الديون تهدّد بزعزعة ثقة الأسواق المالية في حكومات الدول الأوروبية واقتصاداتها

تفاقم أزمتها يعمّق الخلاف بين شمالها وجنوبها ويهدّد حلم الوحدة

مقر المفوضة الأوروبية في بروكسل (أ.ب)
مقر المفوضة الأوروبية في بروكسل (أ.ب)
TT

الديون تهدّد بزعزعة ثقة الأسواق المالية في حكومات الدول الأوروبية واقتصاداتها

مقر المفوضة الأوروبية في بروكسل (أ.ب)
مقر المفوضة الأوروبية في بروكسل (أ.ب)

تواجه الدول الأوروبية ظاهرة تضخّم ديونها السيادية في ظل أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة اتسمت بارتفاع أسعار الطاقة والغذاء وتدني مستوى المعيشة، إذ بلغت معدلات التضخم في بعض الدول إلى 8 في المائة حسب إحصاءات «معهد أوروستا» لعام 2022. بعض الحكومات أخذت على محمل الجّد هذه المشكلة التي تهدد بزعزعة الثقة في «صلابتها» على مستوى الأسواق العالمية وإضعاف مكانتها على الساحة الدولية. وبضغط من بروكسل (أي المفوضية الأوروبية) شرعت الكثير من الحكومات الأوروبية في اتباع سياسات إصلاحية تقشفية بخفضها للميزانيات العمومية، وإعادة النظر في النفقات المخصّصة لقطاعي الصّحة والخدمات. ومن المنتظر أن تترك هذه الإجراءات آثارها على المستوى المعيشي للأوروبيين، بالأخص في الدول ذات الديون المرتفعة، وكذلك تعميق الخلاف بين «دول الشمال» الأوروبي «المقتصدة» و«دول الجنوب» التي تعتمد أكثر من غيرها على المساعدات الأوروبية. وعليه، يبقى مطروحاً السؤال: كيف ستتعامل كل حكومة مع تضخّم ديونها، بل والأهم... مَن سيدفع الفاتورة؟

في كتاب «الديون وصفة سحرية أم سم قاتل؟» (دار نشر تيليماك) للباحثة وخبيرة الديون آن لور كيشل، توضح كيشل فتقول إن «لجوء الدول الأوروبية للاستدانة ليس بالأمر الجديد، بل هو ميزة مشتركة عند الدول الغنية كالولايات المتحدة والصين. إلا أن اللافت للانتباه بالنسبة للديون الأوروبية هو نسبتها التي باتت في ارتفاع مستمر، والأهم تجاوزها الحاجز النفسي لـ100 في المائة من إجمالي الناتج الخام، وهو ما كان صعباً توقعه قبل الأزمة الصحية».

ولكن حتى الآن لا نستطيع وصف هذه الديون بـ«الخارجة عن السيطرة»، بل إن السؤال الذي يجب طرحه يتعلق باستعمالاتها، وبمعنى آخر التفريق بين الديون السيئة والديون الجيدة. وذلك لأن الأولى تُستعمَل في الإنفاق على المؤسسات العمومية، وقد تتحول إلى نقمة إذا ما تُركت تتراكم من دون التحكم فيها... أما الثانية فتستخدم للاستثمار في القطاعات الحيوية، لا سيما التكنولوجيا والتربية والتكوين، ولذا فهي مُحبذة، بل وضرورية من أجل تنمية اقتصاد الدول.

تخطي مستويات الأمان

كان «معهد أوروستا» قد نشر آخر حصيلة للديون الأوروبية، التي قدرها بـ13.300 مليار يورو، وهو ما يعادل 88 في المائة من نسبة الناتج المحلي لدول المجموعة. وعلى الرغم من أن البيانات الرسمية لعام 2022 كانت قد أظهرت تباطؤ وتيرة العجز المالي وانخفاض الديون الحكومية، فإنها تخطّت بالأساس مستويات الأمان، ووصلت إلى مناطق خطرة للغاية... حتى أصبحت مصدر قلق كبير لبروكسل التي تجد نفسها أمام معركة حقيقية لفرض تطبيق مقترحات خفض الدين، علماً بأن الدول الغنية لا تريد تحمل فواتير ثقيلة كما حدث في الماضي.

أيضاً، من المتوقّع أن ترفض عدة حكومات السياسات التقشفية ورفع الضرائب، لأن مثل هذه الإجراءات قد تثير غضب الشعوب، وتتسبب في اندلاع إضرابات واحتجاجات شعبية، وسيكون الوضع صعباً بشكل خاص على دول مثل إيطاليا واليونان والبرتغال. ومن جانبها، تنتقد حكومات اليمين واليمين المتطرف في أوروبا أيضاً تدخل بروكسل لمراقبة ميزانيتها وتعده مساساً بسيادتها. وهذا الأمر تشرحه الباحثة والخبيرة الفرنسية كيشيل بالقول إن «الدول التي تلجأ إلى الديون ستفقد لا محالة جانباً من سيادتها، والتجربة اليونانية خير دليل على ذلك. وما حدث مع الأرجنتين أيضاً، وكذلك فنزويلا، مثلاً، التي اضطرت من أجل الحصول على قروض تقديم ضمانات تمثلت في بيع 50 في المائة من أسهم شركتها النفطية لجهات أجنبية...».

أما جونتان ماري، الباحث ومؤلف كتاب «الدَّين العام، تقرير عن اقتصاد المواطن» (دار نشر لوسوي)، فيشرح بخصوص الديون الأوروبية: «علينا أن ننوّه أيضاً بالامتيازات التي حظيت بها هذه الدول من قبل الجهات الدائنة، والتي جعلتها لا تتردد في الاستفادة من هذه القروض... وهي الفوائد الضعيفة والآجال الطويلة وإمكانية الاقتراض بعملتها أي باليورو. إن رفض الاستفادة من هذه الامتيازات سيكون تصرفاً غير عقلاني مع منافسة الولايات المتحدة والصين اللّتين تلجآن إلى الديون بشكل مكثّف». وأردف ماري: «فرنسا، مثلاً، كانت تقترض بأقل من 1 في المائة، وقد استفادت من ذلك طويلاً. لكن الوضع أخذ في التغيّر، بما أن النسب ارتفعت إلى 3 في المائة بعدما أقدمت وكالة (فيتش) على خفض درجتها... ورغم ذلك فهي تبقى شروطاً مميّزة مقارنة بالدول الأفريقية التي تستدين بنسب تتراوح ما بين 5 إلى 7 في المائة، بآجال قصيرة وبشروط قاسية».

«الرباعي المشاغب»

كريستيان ليندنر

حقاً، مشكلة الديون الأوروبية تخصّ بعض الدول دون غيرها. فهناك من جهة «الدول المجتهدة» كألمانيا والنمسا والدنمارك ولوكسبورغ أو استونيا، وهي الدول «المُقتصِدة» التي تحترم توجيهات بروكسل بخصوص سياستها المالية. وفي المقابل، نجد الدول التي تعرف بـ«الرباعي المشاغب»، التي لم تنجح في تحقيق التعديلات الهيكلية الكافية التي تمُكنها من الامتثال إلى المبادئ التوجيهية لـ«معاهدة ماستريخت لعام 1992». وللعلم، تحّدُّ هذه المعاهدة من العجز الحكومي إلى 3 في المائة والدين العام إلى 60 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، بغية الحفاظ على سياسات مالية سليمة. وكان قد جرى تعليق هذه البنود إبان جائحة «كوفيد - 19» العالمية لتمكين الحكومات الأوروبية من التقاط أنفاسها.

غير أنه بعد انتهاء هذه الأزمة، خرجت الدول الأوروبية وهي مُثقلة بالديون أكثر من أي وقت مضى. وأربع منها تُسجل نسب مديونية تفوق الـ110 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي. وبنسبة 171.3 في المائة تعدّ اليونان أعلى هذه الدول مديونية، ولقد أخذت وضعيتها تسوء بعد الركود الاقتصادي الذي شهده العالم عقب الأزمة المالية عام 2008، إذ تراجعت معدلات النمو وتفاقم العجز المالي حتى تخلفت اليونان عام 2015 عن سداد ديونها.

كان تأخر اليونان عن دفع مبلغ 1.6 مليار يورو لصندوق النقد الدولي هو المرة الأولى التي تتخلف فيها دولة متقدمة عن دفع مثل هذه المبالغ في تاريخ الصندوق. وهنا نشير إلى أن الاتحاد الأوروبي تدخل عدة مرات لإنقاذ اليونان، وبمعية صندوق النقد الدولي صُرف نحو 100 مليار يورو مقابل تعهد حكومة أثينا برفع الضرائب واتخاذ إجراءات إصلاحية تقشفية. ولكن على الرغم من إعلان جان كلود يونكر، رئيس المفوضية الأوروبية آنذاك، أن «اليونان تخطّت مرحلة خطيرة»، فإن الوضع خلق في نهاية المطاف أزمة ديون مستعصية عن الحل، أثبتتها القيود الاقتصادية والتخلف الهائل عن سداد ديون البلاد.

إيطاليا... قنبلة موقوتة؟

جورجيا ميلوني

ومثل الدول الأخرى التي عرفت تضخّماً في مديونيتها إبان جائحة «كوفيد - 19»، فإن الوضعية في إيطاليا أصبحت مصدر قلق ليس فقط بسبب حجم الديون الضخم، ولكن أيضاً بسبب ارتفاع قيمة خدمة هذه الديون.

إذ يبلغ حجم الدَّين الإيطالي حالياً نحو 3 تريليونات دولار أميركي، أو ما يعادل نسبة 150 % من إجمالي الناتج المحلي الإيطالي. وحسب ليزلي ليبشتز، المدير السابق لمركز الدراسات الاقتصادية في صندوق النقد الدولي، «فإن الدَّين الإيطالي قد يهدد بوقوع أزمة مالية في منطقة اليورو»، لا سيما وأن إيطاليا تواجه أزمات جفاف غير مسبوقة، بالإضافة لارتفاع أسعار الطاقة ما يضعف الاقتصاد الإيطالي ويزيد من عجز الميزانية.

من ناحية أخرى، أرجعت تقارير أوروبية تضخم الديون الإيطالية بصفة خاصة إلى «سوء تسيير» المؤسسات العمومية، والدليل ما حدث للمنظومة الصحيّة في إقليم كالابريا (أقصى جنوب إيطاليا)، حيث وصل حجم الديون هناك إلى مليار يورو بسبب تبذير المال العام وتفشي الرشوة والبيروقراطية.

غير أن رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني، والقيادية اليمينية المتطرفة، كانت قد انتقدت تدخل بروكسل بعد شراء البنك المركزي ديون إيطاليا الهشّة، ودعت إلى «تقليل اعتماد» بلادها على الدائنين الأجانب من خلال زيادة عدد الإيطاليين الذين يحملون أسهماً في الديون الإيطالية. وهنا تجدر الإشارة إلى أن إيطاليا كانت قد بدأت في تأميم الديون منذ 2008، ونجحت في رفع النسبة إلى 13 في المائة. أما الهدف من ذلك فكان «تأميم الديون ضد الصدمات المالية الجديدة، والأهم تفادي التدخلات الأجنبية والحفاظ على سيادة البلاد».

في أي حال، إذا كانت أزمة الديون اليونانية قد هزّت الأسواق المالية العالمية في عام 2010، فمن المتوقع أن يكون للأزمة الإيطالية تأثيرها أيضاً، خصوصاً وأن حجمها الاقتصادي يمثل حوالي 10 أضعاف اقتصاد اليونان، وتمثل ثالث أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي.

ثم إن وجود حكومة يمينية متطرفة في إيطاليا من شأنه أن يعقد الأمور، في ظل الخلاف التقليدي بين «دول جنوب» أوروبا التي تعتمد على مساعدات الاتحاد الأوروبي، وبين الدول «المقتصِدة» في شمال القارة، كألمانيا وهولندا والنمسا، التي تطالب عادةً بضغط النفقات، خصوصاً ما يتعلق بدعم الدول الأوروبية الفقيرة في الشرق والجنوب، لكون «دول الشمال» هي التي تدفع دائماً التكلفة.

إسبانيا والبرتغال:

مساعٍ لخفض الديون

بيدرو سانتشيز

بعد إيطاليا تُعدّ البرتغال ثالث أكثر دول المجموعة الأوروبية مديونية بنسبة 113.9 في المائة من الناتج المحلي، وهي نسبة وصل إليها عام 2022 بعد جهود حثيثة بذلتها حكومة لشبونة لخفض الدين، ذلك أن النسبة كانت تفوق 135 في المائة عام 2020.

وكان وزير المالية البرتغالي فرناندو ميدينا قد أعلن خلال افتتاح مناقشة مجلس الوزراء لبرنامج «ميثاق الاستقرار الأوروبي 2022/2026»، أن هدف الحكومة «إخراج البلاد من دائرة الدول الأكثر مديونية والاقتراب من العتبة النفسية لـ100 في المائة من الناتج المحلي. ثم أضاف: «نحن نريد، ونستطيع، إخراج البرتغال من هذه الدائرة، ليس بحثاً عن أي مكافأة، بل لأنها أفضل وسيلة لحماية المؤسسات والعائلات البرتغالية...».

ومن ثم، نصل إلى المرتبة الرابعة. هنا نجد إسبانيا التي تمثل فيها الديون السيادية نسبة 3 من الناتج المحلي، أي ما يعادل حوالي 1500 مليار يورو لعام 2022. هذه النسبة، وإن كانت مرتفعة فهي في تراجع مستمر بعدما سجلت نسباً عالية إبان جائحة «كوفيد - 19» (125 في المائة)، علماً بأن إسبانيا كانت، بعد إيطاليا، أكثر الدول تضرراً من الجائحة، وارتفاع تكاليف المعيشة. بيد أنها بخلاف إيطاليا استطاعت أن تقف على رجليها من جديد، بعد اتخاذها عدة إجراءات لإنعاش اقتصادها عقب الركود الذي شهدته في تلك الفترة. وكان من أهم تلك الإجراءات: تنشيط القطاع السياحي، وعودة الاستثمار، والتحكم في معدلات التضخم.

لقد فاجأت إسبانيا الجميع حين أعلنت أن معدل النمو قد قفز عام 2022 إلى 5 في المائة. وهنأت نادية كالفينو، وزيرة الاقتصاد والصناعة، بلادها «التي أثبتت مرونة في مواجهة الرياح المعاكسة»، كما عبرت عن ارتياحها لأن نمو الاقتصاد الإسباني يفوق بشكل ملموس المعدل الأوروبي الذي تتوقعه بروكسل وهو 3.3 في المائة. والواقع أن الحكومة الإسبانية متفائلة بوضعها لدرجة إعلان رئيس حكومتها الاشتراكي بيدرو سانشيز، أن البلاد «وضعت نصب عينيها هدف النجاح في خفض نسبة المديونية إلى 112 في المائة من إجمالي الناتج الخام في أواخر 2023، ثم إلى 110 في المائة في 2024 إلى أن تصل إلى نسبة 109 في المائة مع مطلع عام 2025، كما تعهدت بذلك أمام شركائها الأوروبيين».

فرنسا: مقاومة الإصلاحات

على صعيد متصل، مثل باقي الدول التي اتخذت تدابير لمواجهة الآثار الاقتصادية لجائحة «كوفيد - 19» شهدت فرنسا انفجاراً تاريخياً لديونها وصلت حسب تقرير «أوروستا» إلى ثلاثة آلاف مليار يورو، أي ما يعادل نسبة 84 في المائة من ناتجها الإجمالي العام.

الأمر اللافت هنا هو السرعة التي تراكمت بها هذه الديون، ما جعل وكالة «فيتش» الدولية تقرر خفض التصنيف الائتماني لفرنسا كتحذير للحكومة، لا سيما وأن ميزانية البلاد لم تصل إلى وضعية توازن منذ 1975.

هذا، وسبق لوكالة «فيتش» أن أشارت في بيانها إلى أن «الجمود السياسي والاحتجاجات الشعبية (العنيفة أحياناً) يشكلان خطراً على البرنامج الإصلاحي للرئيس (إيمانويل) ماكرون». وكانت الحكومة الفرنسية قد صادقت في وقت سابق على مشروع تعديل المعاشات الذي ينّص على رفع السّ القانونية من 62 سنة إلى 64 سنة، واستناداً إلى المادة 49 - 3 من الدستور، جرى تبنّي النص من دون تصويت في البرلمان، الأمر الذي أدى إلى تصاعد الاحتجاجات وأسابيع طويلة من المظاهرات وأحداث الشغب والتكسير.

ومع أن فرنسا تتمتع بثاني أكبر ثقل اقتصادي في أوروبا بعد ألمانيا، فإن الإنفاق على المؤسسات يشكل جزءاً كبيراً من ميزانية الدولة، بالأخص نظام التقاعد الفرنسي. إذ يُصرَف على المتقاعدين سنوياً حوالي 340 مليار يورو ما يسبب عجزاً مالياً يتراوح ما بين 10 إلى 12 مليار يورو.

وبالمناسبة، كان وزير الاقتصاد الفرنسي برونو لومير، قد قدّم خطة الحكومة لخفض الدَّين الوطني الفرنسي بأربع نقاط مئوية حتى عام 2027 من حوالي 112 في المائة إلى 108 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وتعتمد الخطة على تخفيض النفقات واستبعاد أي خفض جديد للضرائب. لكن «ستاندارد آند بورز» - التي هي واحدة من ثلاث وكالات رئيسية للتصنيف الائتماني مع وكالتي «فيتش» و«موديز» - أبقت في الوقت نفسه على توقعاتها لآفاق «سلبية» ما يمكن أن يؤدي إلى خفض الدرجة في المستقبل. بل، وحذّرت الوكالة من «المخاطر» المتعلقة بتنفيذ أهداف الميزانية الحكومية. وأشارت من ثم، في هذا الإطار، إلى «غياب الأغلبية المطلقة في البرلمان الفرنسي منذ منتصف 2022، ما قد يعرقل تنفيذ مخططات الحكومة. وبسبب تشديد شروط التمويل، يتطرق تقرير «ستاندارد آند بورز» أيضاً إلى «الانقسام السياسي» الذي يضفي حالة من اللا يقين على قدرة الحكومة على وضع سياسات تفضي إلى النمو الاقتصادي وإعادة التوازن الميزانية. وكانت «فيتش» قد خفّضت درجة فرنسا الشهر الماضي، معاقِبة بذلك باريس على إدارتها لمالية الدولة والأزمة الاجتماعية الأخيرة.

حقائق

ما هي الحلول الممكنة والمحتملة للأزمة؟

*من الواضح أن القواعد القديمة للتعامل مع مشكلة الديون أضحت بحاجة إلى تعديلات. ولذا تبنت المفوضية الأوروبية خطة لخفض الديون خلال العقدين المقبلين، لتبدو أكثر مرونة في التعامل مع هذه القضية الشائكة، بدلاً من انتهاج سياسات التقشف التي تثير الرأي العام في مثل هذه الظروف، حيث يواجه مواطنو معظم الدول ضغوطاً معيشية بفعل التضخم. ولكن على الرغم من هذه المرونة، يبدو أن خطط خفض الديون لن تمر من دون مواجهة مع الدول الأكثر مديونية، وفق خبراء اقتصاد.

المفوضية الأوروبية تحاول تطبيق سياسات اقتصادية مختلفة خلال العقدين المقبلين لتخفيف مُلزم لتلك الديون بمقدار 5 في المائة سنوياً للدولة التي يزيد فيها الدين عن النسبة المسموح بها والبالغة 60 في المائة من إجمالي الناتج المحلي.

ولتجنب الفوضى وانهيار الاستقرار، تسعى المفوضية إلى خطط «موازنة وطنية» مُصممة لكل دولة على حدة. أي أنه لن يكون هناك تطبيق إلزامي على الجميع يتجاهل اعتبار خصوصية كل دولة، وهو ما يعني تغييراً جذرياً للنهج السابق لخفض الديون. وستستند المفوضية الأوروبية إلى مساعدة الدول على ضمان تحاشي زيادة الإنفاق الوطني أكثر من «النمو الطبيعي للاقتصاد».

وحتى لو كان العنوان التي ترفعه المفوضية «قواعد دين أبسط وشفافة وفعالة»، فإن بروكسل ستجد نفسها أمام معركة حقيقية لفرض تطبيق مقترحات خفض الدَّين، بخاصة أن الدول الغنية لا تريد تحمل فواتير أعلى مثل السابق. ولقد نقلت مصادر ألمانية عن وزير المالية الألماني كريستيان ليندنر، قوله نهاية أبريل (نيسان)، إن مقترحات المفوضية الأوروبية لمراجعة قواعد ديون الاتحاد الأوروبي «ما زالت مجرد خطوة أولى» في عملية الإصلاح، مضيفاً أنها تريد نظاماً يستند إلى قواعد ويؤدي إلى خفض «موثوق» في الديون.



مقالات ذات صلة

الاقتصاد بركان ساكوراجيما في محافظة كاجوشيما جنوب غربي اليابان (أ.ف.ب)

نشاط المصانع اليابانية يعود للنمو بعد انكماش دام 11 شهراً

أظهر مسح للقطاع الخاص أن نشاط الصناعات التحويلية في اليابان عاد إلى النمو في يونيو (حزيران) الجاري بعد انكماش دام نحو عام.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)

صندوق النقد الدولي: حرب إيران تضرب اقتصادات الخليج

خفَّض صندوق النقد الدولي توقعات نمو دول الخليج لعام 2026؛ بسبب تداعيات حرب إيران، مع تفاوت لافت في حجم التأثير بين البلدان.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد خلال إطلاق تقرير صندوق النقد الدولي عن «آفاق الاقتصاد العالمي» في واشنطن (أ.ف.ب)

الحرب تدفع صندوق النقد الدولي لخفض توقعاته للشرق الأوسط بنسبة حادة

خفَّض صندوق النقد الدولي، يوم الثلاثاء، توقعاته للنمو في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بشكل حاد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد عامل يسير بجوار لفائف الصلب في شركة «سالزغيتر إيه جي» شمال ألمانيا (د.ب.أ)

بين مطرقة الإنتاج الصيني ورسوم ترمب... أوروبا تضاعف جمارك الصلب الأجنبي

اتفق مشرِّعو الاتحاد الأوروبي، يوم الاثنين، على مضاعفة الرسوم الجمركية على الصلب الأجنبي.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
TT

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)

بينما كانت الحكومة المصرية تستعد لما تعهدت به من جني ثمار الإصلاح وتخفيضات غير مسبوقة في قيمة الديون، جاءت الحرب الإيرانية لتعمّق أزمات الاقتصاد المصري، وتعيق مسار الإصلاح والتنمية، مع محاولات لم تكتمل للتعافي والتقاط الأنفاس من صدمات جيوسياسية متلاحقة عصفت باقتصاد البلاد منذ جائحة «كوفيد - 19». وهكذا وجدت القاهرة نفسها في مواجهة أزمة طاقة عالمية دفعتها لإجراءات استثنائية، آملة أن تنجح في امتصاص الصدمة. لقد اندلعت الحرب الإيرانية بينما كانت مصر تعوّل على تدفقات استثمارية مستقرة، وموسم سياحي قوي، لا سيما مع تحقيق السياحة معدلات «غير مسبوقة»، باستقبالها نحو 19 مليون سائح خلال العام الماضي، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، ومع استقرار ملحوظ في قيمة العملة المحلية في مقابل الدولار تحت حاجز الخمسين جنيهاً. لكن حالة الاستقرار والتفاؤل التي دفعت رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في وقت سابق للتعهد بتخفيض الديون بنسب غير مسبوقة، تبدّلت مع أولى شرارات الحرب، لتتوالى التحذيرات الرسمية من تداعيات وخيمة للتصعيد على الأوضاع الاقتصادية. ولمواجهة الأزمة فعّلت الحكومة المصرية «غرفة الأزمات التابعة لمجلس الوزراء» بهدف ضمان استقرار شبكة الطاقة الكهربائية وأرصدة السلع الغذائية.

التحذيرات الرسمية المصرية من تداعيات وخيمة للتصعيد الحربي على الأوضاع الاقتصادية تزامنت مع ارتفاعات قياسية للعملة الأميركية لتقترب من حاجز الـ55 جنيهاً للدولار الواحد قبل أن يسترد الجنيه جزءاً من قيمته مع الإعلان عن وقف العمليات العسكرية لمدة أسبوعين (الدولار بـ53.15 جنيه). وكذلك استمر تراجع عائدات قناة السويس مع إعلان شركات شحن كبرى وقف العبور في الممر الملاحي.

الغاز في مقدمة الصدمات

مع بداية الحرب، أعلنت إسرائيل إغلاقاً مؤقتاً لبعض حقول الغاز كإجراء أمني، فأكدت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية تنفيذ حزمة من الخطوات الاستباقية، مستهدفة تأمين إمدادات الطاقة للسوق المحلية من الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية.

وتبعت ذلك قرارات وصفت بـ«الاستثنائية» لرفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، تزامناً مع إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، ورفع أسعار تذاكر القطارات والكهرباء.

وحقاً، «تعرّضت مصر لضغوط قوية نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي المُسال، حيث تعتمد مصر على الاستيراد لتغطية نحو ثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي، وتأتي نصف الواردات من إسرائيل»، بحسب ديفيد باتر، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس» - وهي مؤسسة فكرية بحثية بريطانية - كما أشار، في تقرير نشر أخيراً.

في تقريره الصادر في الأول من أبريل (نيسان)، أفاد «المجلس الوطني المصري للتنافسية» بأن «الحرب تحوّلت بالفعل إلى صدمة اقتصادية ذات طابع نظامي، تتمحور حول الطاقة، والشحن، والتأمين، والتضخم، وانتقال أثر الثقة، وليس مجرد مواجهة عسكرية إقليمية». وأضاف المجلس أن التقديرات تشير إلى احتياج مصر إلى نحو 3.75 مليار دولار لمشتريات طارئة من الغاز الطبيعي المسال، وأن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط قد تُفاقم عجز الحساب الجاري بنحو 2.5 مليار دولار.

بدوره، قال الدكتور نبيل زكي، أستاذ الاقتصاد الدولي والتمويل في جامعة نيويورك بالولايات المتحدة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «حالة عدم اليقين بشأن الأوضاع الإقليمية تهدد أي انفراجة اقتصادية»، لافتاً إلى ما وصفه بـ«سوء الحظ»، لكون حرب إيران جاءت بعد شهور من الاستقرار الاقتصادي النسبي في مصر لتعصف بالأوضاع وتوقف التقدم والنمو قبل اكتماله.

وأردف زكي أن «فاتورة استيراد الغاز والمنتجات البترولية في مصر بلغت نحو 20 مليار دولار في موازنة العام الماضي التي قدّرت سعر برميل النفط بـ69 دولاراً، ما يعني زيادة الفاتورة بنسبة كبيرة مع اقتراب سعره من 100 دولار للبرميل».

من جهته، صرّح الدكتور عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادي ووكيل وزارة التجارة المصرية للبحوث الاقتصادية سابقاً، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «أزمة الغاز ومشاكل الطاقة ليست جديدة في مصر، لكنها تبدو أكثر وضوحاً في ظل الأزمات... وثمة ضرورة للتعامل معها عبر خطة طويلة الأمد بعيداً عن سياق معالجة الأزمة». واقترح «التوسع في استخدام الطاقة الشمسية، جنباً إلى جنب مع السير في مسار استكشاف حقول غاز جديدة».

حقل نفطي مصري في الصحراء الغربية (آجنزيا نوفا)

اقتصاد مصر ليس معزولاً عن العالم

من جهة ثانية، وفقاً لتصريحات رئيس البنك الدولي أجاي ‌بانجا، الأسبوع الماضي، فإن «الحرب ستؤدي إلى تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي وارتفاع التضخم بغض النظر عن سرعة انتهائها». والأمر ذاته أكدته مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا في تصريحات لـ«رويترز»، الأسبوع الماضي، موضحة أن «الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي».

صدمات متتالية

الواقع أنه دائماً ما تُرجع مصر أزماتها الاقتصادية إلى ظروف جيوسياسية، وهنا، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة لـ«الشرق الأوسط»، أن حرب إيران «فاقمت أزمات مصر الاقتصادية... وأن مصر منذ عام 2020 واجهت صدمات متكررة بدأت بجائحة (كوفيد – 19) التي أدت إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في العالم، ما أثر على حركة الاستثمار. وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الجائحة جاءت الحرب الروسية - الأوكرانية لتؤثر على السياحة وعلى فاتورة استيراد القمح».

ويضيف بدرة: «لقد تراكمت الأضرار الاقتصادية للأزمات الجيوسياسية حتى جاءت حرب غزة وأثرت على إيرادات قناة السويس، وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الأزمات المتتالية جاءت حرب إيران لتزيد من أزمات اقتصاد مصر».

عودة إلى الدكتور نبيل زكي، الذي أوضح أن «مصر شهدت أزمات متتالية منذ عام 2016 لتبدأ مسار إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي ركز على أسعار الصرف، وضبط أوضاع المالية العامة، مع محدودية التوسع في القدرة الإنتاجية، ما يفسر استمرار مصر في مواجهة أزمات سيولة متكررة واللجوء المتكرر إلى برامج الدعم المالي الدولي». واستطرد شارحاً أن «هيكل إيرادات مصر يعتمد بشكل كبير على مجموعة محدودة من مصادر الدخل الحساسة للعوامل الخارجية، بما يجعل اقتصادها عرضة للصدمات الخارجية، وحساساً للمخاطر الجيوسياسية، من بينها الأموال الساخنة والسياحة وقناة السويس».

جدير بالذكر هنا أن تقرير باتر تطرّق إلى «سحب استثمارات بقيمة 6 مليارات الدولار من سوق محافظ الاستثمار الأجنبية». وتعد «الأموال الساخنة» من مصادر التمويل التي تعتمد عليها مصر، وكان العملاء الأجانب يمتلكون نحو 45.7 مليار دولار من أذون الخزانة بالجنيه المصري في نهاية سبتمبر (أيلول)، بحسب النشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزي.

وفي نهاية الأسبوع الأول من مارس (آذار)، أعلنت البورصة المصرية بيع مستثمرين عرب وأجانب أذون خزانة محلية بقيمة 2.2 مليار دولار، في إطار اتجاه للمستثمرين الأجانب إلى الخروج من الأسواق الناشئة، ومن بينها مصر، بسبب استمرار حرب إيران.

لترشيد الاستهلاك بدأت الحكومة سلسلة إجراءات منها تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية التاسعة ليلاً

إجراءات حكومية

لترشيد الاستهلاك، بدأت الحكومة المصرية بنهاية الشهر الماضي تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية في الساعة التاسعة مساءً يومياً، باستثناء يومي الخميس والجمعة في الـ10مساءً، ما عدا المخابز ومحال البقالة والصيدليات، إضافة إلى المحال العامة والمنشآت السياحية في بعض المحافظات.

أيضاً، قررت تطبيق نظام العمل عن بُعد، يوم الأحد، بدءاً من أبريل الحالي لمدة شهر مع استثناء المصانع والمصالح الخدمية. وقال الدكتور عبد المطلب إن «هذه الإجراءات، وإن كانت قد وفرت في الاستهلاك اليومي للكهرباء ما نسبته 10 في المائة من واقع التصريحات الرسمية، فإن لها تداعيات سلبية تتمثل في تراجع الدخول والتأثير على القوة الشرائية والطلب الفعال». وتابع أن «حالة عدم اليقين بشأن التوترات الإقليمية تشكل عوامل ضغط على الاقتصاد وعلى إيرادات السياحة وقناة السويس».

وهنا نذكّر بأنه سبق للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن حذّر مراراً من تداعيات التوتر الإقليمي على الملاحة بمنطقة البحر الأحمر. وأعلن، مطلع مارس الماضي، أن مصر «خسرت نحو 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس إثر الحرب في غزة». وبالفعل، سجلت إيرادات قناة السويس في عام 2024 تراجعاً حاداً بنسبة 61 في المائة لتحقق 3.9 مليار دولار مقارنة بنحو 10.2 مليار دولار عام 2023. وثمة تخوّفات الآن من تراجع عائدات السياحة التي سجّلت قفزة كبيرة في معدلات الإقبال والإشغال العام الماضي.

سبل التعافي

رغم ذلك، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن «مرونة سعر الصرف سمحت للعملة بأداء دور ممتص للصدمات لاحتواء جزء من الضغوط الخارجية، إلى جانب الحفاظ على احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي».

وأعلن البنك المركزي المصري، خلال الأسبوع الماضي، ارتفاع صافي ‌احتياطات البلاد من النقد الأجنبي إلى 52.831 مليار ‌دولار ‌في مارس من ‌52.746 مليار ‌خلال فبراير (شباط) الذي سبقه.

وبحسب «المجلس الوطني المصري للتنافسية»، فإن الاقتصاد المصري من أكثر الاقتصادات تضرراً في المنطقة، بسبب «ضغط عدة قنوات معاً؛ وهي تكلفة الطاقة المستوردة، تضخم الغذاء، هشاشة إيرادات قناة السويس، حساسية السياحة، ضغوط سعر الصرف، وتشدد شروط التمويل السيادي».

وخلص «المجلس» إلى أن «الخطر الأكبر على مصر لا يتمثل في صدمة منفردة، بل في تراكم عدة ضغوط تتحول مجتمعة إلى مشكلة أوسع في الاقتصاد الكلي وبيئة الأعمال والتنافسية».

هذا، وقد أكد الدكتور زكي أن «التعافي سيستغرق وقتاً يتجاوز الشهور الأربعة بعد توقف العمليات العسكرية تماماً»، وقال الدكتور بدرة إن «التعافي ليس سهلاً، وله آليات ومؤشرات من بينها تحسن قيمة العملة وعودة السياحة والتصدير والاستثمارات وتقليل التضخم وعجز الموازنة، وهذه أمور يتطلب تحقيقها قدراً من الاستقرار واليقين».

وبالتوازي، بينما تعوّل الحكومة على إجراءاتها الاستثنائية لمواجهة تداعيات الحرب واستكمال الإصلاح، يظل ملف الديون الخارجية أحد عوامل الضغط الرئيسة، حيث من المفترض أن تسدد مصر نحو 50.8 مليار دولار من ديونها الخارجية بنهاية سبتمبر المقبل، بحسب البنك الدولي، الذي أشار إلى ارتفاع الدين الخارجي بنحو 2.48 مليار دولار خلال الربع الثالث من 2025 ليسجل 163.7 مليار دولار.

الأزمات السياسية والجنيه المصري

على صعيد آخر، منذ أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011، نذكر أن مصر تعرّضت لتقلبات سياسية وأزمات داخلية وخارجية، انعكست على حال الاقتصاد والظروف المعيشية للمواطنين، وواكبتها رحلة تراجع للجنيه المصري أمام الدولار بلغت ذروتها مع أزمة «شح الدولار»، بخروج نحو 20 مليار دولار بين يناير وسبتمبر 2022.

واليوم تتزايد أهمية «العملة الصعبة» بوصفها مؤشراً على الاقتصاد، مع اعتماد مصر على الاستيراد، حيث تجاوزت فاتورة الواردات في العام المالي 2024 - 2025 ما قيمته 91 مليار دولار، بارتفاع نسبته 29 في المائة عن العام المالي السابق، بحسب الإحصائيات الرسمية.

وتعرّضت العملة المحلية لصدمات عدة بدأت من حالة اللااستقرار التي أعقبت أحداث 2011، مروراً بالحرب على الإرهاب التي تجاوزت تكلفتها 120 مليار جنيه خلال عشر سنوات، وفق التقديرات الرسمية المصرية، ثم جائحة «كوفيد - 19» والحرب الروسية الأوكرانية و«حرب غزة»... وأخيراً الحرب الإيرانية.

أيضاً، سجلت الفترة اللاحقة لأحداث يناير 2011 بداية تراجع سعر صرف العملة المحلية، ليبلغ سعر الدولار 6.5 جنيه مقابل 5.8 في السنوات الخمس السابقة، لتبدأ رحلة صعود الدولار بنسب محدودة مع محاولات الحكومة تثبيت سعره الرسمي تحت الثمانية جنيهات للدولار الواحد. واستمرّ الحال كذلك حتى نهاية عام 2016 التي شهدت أول قرارات تحرير سعر الصرف. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، قرر البنك المركزي «تعويم الجنيه»، ضمن برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي. وهكذا، قفز الدولار من 7.8 جنيه إلى 18.7 جنيه، قبل أن يستقر ما بين 15 و16 جنيهاً.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2021، أصدر البنك المركزي قراراً بالانتقال إلى سعر صرف مرن، لتتراجع قيمة الجنيه بشكل متسارع، ويتجاوز الدولار في يناير 2022 نحو 27 جنيهاً، قبل أن يرتفع مرة أخرى في مارس من العام نفسه. ويستقر سعره الرسمي في البنوك عند 30.85 جنيه للدولار الواحد، وإن ظل سعره يرتفع في السوق الموازية مع نقص النقد الأجنبي حتى تجاوز حاجز الـ70 جنيهاً للدولار.

وفي مارس 2024، أعلن البنك المركزي المصري «تحرير» سعر صرف الجنيه، والسماح بتحديده وفقاً لآليات السوق، ليتم تخفيض قيمة الجنيه مرة أخرى وتقترب قيمته من حاجز الـ50 جنيهاً للدولار، وتراجع العام الماضي إلى نحو 47 جنيهاً قبل أن ترتفع قيمة الدولار مرة أخرى جراء الحرب الإيرانية وتبلغ قيمة الدولار الواحد نحو 53.15.

صندوق النقد الدولي أفاد في تقرير صدر أخيراً، بأنه «يجب استكمال مرونة سعر الصرف في مصر بإطار أقوى للتدخل في سوق النقد الأجنبي، وبرنامج قائم على آليات السوق لتراكم الاحتياطيات بما يعزز كفايتها بشكل عام». وحقاً، تنخرط مصر حالياً في تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي تم الاتفاق عليه في نهاية 2022، بقيمة ثلاثة مليارات دولار، قبل أن تزيد قيمته في مارس الماضي إلى ثمانية مليارات دولار، وتلتزم مصر في إطار البرنامج بخفض دعم الوقود والكهرباء.


صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
TT

صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة

لم يصل صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» على إيقاع المفاجأة، ولا كأنه نتاج لحظة عابرة فرضتها موازين المؤتمر «السابق لأوانه» الذي عقده مئات النقابيين التونسيين أخيراً في المنطقة السياحية بمدينة المنستير، موطن الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة وعدد كبير من كوادر الدولة التونسية الحديثة. بل جاء صعوده إلى الموقع الأول في واحدة من أكبر النقابات والأطراف السياسية التونسية والعربية وزناً وتأثيراً، ثمرة مسار طويل من التدرج داخل العمل النقابي، وتتويجاً لاحتكاك طويل بروّاد الحراك السياسي والنقابي في أكثر مستوياته التصاقاً بالقاعدة: المدرسة، والجهة، والقطاع، والمستوى المحلي، ثم القيادة الجهوية، وصولاً إلى المكتب التنفيذي الوطني، قبل أن ينتهي به المطاف إلى المقر المركزي، حيث تفاعل مبكراً مع «الجيل الثاني للرموز الثقيلة للاتحاد»، تلاميذ الزعيم النقابي السابق الحبيب عاشور، مثل عبد السلام جراد وعلي بن رمضان ومحمد بن سعد ثم نور الدين الطبوبي وفريقه.

لا يبدو صلاح الدين السالمي طارئاً على «الاتحاد العام التونسي للشغل» على الرغم مما عرف عنه من استقلالية عن الأحزاب العلنية والتنظيمات «السرّيّة» الماركسية والقومية والإسلامية، التي ازداد تأثيرها نقابياً منذ تسعينات القرن الماضي، بل هو ابن صريح من أبنائه التقليديين. إنه من صنف النقابيين الذين لا تصنعهم الأضواء بقدر ما تصنعهم الممرّات الداخلية، وتفاصيل اللوائح، والاشتباك الطويل مع الهياكل، والصبر على التراكم.

وهو ليس رجل اقتحام خاطف، بل هو رجل مسار؛ وليس ابن لحظة إعلامية، بل ابن مدرسة نقابية قديمة لا تزال تؤمن بأن الشرعية تُبنى من الأسفل إلى الأعلى، لا من القمة إلى القاعدة.

من منطقة قبائل أرياف القيروان

ينحدر السالمي من أرياف مدينة القيروان، العاصمة العربية الإسلامية الأولى لكامل شمال أفريقيا (170 كلم جنوب العاصمة تونس)، وتحديداً من منزل المهيري بمعتمدية نصر الله، وهذه خلفية ليست تفصيلاً جغرافياً في سيرته بقدر ما هي مفتاح أول لفهم صورته العامة. فالرجل يأتي من منطقة قبائل «الجلاص» الأمازيغية - العربية في «الداخل» التونسي، أي في المجال حيث ظل «الاتحاد العام التونسي للشغل» لعقود، منذ مرحلة بدء بناء الدولة الحديثة قبل 70 سنة، أكثر من مجرد منظمة نقابية. إذ لعب دور القناة النادرة للتعبير الاجتماعي، وللترقي الرمزي، وللدفاع عن الفئات التي لا تملك دائماً منفذاً مباشراً إلى المركز.

ولد السالمي يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1959، وحصل على شهادة البكالوريا في شعبة الرياضيات التقنية عام 1980، ثم التحق بالتدريس عام 1981، وفي عام 1982 انخرط في «الاتحاد»، ليبدأ بذلك علاقة لا تنقطع باتت ما يشبه القدر الشخصي.

محنة السجن والطرد

لم تكن بداياته سهلة، ولا محايدة. فالسالمي ينتمي إلى جيل من النقابيين الذين عرفوا مبكراً أن العمل النقابي في تونس لم يكن مجرد نشاط مطلبي محدود التكلفة، بل قد يتحول إلى سبب مباشر في السجن والطرد والتضييق. بالذات، في خضم أزمة الاتحاد مع السلطة إبان الصراعات القوية حول خلافة الحبيب بورقيبة منتصف الثمانينات.

وحقاً، سُجن النقابي والمعلم الشاب ستة أشهر بداية من نوفمبر (تشرين الثاني) 1985، كما طُرد من عمله بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يعود إليه عام 1988 بعد إقالة بورقيبة وإعلان الرئيس التونسي الجديد زين العابدين بن علي عفواً عاماً على كل السجناء السياسيين والنقابيين السابقين. وهذا المُعطى، في سيرة الرجل، ليس مجرد تفصيل بطولي يضاف إلى السرد، بل هو عنصر تأسيسي في تكوينه: فقبل أن يصبح مسؤولاً في الهياكل، اختبر بنفسه معنى أن يدفع النقابي ثمن موقعه، وأن تتحول القناعة إلى عبء يومي لا إلى شعار.

التدرج داخل المدرسة النقابية

من هناك بدأ صعود السالمي، ففي يناير (كانون الثاني) 1990 تولّى أول مسؤولية نقابية له عند تأسيس النقابة الأساسية للتعليم الابتدائي في موطنه بمدينة نصر الله الصغيرة التابعة لمحافظة القيروان.

ثم توالت المحطات على نحو يكشف طبيعة تكوينه العميق داخل المدرسة التنظيمية للاتحاد: بعضو في هياكل نقابية جهوية، فكاتب عام نقابة جهوية للتعليم الابتدائي، ثم كاتب عام للاتحاد المحلي للشغل في منطقة نصر الله وبوحجلة والشراردة، قبل أن ينتخب عام 2009 كاتباً عاماً للاتحاد الجهوي للشغل بالقيروان، وهو المنصب الذي شغله قبله أستاذه في الدراسة وداخل «التيار اليساري القومي الوحدوي المعتدل» الناصر العجيلي. وكذلك سبقه إليه زميله السابق في قطاع التربية والتعليم حسين العباسي الذي تولّى ما بين 2011 و2011 منصب أمين عام وطني لاتحاد النقابات.

من «الجهوي» إلى المكتب الوطني

عام 2017 دخل صلاح الدين السالمي القيادة الوطنية لأول مرة خلال مؤتمر عقد في قمرت - قرطاج، بالضواحي الشمالية لتونس العاصمة، حيث انتخب عضواً بالمكتب التنفيذي الوطني مسؤولاً عن قسم الدواوين والمنشآت العمومية، أي المؤسسات الاقتصادية الكبرى التابعة للدولة. ثم جُددت له الثقة في الخطة نفسها خلال مؤتمر صفاقس عام 2022، وهذه المسؤولية أهلته للإشراف على عشرات آلاف العمال والموظفين الذين تمر مؤسّساتهم بصعوبات اقتصادية اجتماعية وأزمات.

هذه التجربة، أيضاً، وضعت السالمي بمواجهة واحدة من أعقد الملفات في الاقتصاد التونسي: المؤسسات العمومية، والمنشآت الوطنية المفلسة، والملفات التي تتقاطع فيها المطالب الاجتماعية مع حسابات الدولة والمالية العمومية والقرار السياسي. وفي هذه المنطقة تحديداً، تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني: ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً، بل بصفته رجل ملفات وتوازنات، وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة ورجال الأعمال ومتابعة القضايا الثقيلة في منطقة التماس بين الاتحاد والدولة.

مناخ فكري سياسي خاص

لكن مسار السالمي لا يمكن فهمه على نحو كامل إذا اقتصرنا على تسلسل المناصب. فالرجل لم يتشكل فقط داخل الهياكل، بل داخل مناخ فكري ونقابي وسياسي خاص بجهة القيروان، وفي قلب هذا المناخ يبرز اسم الناصر العجيلي بوصفه أحد أبرز الوجوه التي تركت أثراً عميقاً في أجيال من النقابيين واليساريين والقوميين العرب في الجهة ثم على الجانب الوطني.

هنا بالذات يكتسب الحديث عن «تتلمذ» السالمي على العجيلي معناه الأعمق: لا بصفته علاقة مدرسية ضيقة، بل بصفته انتماءً إلى مدرسة كاملة في النظر إلى النقابة ودورها ووظيفتها الوطنية.

الناصر العجيلي كان بالنسبة للسالمي والعباسي وجيل من الحقوقيين والسياسيين والنقابيين أكثر من أستاذ في المعهد الثانوي أو مسؤول نقابي جهوي. بل كان شخصية مركّبة تجمع بين النقابي والسياسي والحقوقي والثقافي الفكري، وتختصر سيرة جيل كامل من المناضلين الذين مرّوا من التعليم إلى الاتحاد، ومن الاتحاد إلى المجال العام الواسع.

وكان العجيلي الذي ولد عام 1939، ودرس بين القيروان وتونس، تابع تعليمه العالي في سوريا مثل مجموعة من مثقفي تونس ونخبها وقتها، وحصل على الإجازة فيها. ولقد تأثر السالمي وزملاؤه بأستاذهم العجيلي، خصوصاً بعد تعرضه لمضايقات ثم سجنه لمدة ثمانية أشهر بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يبرز وطنياً بأنشطته داخل «الاتحاد العام التونسي للشغل» وفي الفضاء السياسي اليساري والعروبي الوحدوي.

مدرسة كاملة لا مجرد اسم

في مدينة القيروان، وفي هذا المناخ السياسي الحقوقي، تشكل النقابي صلاح الدين السالمي وعدد من رموز النخبة المحلية والجهوية التي ستلعب لاحقاً دوراً وطنياً.

من بين الأسماء التي يلتقي عندها هذا الخيط القيرواني بوضوح، يبرز زميل قديم لصلاح الدين السالمي هو حسين العباسي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل بين 2011 و2017، وأحد أبرز الوجوه النقابية في تونس المعاصرة.

العباسي، هو الآخر، خرج من الفضاء النقابي القيرواني نفسه، وصعد من الجهة إلى المركز، حتى أصبح في مرحلة ما بعد الثورة من أبرز شخصيات النقابية والسياسية في البلاد.

كما يسجل أن وصول صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لم يكن مجرد تتويج لسيرة شخصية، بل جاء أيضاً في سياق صراعات معقدة مع السلطات وأخرى داخلية بين المستقلين و«اليساريين الراديكاليين» الذين نظموا آلاف الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات في القطاعين العام والخاص خاصة منذ يناير 2011.

واستفحلت هذه الأزمات خلال السنوات القليلة الماضية وإعلان نوع من «القطيعة» بين السلطات وقيادة النقابات بزعامة نور الدين الطبوبي ونائبيه سامي الطاهري وسمير الشفي.

وتطورت هذه الأزمات إلى خلافات داخلية شلت عمل اتحاد الشغل خلال العامين الماضيين، فبرز اسم صلاح الدين السالمي ضمن ما عرف بـ«مجموعة الخمسة». وهي المجموعة «المعارضة» التي دفعت باتجاه التعجيل بعقد مؤتمر وطني في مارس (آذار) 2026، عوض يوليو (تموز) 2027. ورفع السالمي وأنصاره شعار إصلاح المنظمة وتحديثها، في مواجهة اتجاهات أخرى كانت تميل إلى التأجيل وإدارة الأزمة بالتمديد والتسويف. ومع تصاعد الخلافات، تحول السالمي من شخصية تنظيمية ثقيلة داخل الجهاز إلى أحد وجوه المعركة على مستقبل «الاتحاد» نفسه. لم يعد مجرد أمين عام مساعد يتحرّك في حدود اختصاصه، بل صار فاعلاً مباشراً في الصراع حول هوية المنظمة، وأولوياتها، وطبيعة قيادتها المقبلة.

شرعية تنظيمية بدل «الكاريزما» الصاخبة

وحين انتخب أميناً عاماً، لم يصل السالمي بصفته زعيماً شعبوياً يراهن على البلاغة العالية، بل بصفته رجلاً تراه الهياكل قادراً على الإمساك بالمنظمة من الداخل. وهنا بالتحديد تكمن خصوصيته. فالسالمي لا يبدو في صورته العامة كاريزمياً بالمعنى الذي تستسيغه الشاشات، لكنه يبدو صاحب ما هو أكثر أهمية داخل جهاز مثل الاتحاد: الشرعية التنظيمية، والخبرة الهادئة، والمعرفة الدقيقة بالجهات، والقدرة على التحرك داخل التعقيد دون استعراض.

ومع ذلك، فإن ما قد يمثل مصدر قوته قد يتحول أيضاً إلى امتحانه الأصعب. فالرجل يتولى القيادة في واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً في تاريخ البلاد و«الاتحاد». ووسط أزمة ثقة داخلية، تراجعت صورة العمل النقابي لدى جزء من الرأي العام، واضطربت العلاقة مع السلطة مثقلة بملفات اجتماعية صعبة، وأوضاع اقتصادية شديدة الهشاشة.


قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)
TT

قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)

أسفر مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل» عن فوز كبير لقائمة «الثبات والتحدّي» بقيادة صلاح الدين السالمي، التي حصدت المقاعد الـ15 كاملة داخل المكتب التنفيذي الجديد. وهذه نتيجة عكست في ظاهرها حسماً انتخابياً واضحاً، لكنها في عمقها كشفت عن إعادة تركيب موازين القوى داخل «الاتحاد»، وعن سعي واسع إلى إنتاج تسوية داخلية جديدة، تستوعب جزءاً مهماً من معارضي القيادة السابقة، وتعيد ترتيب العلاقة بين أنصار الأمين العام السابق نور الدين الطبوبي وخصومه، من دون أن تنهي تماماً التناقضات الحادة التي ظلت تتفاعل داخل المنظمة خلال السنوات الأخيرة.

النتيجة هذه لم تكن تفصيلاً عابراً. فهي تعني، أولاً، أن جزءاً مهماً من النقابيين اختار تجاوز منطق الصدام المفتوح داخل البيت النقابي، وفضّل الذهاب نحو تسوية تنظيمية واسعة تضمن الاستمرارية وتمنع الانقسام. وكذلك تعني أن «الاتحاد»، وهو يدخل مرحلة جديدة، قرر أن يعيد بناء مركز قيادته على أسس أكثر مرونة وأقل ارتهاناً للاستقطابات الآيديولوجية الحادة التي حكمت بعض مفاصله في السنوات الماضية.

مع هذا، كشف المؤتمر أيضاً عن عمليات إقصاء وإعادة فرز داخلية، لا سيما مع فشل القائمة المنافسة التي قادها «اليسار الراديكالي» بزعامة فاروق العياري، والتي كانت مدعومة من شخصيات نقابية بارزة قاطعت المؤتمر، مثل سامي الطاهري وسمير الشفي، وهما من أبرز الوجوه التي مثّلت تيارات اليسار الراديكالي والقومية العربية المتشددة في الاتحاد والبلاد خلال العقود الماضية.

نور الدين الطبوبي (رويترز)

لقد بدا واضحاً أن مؤتمر المنستير لم يكن فقط مناسبة لانتخاب قيادة جديدة، بل كان أيضاً مناسبة لإعادة تعريف «الكتلة المهيمنة» داخل «الاتحاد». فالمكتب التنفيذي الجديد يضم غالبية من النقابيين المستقلين عن الأحزاب، إلى جانب شخصيات من اليسار النقابي المعتدل، كما يضم وجوهاً محسوبة على اتجاهات سياسية متباينة، من بينها نقابي قريب من التيار الإسلامي المحافظ ومن حركة النهضة، وآخر عُرف بقربه سابقاً من شبكات الحزب الحاكم في العهد السابق ثم من محيط حزب «نداء تونس» لاحقاً. وهذا التنوع لا يعكس انفتاحاً آيديولوجياً بالمعنى النظري فقط، بل يشير أيضاً إلى أن الاتحاد اتجه، تحت ضغط أزماته الداخلية وأزمات البلاد، نحو منطق «براغماتي» في بناء القيادة يقوم على جمع شبكات النفوذ القطاعية والجهوية والتنظيمية في «سلة واحدة»، أكثر مما يقوم على التجانس الفكري أو السياسي الصارم.

هنا تتجاوز أهمية المؤتمر مسألة الأسماء والأرقام. إذ تكمن المسألة الجوهرية في طبيعة المرحلة التي جاء فيها هذا التحوّل. وتونس اليوم ليست بصدد أزمة عابرة في ملف الأجور أو مفاوضات دورية بين الحكومة والنقابات، بل تعيش أزمة مركبة تمس بنية الاقتصاد، ووظائف الدولة، وتوازنات النظام السياسي، وثقة المجتمع في النخب والمؤسسات.