الديون تهدّد بزعزعة ثقة الأسواق المالية في حكومات الدول الأوروبية واقتصاداتها

تفاقم أزمتها يعمّق الخلاف بين شمالها وجنوبها ويهدّد حلم الوحدة

مقر المفوضة الأوروبية في بروكسل (أ.ب)
مقر المفوضة الأوروبية في بروكسل (أ.ب)
TT

الديون تهدّد بزعزعة ثقة الأسواق المالية في حكومات الدول الأوروبية واقتصاداتها

مقر المفوضة الأوروبية في بروكسل (أ.ب)
مقر المفوضة الأوروبية في بروكسل (أ.ب)

تواجه الدول الأوروبية ظاهرة تضخّم ديونها السيادية في ظل أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة اتسمت بارتفاع أسعار الطاقة والغذاء وتدني مستوى المعيشة، إذ بلغت معدلات التضخم في بعض الدول إلى 8 في المائة حسب إحصاءات «معهد أوروستا» لعام 2022. بعض الحكومات أخذت على محمل الجّد هذه المشكلة التي تهدد بزعزعة الثقة في «صلابتها» على مستوى الأسواق العالمية وإضعاف مكانتها على الساحة الدولية. وبضغط من بروكسل (أي المفوضية الأوروبية) شرعت الكثير من الحكومات الأوروبية في اتباع سياسات إصلاحية تقشفية بخفضها للميزانيات العمومية، وإعادة النظر في النفقات المخصّصة لقطاعي الصّحة والخدمات. ومن المنتظر أن تترك هذه الإجراءات آثارها على المستوى المعيشي للأوروبيين، بالأخص في الدول ذات الديون المرتفعة، وكذلك تعميق الخلاف بين «دول الشمال» الأوروبي «المقتصدة» و«دول الجنوب» التي تعتمد أكثر من غيرها على المساعدات الأوروبية. وعليه، يبقى مطروحاً السؤال: كيف ستتعامل كل حكومة مع تضخّم ديونها، بل والأهم... مَن سيدفع الفاتورة؟

في كتاب «الديون وصفة سحرية أم سم قاتل؟» (دار نشر تيليماك) للباحثة وخبيرة الديون آن لور كيشل، توضح كيشل فتقول إن «لجوء الدول الأوروبية للاستدانة ليس بالأمر الجديد، بل هو ميزة مشتركة عند الدول الغنية كالولايات المتحدة والصين. إلا أن اللافت للانتباه بالنسبة للديون الأوروبية هو نسبتها التي باتت في ارتفاع مستمر، والأهم تجاوزها الحاجز النفسي لـ100 في المائة من إجمالي الناتج الخام، وهو ما كان صعباً توقعه قبل الأزمة الصحية».

ولكن حتى الآن لا نستطيع وصف هذه الديون بـ«الخارجة عن السيطرة»، بل إن السؤال الذي يجب طرحه يتعلق باستعمالاتها، وبمعنى آخر التفريق بين الديون السيئة والديون الجيدة. وذلك لأن الأولى تُستعمَل في الإنفاق على المؤسسات العمومية، وقد تتحول إلى نقمة إذا ما تُركت تتراكم من دون التحكم فيها... أما الثانية فتستخدم للاستثمار في القطاعات الحيوية، لا سيما التكنولوجيا والتربية والتكوين، ولذا فهي مُحبذة، بل وضرورية من أجل تنمية اقتصاد الدول.

تخطي مستويات الأمان

كان «معهد أوروستا» قد نشر آخر حصيلة للديون الأوروبية، التي قدرها بـ13.300 مليار يورو، وهو ما يعادل 88 في المائة من نسبة الناتج المحلي لدول المجموعة. وعلى الرغم من أن البيانات الرسمية لعام 2022 كانت قد أظهرت تباطؤ وتيرة العجز المالي وانخفاض الديون الحكومية، فإنها تخطّت بالأساس مستويات الأمان، ووصلت إلى مناطق خطرة للغاية... حتى أصبحت مصدر قلق كبير لبروكسل التي تجد نفسها أمام معركة حقيقية لفرض تطبيق مقترحات خفض الدين، علماً بأن الدول الغنية لا تريد تحمل فواتير ثقيلة كما حدث في الماضي.

أيضاً، من المتوقّع أن ترفض عدة حكومات السياسات التقشفية ورفع الضرائب، لأن مثل هذه الإجراءات قد تثير غضب الشعوب، وتتسبب في اندلاع إضرابات واحتجاجات شعبية، وسيكون الوضع صعباً بشكل خاص على دول مثل إيطاليا واليونان والبرتغال. ومن جانبها، تنتقد حكومات اليمين واليمين المتطرف في أوروبا أيضاً تدخل بروكسل لمراقبة ميزانيتها وتعده مساساً بسيادتها. وهذا الأمر تشرحه الباحثة والخبيرة الفرنسية كيشيل بالقول إن «الدول التي تلجأ إلى الديون ستفقد لا محالة جانباً من سيادتها، والتجربة اليونانية خير دليل على ذلك. وما حدث مع الأرجنتين أيضاً، وكذلك فنزويلا، مثلاً، التي اضطرت من أجل الحصول على قروض تقديم ضمانات تمثلت في بيع 50 في المائة من أسهم شركتها النفطية لجهات أجنبية...».

أما جونتان ماري، الباحث ومؤلف كتاب «الدَّين العام، تقرير عن اقتصاد المواطن» (دار نشر لوسوي)، فيشرح بخصوص الديون الأوروبية: «علينا أن ننوّه أيضاً بالامتيازات التي حظيت بها هذه الدول من قبل الجهات الدائنة، والتي جعلتها لا تتردد في الاستفادة من هذه القروض... وهي الفوائد الضعيفة والآجال الطويلة وإمكانية الاقتراض بعملتها أي باليورو. إن رفض الاستفادة من هذه الامتيازات سيكون تصرفاً غير عقلاني مع منافسة الولايات المتحدة والصين اللّتين تلجآن إلى الديون بشكل مكثّف». وأردف ماري: «فرنسا، مثلاً، كانت تقترض بأقل من 1 في المائة، وقد استفادت من ذلك طويلاً. لكن الوضع أخذ في التغيّر، بما أن النسب ارتفعت إلى 3 في المائة بعدما أقدمت وكالة (فيتش) على خفض درجتها... ورغم ذلك فهي تبقى شروطاً مميّزة مقارنة بالدول الأفريقية التي تستدين بنسب تتراوح ما بين 5 إلى 7 في المائة، بآجال قصيرة وبشروط قاسية».

«الرباعي المشاغب»

كريستيان ليندنر

حقاً، مشكلة الديون الأوروبية تخصّ بعض الدول دون غيرها. فهناك من جهة «الدول المجتهدة» كألمانيا والنمسا والدنمارك ولوكسبورغ أو استونيا، وهي الدول «المُقتصِدة» التي تحترم توجيهات بروكسل بخصوص سياستها المالية. وفي المقابل، نجد الدول التي تعرف بـ«الرباعي المشاغب»، التي لم تنجح في تحقيق التعديلات الهيكلية الكافية التي تمُكنها من الامتثال إلى المبادئ التوجيهية لـ«معاهدة ماستريخت لعام 1992». وللعلم، تحّدُّ هذه المعاهدة من العجز الحكومي إلى 3 في المائة والدين العام إلى 60 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، بغية الحفاظ على سياسات مالية سليمة. وكان قد جرى تعليق هذه البنود إبان جائحة «كوفيد - 19» العالمية لتمكين الحكومات الأوروبية من التقاط أنفاسها.

غير أنه بعد انتهاء هذه الأزمة، خرجت الدول الأوروبية وهي مُثقلة بالديون أكثر من أي وقت مضى. وأربع منها تُسجل نسب مديونية تفوق الـ110 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي. وبنسبة 171.3 في المائة تعدّ اليونان أعلى هذه الدول مديونية، ولقد أخذت وضعيتها تسوء بعد الركود الاقتصادي الذي شهده العالم عقب الأزمة المالية عام 2008، إذ تراجعت معدلات النمو وتفاقم العجز المالي حتى تخلفت اليونان عام 2015 عن سداد ديونها.

كان تأخر اليونان عن دفع مبلغ 1.6 مليار يورو لصندوق النقد الدولي هو المرة الأولى التي تتخلف فيها دولة متقدمة عن دفع مثل هذه المبالغ في تاريخ الصندوق. وهنا نشير إلى أن الاتحاد الأوروبي تدخل عدة مرات لإنقاذ اليونان، وبمعية صندوق النقد الدولي صُرف نحو 100 مليار يورو مقابل تعهد حكومة أثينا برفع الضرائب واتخاذ إجراءات إصلاحية تقشفية. ولكن على الرغم من إعلان جان كلود يونكر، رئيس المفوضية الأوروبية آنذاك، أن «اليونان تخطّت مرحلة خطيرة»، فإن الوضع خلق في نهاية المطاف أزمة ديون مستعصية عن الحل، أثبتتها القيود الاقتصادية والتخلف الهائل عن سداد ديون البلاد.

إيطاليا... قنبلة موقوتة؟

جورجيا ميلوني

ومثل الدول الأخرى التي عرفت تضخّماً في مديونيتها إبان جائحة «كوفيد - 19»، فإن الوضعية في إيطاليا أصبحت مصدر قلق ليس فقط بسبب حجم الديون الضخم، ولكن أيضاً بسبب ارتفاع قيمة خدمة هذه الديون.

إذ يبلغ حجم الدَّين الإيطالي حالياً نحو 3 تريليونات دولار أميركي، أو ما يعادل نسبة 150 % من إجمالي الناتج المحلي الإيطالي. وحسب ليزلي ليبشتز، المدير السابق لمركز الدراسات الاقتصادية في صندوق النقد الدولي، «فإن الدَّين الإيطالي قد يهدد بوقوع أزمة مالية في منطقة اليورو»، لا سيما وأن إيطاليا تواجه أزمات جفاف غير مسبوقة، بالإضافة لارتفاع أسعار الطاقة ما يضعف الاقتصاد الإيطالي ويزيد من عجز الميزانية.

من ناحية أخرى، أرجعت تقارير أوروبية تضخم الديون الإيطالية بصفة خاصة إلى «سوء تسيير» المؤسسات العمومية، والدليل ما حدث للمنظومة الصحيّة في إقليم كالابريا (أقصى جنوب إيطاليا)، حيث وصل حجم الديون هناك إلى مليار يورو بسبب تبذير المال العام وتفشي الرشوة والبيروقراطية.

غير أن رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني، والقيادية اليمينية المتطرفة، كانت قد انتقدت تدخل بروكسل بعد شراء البنك المركزي ديون إيطاليا الهشّة، ودعت إلى «تقليل اعتماد» بلادها على الدائنين الأجانب من خلال زيادة عدد الإيطاليين الذين يحملون أسهماً في الديون الإيطالية. وهنا تجدر الإشارة إلى أن إيطاليا كانت قد بدأت في تأميم الديون منذ 2008، ونجحت في رفع النسبة إلى 13 في المائة. أما الهدف من ذلك فكان «تأميم الديون ضد الصدمات المالية الجديدة، والأهم تفادي التدخلات الأجنبية والحفاظ على سيادة البلاد».

في أي حال، إذا كانت أزمة الديون اليونانية قد هزّت الأسواق المالية العالمية في عام 2010، فمن المتوقع أن يكون للأزمة الإيطالية تأثيرها أيضاً، خصوصاً وأن حجمها الاقتصادي يمثل حوالي 10 أضعاف اقتصاد اليونان، وتمثل ثالث أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي.

ثم إن وجود حكومة يمينية متطرفة في إيطاليا من شأنه أن يعقد الأمور، في ظل الخلاف التقليدي بين «دول جنوب» أوروبا التي تعتمد على مساعدات الاتحاد الأوروبي، وبين الدول «المقتصِدة» في شمال القارة، كألمانيا وهولندا والنمسا، التي تطالب عادةً بضغط النفقات، خصوصاً ما يتعلق بدعم الدول الأوروبية الفقيرة في الشرق والجنوب، لكون «دول الشمال» هي التي تدفع دائماً التكلفة.

إسبانيا والبرتغال:

مساعٍ لخفض الديون

بيدرو سانتشيز

بعد إيطاليا تُعدّ البرتغال ثالث أكثر دول المجموعة الأوروبية مديونية بنسبة 113.9 في المائة من الناتج المحلي، وهي نسبة وصل إليها عام 2022 بعد جهود حثيثة بذلتها حكومة لشبونة لخفض الدين، ذلك أن النسبة كانت تفوق 135 في المائة عام 2020.

وكان وزير المالية البرتغالي فرناندو ميدينا قد أعلن خلال افتتاح مناقشة مجلس الوزراء لبرنامج «ميثاق الاستقرار الأوروبي 2022/2026»، أن هدف الحكومة «إخراج البلاد من دائرة الدول الأكثر مديونية والاقتراب من العتبة النفسية لـ100 في المائة من الناتج المحلي. ثم أضاف: «نحن نريد، ونستطيع، إخراج البرتغال من هذه الدائرة، ليس بحثاً عن أي مكافأة، بل لأنها أفضل وسيلة لحماية المؤسسات والعائلات البرتغالية...».

ومن ثم، نصل إلى المرتبة الرابعة. هنا نجد إسبانيا التي تمثل فيها الديون السيادية نسبة 3 من الناتج المحلي، أي ما يعادل حوالي 1500 مليار يورو لعام 2022. هذه النسبة، وإن كانت مرتفعة فهي في تراجع مستمر بعدما سجلت نسباً عالية إبان جائحة «كوفيد - 19» (125 في المائة)، علماً بأن إسبانيا كانت، بعد إيطاليا، أكثر الدول تضرراً من الجائحة، وارتفاع تكاليف المعيشة. بيد أنها بخلاف إيطاليا استطاعت أن تقف على رجليها من جديد، بعد اتخاذها عدة إجراءات لإنعاش اقتصادها عقب الركود الذي شهدته في تلك الفترة. وكان من أهم تلك الإجراءات: تنشيط القطاع السياحي، وعودة الاستثمار، والتحكم في معدلات التضخم.

لقد فاجأت إسبانيا الجميع حين أعلنت أن معدل النمو قد قفز عام 2022 إلى 5 في المائة. وهنأت نادية كالفينو، وزيرة الاقتصاد والصناعة، بلادها «التي أثبتت مرونة في مواجهة الرياح المعاكسة»، كما عبرت عن ارتياحها لأن نمو الاقتصاد الإسباني يفوق بشكل ملموس المعدل الأوروبي الذي تتوقعه بروكسل وهو 3.3 في المائة. والواقع أن الحكومة الإسبانية متفائلة بوضعها لدرجة إعلان رئيس حكومتها الاشتراكي بيدرو سانشيز، أن البلاد «وضعت نصب عينيها هدف النجاح في خفض نسبة المديونية إلى 112 في المائة من إجمالي الناتج الخام في أواخر 2023، ثم إلى 110 في المائة في 2024 إلى أن تصل إلى نسبة 109 في المائة مع مطلع عام 2025، كما تعهدت بذلك أمام شركائها الأوروبيين».

فرنسا: مقاومة الإصلاحات

على صعيد متصل، مثل باقي الدول التي اتخذت تدابير لمواجهة الآثار الاقتصادية لجائحة «كوفيد - 19» شهدت فرنسا انفجاراً تاريخياً لديونها وصلت حسب تقرير «أوروستا» إلى ثلاثة آلاف مليار يورو، أي ما يعادل نسبة 84 في المائة من ناتجها الإجمالي العام.

الأمر اللافت هنا هو السرعة التي تراكمت بها هذه الديون، ما جعل وكالة «فيتش» الدولية تقرر خفض التصنيف الائتماني لفرنسا كتحذير للحكومة، لا سيما وأن ميزانية البلاد لم تصل إلى وضعية توازن منذ 1975.

هذا، وسبق لوكالة «فيتش» أن أشارت في بيانها إلى أن «الجمود السياسي والاحتجاجات الشعبية (العنيفة أحياناً) يشكلان خطراً على البرنامج الإصلاحي للرئيس (إيمانويل) ماكرون». وكانت الحكومة الفرنسية قد صادقت في وقت سابق على مشروع تعديل المعاشات الذي ينّص على رفع السّ القانونية من 62 سنة إلى 64 سنة، واستناداً إلى المادة 49 - 3 من الدستور، جرى تبنّي النص من دون تصويت في البرلمان، الأمر الذي أدى إلى تصاعد الاحتجاجات وأسابيع طويلة من المظاهرات وأحداث الشغب والتكسير.

ومع أن فرنسا تتمتع بثاني أكبر ثقل اقتصادي في أوروبا بعد ألمانيا، فإن الإنفاق على المؤسسات يشكل جزءاً كبيراً من ميزانية الدولة، بالأخص نظام التقاعد الفرنسي. إذ يُصرَف على المتقاعدين سنوياً حوالي 340 مليار يورو ما يسبب عجزاً مالياً يتراوح ما بين 10 إلى 12 مليار يورو.

وبالمناسبة، كان وزير الاقتصاد الفرنسي برونو لومير، قد قدّم خطة الحكومة لخفض الدَّين الوطني الفرنسي بأربع نقاط مئوية حتى عام 2027 من حوالي 112 في المائة إلى 108 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وتعتمد الخطة على تخفيض النفقات واستبعاد أي خفض جديد للضرائب. لكن «ستاندارد آند بورز» - التي هي واحدة من ثلاث وكالات رئيسية للتصنيف الائتماني مع وكالتي «فيتش» و«موديز» - أبقت في الوقت نفسه على توقعاتها لآفاق «سلبية» ما يمكن أن يؤدي إلى خفض الدرجة في المستقبل. بل، وحذّرت الوكالة من «المخاطر» المتعلقة بتنفيذ أهداف الميزانية الحكومية. وأشارت من ثم، في هذا الإطار، إلى «غياب الأغلبية المطلقة في البرلمان الفرنسي منذ منتصف 2022، ما قد يعرقل تنفيذ مخططات الحكومة. وبسبب تشديد شروط التمويل، يتطرق تقرير «ستاندارد آند بورز» أيضاً إلى «الانقسام السياسي» الذي يضفي حالة من اللا يقين على قدرة الحكومة على وضع سياسات تفضي إلى النمو الاقتصادي وإعادة التوازن الميزانية. وكانت «فيتش» قد خفّضت درجة فرنسا الشهر الماضي، معاقِبة بذلك باريس على إدارتها لمالية الدولة والأزمة الاجتماعية الأخيرة.

حقائق

ما هي الحلول الممكنة والمحتملة للأزمة؟

*من الواضح أن القواعد القديمة للتعامل مع مشكلة الديون أضحت بحاجة إلى تعديلات. ولذا تبنت المفوضية الأوروبية خطة لخفض الديون خلال العقدين المقبلين، لتبدو أكثر مرونة في التعامل مع هذه القضية الشائكة، بدلاً من انتهاج سياسات التقشف التي تثير الرأي العام في مثل هذه الظروف، حيث يواجه مواطنو معظم الدول ضغوطاً معيشية بفعل التضخم. ولكن على الرغم من هذه المرونة، يبدو أن خطط خفض الديون لن تمر من دون مواجهة مع الدول الأكثر مديونية، وفق خبراء اقتصاد.

المفوضية الأوروبية تحاول تطبيق سياسات اقتصادية مختلفة خلال العقدين المقبلين لتخفيف مُلزم لتلك الديون بمقدار 5 في المائة سنوياً للدولة التي يزيد فيها الدين عن النسبة المسموح بها والبالغة 60 في المائة من إجمالي الناتج المحلي.

ولتجنب الفوضى وانهيار الاستقرار، تسعى المفوضية إلى خطط «موازنة وطنية» مُصممة لكل دولة على حدة. أي أنه لن يكون هناك تطبيق إلزامي على الجميع يتجاهل اعتبار خصوصية كل دولة، وهو ما يعني تغييراً جذرياً للنهج السابق لخفض الديون. وستستند المفوضية الأوروبية إلى مساعدة الدول على ضمان تحاشي زيادة الإنفاق الوطني أكثر من «النمو الطبيعي للاقتصاد».

وحتى لو كان العنوان التي ترفعه المفوضية «قواعد دين أبسط وشفافة وفعالة»، فإن بروكسل ستجد نفسها أمام معركة حقيقية لفرض تطبيق مقترحات خفض الدَّين، بخاصة أن الدول الغنية لا تريد تحمل فواتير أعلى مثل السابق. ولقد نقلت مصادر ألمانية عن وزير المالية الألماني كريستيان ليندنر، قوله نهاية أبريل (نيسان)، إن مقترحات المفوضية الأوروبية لمراجعة قواعد ديون الاتحاد الأوروبي «ما زالت مجرد خطوة أولى» في عملية الإصلاح، مضيفاً أنها تريد نظاماً يستند إلى قواعد ويؤدي إلى خفض «موثوق» في الديون.



مقالات ذات صلة

الاقتصاد وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاجاني (يسار) مع وزير التجارة الصيني وانغ وينتاو في مناسبة اقتصادية بالعاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)

الصين تُشيد بالعلاقات التجارية مع إيطاليا

أشادت الصين بتعزيز العلاقات التجارية مع إيطاليا خلال محادثاتها مع نائب رئيس وزرائها الزائر

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد مشاركون في الجلسة العامة للجنة التنمية التابعة لصندوق النقد والبنك الدوليين خلال اجتماعات الربيع في واشنطن (د.ب.أ)

صندوق النقد والبنك الدوليان يعلنان استئناف تعاملاتهما مع فنزويلا

أعلن صندوق النقد والبنك الدوليان، يوم الخميس، استئناف تعاملاتهما مع فنزويلا، التي كانت متوقفة منذ عام 2019.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد رجل ينظر إلى شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ ف ب)

«نيكي» يتخلى عن قمته متأثراً بتراجع أسهم التكنولوجيا

تراجع مؤشر نيكي الياباني للأسهم يوم الجمعة من أعلى مستوى قياسي سجله في اليوم السابق

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد أذرع روبوتية في مصنع بمدينة فوزو شرق الصين (أ.ف.ب)

نمو فصلي يفوق التوقعات للاقتصاد الصيني... ومخاوف من التحديات

شهد الاقتصاد الصيني انتعاشاً ملحوظاً في أوائل عام 2026، مدفوعاً بارتفاع الصادرات قبل أن تؤدي الحرب الإيرانية إلى ارتفاع أسعار الطاقة بشكل حاد

«الشرق الأوسط» (بكين)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.