليبراليين ومعارضة الكبار في السن الذين يكونون عادة محافظين أكثر، ولا سيما في بلد كاثوليكي شديد المحافظة. وشرحت الصحيفة، بأن توسك حرص، من جانب آخر، على الترويج لسياسات اقتصادية تنافس وعود الحزب الحاكم. إذ روّج - مثلاً - لزيادة المساعدات الاجتماعية، والإبقاء على سن التقاعد على حاله، وزيادة مرتبات الموظفين الحكوميين... وغيرها من السياسات التي تشير إلى رفضه اعتماد مبدأ تقليص الانفاق.

من جهتها، قارنت مجلة «بوليتيكو» بين فوز توسك مقابل فوز زعماء شعبويين في دول أخرى، لتستنتج أن «كسب الانتخابات يحتاج إلى موهبة». وأشارت إلى أن توسك «محاور جيد وقادر على التواصل مع الناخبين، كما أنه يعرف كيف يستخدم وسائل الإعلام الحديثة». وتابعت: إن حزب «المنبر المدني» الذي كان توسك من مؤسسيه، «انهار بعدما غادر إلى بروكسل عام 2015 ولكنه الآن قد بُعثت فيه الحياة من جديد».

دونالد توسك... راسماً شارة النصر بإصبعيه (رويترز)

توسك... وملف الهجرة و«المسلمين»

> على الرغم من التفاؤل الأوروبي، قد لا يكون دونالد توسك «الشريك الأوروبي» الذي يطمح إليه الكثيرون. فالرجل أثبت خلال الحملة الانتخابية أن آراءه المتعلقة بالهجرة واللجوء ما عادت تختلف كثيراً عن آراء شعبويي اليمين الذين قارعهم في الانتخابات الأخيرة.

ومع أن حزب «القانون والعدالة حاول مهاجمة توسك في هذه النقطة إبان الحملة الانتخابية، محذّراً الناخبين من أنه «سيدخل آلاف اللاجئين إلى بولندا ويحوّلها إلى لامبيدوزا (جزيرة الاستقبال الإيطالية) ثانية»، فإن الرجل نفسه انتقد سماح الحكومة بدخول أعداد كبيرة من المهاجرين «من دول مسلمة». بل إنه تكلّم عن ضرورة إعادة فرض «السيطرة على حدود» البلاد. وشكّل كلامه هذا قبل أشهر من الانتخابات مفاجأة، ونقيضاً لمواقف سابقة له انتقد فيها الخطاب الشعبوي للحزب الحاكم حول اللاجئين والمهاجرين.

وحول المسلمين، كان توسك يشير إلى مشروع قانون كانت تعمل عليه الخارجية البولندية يتيح لمواطني دول من بينها دول مسلمة، التقدم للحصول على التأشيرات مباشرة من الخارجية - عوضاً عن المرور عبر القنصليات - وهو أمر ما كان متاحاً فقط لمواطني بيلاروسيا. ولقد سعت الخارجية لإدخال التعديلات بحجة ضرورة تسهيل دخول اليد العاملة المطلوبة في العديد من المجالات في بولندا.

وفي تعليق على المشروع، قال توسك في فيديو نشره على «إكس» (تويتر سابقاً) منتقداً زعيم الحزب الحاكم ياروسلاف كاجينسكي: «لقد أدخل 130 ألف مواطن من هذه الدول العام الماضي، وهذا أعلى بـ50 مرة عن عام 2015 - الذي كان العام الأول بعد خروج حزب توسك من السلطة -... فلماذا يهاجم (أي كاجينسكي) المهاجرين واللاجئين، وفي الوقت نفسه، يريد أن يدخل مئات الآلاف من هذه الدول؟».

ما يجدر ذكره، أن بولندا رفضت في السنوات الـ8 الماضية أن تأخذ حصتها من اللاجئين في أوروبا، وقد سجّلت أعلى نسبة مهاجرين في تاريخ البلاد. وفي الأشهر الماضية كان الأوكرانيون هم غالبية اللاجئين، ولكن كان هناك أيضاً أعداد كبيرة من اللاجئين من الشرق الأوسط وآسيا.

وآنذاك تعرّض توسك لانتقادات من الأحزاب التي تحالف معها لتشكيل حكومة لاحقاً في حال الفوز بالانتخابات. وقال أدريان زاندبيرغ، أحد زعماء اليسار: إن «الرهان مع اليمين المتطرّف حول الهجرة مثل مصارعة خنزير في الوحل... هذا ليس أمراً يمكن أن يكسب أصواتاً؛ إذ حاولت أحزاب كثيرة في أوروبا ذلك، وبالنتيجة كان الرابح الوحيد هم الفاشيون».

أيضاً، انتقد توسك عضو سابق في حزبه، وهو من أصل نيجيري اسمه جون غودسون، وكان الوحيد من أصول أفريقية الذي أصبح نائباً عام 2010. إذ كتب غودسون على «إكس» مغرداً: «توسك أكد أن بولندا دولة ترحب بالمهاجرين. دونالد، ما الذي تغير؟».

عليه، يبقى أن يثبت الزعيم العائد ما إذا كانت مواقفه تلك من المهاجرين حقيقية أم كانت لأهداف انتخابية. وهي في حال كانت حقيقية، قد تجد بولندا نفسها في موقع صدام جديد مع الاتحاد الأوروبي الذي يسعى لإصلاح قانون اللجوء داخل الاتحاد كي يصبح توزيع اللاجئين أكثر عدلاً. فحالياً تعتمد الدول على ما يعرف بـ«اتفاقية برشلونة» التي تنص على أن يتقدم طالب اللجوء بأوراقه في أول دولة داخل الاتحاد الأوروبي يصل إليها؛ ما يعني أن إيطاليا واليونان تتحمّلان العبء الأكبر بسبب موقعيهما الجغرافيين على البحر المتوسط.

في مطلق الأحوال، يرى البعض أن التغييرات التي حصلت في بولندا خلال السنوات الـ8 لن يكون سهلاً قلبها رأساً على عقب. وحول هذا الواقع كتب «معهد كارنيغي للأبحاث» أنه رغم اعتراف حزب «القانون والعدالة» بخسارته، لا يجب توقع «انتقال سلس» للسلطة.

وتابع المعهد أن الرئيس الحالي أندريه دودا - المفترض أنه مستقل ولكنه بقي في منصبه منذ تولي «القانون والعدالة» للسلطة، ما زالت لديه سنتان قبل انتهاء ولايته. وحسب المعهد، يستطيع دودا أن يعارض ويعطل إطاحة توسك التغييرات التي أدخلتها الحكومة الحالية، ووضعت بولندا في مواجهة مع الاتحاد الأوروبي.

أوكرانيا... قد تتنفس الصعداء

> انتصار المعتدلين في بولندا يريح القيادة الحالية في أوكرانيا إلى جانب الدول الأوروبية. وعلى الرغم من أن بولندا كانت حليف كييف الأول منذ بداية الحرب مع روسيا، فإن العلاقات سرعان ما توترت خلال الأشهر الماضية، خاصة، بسبب الخلافات حول تصدير الحبوب. ثم أن الحملات الانتخابية شهدت استهدافاً من بعض السياسيين في حزب «القانون والعدالة» لأوكرانيا، وتعهدات بأن وارسو لن تمدها بالسلاح بعد الآن، بل ستركز على تسليح نفسها.

في أي حال، ومع أن هذا الكلام يمكن تفسيره بأنه يتعلق أكثر بأجواء الانتخابات، يشير المتابعون إلى أن الزعيم البولندي «العائد» دونالد توسك معروف، منذ أيامه في بروكسل، بأنه «من الصقور» الذي يدعون لسياسات أكثر تشدداً مع روسيا.

كذلك، في عام 2014، عندما ضمت روسيا شبه جزيرة القرم، كان توسك من موقعه كرئيس للمجلس الأوروبي يعمل بجهد بالغ على إقناع الدول الأوروبية بالتشدد أكثر مع روسيا. ووفق المصادر العليمة، كان يحاول إقناع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل (آنذاك) بتشييد سياستها تجاه موسكو كذلك، من دون أن ينجح.

لهذه الأسباب؛ يرى المراقبون السياسيون أن عودة توسك إلى السلطة في بولندا سيكون مؤشراً إيجابياً لأوروبا التي تنظر بقلق إلى تقلص الحماسة الأميركية لدعم أوكرانيا مقابل توجيه واشنطن تركيزها أكثر على الشرق الأوسط والحرب بين اسرائيل و«حماس».

أيضاً، يأمل البعض أن يتمكن الزعيم البولندي من إعادة وارسو للعب دور قوي داخل الاتحاد الأوروبي، بعد سنوات من التهميش بسبب سياسات الحكومة الحالية. وبالفعل، كتبت مجلة «بوليتيكو»: إن «الترويكا الأوروبية المتمثلة ببرلين وباريس ووارسو هي الأمل الأفضل لأوروبا إذا أرادت أن تكون جدّية في ما يتعلق بأمنها»، في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا. وأضافت أنه في حال «تراجع الدعم الأميركي لحلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوكرانيا، سيتوجب على أوروبا تعويض ذلك». ورأت، من ثم، أن التحول في السياسة في بولندا فرصة جديدة لتحقيق هذا الهدف، وبخاصة أن أوروبا تناقش باستمرار مسألة الاستقلالية الأمنية عن واشنطن، ولكن من دون تقدم. وعليه، عدّت أن توسك «أنقذ الديمقراطية في بولندا وبمقدوره أيضاً أن يقوي الوحدة الأمنية الأوروبية».


مقالات ذات صلة

بوتين: أوروبا لا تزال تحصل على كميات كبيرة من موارد الطاقة الروسية

الاقتصاد حقل نفط في روسيا (رويترز)

بوتين: أوروبا لا تزال تحصل على كميات كبيرة من موارد الطاقة الروسية

أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الأحد، أن أوروبا لا تزال تحصل على كميات كبيرة من موارد الطاقة الروسية، موضحاً أن أوروبا عزلت نفسها عن السوق الروسية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
شمال افريقيا محافظ جنوب سيناء السابق مع رئيس دير سانت كاترين (محافظة جنوب سيناء)

انفراجة في أزمة «تقنين» أرض دير «سانت كاترين» بمصر

قالت وزارة الخارجية المصرية، السبت، إنها تلقت خطاباً بالموافقة على توقيع العقد الخاص بالدير والأراضي المحيطة به.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد مقر البنك المركزي الأوروبي يظهر منعكساً في نافذة بفرانكفورت أم ماين - غرب ألمانيا (أ.ف.ب)

التضخم وعوائد السندات يضعان «المركزي الأوروبي» أمام اختبار صعب

يتجه البنك المركزي الأوروبي إلى تثبيت أسعار الفائدة في اجتماعه الخميس المقبل، وسط تصاعد المخاطر المحيطة بالتضخم.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري خلال لقائه نظيره الهولندي على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

«الخارجية» المصرية لـ«الشرق الأوسط»: لم نلاحظ ما يعيق عمل السفارة الهولندية

أكد المتحدث الرسمي باسم «الخارجية» المصرية، السفير نادر زكي، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، الجمعة، أن بلاده لم تلاحظ ما يعيق عمل السفارة الهولندية في القاهرة.

محمد الريس (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري ونظيره اليوناني اتفقا على العمل لتوسيع المساحة الاقتصادية الخالصة بين البلدين في البحر المتوسط (الخارجية المصرية)

هل تسبّب التحركات المصرية - اليونانية لتوسيع الحدود الاقتصادية صداماً مع تركيا؟

لا تزال أزمة مصادقة البرلمان الليبي على مذكرة التفاهم البحرية مع تركيا، والرفض المصري والأوروبي لها، تتفاعل.

هشام المياني (القاهرة)

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
TT

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا والكونغو، قطع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للعلاقات العربية والأفريقية، مساراً سياسياً غير تقليدي. في هذا المسار، جمع رجل الأعمال اللبناني الأصل بين العلاقات العائلية وشبكات المصالح التجارية والاتصالات السياسية العابرة للقارات، لكنه اصطدم بتعقيدات أزمات القارة السمراء، التي لم تفلح معها حتى الآن سياسة دبلوماسية الصفقات.

قبل سنوات قليلة لم يكن مسعد بولس، رجل الأعمال الأميركي المتحدّر من أصل لبناني، اسماً مألوفاً في أوساط الدبلوماسية الدولية، لا سيما وأنه أمضى معظم حياته المهنية بعيداً عن واشنطن، متنقلاً بين لبنان والولايات المتحدة ونيجيريا. إلا أن زواج نجله مايكل من تيفاني، ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عام 2022، فتح أمامه أبواب العائلة الرئاسية، قبل أن يتحول أحد الوجوه البارزة في حملة ترمب الانتخابية لعام 2024. وخلال أقل من سنتين، صار اسم بولس حاضراً في جهود وقف الحرب بالسودان، وتسوية الانقسام الليبي، وإنهاء النزاع بين رواندا والكونغو الديمقراطية.

النشأة والمسيرةوُلد مسعد فارس بولس عام 1971، لعائلة مسيحية من الروم الأرثوذكس من أبرز عائلات بلدة كفرعقّا في قضاء الكورة بشمال لبنان. والواقع، أن السياسة لم تكن بعيدة عن عائلته، حيث شغل والده منصب رئيس بلدية كفرعقّا، كما ارتبط عدد من أفراد عائلته بالعمل السياسي والنيابي في لبنان، أبرزهم النائب والوزير فيليب بولس.

ونشأ مسعد وسط توازنات حزبية وطائفية ووجاهة سياسية؛ ما شكّل مفهومه الأول للسياسة لتغدو هذه البيئة جزءاً من شبكة علاقاته السياسية لاحقاً. وفي سن المراهقة، انتقل بولس إلى ولاية تكساس الأميركية، وحاز هناك بكالوريوس إدارة أعمال من جامعة هيوستن- داونتاون، ثم إجازة الحقوق من جامعة تكساس سوذرن، كما حصل على الجنسية الأميركية.

أيضاً، إبّان سنوات دراسة مسعد في الولايات المتحدة، بدأ اهتمامه بالسياسة الجمهورية؛ إذ تطوّع للمشاركة في حملة (الرئيس لاحقاً) جورج بوش الابن لمنصب حاكم ولاية تكساس عام 1994، ونُقل عنه قوله: «هذه أول مشاركة سياسية لي كمواطن أميركي». لكن نشاطه السياسي ظل محدوداً مقارنة بعمله التجاري الذي ارتبط بالقارة الأفريقية.

رحلة تجارة في نيجيريا

بعد إنهاء سنوات الدراسة في الولايات المتحدة، انتقل مسعد بولس إلى نيجيريا وانخرط في أعمال عائلته التجارية وأصبح المدير التنفيذي لمجموعة «سكوا نيجيريا» التي تعمل في مجال توزيع السيارات وتجميعها في غرب أفريقيا وتبلغ قيمتها مليار دولار. وهناك تزوج من سارة فضّول، وهي ابنة رجل أعمال لبناني ارتبط هو الآخر باستثمارات في القارة الأفريقية، وأنجب منها أربعة أبناء.

وبينما منحته سنوات عمله في نيجيريا فرصة تكوين علاقات في أوساط الأعمال الأفريقية، وهي علاقات سيحاول توظيفها لاحقاً في مهامه الدبلوماسية، أثارت انتقادات إعلامية، لا سيما مع نشر صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية تقريراً نهاية عام 2024 شكّكت فيه بحجم ثروته، مدعيةً إنه يمتلك حصة صغيرة جداً من شركة «سكوا نيجيريا»، التي يسيطر عليها والد زوجته.

وفي مواجهة هذه التقارير، دافع فريق ترمب عن سجلّ بولس التجاري، مؤكداً أنه شغل مناصب تنفيذية في شركات عائلية بغرب أفريقيا لأكثر من 27 عاماً. كما أوضح بولس للـ«نيويورك تايمز» أن حديثه عن قيمة تتجاوز مليار دولار كان يقصد به مجموعة شركات عائلة زوجته، وليس الشركة التي يديرها وحدها.

ومن ناحية ثانية، أثار وصف ترمب له بأنه «محامٍ بارز» تساؤلات عدة، لا سيما مع ظهور تقارير صحافية ذكرت أنه لا يحمل رخصة مزاولة مهنة المحاماة في تكساس، مع أن هذا لا ينفي حصوله على حصوله على شهادة في القانون.

في أي حال، رغم إقامة مسعد بولس لسنوات في الولايات المتحدة أو العمل في نيجيريا، فإنه بقي مرتبطاً بمسقط رأسه، ومحافظاً على علاقاته مع عائلته في لبنان، حيث كان يتردد على بلدته كفرعقّا باستمرار. ونقلت وسائل إعلام عن مصادر مقرّبة من عائلة بولس قولها إنها «أسرة متواضعة، وأصيلة، وودودة، لا تشبه في سلوكها الأغنياء الجُدد، أبواب أهله كانت دائماً مفتوحة للجميع، ولهم مكانة عالية في قلوب جيرانهم ومحيطهم». كما يوصف بولس نفسه بأنه «ابن رضي لوالديه». وإلى جانب العائلة، ارتبط بولس بعلاقات واسعة مع أطراف لبنانية متعارضة؛ ما عدّه مراقبون إشارة على قدرته على بناء علاقات وتحالفات تتجاوز الانقسامات التقليدية. وبفضل قوة علاقاته هذه، وتنوّعها، تردّد في أوساط إعلامية أنه كان مرشحاً في إحدى الانتخابات البرلمانية في لبنان، وهو ما نفاه بولس في تصريحات صحافية في ما بعد.

زواج غيّر مساره

إلا أن التحوّل الأكبر في مسيرة مسعد بولس جاء من خارج باحة السياسة التقليدية، ومن خارج لبنان أيضاً. ففي عام 2018، بدأت علاقة ابنه مايكل بتيفاني ترمب، التي تعرف إليها خلال عطلة في جزيرة ميكونوس اليونانية، قبل أن يُعلنا خطوبتهما خلال يناير (كانون الثاني) 2021، ويتم الزواج في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وبذا دخل بولس الدائرة العائلية المحيطة بترمب.

وفق تقرير نشرته وكالة الـ«أسوشييتد برس» في يونيو (حزيران) 2024، كان بولس قد شارك بالفعل في أنشطة سياسية داعمة لترمب، لكن دوره توسّع بصورة كبيرة بعد زواج نجله. وحين بدأت حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024، وجد ترمب في قريبه اللبناني - الأميركي شخصية مناسبة للتواصل مع الجاليات العربية والمسلمة، لا سيما في ولاية ميشيغان المتأرجحة.

وبالفعل، استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة»، في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب بحجة أن ترمب قادر على وقف الحرب في الشرق الأوسط.

لم تكن تلك المهمة سهلة؛ إذ واجه بولس اعتراضات على سياسات ترمب نفسها تجاه المسلمين والفلسطينيين، لكنه استطاع في الوقت نفسه اجتذاب بعض التأييد للرئيس الأميركي. وحسب مراقبين، ربما كان هذا الدور هو السبب في قرار ترمب خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024، تعيين بولس كبيراً لمستشاريه للشؤون العربية والشرق أوسطية، ووصفه إياه بأنه «رجل أعمال يتمتع بخبرة دولية وقدرة على بناء تحالفات انتخابية مع الأميركيين العرب».

وبعدها، يوم 1 أبريل (نيسان) 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تعيين بولس كبيراً لمستشاري الشؤون الأفريقية، ليبدأ بولس أولى مهامه الرسمية في أفريقيا بزيارة الكونغو الديمقراطية ورواندا وكينيا وأوغندا؛ بهدف دعم جهود السلام في شرق الكونغو وتشجيع استثمارات القطاع الخاص الأميركي.

«دبلوماسية الصفقات» ... في أفريقيا

بدأ بولس يتبنى نهجاً يتلاءم مع فلسفة ترمب القائمة على ربط التسويات السياسية بالصفقات الاقتصادية. وقال في أحد لقاءاته الصحافية، إن سياسة الإدارة الأميركية تجاه القارة ترتكز على ثلاثة مبادئ، هي: السلام والشراكات والازدهار. وظهر هذا التوجه واضحاً في ملف الكونغو الديمقراطية ورواندا، حيث قاد بولس اتصالات مع رئيسَي البلدين بشأن اتفاق لوقف الصراع في شرق الكونغو، وهي منطقة غنية بالمعادن الاستراتيجية، بينها الكوبالت والنحاس والليثيوم.

ويوم 27 يونيو 2025، وقّع البلدان «اتفاق سلام» برعاية أميركية في واشنطن، تضمّن «ترتيبات أمنية» وأسساً لتوسيع التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

والواقع، أن الإدارة الأميركية لم تخفِ اهتمامها بالموارد المعدنية؛ بل تكلّم ترمب صراحةً عن «المكاسب» التي يمكن أن تحققها الولايات المتحدة من الوصول إلى معادن الكونغو. لكن ذلك الاتفاق لم ينهِ الصراع فعلياً؛ إذ استمرت المواجهات في شرق الكونغو، وظل تنفيذ التفاهمات موضع شكوك.

وبعد ذلك، في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، برز تطوّر جديد مع إعلان الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا قيادة تحالف متمرد جديد يضم حركة «إم 23»؛ ما عكس استمرار تعقيدات الأزمة.

السودان وليبيا... أصعب الاختبارات

ولكن، إذا كان ملف الكونغو قد منح مسعد بولس فرصة لتقديم نفسه وسيطاً دولياً، فإن السودان وليبيا وضعاه أمام اختبارات أكثر تعقيداً.

في السودان، انخرط بولس في جهود «الآلية الرباعية» الدولية التي تضم الولايات المتحدة، ومصر، والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ لدفع الجيش السوداني وميليشيا «قوات الدعم السريع» نحو هدنة إنسانية تمهد لتسوية سياسية. وطرح بولس خطة لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، تعقبها مفاوضات أوسع لإنهاء الحرب والعودة إلى مسار الحكم المدني، غير أن مقترحه واجه اعتراضات من أطراف مرتبطة بالجيش السوداني، وحتى الآن لا يزال مسار الحل السياسي بعيداً.

أما في ليبيا، فقد دعم بولس مباحثات لتوحيد المؤسسات المنقسمة بين الشرق والغرب، وبناء شراكات تسمح بتوحيد المؤسسات والانتقال للانتخابات، لكن تعقيدات الصراع أعاقت حتى الآن الحلول السلمية.

الخلاصة، أن بولس لا يبدو دبلوماسياً أميركياً من الطراز التقليدي؛ فهو لم يأت من وزارة الخارجية، ولا من المؤسسة الأمنية أو البحثية، بل جاء من عالم الأعمال والسياسة العائلية، معتمداً على علاقات شخصية مباشرة مع الرئيس الأميركي وخبرة تجارية في القارة الأفريقية ومعرفة بالتوازنات السياسية اللبنانية، والقدرة على التواصل مع شخصيات لا تجمعها بالضرورة مواقف سياسية مشتركة. وبالتالي، مصادر قوته تمثل أيضاً نقاط ضعف تثير التساؤلات بشأنه، كما أن قدرته على الوصول إلى القادة وإطلاق المبادرات، لا تضمن وحدها نجاح تلك المبادرات أو تنفيذ ما ينتج منها من اتفاقات.


أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
TT

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

عبارة تصف بصدق القارة الأفريقية، التي تمتلك وفق بعض التقديرات نحو 30 في المائة من الاحتياطيات المعدنية العالمية، إضافة إلى ثروات هائلة من النفط والذهب والأراضي الزراعية، لكن الصراعات المعقدة والانقسامات السياسية والحروب الأهلية تحول دون استثمارها.

والواقع أنه يعيش نحو 44 في المائة من سكان «القارة السمراء»، خاصة، جنوب الصحراء الكبرى في فقر مدقع. وبينما تتفاقم الصراعات الأفريقية الداخلية، تتزايد الأطماع الخارجية وتشتد حدة التنافس العالمي بين القوى الكبرى على استغلال موارد القارة وثرواتها.

تقديرات «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا»، تشير إلى أنه على الرغم من امتلاك أفريقيا نحو 30 في المائة من احتياطيات المعادن العالمية، فإنها لا تحصل إلا على حصة محدودة من عوائد هذه الثروة نتيجة للاعتماد على تصدير المواد الخام وضعف التصنيع المحلي.

أيضاً، في أفريقيا نحو 65 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة عالمياً، بحسب التقارير الدولية. ووفق بيانات الأمم المتحدة فإن ثروات القارة تشمل نحو 7.5 في المائة من احتياطيات النفط، و8 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي، و40 في المائة من احتياطيات الذهب العالمية، بجانب حصص كبيرة من الكروم والبلاتين، ويقدر رأس المال الطبيعي للقارة بنحو 7.6 تريليون دولار، وفق تقديرات البنك الأفريقي.

إلا أن كل هذه الأرقام لا تنعكس بحبوحة على سكان القارة. إذ تشير أرقام البنك الدولي لعام 2025، إلى أن نحو 584 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء يعيشون في فقر مدقع، ما يمثل نحو 44.1 في المائة من السكان. وكأمثلة، تتجاوز نسبة الفقر المدقع 80 في المائة في الكونغو الديمقراطية وموزمبيق، وتبلغ نحو 60.5 في المائة في النيجر، ويعيش 7 من كل 10 فقراء في العالم في قارة أفريقيا.

ومن ناحية ثانية، لا تنفصل الأوضاع الاقتصادية عن النزاعات المسلحة التي تضرب مناطق واسعة من أفريقيا، وتبرز الكونغو واحدةً من أبرز نماذج الصراع في أفريقيا، فالدولة الغنية بالكوبالت والنحاس والذهب والكولتان، تعد من أفقر دول القارة، وتعد النزاعات المحلية على الأرض من أزمتها. ولا يختلف الوضع كثيراً في السودان، الذي يعاني صراعاً ممتداً منذ أبريل (نيسان) 2023، بين الجيش وميليشيا «الدعم السريع»، أدى إلى نزوح وتشريد عدد كبير من السكان. أما بالنسبة لليبيا، فهي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، تقدر بنحو 48 مليار برميل، لكن الانقسام السياسي والمؤسسي منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 حال دون استثمار هذه الثروة بصورة مستقرة.

أيضاً، لا يختلف الوضع في منطقة الساحل، حيث تواجه مالي وبوركينا فاسو والنيجر تصاعداً في هجمات الجماعات المتشددة، ما يعوق التنمية والاستفادة من ثرواتها المعدنية الكبيرة من الذهب واليورانيوم. وفي القرن الأفريقي حيث تتعاظم التحديات من حرب أهلية في إثيوبيا، ونزاعات مسلحة في الصومال، وهشاشة في الأوضاع السياسية والأمنية في مختلف أنحاء «القارة السمراء».


شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
TT

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف الرئيسة المنخرطة فيها، بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك على ضوء إعلاء المصلحة الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة، واستعداد الإدارة الأميركية لانتهاج سياسة مختلفة عن سياسة حلفائها، وممارسة ضغط أكبر على الأوكرانيين خلال المرحلة المقبلة.

أثارت «صفقة الديزل» المُزمعة بين الولايات المتحدة وروسيا جدلاً صاخباً داخل أروقة السياسة الأميركية، واستدعت ردود فعل غاضبة في أوروبا وفي الداخل الأوكراني. لكن كان مُلاحظاً أن الكرملين لم يتسرّع في إعلان مواقف رسمية حيالها، بل اكتفى بتوجيه صامت للإدارات المعنية في البلاد بالعمل على توفير الظروف الملائمة لإنجاحها، كونها تقوّض واحداً من الأركان الأساسية للعقوبات المفروضة على قطاع النفط في روسيا.

هذا الأمر دفع وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إلى الإعلان عن رفع الحظر المفروض على تصدير الديزل، مع محاولة طمأنة السوق الداخلية بأن الصفقة «لن تضرّ باحتياجات المستهلكين المحليين». وهذا مع الإشارة إلى أن روسيا تواجه داخلياً نقصاً كبيراً في إمدادات الوقود والديزل.

وبينما سارت موسكو خطوة ثانية نحو ترسيخ مكسبها، عبر اشتراطها رفع القيود المفروضة على شركات روسية لتنفيذ بنود الصفقة، كان هناك بُعد أهم. وتمثّل هذا البُعد في الانعكاس السياسي للصفقة، وكذلك عودة الكلام الأميركي عن «ضرورة إجراء انتخابات رئاسية لاختيار رئيس جديد لأوكرانيا». وهذا ما حدث بعد رد الفعل الغاضب للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي رأى أن صفقة الديزل «استثمار في الحرب»، وبالتالي، تعهّد بمواصلة استهداف منشآت الطاقة الروسية ما دامت موسكو تواصل استهداف البنى التحتية للطاقة في بلاده.

التأثيرات الميدانية

لقد كان متوقّعاً ألّا تصمد طويلاً «هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنجاح الصفقة، من دون تنسيق مع الطرفين الروسي والأوكراني.

وبعد توقف مؤقّت عن استهداف منشآت الطاقة الروسية، أعلن زيلينسكي أن الضربات على مصافي النفط ستُستأنف بسبب عدم التزام موسكو التي واصلت قصف البنى التحتية الأوكرانية. وفي المقابل، تجاهلت موسكو الهدنة، واكتفت بإشارات إلى أنها «تبحث شروطها مع الجانب الأميركي». وهكذا بدا أن الجهد الأميركي في هذا المجال يواجه اختباراً جدّياً لمدى قدرة ترمب على فرض تصوّره لآليات تنفيذ الصفقة.

المثير أن ترمب اختار الطريق الأقصر لذلك، عبر تقليص الدعم الاستخباراتي لأوكرانيا، وتجميد التعاون عبر شبكة «ستارلينك» و«ستارشيلد»، وهي النسخة العسكرية للشبكة التي كانت تتولّى توجيه التحذيرات المُسبقة للجانب الأوكراني عندما يُصار إلى إطلاق موجات صاروخية نحوه. وهو ما جعل الدفاعات الجوية الأوكرانية عمياء لعدة أيام، ومن ثم، زاد من حجم الضغوط على زيلينسكي. وفي هذا المجال، أكدت موسكو عملياً أنها تستعد للاستفادة إلى أبعد درجة مُمكنة من التدهور الحاد في علاقات القيادة الأوكرانية مع واشنطن.

القطيعة مع زيلينسكي

لقد طرح التطوّر معضلة جديدة أمام كل الأطراف الداعمة لأوكرانيا. فالقطيعة بين إدارة ترمب وزيلينسكي، الذي حمّله الرئيس الأميركي المسؤولية عن محاولة تعطيل الصفقة و«الإضرار بإمدادات الطاقة عالمياً»، دفعت نحو إطلاق واشنطن فكرة استبدال القيادة الأوكرانية.

بيد أن التطبيق العملي لهذه الفكرة يبدو احتمالاً بعيداً جداً، في ظروف الوضع الأوكراني الداخلي، وتعذّر فرص إجراء انتخابات، والموقف الأوروبي المعارض لتصعيد الضغوط على كييف و«منح موسكو جوائز»... كما علق أكثر من مسؤول أوروبي.

الانتخابات الرئاسية الأوكرانية، المؤجلة منذ سنتين، لا يُمكن إجراؤها، كما يقول الأوكرانيون، تحت النار، ولا بد من إعلان هدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل لإنجاح الاستحقاق، وفقاً لمطلب زيلينسكي.

ولكن هذا أمر يبدو مستبعداً للغاية في الظروف الحالية، لا سيما أن واشنطن فشلت حتى في فرض هدنة مؤقتة في قطاع الطاقة، فكيف ستنجح في حمل الكرملين على القبول بهدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل؟

لا تبدو موسكو اليوم متحمسة كثيراً

«للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي

على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه

المزاج الشعبي الأوكراني

من جانب آخر، اللافت أنه خلافاً للموقف المتشدّد للرئيس الأميركي حيال العلاقة مع زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً؛ إذ بدا لافتاً في تأكيده له أنه «مهما بلغت الرغبات» تظلّ مناقشة أي تسوية سياسية من دون القيادة الحالية لأوكرانيا «أمراً مستحيلاً».

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن موسكو التي شكّكت طويلاً بـ«شرعية» زيلينسكي، ورأت «صعوبة» في إبرام اتفاق سلام مع رجل انتهت ولايته الرئاسية منذ سنتين، ولم يعمل على تنظيم انتخابات رئاسية تجدّد الثقة به وبسياساته وتمنحه تفويضاً للتكلّم باسم الشعب الأوكراني، وجدت نفسها الآن أمام استحقاق جديد مع بلوغ الأزمة بين زيلينسكي وترمب حد القطيعة النهائية.

لكن موقف الكرملين لا يبدو، في أي حال، معزولاً عن سياقات المعركة الجارية والمزاج العام في أوروبا وفي الداخل الأوكراني.

إذ إن موسكو لا تبدو راهناً متحمسة كثيراً «للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي، على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه، ومع أن موسكو نفسها ساهمت في تعميق أزمته مع ترمب، واستثمرت في توسيع الهوة لضمان قطع المساعدات الاستخباراتية الأميركية عن أوكرانيا، وتقليص الدعم العسكري إلى أدنى درجة.

بناءً عليه، يبدو الموقف الروسي ملتبساً بعض الشيء، لكن هذا الالتباس يُخفي فهماً روسيا أعمق، وأكثر دقّة، من الفهم الأميركي للصعوبات التي تواجه التسوية السياسية. وهنا تدخل «ضرورات» التعامل مع زيلينسكي، بالنسبة إلى موسكو على الرغم من كل الاعتراضات السابقة عليه.

وفي هذا السياق، كتب معلّق روسي بارز أن «زيلينسكي الضعيف والمشكوك بشرعيته والمُحاط بالضغوط يظل (بالنسبة لموسكو) أفضل من زيلينسكي الواقف على صخرة قوية من الدعم الأوروبي، والمستند إلى دعم واضح في المجتمع الأوكراني».

وفي هذا الإطار، لا تبدو الأرقام والإحصائيات للمزاج العام في أوكرانيا مشجعة لدعم عملية انتخابية في الوقت الحالي؛ إذ يكفي إيراد بعض النتائج وفقاً لاستطلاعات الرأي الاجتماعي الحديثة في أوكرانيا (سبتمبر «أيلول» - أكتوبر «تشرين الأول» 2026).

أولاً: الرغبة في مواصلة الحرب: وفقاً لاستطلاع أجراه «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع (KIIS)»، فإن 62 في المائة من الأوكرانيين مستعدون لتحمّل الحرب ما دام الأمر لازماً. واللافت أنه في مقابل غالبية جاهزة لمواصلة تحمّل تبعات الحرب لسنوات، يقول 23 في المائة إنهم مع منح الفرصة للعسكريين لسنة إضافية أو نصف سنة. أي أنهم لا يعارضون وقف الحرب حالياً لكنهم يريدون سقفاً زمنياً محدداً لإنهاء القتال.

ثانياً: التنازلات الإقليمية: وفقاً لدراسة أجرتها مجموعة «ريتينغ» في أكتوبر 2026، فإن نحو 56 في المائة من المواطنين يقبلون، إلى حد ما، إمكانية تقديم تنازلات إقليمية مقابل تحقيق سلام طويل الأمد. لكن هؤلاء يربطون القبول بأي تنازلات بالحصول على ضمانات أمنية كاملة وموثوقة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويرون أن الثمن يجب أن يكون قبول أوكرانيا التي تسعى للتكامل مع المنظومة الأوروبية، في مقابل وقف القتال عند خطوط التماس الحالية. واللافت هنا أن هذه الفئات لا تطالب القيادة الأوكرانية الحالية أو الجديدة - إذا أجريت الانتخابات - بإعلان «شرعية» السيادة الروسية على الأراضي، بل تبدي استعداداً للتعامل مع «أمر واقع» مفروض على الأرض.

ثالثاً: الثقة بالحكومة: تشير استطلاعات «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع» إلى أن مستوى الثقة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي لا يزال عند نحو 54 في المائة.

والملاحظ في كل هذه النتائج أن الأرقام لم تتغير كثيراً عن نتائج استطلاعات أجريت قبل شهرين وكذلك نتائج العام الماضي.

وعلى وجه الخصوص، لم تنخفض النسبة بين سكان العاصمة كييف الذين شملهم الاستطلاع - 72 في المائة من المستجيبين مستعدّون لتحمل الحرب مهما طال الأمر (في أواخر يوليو «تموز» وأوائل أغسطس «آب»، كانت هذه النسبة 69 في المائة، وهو فرق ضمن هامش الخطأ).

الملاحظ أيضاً أن «معهد كييف الدولي للدراسات الاستراتيجية» أشار إلى أنه ينبغي الأخذ في الاعتبار أن هذا الاستطلاع أُجري بعد تصعيد الهجمات الروسية النشطة على المرافق الحيوية باستخدام الطائرات المسيّرة. ووفقاً لدراسة المعهد، فإن «هذا يعني أن هذه البيانات، على الأقل حتى الفترة من 12 إلى 21 سبتمبر، لم تُؤدِّ إلى تراجع معنويات السكان. وفي الوقت نفسه، أُنجز الاستطلاع قبل بدء الهجمات على الجسور عبر نهر الدنيبر».

غير أن كل هذا لا يعني أن الأوكرانيين يعارضون مبدأ التفاوض؛ إذ أظهرت الدراسات ذاتها أن 75 في المائة مع مبدأ التفاوض، لكن 56 في المائة كما ورد سابقاً يرفضون التنازلات الإقليمية من دون ضمانات واضحة وموثّقة لأوكرانيا. بينما يوافق 3 في المائة فقط على التنازلات دون أي شروط مسبقة.

ولدى العودة إلى مسألة الثقة بزيلينسكي، دلّت الدراسات الحديثة كلها أنه سيكون من الصعب جداً شطبه من المعادلة السياسية في البلاد.

وبالفعل، لا يزال زيلينسكي، بالإضافة فاليري زالوجني (قائد الجيش السابق) وكيريل بودانوف (رئيس مجلس الأمن) وميخائيل فيدوروف (سياسي بارز ورائد في مجال التقنيات الرقمية) يتصدّرون استطلاعات الرأي ونسب التأييد الانتخابي.

والمعنى هنا أن الانتخابات، لو أجريت الآن أو بعد وقت، فإن زيلينسكي سيكون المرشح الأوفر حظاً بالفوز... أو حتى قد تميل الكفة إلى الجناح الأكثر تشدداً منه مثل زالوجني أو بودانوف.