زيارة مودي في حسابات «مثلث» المطامح والمخاوف العالمية

تفاهمات أميركية ــ هندية... لكن العيون على الصين

بايدن ومودي في البيت الأبيض (أ.ب)
بايدن ومودي في البيت الأبيض (أ.ب)
TT

زيارة مودي في حسابات «مثلث» المطامح والمخاوف العالمية

بايدن ومودي في البيت الأبيض (أ.ب)
بايدن ومودي في البيت الأبيض (أ.ب)

اختتم رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، الأسبوع الماضي، زيارة رسمية تاريخية إلى الولايات المتحدة يتوقع مراقبون من الجانبين، أن تدشن فصلاً جديداً في العلاقات بين البلدين. والملاحظ أنه خلال العقدين الماضيين، انتقلت العلاقات بين نيودلهي وواشنطن من الاستياء خلال حقبة الحرب الباردة إلى التعاون الكامل. وخلال مراسم الاستقبال، جرى إطلاق 21 طلقة احتفاءً بمودي، وأقيمت مأدبتا عشاء ـ إحداهما حميمية والأخرى رسمية ـ على شرف رئيس الوزراء الهندي، بجانب لقائه كبار المديرين التنفيذيين. كذلك شهدت الزيارة توقيع قائمة طويلة من الاتفاقات لشراء محرّكات أميركية للاستعانة بها بطائرات مقاتلة هندية جديدة محلية الصنع، وبناء مصنع ضخم لإنتاج أشباه الموصلات. وتشكل هذه الاتفاقات بداية فصل جديد مذهل من العلاقات القوية بين الجانبين، ومحاولة واضحة منهما لاحتواء الصين.

سبق لرئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي أن زار الولايات المتحدة خمس مرات منذ توليه منصبه عام 2014. ومع هذا، تعدّ زيارته الأخيرة أول «زيارة رسمية» له إلى واشنطن، وفيها أصبح مودي ثالث رجل دولة يلقي كلمة أمام جلسة مشتركة للكونغرس الأميركي للمرة الثانية.

أكثر من هذا، بات مودي ثالث زعيم عالمي توجّه له الدعوة لإجراء زيارة رسمية لواشنطن إبان فترة رئاسة الرئيس جو بايدن، بعد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس كوريا الجنوبية يون سوك يول. ويُذكر أنه قبل توليه قيادة الهند عام 2014، رفضت واشنطن منحه تأشيرة دخول بسبب اتهامه بالتورط أعمال عنف شغب معادية للمسلمين عندما كان رئيساً لحكومة ولاية غُجرات.

الجنرال الهندي المتقاعد جي. دي. باكشي أعرب عن اعتقاده بأن زيارة مودي للولايات المتحدة غير مسبوقة، وأردف: «إذ لم يسبق إعداد مثل هذا الاستقبال لرئيس وزراء هندي... بل لم يحظ بهذا المستوى الرفيع من الاحتفاء سوى عدد قليل للغاية من قادة العالم». وتابع: «الرسالة الواضحة إلى العالم من وراء هذا الترحيب الكبير، أن ثمة تحوّلاً واضحاً في المعادلات الجيوسياسية على مستوى العالم، يبيّن صعود الهند كلاعب رئيسي، ويؤشر إلى استمرار تنامي نفوذها بشرط نجاح الدولة في تحقيق نمو بنسبة 7 ـ 8 في المائة على مدى العقدين المقبلين».

نيات الصين تجاه تايوان... هاجس الجميع (أ.ب)

من ناحية ثانية، عقد محللون مقارنة بين مودي وبايدن لما كان عليه الوضع بين الزعيم الصيني ماو تسي تونغ عام 1972 والرئيس الأميركي - يومذاك ريتشارد نيكسون. والقصد قدرة الزعيمين على تغيير قواعد اللعبة خلال الحرب الباردة يومذها في مواجهة روسيا، والآن الصين. ومع أن بكين لم تتحول قط حليفاً لواشنطن خلال «شهر العسل» السياسي بينهما في السبعينات والثمانينات، تظل الحقيقة أنها لعبت دوراً حاسماً ضد السوفيات.

في هذا الصدد، شرح آرفيند باناغاريا، النائب السابق لرئيس لجنة التخطيط الهندية: «تذكرون ما حدث عندما وضع ريتشارد نيكسون رهاناته على الصين وما أعقب ذلك. نهضت الصين على الصعيدين الجيوسياسي والاقتصادي. كان هدف الولايات المتحدة محاصرة الاتحاد السوفياتي الموحّد آنذاك».

ولكن الولايات المتحدة ليست وحدها التي تبسط السجادة الحمراء لمودي؛ إذ تلقى الزعيم الهندي دعوة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ليكون «ضيف شرف» خلال احتفالات يوم الباستيل (اليوم الوطني لفرنسا)، الشهر المقبل. أيضاً، مع ختام رحلته إلى الولايات المتحدة، زار مودي مصر، ونال وسط الترحيب أعلى وسام شرف مصري هو «قلادة النيل».

هدف احتواء الصينلقد تغيرت الأمور كثيراً منذ نهاية الحرب الباردة. واليوم، تنظر إدارة بايدن إلى بكين باعتبارها أخطر منافس لواشنطن على المدى الطويل، على الرغم من الجهود المستمرة لإدارة التوترات بين البلدين. وهذا بينما يتساءل البعض عن سبب «مبالغة» واشنطن في استرضاء الهند؟

في الواقع، يشكل أحد العوامل الرئيسية التي تضفي أهمية على زيارة مودي الرسمية لواشنطن، الصعود غير المسبوق للصين، والتحدي الذي يوجهه إلا الهيمنة الأميركية على الشؤون العالمية. واللافت، أن بكين عمدت من جانبها إلى محاولة استغلال جميع نقاط الضعف في الدبلوماسية الأميركية، فمثلاً، في الشرق الأوسط، اضطلعت بكين بدور الوسيط في اتفاق سلام بين المملكة العربية السعودية وإيران. وفي الوقت ذاته، تتودد بكين إلى الفلسطينيين؛ لتبعث بذلك بإشارة إلى كل العرب.

بجانب ذلك، حرصت بكين وتحرص على توسيع دائرة علاقاتها داخل إفريقيا وأميركا اللاتينية. ثم أنها أرسلت رئيس الوزراء لي تشيانغ إلى ألمانيا وفرنسا، هذا الأسبوع؛ لتذكير الأوروبيين بأن اقتصاداتهم مرتبطة بالصين، وأن الأفضل لهم التخلص من المخاطر التي تهدّد علاقاتهم بها. وعليه، يعتقد محللون أن إدارة بايدن ترغب في استغلال نيودلهي في تطويق بكين.

في هذا السياق، أوضح أشواني ماهاجان، البروفسور بجامعة دلهي، أن «زيارة مودي الأميركية اكتسبت أهمية إضافية كذلك بالنظر إلى حقيقة أن الولايات المتحدة تواجه اليوم تحديات هائلة - اقتصادية ودبلوماسية واستراتيجية. وينظر العالم إلى الهند باعتبارها قوة فاعلة ومهمة، لها دورها على الساحة الاقتصادية العالمية اليوم. بعدما كان للدولار الأميركي الهيمنة على الساحة العالمية، بسيطرته على 70 في المائة من احتياطيات العملات الأجنبية عالمياً... اليوم، تراجعت هذه النسبة إلى نحو 54 في المائة. وبالفعل، تعاني الولايات المتحدة راهناً من أسوأ موجة تضخم خلال القرن. وكذلك تلاشت مكانتها كـ(زعيمة) العالم بشكل كبير بعد انسحابها المفاجئ من أفغانستان، وصعود حكومة أصولية هناك. ورغم وجود مرارة بين نيودلهي وواشنطن بخصوص عدد من القضايا، تظل الهند شريكاً مهماً جداً للولايات المتحدة».

على صعيد موازٍ، وقبل أيام من زيارة مودي، التقى وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن الرئيس الصيني شي جينبينغ في بكين. وقال بلينكن: إن البلدين اتفقا على «استقرار» العلاقات التي تدهورت على نحو بالغ، لكن طلبه تنظيم «اتصالات أفضل بين جيشيهما» لم يلقَ آذاناً صاغية. وأعلن الوزير الأميركي بعد لقاء شي أن بكين ليست مستعدة لاستئناف الاتصالات العسكرية؛ الأمر الذي تعدّه واشنطن شرطاً حيوية لتجنب سوء التقدير والصراع، خاصة في ما يتعلق بتايوان.

في أي حال تظل زيارتا مودي وبلينكن على تناقض صارخ؛ ففي حين تتعزز الثقة الاستراتيجية بين نيودلهي وواشنطن ويزداد زخم العلاقات بينهما على مر السنوات، تبدو الشكوك الاستراتيجية بين واشنطن وبكين، مع ما يحمله ذلك من مخاطر محتملة، علنية وواضحة للجميع.

وفي هذا الصدد، علق الكاتب الصحافي الهندي شوباجيت روي قائلاً: إن زيارة مودي الرسمية للولايات المتحدة - التي استمرت ثلاثة أيام - شهدت محاولات من جانب إدارة بايدن لتقريب نيودلهي من سياساتها التي تركز على ما يطلق عليه احتواء الصين. واليوم، تجاوزت الهند الصين من حيث عدد السكان، ومتوسط سن شعبها أصغر بعشر سنوات عن الصين. أضف إلى ذلك أن اللغة الإنجليزية لغة رسمية للهند، وتمارس محاكمها القانون العام، وهي دولة تقوم على نظام ديمقراطي.

بالتالي، ترتبط المعاملة الخاصة التي حظي بها مودي في واشنطن، بالسياسة الخارجية لإدارة بايدن التي تتمحور حول الصين بشكل متزايد، ومحاولاتها «احتواء» صعود بكين في ظل التوترات الواضحة الهندية - الصينية. وعلى الرغم من إغفال ذكر الصين بشكل واضح خلال زيارة مودي الأميركية، بعثت الزيارة إشارة «قوية» إلى بكين ولو بطريقة هادئة ودقيقة. وأعرب الزعيم الهندي بوضوح في خطابه أمام الكونغرس الأميركي عن تأييده «منطقة المحيطين الهندي والهادي الحرة والمفتوحة والشاملة»، وسط تصفيق المشرعين الأميركيين.

الهند أيضاً منشغلة بالصينإن ما تغيّر بشكل واضح خلال العقد الماضي، نظرة الهند إلى الصين باعتبارها مصدر تهديد. وما يستحق الإشارة هنا، أن الهند والصين دخلتا في أزمة عسكرية على طول حدودهما البالغ طولها 3500 كيلومتر لأكثر عن ثلاث سنوات. وأدى اقتحام القوات الصينية أراضي منطقة لداخ عام 2020 إلى اشتعال اشتباكات دامية بين الجانبين، أسفرت عن مقتل العشرات من الجنود. ثم أن نظرة الرأي العام في الهند تجاه الصين تعد راهناً الأسوأ منذ حرب عام 1962. وما أعطى الوضوح الاستراتيجي لنيودلهي هو السلوك العدواني للصين على طول الحدود.

وفي هذا صدد، أوضح البروفسور آرفيند كومار، من كلية الدراسات الدولية بجامعة جواهرلال نهرو، أن «الاشتباكات بين الصين والهند على طول حدودهما، حوّلت أكبر دولتين في العالم من حيث عدد السكان إلى متنافسين مرة أخرى داخل منطقتي المحيطين الهندي والهادي. التنافس العائد هذا - بعد عقود من الهدوء بين الجانبين - أدى إلى تقارب المصالح الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والهند». وأضاف: «من ناحية أخرى، كشفت الحرب في أوكرانيا عن ضعف روسيا، ووفّرت للهند بعض عمليات التحقق من الواقع. وأثار ما يقرب من سنة ونصف السنة من القتال، شكوكاً جدية في قوة منظومة الدفاع الروسي. واليوم، بات لدى الهند، التي تعتمد بشكل كبير على الإمدادات الدفاعية من روسيا، أسباب تدعو للقلق. إذ تدرك نيودلهي اليوم بصورة لا لبس فيها أنها في حاجة إلى الولايات المتحدة والغرب لضمان استمرار نموها وتطورها. وعلى امتداد التاريخ المعاصر، نهضت كل قوة عظمى تقريباً بمساعدة الولايات المتحدة ـ وتعد اليابان وألمانيا ودول أخرى في أوروبا الغربية أمثلة كاشفة على ذلك».

وفي هذه الأثناء، نرى اقتصاد الهند على مسار تصاعدي؛ ولذا اتخذت نيودلهي قراراً استراتيجياً بالمضي قدماً في تعزيز علاقاتها مع واشنطن، للاستفادة من التفوق الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري لأغنى وأقوى دولة بالعالم. ولكن، مع ذلك، لا تغفل نيودلهي في المقابل، أهمية العلاقات الاقتصادية والعسكرية العميقة مع اليابان وفيتنام وكوريا الجنوبية ـ وجميعهم شركاء في مجموعة جديدة لحلفاء واشنطن في مواجهة الصين.

المشهد الجيوسياسي الآسيويالكاتب الصحافي الهندي رجا موهان يرى «أن التفاؤل بالتفاهم بين مودي وبايدن يرسم ملامح تطور في المشهد الجيوسياسي الآسيوي، بعدما خضع في الآونة الأخيرة للهيمنة الصينية التي بدت حتمية. فاليوم، تساعد الشراكة الدفاعية الجديدة بين نيودلهي وواشنطن على تصوّر آسيا غير خاضعة لهيمنة أي قوة واحدة بمفردها. ويجب أن يكون جلياً أن ميثاق الدفاع بين الهند والولايات المتحدة ليس محاولة لاحتواء، بل محاولة لبناء (آسيا متعددة الأقطاب) تتمتع بقدرات ردع كافية، وضمان احترام سيادة وسلامة أراضي جميع الدول في المنطقة».

وبالفعل، لدى كل من نيودلهي وواشنطن مصلحة كبرى في بناء علاقات مثمرة مع بكين. ويعكس تعامل نيودلهي الصبور مع بكين على مدى السنوات الثلاث الماضية لاستعادة السلام والهدوء على الحدود المتنازع عليها بينهما، هذا النهج. ففي الماضي، وُصف التعاون الهندي - الأميركي بعبارات مثل «الديمقراطيتان المتخاصمتان» و«العقود الضائعة» و«الحليفان المستحيلان». وتركزت أسباب عجز نيودلهي وواشنطن عن بناء علاقة ثنائية مثمرة في الماضي على الخلاف العميق حول النظام الجيوسياسي المفضل داخل آسيا.

صفقات الأعمال والدفاعاليوم، من شأن الاتفاقات التجارية المبرمة حديثاً بين الهند والولايات المتحدة، تغيير قواعد اللعبة. فمن جهة توفر الهند سوقاً ضخمة ووجهة استثمارية ممتازة للولايات المتحدة، ودعماً جيداً للبنية التحتية. وستظل مسألة التشارك التكنولوجي محورية للمصالح الثنائية.

ومن بين الاتفاقات الكثيرة الكبرى التي أبرمت خلال زيارة مودي، اتفاق يرتبط بتصنيع محرّكات الطائرات المقاتلة من شركة «جنرال إلكتريك» في الهند، وشراء طائرات «جنرال أتوميكس» المسلحة من دون طيار. وتتسم هذه الصفقات بأهمية بالغة، خاصة أن الهند لطالما رغبت في امتلاك هذه العناصر التي يمكن أن تعينها على كشف ومواجهة تحركات الجيش الصيني. وتتضمن صفقة «جنرال إلكتريك»، التي تقدر قيمتها بمليارات الدولارات، تأمين تكنولوجيا محركات نفاثة متطورة لم يسبق لواشنطن التشارك فيها حتى مع حلفائها، ولديها القدرة على ربط الصناعات الدفاعية للبلدين لسنوات عديدة مقبلة.

أيضاً، على الصعيد التكنولوجي، ثمة إعلان مهم آخر يرتبط بشركة «مايكرون تكنولوجي»، أكبر شركة لتصنيع شرائح الذاكرة في الولايات المتحدة. وهي الصفقة التي تمثل أول استثمار ضخم من قِبل شركة أميركية في إطار «المهمة الوطنية المعنية بأشباه الموصلات» التي أعلنتها الإدارة الأميركية، في محاولة لإعادة التوازن إلى سلاسل التوريد بعيداً عن الصين.

وفي تعليق له، قال آرفيند سوبرامانيان، كبير المستشارين الاقتصاديين لمودي بين 2014 و2018، والزميل حالياً في جامعة براون الأميركية: إنه «من المنظور الهندي، تحقق هذه المبادرات هدفين كبيرين». وأوضح في تصريح نقلته صحيفة الـ«واشنطن بوست»، أن «صفقة (جنرال إلكتريك)، على سبيل المثال، جزء من جهد طويل الأمد لوقف اعتماد الهند على روسيا فيما يخص واردات المعدات العسكرية. كما يخدم مصنع الرقائق وصفقات الدفاع هدف نيودلهي المتمثل في تنشيط قطاع التصنيع المحتضر لديها. وسعياً لجذب الاستثمارات الأجنبية؛ أطلقت الحكومة منذ سنوات عدة برنامجاً ضخماً للدعم - في اللحظة ذاتها التي كان مستثمرون يبحثون عن مواقع بديلة للصين في خضم الجائحة».

ختاماً، تدرك حكومة مودي، من جهتها، أنه كي تتمكن من منافسة الصين، التي أطلقت حملة تحديث عسكري استمرت لعقود، فإنها تحتاج إلى معرفة كيفية تعزيز الشركات التكنولوجيا الناشئة؛ كي تتمكن من تصميم التكنولوجيات على نطاق عسكري.

وانغ يي (رويترز)

ثورة غضب صينية على «أمنيات» واشنطن

> وصفت وسائل الإعلام الصينية الحماسة الأميركية تجاه الهند بأنها «تفكير قائم على الأمنيات». ومعلوم أن بكين تدعم حالياً الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قضية يفغيني بريغوجين. وفي الوقت عينه، ثمة أزمة تجابه «الهدنة» بين واشنطن وبكين بعد وصف الرئيس الأميركي نظيره الصيني شي جينبينغ، بـ«الديكتاتور».

الناطق باسم وزارة الخارجية الصينية قال أخيراً: «يجب ألا يقوض التعاون العسكري بين الدول السلام والاستقرار الإقليميين، أو استهداف أي طرف ثالث، أو حتى الإضرار بمصالح أي طرف ثالث». وجاء هذا بعد أيام من توقيع الاتفاقيات الدفاعية والتجارية بين نيودلهي وواشنطن.

ايضاً، قبل زيارة مودي للولايات المتحدة، انتقدت وسائل الإعلام المملوكة للدولة في الصين، المواقف الأميركية التي «تدفع بالهند وتكثف جهودها لعرقلة التقدم الاقتصادي للصين». وفي مقال رأي نشرته «غلوبال تايمز»، عدّ وانغ يي، المفوض الأعلى للشؤون الخارجية في الصين، أن الحسابات الجيوسياسية للولايات المتحدة دفعت جهودها لتعزيز التفاعلات الاقتصادية والتجارية مع الهند. وفصّل وانغ «ليس من الصعب قراءة الحسابات الجيوسياسية الأميركية. إن الغاية الأساسية من جهود واشنطن النشطة لتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري مع الهند في المقام الأول، إبطاء وتيرة التنمية الاقتصادية للصين. ومع ذلك، هذه الحسابات الجيوسياسية الأميركية محكوم عليها بالفشل؛ لأن مكانة الصين في سلسلة التوريد العالمية يستحيل الاستعاضة عنها بالهند أو أي اقتصاد آخر».

وفي هذا السياق، قال ليو زونغيي، الباحث في معهد شانغهاي للدراسات الدولية في الصين: إن «لدى الهند شهية كبيرة للغاية، وهي تريد كل شيء. أما حيال ما إذا كان بمقدورها التهام كل ذلك، فهذه مسألة أخرى».

 

اليوم... تنظر إدارة بايدن إلى بكين باعتبارها أخطر منافس لواشنطن على المدى الطويل

شكوك أميركية بجدية التحالف مع الهند > رغم التقارب المأمول، تستمر الشكوك داخل أوساط مراكز الأبحاث الأميركية بخصوص فرص تحول الهند إلى حليف رسمي للولايات المتحدة. والمعروف أن الهند رفضت الانضمام إلى الغرب في جهود عزل روسيا بسبب حربها في أوكرانيا.

ولقد حذّر آشلي تيليس، أحد «مهندسي» اتفاقية التعاون في مجال الطاقة النووية المدنية مع الهند في عهد إدارة جورج بوش الابن - التي شكّلت الأساس لسنوات من التعاون لاحقاً مع نيودلهي - الشهر الماضي، من أن الولايات المتحدة تخوض «رهاناً رديئاً» بخصوص مودي.

وكتب في دورية «فورين أفيرز» قائلاً: «لقد قاومت الهند دوماً الانجرار إلى تحالفات منظمة، لكنها تصدّر نفسها الآن كقائدة للعالم النامي. أضف إلى ذلك أن سياساتها تتعارض، أحياناً، مع سياسات الولايات المتحدة، وعلى سبيل المثال، كانت نيودلهي عميلاً زبوناً للنفط الرخيص من روسيا، على الرغم العقوبات المفروضة ضد الأخيرة بسبب غزوها أوكرانيا».

وعدّ تيليس أنه «من غير المحتمل» رغم تعزيز العلاقات الدفاعية الهندية - الأميركية، أن تصطف نيودلهي مع واشنطن في مواجهة عسكرية مع الصين بخصوص تايوان أو في بحر الصين الجنوبي، ما دام أن الأمر لا يهدد أمنها بشكل مباشر.

 


مقالات ذات صلة

«فضيحة ابتزاز» بمليار دولار تطارد مالك أستون فيلا

رياضة عالمية ويس إدنز (أستون فيلا)

«فضيحة ابتزاز» بمليار دولار تطارد مالك أستون فيلا

يواجه أستون فيلا أزمة خارج الملعب بعد ورود اسم مالكه الأميركي ويس إدنز في قضية ابتزاز جنسي ضخمة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)

ترمب: واشنطن تعتزم إجراء محادثات مع كوبا

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم الثلاثاء، إجراء محادثات مع كوبا التي تفرض بلاده عليها منذ أشهر حصاراً على النفط، بعد اعتقال حليفها الرئيس الفنزويلي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ إيلين وانغ عمدة مدينة أركاديا المستقيلة (رويترز)

عمدة مدينة أميركية تستقيل وتقرّ بالذنب في قضية تجسس لصالح الصين

أعلن مسؤولون محليون، الاثنين، أن إيلين وانغ، عمدة مدينة أركاديا في جنوب كاليفورنيا، وافقت على الإقرار بالذنب بتهمة العمل عميلةً غير شرعية للحكومة الصينية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
رياضة عالمية سيواجه أوكلاهوما سيتي في نهائي الغرب الفائز من مواجهة سان أنتونيو سبيرز ومينيسوتا تمبروولفز (أ.ب)

إن بي إيه: ثاندر يقصي ليكرز... وميتشل يقود كليفلاند إلى معادلة ديترويت

كرس أوكلاهوما سيتي ثاندر تفوقه على لوس أنجليس ليكرز بفوز رابع توالياً وبنتيجة 115-110، فحسم تأهله إلى الدور النهائي للمنطقة الغربية لدوري كرة السلة الأميركي.

«الشرق الأوسط» (لوس انجليس)
رياضة عالمية رئيسة المكسيك كلوديا شينباوم باردو تتحدث خلال مؤتمر صحافي في القصر الوطني (د.ب.أ)

المكسيك تلغي قرار تقليص العام الدراسي بسبب كأس العالم بعد ردود فعل غاضبة

أعلنت الحكومة المكسيكية، الاثنين، إلغاء قرار تقليص العام الدراسي بسبب «مونديال 2026»؛ وذلك بعد ردود فعل غاضبة واسعة النطاق من أولياء الأمور ومراكز الأبحاث...

«الشرق الأوسط» (مكسيكو)

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
TT

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)

تتحرّك المفوضية الأوروبية هذه الأيام في اتجاه مراجعة واسعة لعدد من قواعدها وتشريعاتها، في مسعى تعلن عنه بوصفه «تبسيطاً» و«تحديثاً» بينما يراه كثيرون «إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي نفسه... فالقصة لا تتعلق بتفصيل قانوني معزول بل موازنة دقيقة بين المنافسة والضبط وبين حماية الحقوق وتسريع الاقتصاد وبين الوحدة التشريعية التي تريدها بروكسل والتباينات السياسية داخل الدول الأعضاء... في العمق تكشف هذه المراجعات عن سؤال أوروبي كبير هو: هل لا يزال الاتحاد قادراً على الجمع بين المعايير الصارمة والمرونة الاقتصادية في زمن يتغير بسرعة؟ أم أن الضغط العالمي من واشنطن إلى بكين يدفعه الآن إلى إعادة ترتيب أولوياته على نحو أكثر برغماتية وإن كان ذلك على حساب الصورة المثالية التي طالما عرفته بها الديمقراطيات الغربية؟

لا يمكن فهم ما تشهده بروكسل من انقلاب تشريعي دون العودة إلى سبتمبر (أيلول) 2024، حين سلّم ماريو دراغي، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي رئيسةَ المفوضية الحالية أورسولا فون دير لاين تقريره الضخم عن «مستقبل تنافسية أوروبا».

جاء التقرير الواقع في 400 صفحة بمثابة صرخة إنذار وجودية: أوروبا تتخلّف عن الركب، والفجوة مع الولايات المتحدة والصين تتّسع بصمت، والنموذج التنظيمي الذي طالما اعتُبر مصدر قوّة يتحوّل شيئاً فشيئاً إلى عبء يُعيق الابتكار. وكشف دراغي فيه أن أوروبا تخسر ما يعادل 300 مليار يورو سنوياً من مدّخرات أسرها المُوظَّفة في الخارج، وأن أسعار الكهرباء تتجاوز نظيراتها الأميركية بنسبة تراوح بين 150 و300 في المائة. وخلص إلى أن «الاتحاد» يحتاج إلى ضخ استثمارات إضافية تناهز 800 مليار يورو سنوياً للحفاظ على مكانته، واصفاً الوضع بأنه «تحدٍّ وجودي» قد يُفضي الإخفاق في مواجهته إلى «الأفول التدريجي» للقارة.

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (آ ب)

وأمام البرلمان الأوروبي في مدينة ستراسبورغ الفرنسية، حذّر دراغي من أن أوروبا «فشلت في تحويل الابتكار إلى منتجات تجارية قابلة للنمو»، وأن شركاتها الرائدة تجد نفسها مضطرة إلى الانتقال نحو السوق الأميركية كي تنمو، لأن السوق الأوروبية المُجزّأة، وتعقيدات الامتثال، لا تمنحانها الحجم الكافي للمنافسة العالمية. وتبعاً لهذا التقرير استجابت المفوضية في يناير (كانون الثاني) 2025 بإعلان «بوصلة التنافسية»، وهي مخطط استراتيجي لخمس سنوات يضع تخفيف الأعباء التنظيمية في صدارة الأولويات، مع التمسك بالأهداف المناخية الكبرى، ومنها «الحياد الكربوني» بحلول 2050.

عوامل الضغط المتراكمة من الداخل والخارج

في الواقع، لا يمكن عزل هذه المراجعات عن مُناخ سياسي داخلي وخارجي بالغ الاضطراب. ففي الداخل، أسفرت انتخابات البرلمان الأوروبي في يونيو (حزيران) 2024 عن صعود ملموس للتيارات اليمينية والقومية المتطرفة التي طالما انتقدت ما وصفته بـ«التضخم التشريعي» الصادر عن بروكسل، ولا سيما «الصفقة الخضراء الأوروبية». وشكّلت موجة احتجاجات المزارعين التي اجتاحت عواصم أوروبية عدة في مطلع 2025 رافداً شعبياً مباشراً لهذا التحوّل، إذ رفع المحتجون الصوت ضد تضخّم القواعد والاشتراطات التي يرون أنها تُثقل كاهلهم.

أما على الصعيد الخارجي، فقد وضعت عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، وإعلانه رزمة رسوم جمركية واسعة طالت الصادرات الأوروبية، المفوضيةَ أمام معادلة بالغة الدقة: إذ كيف تحافظ أوروبا على تنافسيتها في مواجهة شريك يرفع الجدران الجمركية من ناحية، ومنافس صيني من ناحية أخرى يضخ دعماً حكومياً هائلاً في صناعاته، في حين تلتزم هي بمنظومة تنظيمية صارمة تُثقل كاهل شركاتها؟

تقرير دراغي يُلخّص هذه المفارقة في جملة واحدة: «أوروبا قادت سباق القواعد، بينما خسرت سباق السوق».

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (رويترز)

أصوات المسؤولين بين الاعتراف والوعد

لقد أطلقت رئيسة المفوضية فون دير لاين منذ اليوم الأول لولايتها الثانية خطاباً تجديدياً صريحاً، ففي «منتدى دافوس» خلال يناير 2025 أعلنت الانطلاق نحو «تبسيط جذري لقواعد التمويل المستدام، والعناية الواجبة». وفي لقائها مع الصحافة الألمانية لاحقاً أقرّت بأن «كثرة القواعد وإلزامات إعداد التقارير تُقيّد مسيرة النشاطات الاقتصادية، والتجارية، ولا سيما تلك التي تخصّ الشركات الصغيرة»، مستندةً إلى بيانات صندوق النقد الدولي التي تُشير إلى أن العوائق الداخلية في السوق لأوروبية الموحّدة تعادل في أثرها رسوماً جمركية بنسبة 45 في المائة.

وأيضاً حدّدت هدفاً كمياً واضحاً هو خفض الأعباء الإدارية بما لا يقل عن 25 في المائة على جميع الشركات، و35 في المائة على المؤسسات الصغيرة، والمتوسطة، بما يُوفّر 37.5 مليار يورو سنوياً، وطالبت البرلمانَ الأوروبي والدولَ الأعضاء بإقرار الحزم التبسيطية من دون إبطاء.

هذه الدعوة وجدت صدىً في العواصم الكبرى، إذ دعمت ألمانيا وفرنسا مسار التبسيط صراحةً، ووصفت برلين الحزمة الأولى بأنها «خطوة لازمة للتوفيق بين التحوّل المستدام والقدرة التنافسية». وانضمت بولندا، التي ترأست مجلس «الاتحاد» في مطلع 2025، إلى هذا التوجه، واصفةً إياه بـ«المبادرة الضرورية لتعزيز تنافسية الاتحاد».

كذلك كان رئيس «المجلس الأوروبي» أنطونيو كوستا قد أضفى على هذا التوجّه طابعاً سياسياً رفيعاً، حين أكد في رسالة وجّهها إلى قادة «الاتحاد» قُبيل القمة غير الرسمية في فبراير (شباط) 2026 أن «التبسيط ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لجعل أوروبا تُنجز ما وعدت به مواطنيها»، مضيفاً أن المواطن الأوروبي «بات يقيس صدقية مؤسساته لا بعدد اللوائح التي تُصدرها، بل بالنتائج الملموسة التي تُوفرها على أرض الواقع».

وفي السياق ذاته، دعا كوستا -وهو رئيس سابق للحكومة البرتغالية- القادة الأوروبيين إلى «تسريع المفاوضات حول الحزم التبسيطية المعلّقة»، محذّراً من أن التأخر سيُضعف صدقية «الاتحاد» أمام شركائه التجاريين قبل أن يُضعفها أمام ناخبيه.

ومن العاصمة الفرنسية باريس، رفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون صوته في هذا الملف بلهجة تجمع بين الطموح الأوروبي والحرص على السيادة الاستراتيجية. إذ قال في خطاب أمام منتدىً اقتصادي في برلين إن «أوروبا لا تستطيع أن تكون القارة الوحيدة التي تطبّق قواعدها على نفسها بصرامة، بينما يُنافسها الآخرون في ظل قواعد مختلفة تماماً»، مطالباً بأن يرافق التبسيط التشريعي سياسةٌ صناعية أوروبية متماسكة تحمي القطاعات الاستراتيجية من المنافسة غير المتكافئة.

استقلالية التشريع

ومن جهة ثانية، دعا ماكرون صراحةً إلى تطوير ما وصفه بـ«استقلالية التشريع»، بمعنى أن تمتلك أوروبا القدرة على تكييف قواعدها بسرعة، استجابةً للمتغيرات الجيوسياسية، ومن دون الانتظار سنوات في مسارات تشريعية مضنية.

أما المستشار الألماني (السابق) أولاف شولتس، فقد تبنّى موقفاً أكثر مباشرةً حين صرّح إبان مناقشات «مجلس الاتحاد» بأن «الاقتصاد الأوروبي لا يحتاج إلى مزيد من القواعد، بل إلى مزيد من الحرية للابتكار، والنمو»، مستنداً إلى معاناة الصناعة الألمانية في مواجهة منافسة صينية مدعومة حكومياً، بينما تتصاعد أعباء الامتثال في الداخل. وفي السياق ذاته، حرص شولتس على الإشارة إلى أن التبسيط لا يعني التخلي عن أهداف الحياد المناخي، لكنه يعني تحرير الطاقة الإنتاجية للشركات كي تنجز هذا التحول.

في المقابل، حمل الصوت الإيطالي مقاربة مغايرة، إذ اعترضت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، في قمة القادة غير الرسمية ذاتها، على ما رأت فيه تسرّعاً في إقرار بعض الحزم من دون تقييم كافٍ لأثرها على الصناعات التقليدية، ولا سيما قطاع السيارات الذي يُمثّل ركيزة اقتصادية أساسية في عدد من دول الجنوب الأوروبي.

وأردفت ميلوني أن «التبسيط مطلوب، لكن ينبغي ألا يكون ذريعةً للتخلي عن قطاعات بأكملها في مواجهة منافسة آسيوية يدعمها المال العام»، مطالبةً بأن تتضمّن كل حزمة تبسيطية تقييماً صريحاً لانعكاساتها على التوظيف، والنسيج الصناعي في الدول الأعضاء، وكشف هذا الخلاف عن توتر حقيقي داخل الاتحاد بين من يرى التبسيط أداةَ تحرير اقتصادي، ومن يخشى أن يتحول إلى إعادة توزيع للأعباء على حساب الدول الأقل قدرةً على إدارة المرحلة الانتقالية.

ماذا تحت المراجعة؟

منذ فبراير 2025، أصدرت المفوضية الأوروبية عشر حزم تشريعية تبسيطية تحت مسمّى «أومنيبوس»، تُعدَّل بموجبها قوانين متعدّدة في آنٍ واحد عبر توفيرات إدارية مقدَّرة بـ15 مليار يورو سنوياً. وتنصبّ أبرز هذه المراجعات على أربعة محاور:

- في مجال الاستدامة المؤسسية، خُفِّض عدد الشركات الملزمة بالإفصاح البيئي، والاجتماعي من 50 ألفاً إلى نحو خمسة آلاف فقط، أي إعفاء 80 في المائة من الشركات مما يُوفّر 4.4 مليار يورو سنوياً، مع تأجيل موعد الإبلاغ بسنتين لشريحة واسعة أخرى.

- على صعيد سلاسل التوريد، ضُيِّق نطاق «العناية الواجبة» ليقتصر على الشركاء التجاريين المباشرين، بدلاً من امتداده عبر سلسلة التوريد بأكملها.

- أما الملف الأكثر إثارةً للجدل، فهو قانون الذكاء الاصطناعي، إذ اقترحت المفوضية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 تأجيل اشتراطات الأنظمة عالية المخاطر -ومنها تلك المستخدمة في التوظيف، والرعاية الصحية، والقضاء- من 2026 إلى 2028 على أبعد تقدير.

ولقد صوّت البرلمان الأوروبي بغالبية الأصوات لصالح هذا التمديد، بيد أن المفاوضات الثلاثية بين البرلمان والمجلس والمفوضية لا تزال تراوح مكانها حول مسألة جوهرية هي: هل تخضع أنظمة الذكاء الاصطناعي المُدمجة في منتجات مثل الأجهزة الطبية والسيارات لقانون الذكاء الاصطناعي؟ أم تكتفي بالتشريعات القطاعية القائمة؟

وتُضاف إلى ما تقدم ذكره حزم بيئية ودفاعية وزراعية تستهدف مجتمعةً خفض أعباء الامتثال في قطاعات بالغة الأهمية.

ما يكمن وراء الخطاب التبسيطي

إذا كانت الحجج الرسمية تستند إلى ضرورة تعزيز «تنافسية» الشركات، فإن الدوافع الأعمق أكثر تعقيداً. إذ ثمة خشية حقيقية من تسرّب الشركات الأوروبية الناشئة نحو الولايات المتحدة، حيث البيئة التمويلية أيسر، والاشتراطات التنظيمية أخفّ، في حين لا تلتزم الإدارة الأميركية بمعايير مناخية مماثلة، ولا الصين بمستوى مماثل من الرقابة.

ويُضاف إلى ذلك ثقل الضغط الانتخابي الذي كشفت عنه الانتخابات الأوروبية، وضغط جماعات الأعمال الكبرى التي يُشير تحليل منظمة «كوربورت يوروب أوبسرفاتوري» إلى أنها استأثرت بـ69 في المائة من اجتماعات المفوضية عام 2025، مقابل 16 في المائة فحسب لمنظمات المجتمع المدني. وهذا ما دفع أكثر من 360 منظمة مدنية إلى إصدار بيان مشترك، محذّرةً من أن «الأومنيبوس» يُعيد تأطير الشفافية والمساءلة البيئية بوصفهما عبئاً بيروقراطياً بدلاً من اعتبارهما ركيزةً للحوكمة. وذهب باحثون إلى أن الجزء الأكبر من التوفيرات المُعلنة لا يأتي من تبسيط الإجراءات، بل من تقليص النطاق، وإعفاء الشركات من الالتزام أساساً، وثمة فارق جوهري بين التبسيط الحقيقي والتراجع المُقنَّع.

بين السيادة الأوروبية... والبرغماتية

هذه المراجعات تُظهر، حقاً، أن أوروبا لم تعُد تتصرف كما لو أنها تملك رفاهية التشريع المثالي. فهي اليوم تُدير مرحلة برغماتية هدفها حماية وحدة السوق، وتخفيف الضغط على الصناعة، ومنع الانقسام بين دولها الأعضاء، غير أن البرغماتية ليست بلا ثمن. ذلك أن الاتحاد بنى نفوذه الدولي على كونه «حارس معايير» عالمياً في البيئة، وحماية البيانات، وحقوق العمال، والذكاء الاصطناعي. وهذه السمعة رأسمال دبلوماسي واقتصادي حقيقي يتآكل في كل مرة تتراجع فيها أوروبا عن مبدأ راسخ.

في المقابل، يرى المدافعون عن التبسيط أن أي «قاعدة لا تُطبَّق ليست قاعدة»، بل إنها وهم، وأن المعيار الذي تعجز الشركات والجهات الرقابية عن الامتثال له في مواعيده يُفضي إلى فوضى قانونية لا إلى حماية فعلية. ولقد عبّرت فون دير لاين عن هذه المعادلة الصعبة حين دعت في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إلى «التبسيط وإزالة القواعد الزائدة» جاعلةً حزم «الأومنيبوس» النموذجَ المرجعي، في حين يرى المنتقدون أن الخط الفاصل بين إزالة البيروقراطية الزائدة وتفكيك الحماية الجوهرية أرقّ مما توحي به الخطب.

مرحلة جديدة تكتب بروكسل معادلتها الصعبة

في أي حال، المراجعات الجارية في المفوضية الأوروبية ليست مجرد تحديثات تقنية، بل هي محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين القانون، والاقتصاد، والسيادة في لحظة تاريخية فارقة... لحظة تتراجع فيها العولمة الليبرالية، وتتصاعد فيها الحماية الاقتصادية، ويُعاد فيها رسم خرائط النفوذين التكنولوجي والتجاري على مستوى العالم.

وعليه، فالنتيجة الأرجح هي دخول أوروبا مرحلة جديدة أقل مثالية، وأكثر حساباً، وربما أكثر تناقضاً بين ما تريده بوصفها قارةً معيارية تُصدّر قيمها إلى العالم، وما تسمح به باعتبارها قوةً اقتصادية تسعى إلى البقاء بتنافسية في عالم يزداد صلابة.

وبين هذين القطبين المتوترَين، تنسج بروكسل يومياً معادلتها الصعبة، لأن شكل القاعدة القانونية في المركز يُحدّد في نهاية المطاف شكل الحياة اليومية في باريس، وروما، وبرلين، ومدريد، وأثينا. وحينئذٍ تتحوّل السياسة من نصٍّ تفاوضي فوقي إلى تجربة ملموسة في الأسواق، والمصانع.


علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»
TT

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

عندما اقتلعت دبابة أميركية ضخمة يوم 9 أبريل (نيسان) عام 2003 تمثالاً ضخماً للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، كان يتوسّط «ساحة الفردوس» لم يكن علي الزيدي قد بلغ سن «الرشد السياسي» آنذاك. إلا أن ذلك الشاب تحوّل فيما بعد إلى واحد من كبار أغنياء رجال المال والأعمال في «عراق ما بعد عام 2003»، مع أن سجلّ ولادته يشير إلى أنه ولد في إحدى قرى محافظة ذي قار بجنوب العراق يوم 1/5/1985. منظر تلك الدبابة الأميركية «استفز» قائد «القيادة الوسطى الأميركية» - آنذاك - الجنرال تومي فرانكس، الذي كان يراقب المشهد من قاعدة العُديد في قطر، بعدما شاهد جندياً أميركياً يلف سارية العلم العراقي بالعلم الأميركي. وهذا تصرّف رفضه فرانكس فوراً، فأمر بإنزال العلم الأميركي وتعويضه بالعلم العراقي الذي لا يزال حتى الآن مُختلفاً عليه مع أنه لا يزال يحمل عبارة «الله أكبر» التي كتبت بخط يد صدام حسين.

كان منظر اقتلاع التمثال مدهشاً سواءً للموالين لصدام حسين، الذين شاهدوا سقوط نظامه السريع بينما لا يزال البديل مجهولاً، أو لمعارضيه.

يومذاك كان المعارضون ينقسمون إلى «معارضات» حسب الدول التي أقاموا فيها بين الشرق والغرب. أيضاً لم يكن لبعضهم أي وزن سياسي بعد ما عرف مرة بـ«السقوط» ومرة بـ«التحرير» وثالثة بـ«الاحتلال»، وهو الوصف الذي اتفق عليه لأول مرة مع اختلاف المنطلقات والأهداف مؤيدو صدام ومعارضوه.

طالب الصفوف الثانوية

بين المؤيدين والمعارضين، لم يكن الشاب علي الزيدي في عام 2003 قد أكمل الدراسة الثانوية بعد. وكذلك ما كان قد تشكل طموحه السياسي في ظل فوضى «المحاصصة»، التي سرعان ما دمغت النظام السياسي المتشكل بعد عام 2003، وذلك عن طريق طبقة سياسية لم تكن من الناحية العملية بمثابة «آباء مؤسسين» لهذا النظام. وهذا، مع أنه يجري تداول هذا المصطلح على مستوى التوارث السياسي للسلطة بين الأجيال.

وحقاً، لم تكن ثمة فرصة للأجيال الجديدة في تولي السلطة في العراق، بعدما احتكرتها طبقة الجيل الأول من السياسيين العراقيين. وكان هؤلاء قد انتظموا أول الأمر فيما عُرف بـ«مجلس الحكم»، الذي تألف من 25 قيادياً سياسياً، طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية والدينية والمذهبية بقيادة الحاكم المدني الأميركي بول بريمر.

لذلك اتجه علي الزيدي ومعه عدد كبير من «مجايليه» الشبان بعد إكمال دراساتهم الأولية والجامعية إلى عالم المال والأعمال.

الدولة «مدينة» له!

ونجح الزيدي في عالم المال والاقتصاد والتجارة أيّما نجاح؛ إذ غدا، بمساعدة عائلته، من كبار الأثرياء في البلاد، وهذا إلى الحد الذي وجد معه أن الدولة التي يحتلّ المنصب التنفيذي الأول فيها - أي منصب «رئيس مجلس الوزراء» - مدينة له شخصياً بنحو ملياري دولار أميركي.

مع ذلك، حرص الزيدي على إكمال تحصيله الدراسي، فحصل على درجة الماجستير في تخصّص المالية والمصرفية، في أعقاب إنهائه المرحلة الجامعية الأولى بحصوله على درجتي بكالوريوس في المجال ذاته، إلى جانب الإجازة في القانون. ومنذ ذلك الحين عرف علي الزيدي بخبرته المهنية التي شملت تدرّجه في عدد من المناصب الإدارية والقيادية، منها تولّيه رئاسة مجالس إدارة كلٍّ من «الشركة الوطنية القابضة»، و«جامعة الشعب»، و«معهد عشتار الطبي»، إضافة إلى «مصرف الجنوب».

الزيدي... الشاب الذي اقتحم الحلبة

لقد وقف نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق وأحد أبناء «الجيل الأول» من السياسيين العراقيين في حقبة ما بعد 2003، وهو ينظر إلى علي الزيدي، الذي لم يكن عام 2003 - وهي حقبة ما بعد سقوط صدام حسين ونظامه - قد بلغ سن الرشد السياسي بعد.

بيد أنه اليوم، وبحضور المالكي ومن معه من قيادات الصف الأول، يقف مكلّفاً بتشكيل حكومة عراقية هي التاسعة بعد التغيير عام 2003، بموجب مرسوم جمهوري من رئيس الجمهورية نزار آميدي.

في هذا السياق، الجميع يعرف أن إسقاط صدام حسين ما كان ليحصل لولا الولايات المتحدة الأميركية، التي - مع هذا - لم يستمر «شهر عسلها» مع القوى السياسية التي سلمتها واشنطن السلطة على طبق من فضة بعد مقتل أكثر من 5000 آلاف جندي أميركي وإنفاق عدة تريليونات من الدولارات. ذلك أن هذه القوى سرعان ما قلبت ظهر المِجَنّ لواشنطن، وبدأت عملية تداول «سلمي» وغريب للسلطة... تُدار عبر انتخابات يقتصر الاعتراف بنتائجها على تقاسم الوزارات، بينما يجري توزيع باقي المناصب طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية.

وللعلم، طوال العقدين الماضيين من الزمن، بدت الكفة الإيرانية التي تؤيد الطبقة السياسية الشيعية التقليدية هي الأكثر أرجحية مقابل «هزيمة» للأميركيين!

بطبيعة الحال، هذه المعادلة لم ترض الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب، الذي رفض ترشيح قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية لنوري المالكي، الذي سبق له أن ترأس الحكومة العراقية لدورتين، بينما لم ينجح في نيل الثالثة بسبب «فيتو» المرجعية آنذاك، ثم واجه هذه المرة «فيتو» ترمب.

دور «فيتو» ترمب في ترئيس الزيدي

ترمب، فرض «الفيتو» أخيراً؛ لأنه أعرب دائماً عن ضيقه من الخسائر الأميركية التي ترتّبت على إسقاط صدام، وأيضاً غضبه من إحجام القيادات السياسية العراقية - لا سيما الشيعية منها - عن تقديم الشكر لواشنطن على ما يعدّه ترمب «عملاً كبيراً» قامت به القوات المسلحة، وكذلك المؤسسات السياسية في الولايات المتحدة، لصالحها.

وبالتالي، فإنه بعد «الفيتو» على تولي المالكي رئاسة الحكومة، عجزت القوى السياسية الشيعية عن الإتيان ببديل من داخلها، الأمر الذي مهّد الطريق أمام ما بات يسمى في العراق بـ«الإزاحة الجيلية»، الذي تقدَّمه هذه المرة رجل المال والأعمال علي الزيدي، الذي بات يحظى بقبول أميركي واسع النطاق، بينما تحاول إيران مُرغمة على الترحيب به.

وفي الحقيقة، الزيدي ليس فقط من خارج توليفة «الجيل الأول»، الذي يضم إلى جانب المالكي أشخاصاً كإياد علاوي، وإبراهيم الجعفري، وحيدر العبادي، وعادل عبد المهدي. بل، هو أيضاً ليس حتى من «الجيل» الذي تلاهم، ومنه مصطفى الكاظمي ومحمد شياع السوداني. إلا أنه يصطف مع الجيل الأول الذي تعامل مع مُرسي النظام السياسي الحالي؛ أي الحاكم الأميركي بول بريمر.

أكبر من إزاحة جيلية

مهما يكن من أمر، اقتحم علي الزيدي الحلبة متسلّحاً برؤية اقتصادية ومالية هي أهم ما يحتاج إليه العراق الآن، ولا سيما في أعقاب فشل ما يمكن تسميته تجاوزاً «جيل التأسيس» في بناء دولة قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والمالية والتنموية.

إذ إن العراق لم يتمكن بعد من الخروج من «عنق زجاجة» المماحكات السياسية التي أثقلته بالمديونية، وبملايين الموظفين الذين يعتمدون على مبيعات النفط فقط. مع ذلك، فإن الزيدي، الذي اقتحم الحلبة بصورة مفاجئة، لا يبدو «طارئاً» على الجسم السياسي، وبالأخص بعد كل المباركات الداخلية والإقليمية والدولية التي حصل عليها.

ولا يبدو هذا التبادل للسلطة قسرياً من الظاهر، بل كل شيء جرى أمام كاميرات التلفزيون وسط تبادل للابتسامات والنظرات، وربما الحسرات المُضمرة، التي لم تكشف عنها «فلاشات» التصوير التي تطايرت أضواؤها في تلك اللحظة عند أول انتقال سلمي للسلطة، وهي التي لم يتداولها منذ عقدين ونيف من الزمن سوى مؤسسي الآيديولوجيات الحزبية... ببُعديها السياسي القومي والديني.

كسر القواعد والسياقات

بلا شك، هناك من يرى أن ما حصل تحوّل كبير كسر كل القواعد والسياقات، بل أيضاً القوالب التي بدت صامدة وصلدة ومحمية، طوال 23 سنة من عمر هذا النظام السياسي.

وطبقاً للنتائج والمعطيات، فإن ما حصل لانتقال السلطة، وبهذه الطريقة من صراع بين كبار آيديولوجيّي ومؤدلجي هذه السلطة بزعاماتها التاريخية والجغرافية والطبقية والمناطقية، بدا مفاجئاً. لكنه جاء أيضاً سلساً إلى جيل الأبناء، وإن كان هذه المرة من خارج «النموذج» السياسي.

ليس هذا فقط. بل هناك ما هو لافت أكثر؛ فمن المعروف أن واشنطن هي التي جاءت بـ«الجيل الأول» - أو «جيل الآباء» - من الطبقة السياسية التي أخفقت في تأسيس نظام خارج «المحاصصة» وتوزيع المغانم. ولكن الرئيس ترمب، الذي لديه ملاحظات على طريقة «تحرير» العراق أيام كانت مفردة «التحرير» تحتل كل القواميس، أو «احتلال» العراق التي باتت هي المفردة الأكثر تداولاً فيما بعد، يرى أن التغيير الحالي من «جيل الآباء إلى جيل الأبناء إنما تحقق بمساعدته أيضاً».

ماذا يعني هذا؟ إنه يعني أكبر من مجرد «إزاحة جيلية»، بل يثبت أن واشنطن... هي اللاعب الأساسي في تقرير من يحكم العراق. أنها، كما جاءت بـ«الجيل الأول» ها هي نفسها تأتي بـ«جيل الأبناء»، وهذه المرة خروجاً من خارج دهاليز السياسة... إلى قلب مصالح المال والأعمال.


الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
TT

الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)

لم يتأخر الرد الإيراني على ما صدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية المقبلة. وللعلم، من المقرر أن ينال الزيدي، هذا الأسبوع، تأكيدات راسخة من البرلمان العراقي حيال ترؤس الحكومة العراقية التاسعة بعد عام 2003.

هذا، وفي حين أقرّت الولايات المتحدة، ومعها حليفتها بريطانيا، بعد مرور أقل من شهر على غزو العراق واحتلاله يوم 9 أبريل (نيسان) 2003، بأنهما «قوتا احتلال» وفق القانون الدولي، تغير الحال؛ إذ بعد ذلك، فرغت إيران من ترتيب أوراقها في العراق، وأحكمت سيطرتها على جميع مفاصل السلطة عن طريق قوى المعارضة - الشيعية، بالذات - التي تسلّمت السلطة. وسرعان ما بات يطلق على الوجود الأميركي في العراق مسمى «احتلال» يتطلب المقاومة لإخراجه.

في ضوء ذلك، تشكلت «قوى السلاح»، التي لا تزال ترفع شعار المقاومة رغم تغير الحكومات وخروج القوات الأميركية من العراق عام 2011، ثم عودتها إلى عام 2014 بطلب من الحكومة العراقية بعد احتلال تنظيم «داعش» ثلث الأراضي العراقية.

وعلى الرغم من استمرار الجدل والخلاف بين واشنطن وطهران في شأن العراق، وانقسام القوى السياسية العراقية بين مؤيد بالكامل لإيران، وهي «قوى السلاح» وعدد كبير من القوى الشيعية، فإن الكرد والسنّة ما زالوا في مرحلة انعدام الوزن نتيجة عجزهم عن الموازنة في العلاقة بين واشنطن وطهران مرة، وبغداد مرة ثالثة، حتى اليوم.

ولكن الواضح أنه بدأت ملامح علاقة جديدة تترسم في الأفق على صعيد العلاقة بين واشنطن وطهران بعد حربي «الـ12 يوماً» عام 2025 والحرب الراهنة مع الوقف الهشّ لإطلاق النار. فللمرة الأولى تلوح في الأفق ملامح «حالة جديدة» تتشكل داخل العراق... جوهرها تراجع النفوذ الإيراني لصالح واشنطن في عهد دونالد ترمب.

ترمب (آ ب)

ويتمثل هذا من ناحية في رجحان كفة الحرب الراهنة لصالح واشنطن على أذرع طهران في المنطقة - ومنها «قوى السلاح» في العراق - التي بدأت تتلقى ضربات عنيفة، ومن ناحية ثانية في عجز القوى الشيعية القريبة من طهران من تشكيل حكومة عراقية على هواها أو هوى العاصمة الإيرانية... وبخاصة بعد «الفيتو» الذي فرضه الرئيس الأميركي على نوري المالكي لتشكيل الحكومة.

بالتالي، في حين بدا وصول شاب في الأربعينات من عمره، أي الزيدي، إلى منصب رئيس الوزراء - أهم منصب تنفيذي في العراق، وهو الذي احتكرته منذ عام 2003 وإلى اليوم القيادات الشيعية - أمراً مفاجئاً، فإن الأمور لا تزال قليلة الوضوح. فالزيدي، وفق مراقبين، في حالة من انعدام الوزن تتمثل بكون تكليفه «فرصة» له للنجاح بسبب خلفيته الاقتصادية، وبكون التكليف «تحدّياً» تؤكّده الرسائل الموجّهة إليه من الرئيس ترمب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

طهران، كما يبدو، اختارت خوض «معركة دبلوماسية» مع واشنطن عبر بغداد برسائل «شديدة الانفجار»، بعدما كشفت الرئاسة الإيرانية عن مضمون المكالمة الهاتفية التي أجراها بزشكيان مع الزيدي بعد نحو أسبوعين على ترشيحه. وبينما سارع ترمب إلى تهنئة الزيدي بعد أيام قليلة على تكليفه، فإن بزشكيان لم يكتف بتهنئة الزيدي، بل كتب في تدوينة على منصة «إكس» عبارة «نحن المسلمين قد خضعنا سابقاً؛ خضعنا للقدير المتعال، ولا أحد غيره يستطيع أن يُخضعنا». وأضاف في حديث هاتفي مع الزيدي، «شددتُ على ضرورة نصح المسؤولين الأميركيين بسحب التهديد العسكري من منطقتنا؛ لأنه لا يمكن إخضاع أتباع المذهب الشيعي».