بولندا تأمل في العودة إلى أوروبا مع استعادة توسك الحكم

بروكسل متفائلة بهزيمة اليمين المتشدد رغم استمرار القلق

حشد انتخابي وعرض عضلات في العاصمة وارسو لتحالف المعارضة البولندية الفائز (رويترز)
حشد انتخابي وعرض عضلات في العاصمة وارسو لتحالف المعارضة البولندية الفائز (رويترز)
TT

بولندا تأمل في العودة إلى أوروبا مع استعادة توسك الحكم

حشد انتخابي وعرض عضلات في العاصمة وارسو لتحالف المعارضة البولندية الفائز (رويترز)
حشد انتخابي وعرض عضلات في العاصمة وارسو لتحالف المعارضة البولندية الفائز (رويترز)

لم تحظ الانتخابات التي شهدتها بولندا الأحد الماضي بالكثير من الاهتمام، ومع ذلك، فإن متابعيها وصفوها بأنها كانت الانتخابات الأهم التي مرّت على البلاد منذ سنوات، وربما منذ سقوط الاتحاد السوفياتي. السنوات الـ8 الماضية التي حكم خلالها حزب «القانون والعدالة» اليميني المتشدد بولندا، سجّلت تراجعاً كبيراً في مستوى الحريات العامة قياساً بمعايير الاتحاد الأوروبي، وبالتالي، دخلت الحكومة التي يرأسها ماتيوش ماروفييتسكي في مسار المواجهة الدائمة مع الاتحاد. بل، دفعت الأمور المفوضية الأوروبية إلى تجميد ما يقارب الـ35 مليون يورو كمساعدات سبق أن أُقرّت عام 2020 للدول الأعضاء لمواجهة تبعات جائحة «كوفيد - 19». وجاء قرار تجميد الأموال رداً على تغييرات قضائية أدخلتها الحكومة اليمينية، وعدّت المفوضية أنها تقوض الحريات وتؤثر على استقلالية القضاء. غير أن نتائج انتخابات الأحد الماضي أظهرت تقدّم ائتلاف يضم 3 أحزاب يقودها دونالد توسك، رئيس المجلس الأوروبي سابقاً وزعيم حزب «المنبر المدني» ورئيس الحكومة البولندية بين 2007 و2014. ومع أن حزب «القانون والعدالة» حصل على أكبر نسبة من الأصوات قاربت الـ37 في المائة، فإنه سيعجز عن تشكيل ائتلاف حكومي؛ لأن شريكه المحتمل لم يحصل على أصوات كافية تخولهما الحكم بغالبية مطلقة. وهكذا، فُتح الباب أمام توسك ليشكل إئتلافاً حاكماً يضم 3 أحزاب - من اليمين المعتدل والوسط واليسار المعتدل - كانت قد اتفقت قبل الانتخابات على التحالف سوية في وجه «القانون والعدالة».

عندما بدأت تظهر نتائج الانتخابات البولندية مساء الأحد، بدأت مفوضية الاتحاد الأوروبي في بروكسل ومعها دول أوروبية أخرى، خاصة ألمانيا، تتنفس الصعداء. ذلك أن برلين كانت قد تحوّلت هدفاً سهلاً لحزب «القانون والعدالة» البولندي الحاكم طوال الأسابيع الماضية. والسبب، أن الحزب اليميني المتشدد والشعبوي - المناوئ للتكامل الأوروبي والمعادي للهجرة - الذي حكم بولندا منذ عام 2015، لم يكتفِ بوضع البلاد على خط المواجهة مع بروكسل، بل مع برلين أيضاً.

المطالبة بتعويضات الحرب وخلال الأشهر الماضية طغت على العلاقة بين حكومتي الدولتين «الجارتين» ألمانيا وبولندا مسألة التعويضات عن خسائر الحرب العالمية الثانية، التي طالبت وارسو من برلين دفعها بمبالغ تزيد على تريليون يورو. وفي سبتمبر (أيلول) من العام الماضي، قدّمت بولندا فاتورة لألمانيا في الذكرى الـ83 لهجوم ألمانيا النازية عليها، مطالبة بتعويضات بمبلغ 1.3 تريليون يورو. وهنا تجدر الإشارة إلى أن المسؤولين الألمان يكرّرون دائماً الإقرار بمسؤولية بلادهم تجاه بولندا بسبب الجرائم التي ارتكبها النازيون هناك، إلا أن الحكومة الألمانية ترفض إعادة فتح ملف تعويضات الحرب وتقول: إنه ملف أُغلق ولن تعاد مناقشته. وكذلك، ترى أن المبلغ المطلوب من بولندا ضخم جداً، وبالتالي، وغير مقبول.

من جهة ثانية، لا تخيم فقط مسألة العلاقة التاريخية بين الدولتين «الجارتين» على طبيعة العلاقة الثنائية الحالية، بل تمتد إلى خلافات أخرى أساسية، منها على سبيل المثال السياسة الخارجية، وفي طليعتها مسألة التعامل مع روسيا.

وما يستحق الذكر، أنه قبل الحرب بين روسيا وأوكرانيا، كانت برلين تنظر إلى الحكومة البولندية على أنها شديدة العدائية تجاه موسكو، بينما يرى اليمين البولندي الحاكم - حتى الانتخابات الأخيرة - أن الحكومة الألمانية مقربة بشكل ساذج من روسيا.

ثم إبان أزمة اللاجئين عام 2015، اختلفت حكومتا برلين ووارسو حول مقاربة المشكلة التي قسمت أوروبا كذلك. وفي حين فتحت ألمانيا الأبواب أمام مئات آلاف اللاجئين، أغلقته بولندا ورفضت تقاسم «أعباء اللجوء واللاجئين». وأخيراً، في الأسابيع الماضية، هزّت بولندا فضيحة بيع تأشيرات «شينغن» للاجئين بهدف تسهيل دخولهم إلى ألمانيا؛ ما زاد العلاقات الثنائية تعقيداً، ودفع ببرلين إلى طلب توضيحات حول المسألة من وارسو. وفي هذه الأثناء، تحوّلت ألمانيا نفسها هدفاً سهلاً لهجمات حزب «القانون والعدالة» طوال الحملة الانتخابية، بل الحزب وجّه اتهامات لزعيم الائتلاف المنافس تاسك بأنه «عميل لألمانيا» وأنه «ينقاد خلفها من دون تفكير».

ترحيب حار بالنتائجبعدها، ولدى توالي إعلان نتائج الانتخابات، علّق السفير الألماني في وارسو رولف نيكل - الذي كان هو نفسه قد غدا هدفاً لتهم «القانون والعدالة» وهجماته - فقال بارتياح وسعادة لقناة ألمانية: إن «الناخبين في بولندا خلقوا ربيعاً في منتصف أكتوبر (تشرين الأول)».

ولم تلبث أن توالت ترحيبات مشابهة من نواب ألمان، فقال تيري راينتكه، النائب في البرلمان الأوروبي عن حزب «الخضر» المشارك في الحكومة الألمانية، إنه يتوقع أن تصبح «بولندا شريكاً بنّاءً... وأن يقوّي التغيير الذي ستحمله الحكومة الجديدة موقعها داخل أوروبا». إذ رأت كاتيا لايكرت، العضو في البرلمان الألماني عن حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي المعارض، أن نتائج الانتخابات في بولندا «تعطي أملاً لأوروبا». وكتبت على منصة «إكس» (تويتر سابقاً): «سيكون مهماً جداً أن يصبح لبولندا من جديد حكومة تؤيد الديمقراطية والاتحاد الأوروبي، وبالأخص، في وقت الأزمات الذي نمر به راهناً».

وسمعت أصداء مشابهة في بروكسل، حيث عمل دونالد توسك بين عامي 2014 و2019 وترأس المجلس الأوروبي - بعد مغادرته منصب رئيس وزراء بولندا بين 2007 و2014 -، وحيث كانت بولندا قد تحوّلت في السنوات الماضية شريكاً مزعجاً ودائم الانتقاد للمؤسسات الأوروبية ومُعرقلاً لقوانين أوروبية مهمة.

وحقاً، نقلت مجلة «بوليتيكو» عن دبلوماسي أوروبي قوله: إن نتائج الانتخابات البولندية «يجب أن تؤدي إلى عمل أكثر سلاسة داخل الاتحاد الأوروبي يعكس أسس الاتحاد وقيمه، خاصة لجهة المسؤولية والتضامن». وأردف الدبلوماسي للمجلة: إن «رفض سياسات الأحزاب اليمينية المتشددة يجب أن يكون مثالاً للآخرين، على أمل أن يدفع هذا الأمر بالاتحاد الأوروبي إلى أن يصبح أقوى في وجه التهديدات الجيو سياسية».

منعطف يشجع الاعتدالوفي الإطار نفسه، رأت عدة جهات أن انتصار ائتلاف توسك المعتدل على اليمين المتشدد الشعبوي الممسك في السلطة حتى هزيمته بالأمس، «إشارة أمل إلى الأحزاب الأوروبية المعتدلة» بعد موجة من انتصارات الأحزاب والقوى المتشددة والمتطرفة شهدتها دول عدة، منها إيطاليا والمجر وسلوفاكيا. ولقد رأت صحيفة «الغارديان» البريطانية أن نتائج انتخابات بولندا «ملفتة بشكل كبير، خاصة إذا ما وضعت في السياق الأوروبي».

وذكّرت الصحيفة، بالذات، بفوز الحزب اليميني المتطرف «حركة الإخوة الإيطاليين» (الفاشيون الجدد) بزعامة جورجيا ميلوني في إيطاليا، والزعيم اليميني الشعبوي فيكتور أوربان في المجر بولاية حكم رابعة قاضياً على ائتلاف 6 أحزاب معارضة، وأخيراً، فوز روبرت فيتسو (الشيوعي السابق والشعبوي المعادي للمسلمين حالياً) في سلوفاكيا الذي وصفته الصحيفة بأنه «شبيه أوربان».

ماتيوش ماروفييتسكي ... يدلي بصورته (إ.ب.أ)

وقارنت «الغارديان» فوز تلك الأحزاب وما حصل في بولندا، فذكرت أن حزب «القانون والعدالة» البولندي استنسخ واقعياً سياسات الأحزاب المتطرفة في الدول الأوروبية الأخرى، أي الاعتماد على أصوات المتقدّمين في السن، والناخبين خارج المدن الكبيرة من الشرائح الأفقر عبر مزيج من زيادة الإنفاق الاجتماعي والخطاب الشعبوي. وتابعت الصحيفة البريطانية بأن «هذا التكتيك لم ينجح في بولندا، التي شهدت الانتخابات فيها إقبالاً على التصويت غير مسبوق وصل إلى 74 في المائة مقارنة بـ62 في المائة فقط عام 2019، بل إن العاصمة وارسو سجّلت هذه المرة نسبة تصويت زادت عن الـ85 في المائة». واستطردت لتوضح، أن الانتخابات الأخيرة لم تحدّدها أصوات «كبار السن»، بل أصوات الشباب الليبراليين الذين صوّتوا بأعداد كبيرة بعدما نجح توسك في تحريكهم.

وعود توسك لناخبيهخلال الحملة الانتخابات تعهّد دونالد توسك بتأييد زواج المثليين، والسماح بالإجهاض، وهذان موضوعان يحصلان على تأييد الشباب الليبراليين ومعارضة الكبار في السن الذين يكونون عادة محافظين أكثر، ولا سيما في بلد كاثوليكي شديد المحافظة. وشرحت الصحيفة، بأن توسك حرص، من جانب آخر، على الترويج لسياسات اقتصادية تنافس وعود الحزب الحاكم. إذ روّج - مثلاً - لزيادة المساعدات الاجتماعية، والإبقاء على سن التقاعد على حاله، وزيادة مرتبات الموظفين الحكوميين... وغيرها من السياسات التي تشير إلى رفضه اعتماد مبدأ تقليص الانفاق.

من جهتها، قارنت مجلة «بوليتيكو» بين فوز توسك مقابل فوز زعماء شعبويين في دول أخرى، لتستنتج أن «كسب الانتخابات يحتاج إلى موهبة». وأشارت إلى أن توسك «محاور جيد وقادر على التواصل مع الناخبين، كما أنه يعرف كيف يستخدم وسائل الإعلام الحديثة». وتابعت: إن حزب «المنبر المدني» الذي كان توسك من مؤسسيه، «انهار بعدما غادر إلى بروكسل عام 2015 ولكنه الآن قد بُعثت فيه الحياة من جديد».

دونالد توسك... راسماً شارة النصر بإصبعيه (رويترز)

توسك... وملف الهجرة و«المسلمين»

> على الرغم من التفاؤل الأوروبي، قد لا يكون دونالد توسك «الشريك الأوروبي» الذي يطمح إليه الكثيرون. فالرجل أثبت خلال الحملة الانتخابية أن آراءه المتعلقة بالهجرة واللجوء ما عادت تختلف كثيراً عن آراء شعبويي اليمين الذين قارعهم في الانتخابات الأخيرة.

ومع أن حزب «القانون والعدالة حاول مهاجمة توسك في هذه النقطة إبان الحملة الانتخابية، محذّراً الناخبين من أنه «سيدخل آلاف اللاجئين إلى بولندا ويحوّلها إلى لامبيدوزا (جزيرة الاستقبال الإيطالية) ثانية»، فإن الرجل نفسه انتقد سماح الحكومة بدخول أعداد كبيرة من المهاجرين «من دول مسلمة». بل إنه تكلّم عن ضرورة إعادة فرض «السيطرة على حدود» البلاد. وشكّل كلامه هذا قبل أشهر من الانتخابات مفاجأة، ونقيضاً لمواقف سابقة له انتقد فيها الخطاب الشعبوي للحزب الحاكم حول اللاجئين والمهاجرين.

وحول المسلمين، كان توسك يشير إلى مشروع قانون كانت تعمل عليه الخارجية البولندية يتيح لمواطني دول من بينها دول مسلمة، التقدم للحصول على التأشيرات مباشرة من الخارجية - عوضاً عن المرور عبر القنصليات - وهو أمر ما كان متاحاً فقط لمواطني بيلاروسيا. ولقد سعت الخارجية لإدخال التعديلات بحجة ضرورة تسهيل دخول اليد العاملة المطلوبة في العديد من المجالات في بولندا.

وفي تعليق على المشروع، قال توسك في فيديو نشره على «إكس» (تويتر سابقاً) منتقداً زعيم الحزب الحاكم ياروسلاف كاجينسكي: «لقد أدخل 130 ألف مواطن من هذه الدول العام الماضي، وهذا أعلى بـ50 مرة عن عام 2015 - الذي كان العام الأول بعد خروج حزب توسك من السلطة -... فلماذا يهاجم (أي كاجينسكي) المهاجرين واللاجئين، وفي الوقت نفسه، يريد أن يدخل مئات الآلاف من هذه الدول؟».

ما يجدر ذكره، أن بولندا رفضت في السنوات الـ8 الماضية أن تأخذ حصتها من اللاجئين في أوروبا، وقد سجّلت أعلى نسبة مهاجرين في تاريخ البلاد. وفي الأشهر الماضية كان الأوكرانيون هم غالبية اللاجئين، ولكن كان هناك أيضاً أعداد كبيرة من اللاجئين من الشرق الأوسط وآسيا.

وآنذاك تعرّض توسك لانتقادات من الأحزاب التي تحالف معها لتشكيل حكومة لاحقاً في حال الفوز بالانتخابات. وقال أدريان زاندبيرغ، أحد زعماء اليسار: إن «الرهان مع اليمين المتطرّف حول الهجرة مثل مصارعة خنزير في الوحل... هذا ليس أمراً يمكن أن يكسب أصواتاً؛ إذ حاولت أحزاب كثيرة في أوروبا ذلك، وبالنتيجة كان الرابح الوحيد هم الفاشيون».

أيضاً، انتقد توسك عضو سابق في حزبه، وهو من أصل نيجيري اسمه جون غودسون، وكان الوحيد من أصول أفريقية الذي أصبح نائباً عام 2010. إذ كتب غودسون على «إكس» مغرداً: «توسك أكد أن بولندا دولة ترحب بالمهاجرين. دونالد، ما الذي تغير؟».

عليه، يبقى أن يثبت الزعيم العائد ما إذا كانت مواقفه تلك من المهاجرين حقيقية أم كانت لأهداف انتخابية. وهي في حال كانت حقيقية، قد تجد بولندا نفسها في موقع صدام جديد مع الاتحاد الأوروبي الذي يسعى لإصلاح قانون اللجوء داخل الاتحاد كي يصبح توزيع اللاجئين أكثر عدلاً. فحالياً تعتمد الدول على ما يعرف بـ«اتفاقية برشلونة» التي تنص على أن يتقدم طالب اللجوء بأوراقه في أول دولة داخل الاتحاد الأوروبي يصل إليها؛ ما يعني أن إيطاليا واليونان تتحمّلان العبء الأكبر بسبب موقعيهما الجغرافيين على البحر المتوسط.

في مطلق الأحوال، يرى البعض أن التغييرات التي حصلت في بولندا خلال السنوات الـ8 لن يكون سهلاً قلبها رأساً على عقب. وحول هذا الواقع كتب «معهد كارنيغي للأبحاث» أنه رغم اعتراف حزب «القانون والعدالة» بخسارته، لا يجب توقع «انتقال سلس» للسلطة.

وتابع المعهد أن الرئيس الحالي أندريه دودا - المفترض أنه مستقل ولكنه بقي في منصبه منذ تولي «القانون والعدالة» للسلطة، ما زالت لديه سنتان قبل انتهاء ولايته. وحسب المعهد، يستطيع دودا أن يعارض ويعطل إطاحة توسك التغييرات التي أدخلتها الحكومة الحالية، ووضعت بولندا في مواجهة مع الاتحاد الأوروبي.

أوكرانيا... قد تتنفس الصعداء

> انتصار المعتدلين في بولندا يريح القيادة الحالية في أوكرانيا إلى جانب الدول الأوروبية. وعلى الرغم من أن بولندا كانت حليف كييف الأول منذ بداية الحرب مع روسيا، فإن العلاقات سرعان ما توترت خلال الأشهر الماضية، خاصة، بسبب الخلافات حول تصدير الحبوب. ثم أن الحملات الانتخابية شهدت استهدافاً من بعض السياسيين في حزب «القانون والعدالة» لأوكرانيا، وتعهدات بأن وارسو لن تمدها بالسلاح بعد الآن، بل ستركز على تسليح نفسها.

في أي حال، ومع أن هذا الكلام يمكن تفسيره بأنه يتعلق أكثر بأجواء الانتخابات، يشير المتابعون إلى أن الزعيم البولندي «العائد» دونالد توسك معروف، منذ أيامه في بروكسل، بأنه «من الصقور» الذي يدعون لسياسات أكثر تشدداً مع روسيا.

كذلك، في عام 2014، عندما ضمت روسيا شبه جزيرة القرم، كان توسك من موقعه كرئيس للمجلس الأوروبي يعمل بجهد بالغ على إقناع الدول الأوروبية بالتشدد أكثر مع روسيا. ووفق المصادر العليمة، كان يحاول إقناع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل (آنذاك) بتشييد سياستها تجاه موسكو كذلك، من دون أن ينجح.

لهذه الأسباب؛ يرى المراقبون السياسيون أن عودة توسك إلى السلطة في بولندا سيكون مؤشراً إيجابياً لأوروبا التي تنظر بقلق إلى تقلص الحماسة الأميركية لدعم أوكرانيا مقابل توجيه واشنطن تركيزها أكثر على الشرق الأوسط والحرب بين اسرائيل و«حماس».

أيضاً، يأمل البعض أن يتمكن الزعيم البولندي من إعادة وارسو للعب دور قوي داخل الاتحاد الأوروبي، بعد سنوات من التهميش بسبب سياسات الحكومة الحالية. وبالفعل، كتبت مجلة «بوليتيكو»: إن «الترويكا الأوروبية المتمثلة ببرلين وباريس ووارسو هي الأمل الأفضل لأوروبا إذا أرادت أن تكون جدّية في ما يتعلق بأمنها»، في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا. وأضافت أنه في حال «تراجع الدعم الأميركي لحلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوكرانيا، سيتوجب على أوروبا تعويض ذلك». ورأت، من ثم، أن التحول في السياسة في بولندا فرصة جديدة لتحقيق هذا الهدف، وبخاصة أن أوروبا تناقش باستمرار مسألة الاستقلالية الأمنية عن واشنطن، ولكن من دون تقدم. وعليه، عدّت أن توسك «أنقذ الديمقراطية في بولندا وبمقدوره أيضاً أن يقوي الوحدة الأمنية الأوروبية».


مقالات ذات صلة

الاتحاد الأوروبي يفرض عقوبات جديدة على مستوطنين إسرائيليين «متطرفين»

المشرق العربي مستوطنون إسرائيليون في مستوطنة إيفياتار بالضفة الغربية (أ.ب)

الاتحاد الأوروبي يفرض عقوبات جديدة على مستوطنين إسرائيليين «متطرفين»

أعلن الاتحاد الأوروبي، الاثنين، فرض عقوبات على 5 إسرائيليين بينهم من يسميهم «مستوطنين متطرفين» و3 منظمات بسبب انتهاكات ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (بروكسل )
أوروبا رئيسة وزراء إستونيا كايا كالاس (أ.ف.ب)

رئيسة وزراء إستونيا تستقيل لتولي منصب مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي

قالت الرئاسة في إستونيا، إن رئيسة الوزراء كايا كالاس قدّمت استقالتها، الاثنين، لتولي منصب مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي.

«الشرق الأوسط» (فيلنيوس)
العالم العربي سفينة حربية تابعة لمهمة «أسبيدس» الأوروبية في خليج عدن (إكس)

مهمة بحرية أوروبية تدمر طائرة مسيّرة في خليج عدن

قالت المهمة البحرية للاتحاد الأوروبي التي تضطلع بمهام حماية السفن في البحر الأحمر إن الفرقاطة (بسارا) التابعة لها دمرت طائرة مسيرة في خليج عدن، اليوم الأحد.

«الشرق الأوسط» (أثينا)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان في الكرملين (أ.ب)

هل يستغل أوربان رئاسة المجر للاتحاد الأوروبي لهدم قواعد التكتل؟

منذ تولي رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان رئاسة بلاده لمجلس الاتحاد الأوروبي، تصاعدت المخاوف من استغلاله لهذا المنصب لتجاوز قواعد ومعايير الاتحاد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا شعار منصة «إكس» (تويتر سابقاً) 12 يوليو (أ.ف.ب)

المفوضية الأوروبية تتهم «إكس» بـ«تضليل» المستخدمين بشأن الحسابات الموثقة

اتهمت المفوضية الأوروبية «إكس» بـ«تضليل» المستخدمين وانتهاك قواعد الاتحاد الأوروبي من خلال العلامات الزرقاء المعتمدة أساساً لتوثيق الحسابات.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

«صراع الأضداد» في فرنسا يحمى وطيسه

ميلونشون يحيي مناصريه اليساريين (آ ف ب /غيتي)
ميلونشون يحيي مناصريه اليساريين (آ ف ب /غيتي)
TT

«صراع الأضداد» في فرنسا يحمى وطيسه

ميلونشون يحيي مناصريه اليساريين (آ ف ب /غيتي)
ميلونشون يحيي مناصريه اليساريين (آ ف ب /غيتي)

مرحلتا «التعايش» أو «المساكنة» الأولى والثانية في فرنسا كانتا في عهد الرئيس الاشتراكي فرنسوا ميتران الاشتراكي مع رئيسيْ حكومة من اليمين الديغولي هما جاك شيراك (بين عاميْ 1986 و1988) وإدوار بالادور (بين 1993 و1995)، ثم في زمن الرئيس شيراك، حين شغل الاشتراكي ليونيل جوسبان منصب رئاسة الحكومة طيلة خمس سنوات (1997 و2002). وانتهت المرحلة الأخيرة بإعادة انتخاب شيراك لولاية ثانية من خمس سنوات.

الحكم العامودي

رغم تعاقب العهود والتغيّرات في الآيديولوجيا والأولويات وبرامج الحكم، لم تعرف حقاً أزمات خطيرة؛ بفضل صلابة المؤسسات التي أرساها الجنرال شارل ديغول التي وفرت التعاقب السلمي والسلس على السلطة.

أما اليوم، فإن قراري الرئيس إيمانويل ماكرون، مساء 9 يونيو (حزيران) الماضي، حل البرلمان بعد الهزيمة التي ضربت تحالف الأحزاب الثلاثة المؤيدة له في الانتخابات الأوروبية، والدعوة إلى انتخابات برلمانية جديدة، أدخلا فرنسا في أزمة عميقة لا أحد يعرف كيف الخروج منها ولا الحدود التي ستقف عندها.

لوبن ومعها بارديلا (آ ب)

ويوماً بعد يوم، تتكشف الظروف، التي أحاطت بقرار ماكرون الفجائي، الذي اتخذه بمعزل عن الحكومة ومن دون القيام بالمشاورات التي يُلزمه بها الدستور، وتحديداً مع رئيسيْ مجلسي الشيوخ والنواب ورئيس الحكومة. ولم يعد سراً أن الأخير، غابرييل أتال (35 سنة)، كان معارضاً بقوة لقرار ماكرون الذي يدين له بكل شيء، ولكونه أصغر رئيس حكومة في تاريخ البلاد منذ عام 1802، حين وصل الجنرال نابوليون بونابرت - ولاحقاً الإمبراطور - إلى منصب «القنصل الأول» ما يساوي منصب رئيس الحكومة.

كذلك اعتبر إدوار فيليب، رئيس الحكومة الأسبق، والرئيس الحالي لحزب «هورايزون» المتحالف مع ماكرون، أن الأخير «قتل الأكثرية الرئاسية»، لذا «يتوجب الذهاب إلى أكثرية مختلفة لن تكون كسابقتها». أما فرنسوا بايرو، الحليف الرئيس لماكرون ورئيس حزب «الحركة الديمقراطية» المنضوية تحت لواء التحالف الداعم له، فرأى أن المعركة الانتخابية التي تلي حل البرلمان «ليست معركة سياسية بل صراع من أجل البقاء».

ماكرون ومجموعته الضيقة

بناءً عليه، صار واضحاً، اليوم، أن ماكرون اتخذ قراره مع مجموعة ضيقة لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة. وفي اجتماع دُعيت إليه في قصر الإليزيه يائيل بيفيه ـ براون، رئيسة مجلس النواب، ليس للتشاور، بل لإبلاغها قراره، طلبت منه الأخيرة اجتماعاً على انفراد لتبلغه رفضها حل البرلمان الذي ترأسه منذ سنتين، مذكّرة إياه بالمادة الدستورية التي تُلزم رئيس الجمهورية بالتشاور معها. ولقد وافق ماكرون على طلبها، إلا أن الاجتماع، في غرفة جانبية، لم يدُم سوى دقيقتين.

ما حصل مع بيفيه ـ براون، جرى أيضاً مع جيرار لارشيه، رئيس مجلس الشيوخ، المنتمي إلى اليمين التقليدي - حزب «الجمهوريون» - والرجل الثاني في الدولة الذي يشغل هذا المنصب، من غير انقطاع، منذ عام 2014.

إذ نقلت صحيفة «لوموند» أن لارشيه، الذي لم يكن حاضراً الاجتماع الطارئ في الإليزيه، تلقى اتصالاً هاتفياً من ماكرون، في الثامنة والربع من مساء التاسع من يونيو (حزيران) الماضي، وأن الاتصال دام دقيقة ونصف الدقيقة.

وتابعت الصحيفة أن لارشيه، الطبيب البيطري السابق، انتقد ماكرون؛ لعدم احترامه المادة 12 من الدستور، الأمر الذي عدَّه «انتقاصاً من دور المؤسسة التي يرأسها»، وبالتالي من منصبه ومنه شخصياً. وسأل لارشيه، ماكرون: «هل فكّرت ملياً بما قرّرت فعله؟»، وجاء ردّ رئيس الجمهورية: «نعم، أنا أتحمل كامل المسؤولية ومستعد للتعايش» مع حكومة من غير معسكره السياسي.

التعايش مع اليمين المتطرف!

بالنظر لنتائج الانتخابات الأوروبية، التي شهدت احتلال حزب «التجمع الوطني»، اليميني المتطرف بزعامة مارين لوبن، وترؤس الشاب جوردان بارديلا لائحتها، المرتبة الأولى وحصوله على 34 في المائة من الأصوات، كان ماكرون يعني التعايش مع حكومة من اليمين المتطرف. وهذا ما كان سيُدخل فرنسا نادي الدول التي سيطر عليها هذا اليمين؛ أكان بالكامل كما في إيطاليا وهولندا، أم جزئياً كما في المجر والدنمارك والسويد.

إلا أن لارشيه، المعروف باعتداله ووسطيته، انتقد نهج الحكم الماكروني قائلاً له أن «عمودية حكمه - أي إمساكه بالقرار السياسي وحرمان حكومته من هامش من التصرف - قادته إلى العزلة التي يعاني منها راهناً». وخلاصة القول إن قلة اكتراث ماكرون بالمؤسسات وبدور رئيس الحكومة والنقابات، وما يسمى الهيئات الوسيطة، كالنقابات مثلاً، أدت إلى «القطيعة مع الرئيس»، بمن في ذلك المرشحون للانتخابات التي أُجريت دورتاها يوميْ 30 يونيو، و7 يوليو (تموز) الحالي. وكان من أبرز معالم هذه القطيعة أن أحداً من المرشحين لم يطلب دعم ماكرون في حملته الانتخابية؛ لأنه اعتبر أن حضوره سيؤدي إلى نتائج عكسية. كذلك كان اللافت أن أياً من المرشحين لم يضع صورته إلى جانب صورة ماكرون على ملصقاته الانتخابية.

تبعات المبادرة الماكرونية..

لقد أفادت نتائج الدورة الانتخابية الأولى الرسمية والنهائية، التي صدرت عن وزارة الداخلية، أن حزب «التجمع الوطني»، ومعه حليفه أريك سيوتي، رئيس حزب «الجمهوريون» المنشقّ والملتحق بـ«التجمع الوطني»، حصل على 33.15 في المائة من أصوات الناخبين، وعلى 10.7 مليون صوت، في تحوّل لم يعرفه سابقاً، كما تمكّن 37 من مرشحيه من الفوز منذ الجولة الأولى.

ثم حلّت «الجبهة الشعبية الجديدة»، التي تشكلت في وقت قياسي، والتي تضم ثلاثة أحزاب يسارية وحزب «الخضر»، في المرتبة الثانية بحصولها على 28 في المائة من الأصوات.

أما «ائتلاف الوسط»، الداعم لماكرون وعهده، فقد حلّ في المرتبة الثالثة، إذ رسا على ما دون عتَبة الـ21 في المائة. وللعلم، تمكّن اليسار من إيصال 32 نائباً منذ الدورة الأولى، مقابل نائبين فقط للائتلاف الأخير. وأصاب الانهيار أحزاب العهد الثلاثة في الصميم، وكذلك حزب «الجمهوريون» الذي تقلّص ناخبوه إلى 6.75 في المائة، بعدما هيمن، طيلة عقود، على الحياة السياسية في فرنسا.

نعم، جاءت نتائج الجولة الأولى صادمة وبمثابة قرع لجرس الإنذار محذِّرة من وصول اليمين المتطرف إلى السلطة عبر الانتخابات البرلمانية. وطيلة الأسبوع الفاصل بين الجولتين الأولى والثانية، كان السؤال المحوَري يدور حول ما إذا كان اليمين المتطرف سيحصل على الأكثرية المطلقة في البرلمان أم لا.

وأخذ جوردان بارديلا، الذي رشحه «التجمع الوطني» لرئاسة الحكومة، بينما تتحضر مارين لوبن للعبور إلى قصر الإليزيه في الانتخابات الرئاسية لعام 2027، يتكلّم إلى الإعلام وكأنه واصل غداً إلى رئاسة الحكومة.

بيد أن هذه النتائج دفعت «الجبهة الشعبية الجديدة» و«ائتلاف الوسط»، رغم التباعد الآيديولوجي والسياسي بينهما والحملات السياسية والشخصية العنيفة المتبادلة طيلة ثلاثة أسابيع، إلى الاتفاق على سحب مرشحيهما من الدوائر التي حلّوا فيها في المرتبة الثالثة لكي تصب الأصوات كافة لصالح المرشح المناهض لليمين المتطرف، مهما كان لونه السياسي. والحقيقة أن «معجزة» تحقّقت، واتفق الطرفان على سحب 220 مرشحاً أكثريتهم من جبهة اليسار، الأمر الذي قلَب النتائج المرتقبة سلفاً رأساً على عقب.

ظواهر فرضت نفسها

في أي حال، ثمة أربع ظواهر فرضت نفسها:

الأولى أن «الجبهة الجمهورية» التي شكلت لوقف زحف اليمين المتطرف إلى السلطة نجحت في مهمتها. فبدل أن تثبت جولة الإعادة نتائج الجولة الأولى، ها هو اليمين المتطرف يحل في المرتبة الثالثة، ما وأد أحلامه السلطوية مع أنه نجح في إيصال 125 نائباً إلى البرلمان الجديد، مقابل 89 نائباً في البرلمان السابق.

والثانية أن جبهة اليسار، ومَن انضم إليها، حلّوا في المرتبة الأولى مع 195 نائباً، يتبعهم في ذلك ائتلاف الوسط الرئاسي (166 نائباً) الذي خسر 84 نائباً.

والثالثة أن أية مجموعة من المجموعات الرئيسة الثلاث لم تحصل على الأكثرية المطلقة (289 نائباً) أو لامستها، الأمر الذي أوجد وضعاً سياسياً بالغ التعقيد، وجعل تشكيل حكومة جديدة صعب المنال.

والرابعة قوامها أن القرار السياسي انتقل من قصر الإليزيه، حيث خرج ماكرون ضعيفاً في المنافسة الانتخابية بسبب ضعف مجموعته السياسية وفقدان سيطرته على المجموعات الأخرى، إلى البرلمان. وهو ما أعاد فرنسا - بمعنى ما - إلى عهود «الجمهورية الرابعة» عندما كان القرار بيد المشرّعين وليس بيد رئيس الجمهورية.

انتخابات بلا فائز

يعطي الدستور الفرنسي تسمية رئيس الحكومة لرئيس الجمهورية، كما أنه لا يُلزمه بمهلة محددة لاختياره. بيد أن العُرف يقول إنه يتوجب عليه أن يُوكل المهمة إلى شخصية من «التجمع»، أو الحزب الفائز بالانتخابات، أو الذي يحل في المرتبة الأولى؛ أي في حالة الانتخابات الأخيرة، إلى «الجبهة الشعبية الجديدة».

بيد أن ماكرون يتمهل وتجمعه (ائتلاف الوسط)، ومعهما اليمين التقليدي (حزب «الجمهوريون»)، الذي حصل على 65 نائباً. وهؤلاء يراوغون ويستمهلون ويسوّقون الأعذار لمنع اليسار من الوصول إلى السلطة بحجة هيمنة حزب «فرنسا الأبية»، والمرشح الرئاسي السابق جان لوك ميلونشون، عليه. ومنذ الأحد الماضي، يوجه هؤلاء سهامهم على ميلونشون؛ لأنهم يرون فيه نقطة الضعف الرئيسة، ويواظبون على نعته بـ«معاداة السامية»، وبالسعي لهدم النظام الديمقراطي، وإثارة الفوضى والطوائفية.

وتضاف إلى ما سبق حجتان: الأولى أن اليسار عاجز عن توفير أكثرية في مجلس النواب باعتبار أنه ليست ثمة مجموعة من المجموعتين الكبريين تقبل بالتحالف معه للوصول إلى العدد السحري (289 نائباً). والثانية أن «لا أحد فاز في الانتخابات الأخيرة»، كما أكد وزير الداخلية جيرالد درامانان... باعتبار أن المجموعات الثلاث نالت أعداداً متقاربة من النواب.

وبالفعل، سارع ماكرون إلى استخدام الحجة الأخيرة في «الرسالة» التي وجّهها إلى الفرنسيين، الأربعاء، عبر الصحافة الإقليمية - وهي الثانية من نوعها منذ حل البرلمان. وعمد الرئيس إلى استخلاص النتائج وطرح تصوّره للأيام المقبلة، فيما تجهد جبهة اليسار، بشِق النفس وبمفاوضات شاقة، إلى التوافق حول اسم مرشح تطرحه لرئاسة الحكومة وسط كمٍّ من الأسماء.

وهنا، لم يتردد أوليفيه فور، أمين عام الحزب الاشتراكي، في طرح نفسه للمنصب، علماً بأن هناك صراعاً داخلياً قائماً بين الحزب الاشتراكي وحزب «فرنسا الأبية» على تزعّم تجمع اليسار و«الخضر». وحلم ماكرون ومجموعته إحداث شرخ داخل «جبهة اليسار» بحيث يبتعد الاشتراكيون و«الخضر» - وأيضاً الشيوعيون - عن ميلونشون و«فرنسا الأبية»، بحيث يتاح المجال لتشكيل حكومة «قوس قزح» من اليمين وائتلاف الوسط واليسار غير الميلونشوني؛ بمعنى إقصاء أقصى الطرفين خارجها، أي من جهة، اليمين المتطرف ممثلاً بـ«التجمع الوطني»، ومن جهة ثانية، اليسار المتشدد ممثلاً بـ«فرنسا الأبية».

وللتذكير، طلب ماكرون، في رسالته التي لقيت احتجاجات قوية، لا بل تنديداً شديداً بـ«مناورته» الجديدة، من «كل القوى السياسية التي ترى نفسها داخل المؤسسات الجمهورية، أن تنخرط في حوار صادق ونزيه من أجل بناء أكثرية صلبة تكون بطبيعة الحال متعددة». وأردف أنه يريد «التمهّل بعض الوقت من أجل التوصل إلى تسويات بهدوء واحترام للجميع»، مكرّراً من جديد أن «لا أحد فاز» في هذه الانتخابات.