أحمد الحشاني... رئيس الحكومة التونسية الخامس في عهد قيس سعيّد

أولوياته اقتصادية مالية ولم ينخرط في المعارك السياسية

أحمد الحشاني... رئيس الحكومة التونسية الخامس في عهد قيس سعيّد
TT

أحمد الحشاني... رئيس الحكومة التونسية الخامس في عهد قيس سعيّد

أحمد الحشاني... رئيس الحكومة التونسية الخامس في عهد قيس سعيّد

فاجأ الرئيس التونسي قيس سعيّد التونسيين المصطافين والسياسيين، الذين دخلوا موسم الإجازات الصيفية والعطلة البرلمانية السنوية، بالإعلان عن تعيين أحمد الحشاني، المسؤول السابق في البنك المركزي التونسي، رئيساً جديداً للحكومة خلفاً لنجلاء بودن التي كان قد اختارها لتولي هذا المنصب قبل سنتين. وبذا يكون الحشاني خامس رئيس حكومة منذ انتخابات 2019، إلا أن الاختيار وقع هذه المرة على شخصية قانونية اقتصادية مصرفية لم تنخرط في المعارك السياسية التي شهدتها البلاد منذ يناير (كانون الثاني) 2011، إذ تعاقب على قصر الحكومة بالقصبة كل من رئيس الحكومة الأسبق يوسف الشاهد حتى أواخر فبراير (شباط) 2020، وخلفه وزير المالية الأسبق إلياس الفخفاخ حتى صيف العام ذاته، ثم وزير الداخلية الأسبق هشام المشيشي من سبتمبر (أيلول) 2020 حتى 25 يوليو (تموز) 2021 تاريخ القرارات الرئاسية التي اتخذها سعيّد، وبينها حل البرلمان وتغيير الحكومة واعتماد خريطة سياسية جديدة. وكانت نجلاء بودن رئيسة الحكومة الرابعة منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2021.

خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال أحمد كرم، الرئيس السابق لعدد من المصارف (البنوك) وللجمعية التونسية للبنوك والمؤسسات المالية، إنه عرف أحمد الحشاني، زميله السابق في الإدارة العامة للبنك المركزي، منذ توظيفه منذ أكثر من 35 سنة.

ووصف شخصية رئيس الحكومة الجديد بـ«الهادئة»، وأردف أنه «خبير كبير» في القوانين، وأيضاً في المعاملات مع كل المؤسسات البنكية والمالية والاقتصادية التونسية والدولية، لا سيما تلك التي تحتاج إلى بحث ملفاتها مع القسم القانوني في البنك المركزي والحصول على موافقته.

أسرة تونسية - فرنسية

ولد أحمد بن صالح الحشاني عام 1957 لأم فرنسية من إقليم البريتاني (أقصى شمال غربي فرنسا) وأب تونسي عسكري كان من بين الضباط الشبان الذين تخرّجوا في فرنسا وبنوا المؤسسة العسكرية التونسية. وكان كثيرون من هؤلاء - مثل والده – قد تزوّجوا بأوروبيات قبل العودة إلى تونس على غرار الزعيم الحبيب بورقيبة وثلة من المقربين منه.

كان الطفل أحمد الحشاني في الخامسة من عمره عندما أوقفت في ديسمبر (كانون الأول) 1962 قوات الأمن التونسية والده الرائد صالح الحشاني، قائد الوحدات العسكرية في محافظة قفصة الجنوبية على الحدود الجزائرية - التونسية، وذلك بتهمة المشاركة في المحاولة الانقلابية الفاشلة 1962 ضد الرئيس الحبيب بورقيبة، التي نظمها ضباط عسكريون وأمنيون ومسؤولون في الدولة والإدارة بقيادة الأزهر الشرايطي، مدير عام الأمن الرئاسي والزعيم السابق للمجموعات المسلحة التي قاومت الاستعمار الفرنسي. وبالمناسبة، كانت الزوجة الثانية للشرايطي بدورها أوروبية من أصل سويسري.

وهنا نذكر أن الأب العسكري لرئيس الحكومة الجديد كان قد بدأ مسيرته ضابطاً برتبة ملازم في جيش آخر ملوك تونس، محمد الأمين باي، ثم انضم إلى الجيش الجمهوري إثر إلغاء الملكية في 25 يوليو (تموز) 1957. ومن ثم رقّي لاحقاً إلى رتبة «رائد».

مصادرة أملاك العائلة

وكان أحمد في السادسة من عمره عندما جرت محاكمة والده وحكم عليه بالإعدام. وحقاً نفذ الحكم فيه مع غالبية المتهمين العسكريين والمدنيين، في حين أحيل رفاقهم الذين حوكموا بالسجن والأشغال الشاقة إلى السجون.

هذا، وكشف المحامي والحقوقي اليساري عبد الرؤوف العيادي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» عن أن شقيقة لأحمد الحشأني وشقيقه - وهو ضابط في الجيش الفرنسي - نظما تحركات بعد أحداث 2011 في تونس من أجل «التعريف بالمظالم التي تعرّضت لها الأسرة بعد إعدام الوالد، من بينها مصادرة أملاكها والتشهير بها».

كذلك شارك الشقيق والشقيقة مع الحقوقيين والمعارضين السابقين في اعتصامات ومظاهرات من أجل معرفة مكان دفن ذويهم بعد إعدامهم، وإعادة الاعتبار لهم ولعائلاتهم. وبالفعل، استجابت السلطات في عام 2013، وحصل الأهل على رفات ذويهم، ومُكنوا بالتالي من إعادة دفنهم في مقابر عادية، بينما أحيلت الملفات الباقية إلى المحاكم المختصة في «قضايا العدالة الانتقالية».

ولكن، من جهة أخرى، لم يعرف عن أحمد الحشاني نفسه أنه شارك لا في التحركات ولا في جلسات المحاكم التي كانت تنظر منذ عشر سنوات في القضايا التي رفعتها عائلات ضحايا المحاكمات السياسية ما بين 1955 و2011. وأيضا، لم يعرف عنه انحياز واضح لأي تيار سياسي، بما في ذلك التيار «القومي العروبي»، الذي قيل إن غالبية المشاركين في المحاولة الانقلابية لعام 1962 كانوا ينتمون إليه أو يتعاطفون معه.

حملات إعلامية

عرف عن رئيس الوزراء الجديد تفرّغه للدراسة في المدارس العمومية ثم في كلية الحقوق والعلوم الاقتصادية بجامعة تونس، التي تخرج فيها عام 1983، خلال الفترة ذاتها تقريباً التي درس فيها في الكلية رئيس الجمهورية قيس سعيّد، ثم شقيقه المحامي والأكاديمي نوفل سعيّد ونخبة من زملائه لاحقاً، في الدولة وفي البنك المركزي، بينهم الجامعي والخبير الاقتصادي فتحي زهير النوري، عضو مجلس إدارة البنك المركزي سابقاً.

وبعد التخرّج، لم ينخرط أحمد الحشاني مباشرة في الحياة السياسية والحزبية بل تفرّغ لوظيفته في البنك المركزي، ثم في أنشطة اجتماعية ثقافية اقتصادية ضمن جمعية قدماء البنك ومتقاعدي المؤسسة.

بيد أن مصادر في حزب «نداء تونس»، الذي أسّسه وتزعّمه الرئيس الراحل محمد الباجي قائد السبسي، أوردت أن الحشاني انخرط في الحزب الذي فاز في انتخابات 2014 الرئاسية والبرلمانية: «لكنه كان في الصف الثاني، ولم يتحمل أي مسؤولية في هيئاتها الوطنية».

شخصية هادئة

في أي حال، شخصية أحمد الحشاني، الطفل والشاب ثم الكهل، قد تكون تأثرت بالظروف التي نشأ فيها وعائلته، ولا سيما، عندما كان بورقيبة ومساعدوه يشنون حملات إعلامية قادها بورقيبة نفسه، واتهم فيها «جهات خارجية» - بينها الجزائر بزعامة الرئيس أحمد بن بلا - بدعم «المعارضين» و«المتآمرين» ضده، ممن عدهم من «اليوسفيين» (مناصرو غريمه الزعيم التونسي صالح بن يوسف) و«القوميين العرب».

ما يستحق الإشارة، أن بورقيبة كان حينذاك في «أزمة مزدوجة»...

الوجه الأول، مع فرنسا بقيادة الجنرال شارل ديغول، بسبب «المذبحة» التي ارتكبها الجيش الفرنسي في مدينة بنزرت (بشمال تونس) في يوليو 1961، عند قمع مظاهرة شعبية ضخمة تطالبه بالجلاء العسكري الكامل، والتململ داخل ثكنات الجيش التونسي.

والوجه الثاني، توتر علاقاته مع مَن تبقى من معارضيه الموالين للزعيم الثاني للحزب الدستوري والحركة الوطنية الوزير صالح بن يوسف - الذي اغتاله مناصرون لبورقيبة في ألمانيا صيف 1961 - بسبب تزعمه تمرّداً منذ 1955. وفي حينه، تحالف بن يوسف مع «القوميين العروبيين» والتيار القومي العربي المصري بزعامة جمال عبد الناصر والجناح القومي العربي في جبهة التحرير الوطني الجزائرية بزعامة بن بلا.

الأولوية للملفات الاقتصادية

في هذا السياق العام يبرز رئيس الحكومة الجديد في موقع «الشخصية التأليفية» التي اختارها الرئيس سعيّد وفريقه عشية الانتخابات العامة للغرفة الثانية للبرلمان المقرّرة لشهري أكتوبر (تشرين الأول) ونوفمبر (تشرين الثاني) المقبلين. إذ إنه شخصية تبعث برسائل «طمأنة» عديدة لأبناء الجهات المُهمّشة والداخلية والضواحي الفقيرة للمدن في مرحلة استفحال الأزمة الاقتصادية الاجتماعية وتجاوز نسب الفقر والبطالة - بصفة رسمية – حد الـ20 في المائة.

وفي الوقت عينه، يبدو أن قصر قرطاج (مقر الرئاسة) أراد أن يستفيد من علاقات الحشاني وفريقه الآتي من داخل البنك المركزي والبنوك التونسية، وذلك للمضي في تنفيذ سياسته التي تعتمد أكثر على «التداين من السوق الداخلية»، وترفض «الإذعان لإملاءات» صندوق النقد الدولي والمؤسسات الأوروبية والعالمية، لا سيما فيما يتعلق برفع الدعم وإغلاق المؤسسات العمومية المفلسة، أو بيعها للقطاع الخاص بما في ذلك شركات النقل العمومية التي تقدر ديونها بنحو 3 مليارات دولار.

«النخبة الجديدة»

في الواقع، تتوفر في الحشاني: «الإنسان» و«الخبير القانوني والاقتصادي والإداري» مزايا «المسؤول المثالي» بالنسبة للرئيس سعيّد وفريقه منذ انتخابات 2019. بل بالأخص منذ منعرج 25 يوليو (تموز) 2021 مع تركّز جل السلطات في قصر قرطاج (مقر رئاسة الجمهورية). فرئيس الحكومة الجديد يشبه عددا من الشخصيات التي سبق أن اعتمد عليها سعيّد ومنحها ثقته، لأنها كانت أساساً «إدارية ومحايدة» ولا تحوم حولها «شبهات مالية وسياسية وحزبية»، فضلاً عن كونها لا يمكن أن تكون عرضة للانتقادات من قبل شخصيات عمومية أو وسائل الإعلام التي قد تطعن في ماضيها.

لذلك فإن معظم الوزراء والمسؤولين الذين عيّنهم سعيد في حكومات ما بعد 2019، ثم ما بعد 25 يوليو 2021، يشبهون أحمد الحشاني من حيث سيَرهم الذاتية القصيرة؛ إذ يشترط ألا تثير هذه السيَر الذاتية «شبهات» أو «حملات إعلامية» قد يوظّفها بعض المعارضين ضد الرئيس. ومن هؤلاء، أولئك الذين قد يشككون في حرص سعيّد على نظافة اليدين والشفافية والنزاهة سواءً بالنسبة له أو لكل كبار المسؤولين في الدولة.

أبرز مقاييس الاختيار «من خارج المنظومات»

وفعلاً، تذكّر شخصية الحشاني بشخصيات عديدة سبق لقصر قرطاج أن قرّبها أو أمر بتعيينها على رأس مؤسسات سيادية في الدولة، لأن الشرط الرئيسي الذي توافر فيها هو «الولاء للوطن ولرئيس الدولة» والاستعداد لتنفيذ «المشروع السياسي لرئيس الجمهورية والتوجهات التي يرسمها للحكومة»، كما أورد زياد كريشان، رئيس تحرير صحيفة «المغرب» اليومية والمعلق السياسي لإذاعة «موزاييك» الخاصة.

إذ جاء تعيين الحشاني بعد مسار انطلق منذ 2019، بادر فيه سعيّد إلى تعيين شخصيات «من خارج كل منظومات الحكم والمعارضة السابقة». ومعلوم، أن الرئيس التونسي يعد كل تلك «المنظومات التي تحكّمت بالدولة» إبان عهدي بورقيبة (1955 - 1987) وبن علي (1987 - 2011) ثم بعد ذلك، كانت فاشلة وتحوم حولها شبهات «الفساد والتبعية للخارج». ولهذا اختار رئيس الحكومة الجديد مثلما اختار من قبل عدداً من المسؤولين السابقين من خارج «النخب المزيفة» والمتورطة بـ«الانقلاب على نضالات الشباب» المهمش الذي ثار من أجل الشغل والخبز والكرامة في المناطق الفقيرة في 2008 و2010 ومطلع 2011.

وعلى سبيل المثال، عندما عين إلياس الفخفاخ رئيساً للحكومة مطلع 2020 كان في طليعة أسباب التعيين اتفاقه معه على ضرورة «إقصاء الفاسدين» ورفض «المصالحة المغشوشة» مع حزب «قلب تونس» وزعيمه نبيل القروي، ومع رموز المنظومات التي حكمت تونس في عهد زين العابدين بن علي.

وفي السياق ذاته وللاعتبارات ذاتها، قرّب سعيّد إليه هشام المشيشي، الموظف السابق في الهيئة العليا لمكافحة الفساد، فعينه وزيراً للداخلية ثم رئيساً للحكومة في سبتمبر (أيلول) 2020 قبل أن يبعده في يوليو 2021. ووفق تلك المقاييس - أي عبر استبعاد «مَن تحملوا مسؤوليات عليا في الحقبات السابقة» وقع الاختيار على نجلاء بودن وفريقها وعدد من كبار المسؤولين.

في هذا الإطار، يجدر التذكير بأن سعيّد أعلن بوضوح منذ 2013 - أي قبل وصوله إلى الحكم بسنوات -، ثم بعد انتخابه رئيساً، أنه يريد إبعاد «النخب القديمة» بمختلف ألوانها وآيديولوجياتها وأحزابها. ومن جهة ثانية، أكد أنه يراهن على «نخبة جديدة غير متورطة في غلطات السياسيين ورجال الأعمال الفاسدين» وقادة الأحزاب الذين هيمنوا على أوضاع تونس خلال السنوات السبعين الماضية عموماً، وخصوصاً بعد 2011 أي في «عشرية الخراب». وهذه التسمية يطلقها سعيّد على كل «النخب» السياسية و«اللوبيات» القريبة منها و«المافيات» و«الكارتيلات» الاقتصادية والمالية خلال مرحلة ما بعد ثورة 2011.

ولقد سبق لسعيّد أن خاطب الشباب والأوساط الشعبية متكلماً عن كل السياسيين والمثقفين الذين ينتمون إلى «عقود الخراب» منذ الخمسينات إلى اليوم. إذ قال: «فليرحلوا... فليرحلوا جميعاً»... في إشارة إلى الأحزاب التي فازت في انتخابات 2011 وحكمت البلاد حتى 2013. وكذلك إلى «جبهات المعارضة» التي تشكلت لإسقاطها بزعامة الباجي قائد السبسي وقيادات حزب «نداء تونس» و«التحالف من أجل تونس» والأطراف السياسية والنقابية التي تنتسب إلى عهدي بورقيبة وبن علي.

استبعادات بالجملة

وبعد إسقاط البرلمان والحكومة الائتلافية التي كانت تشارك فيها قيادات من أحزاب العقد الماضي، استبعد سعيّد جلّ «النخب السابقة»، بما في ذلك النخب «الحداثية» التي كان يتزعمها يوسف الشاهد، رئيس الحكومة الأسبق وزعيم حزب «تحيا تونس»، أو محسن مرزوق الوزير السابق وزعيم حزب «مشروع تونس»، وإلياس الفخفاخ زعيم حزب «التكتل الديمقراطي»، والأحزاب الاجتماعية الديمقراطية بزعامة عصام الشابي وخليل الزاوية وغازي الشواشي وحمة الهمامي.

أيضاً، بعد منعرج يوليو 2021، استبعد الرئيس حتى النخب والشخصيات البرلمانية والنقابية والسياسية التي كانت تعد نفسها «مقربة جداً» من قصر قرطاج، ومنها نور الدين الطبوبي وقيادات «الاتحاد العام التونسي للشغل» ومحمد عبو وغازي الشواشي وزهير المغزاوي وهيكل المكي وبقية قيادات الكتلة القومية العربية واليسارية في البرلمان السابق.المعركة المقبلةهذا، وفي حين تحفظت المعارضة وقيادات من «جبهة الخلاص الوطني»، بزعامة أحمد نجيب الشابي، على صيغة هذا التعديل الحكومي الجديد، صرّح المحامي والناشط السياسي عماد بن حليمة بأنه يتوقع أن تفسّر «الأجندات الانتخابية القادمة» الاختيار الذي وقع على «شخصية من دون ماض سياسي» مثل أحمد الحشاني وتسليمه رئاسة الحكومة الجديدة. ويعتقد بن حليمة أن رئيس الحكومة الجديد جاء من قطاع البنوك وعالم المال والأعمال والقانون في سياق «استعدادات الرئيس سعيّد وفريقه لانتخابات الغرفة الثانية للبرلمان المقررة لشهري أكتوبر (تشرين الأول) ونوفمبر (تشرين الثاني) المقبلة والانتخابات الرئاسية المقرّرة في الربع الأخير من العام المقبل».

رئيس حكومة ما بعد «الخريطة السياسية»وحسب المواقع الاجتماعية التابعة للشخصيات والأطراف السياسية المحسوبة على قصر قرطاج فإن الرئيس سعيّد يعد نفسه نجح في إنجاز «الخريطة السياسية»، وسيبدأ مع رئيس الحكومة الجديد معاركه الاقتصادية مع «مافيات التحايل والاحتكار والفساد». وهذا، بعدما عاد إلى توجيه نيرانه إليها خلال موكب تنصيب رئيس الحكومة الجديد، عندما حملها مسؤولية نقص المواد الغذائية والأساسية من الأسواق، بما في ذلك الخبز والعجين ومشتقاته.

ختاماً، في كل الحالات، يبدو أن مستقبل أحمد الحشاني السياسي رهين بضعة عوامل؛ من بينها أنه سيُسمح له بلعب دور رئيس حكومة اقتصادية سياسية بصلاحيات واسعة... كيلا يظل مجرد «وزير أول» و«منسق عمل الفريق الحكومي» على غرار نجلاء بودن.


مقالات ذات صلة

تصريحات نائب عن المهاجرات الأفريقيات تثير جدلاً واسعاً في تونس

شمال افريقيا مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)

تصريحات نائب عن المهاجرات الأفريقيات تثير جدلاً واسعاً في تونس

أثارت تصريحات نائب تونسي حول الاغتصاب والمهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء جدلاً وانتقادات واسعة.

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا من احتفالات يهود سابقة داخل كنيس الغريبة قبل وقوع الهجوم الإرهابي (أ.ف.ب)

تونس تستأنف الحج اليهودي إلى كنيس الغريبة

يُستأنف الحج اليهودي إلى كنيس الغريبة في جزيرة جربة التونسية، نهاية أبريل الحالي، مع فتحه أمام المشاركين.

«الشرق الأوسط» (تونس)
حصاد الأسبوع مقر "الاتحاد" (رويترز)

قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

أسفر مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل» عن فوز كبير لقائمة «الثبات والتحدّي» بقيادة صلاح الدين السالمي، التي حصدت المقاعد الـ15 كاملة داخل المكتب التنفيذي

«الشرق الأوسط» ( تونس)
شمال افريقيا وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي خلال لقائه أمس نظيره الألماني في برلين (إ.ب.أ)

تونس تطالب بـ«دعم أوروبي استثنائي» لاسترجاع الأموال المنهوبة

عبَّرت تونس عن تطلعها إلى دعم استثنائي من شركائها الأوروبيين، خصوصاً ألمانيا؛ لتجاوز العراقيل التي تحُول دون استرجاع الأموال المنهوبة.

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا الأمين العام ورئيس اتحاد الشغل نور الدين الطبوبي (أ.ف.ب)

تونس: «اتحاد الشغل» ينظم مؤتمره العام وسط أزمة داخلية

بدأ الاتحاد العام التونسي للشغل، اليوم (الأربعاء)، مؤتمره العام لانتخاب أعضاء جدد للمكتب التنفيذي.

«الشرق الأوسط» (تونس)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.