روبرت كنيدي يراهن على اسم عائلته «السحري» ومؤيدي نظرية مؤامرة «الدولة العميقة»

المنافس الرئيسي لبايدن على نيل ترشيح الحزب الديمقراطي

روبرت كنيدي يراهن على اسم عائلته «السحري» ومؤيدي نظرية مؤامرة «الدولة العميقة»
TT

روبرت كنيدي يراهن على اسم عائلته «السحري» ومؤيدي نظرية مؤامرة «الدولة العميقة»

روبرت كنيدي يراهن على اسم عائلته «السحري» ومؤيدي نظرية مؤامرة «الدولة العميقة»

رغم أن القانون الأميركي لا يمنع أي شخصية من الترشح ضد رئيس هو عملياً زعيم الحزب الذي يحتل المكتب البيضاوي، ويسعى للتجديد لولاية ثانية، لم يحدث أن هذا الترشح أدى إلى تغيير في النتيجة. ذلك أن كل الرؤساء الأميركيين، من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، نجحوا عملياً في الحصول على ترشيح حزبهم في الانتخابات التمهيدية، التي عادة ما تكون حامية لدى الطرف المعارض، رغم «تمرد» البعض وإصرارهم على تحدي «الرئيس». بيد أن فشل بعضهم في الحصول على فترة ولاية ثانية غالبا ما كان سببه خسارتهم الانتخابات العامة أمام خصمهم من الحزب المعارض.

مع استطلاعات الرأي الجارية في الولايات المتحدة تظهر أن 38 في المائة فقط من الديمقراطيين يؤيدون ترشيح الرئيس جو بايدن (80 سنة) لفترة ثانية، بدا أن حظوظ روبرت كنيدي (جونيور) «الابن» (69 سنة)، المرشح الديمقراطي «المتمرد»، الذي يبني حملته الانتخابية على «نظرية المؤامرة» القائمة على فكرة «أن الأشخاص الأقوياء يعملون في الخفاء لخداعك»، قد تكون أقرب لكسر تلك القاعدة... وهذا ما لم يتقدم مرشح آخر مدعوم من «مؤسسة» الحزب.

إذ أظهر استطلاع حديث أجرته شبكة «سي إن إن»، أن 20 في المائة من الناخبين الديمقراطيين يؤيدون كنيدي كمرشح رئاسي، وأن 44 في المائة إضافية سيفكرون في دعمه. ومن المجموعة الثانية، قال 1 من كل 5 إن اسم كنيدي والعلاقات الأسرية كانت الأسباب الرئيسية لاعتبارهم. وهذا يضعه عملياً في المرتبة الثانية في السباق التمهيدي الديمقراطي، بموازاة حاكم فلوريدا رون دي سانتيس في التصويت التمهيدي للحزب الجمهوري، رغم التغطية الضئيلة التي يحظى بها من وسائل الإعلام، وقلة الإعلانات المدفوعة.

سيرة ذاتية

ولد روبرت فرنسيس كنيدي في مستشفى جامعة جورج تاون في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 17 يناير (كانون الثاني) 1954. وهو الثالث من بين 11 مولوداً للسيناتور والمدعي العام (وزير العدل) روبرت كنيدي وزوجته إثيل، كما أنه ابن شقيق الرئيس جون كنيدي والسيناتور الراحل إدوارد «تيد» كنيدي.

نشأ كنيدي «الابن» في منازل عائلته في مدينة ماكلين، إحدى ضواحي واشنطن الراقية بولاية فيرجينيا، حيث يقيم معظم مسؤولي الدولة وأصحاب الشركات، وأيضاً في منتجع العائلة الريفي بشبه جزيرة كيب كود في ولاية ماساتشوستس.

كان عمره تسع سنوات عندما اغتيل عمه الرئيس جون كنيدي، عام 1963، و14 سنة عندما اغتيل والده في ولاية كاليفورنيا أثناء حملة ترشحه للرئاسة عن الحزب الديمقراطي عام 1968. وبعد مقتل والده، عاش في كمبريدج بضواحي بوسطن عاصمة ولاية ماساتشوستس في بيت أسرة راعية، وكان ذا شخصية مشاغبة ومتمردة.

تخرّج في مدرسة بلفري ستريت النهارية في ووترتاون في الولاية. وكان قبل انضمامه إلى تلك المدرسة قد طُرد من مدرستين داخليتين خاصتين راقيتين في ولاية نيويورك وولاية كونيتيكت لتعاطيه المخدرات.

وفي أغسطس (آب) 1970، قبض عليه مع بوبي شرايفر، ابن عمته، لحيازة الماريغوانا، ووضعا تحت المراقبة لمدة 13 شهرا. وعام 1982، قبض عليه مرة ثانية بتهمة حيازة الهيرويين. وعندما سئل عن الكيفية التي يجب أن يفسّر بها الناخبون ملفه الرئاسي غير المعتاد، أجاب كنيدي «إذا اعتقد شخص ما أن إدماني الهيرويين قبل أربعة عقود يجب أن يستبعدني من البيت الأبيض، يحق له ذلك. أنا لا أحسد أحداً».

بعدها التحق كنيدي - مثل أعمامه - بجامعة هارفارد، وتخرّج عام 1976 بدرجة بكالوريوس الآداب في التاريخ والأدب الأميركي. ودرس لاحقاً في مدرسة لندن للاقتصاد قبل أن يحصل على الإجازة في القانون من كلية الحقوق بجامعة فيرجينيا، والماجستير في القانون من جامعة بايس بنيويورك.

بدأ حياته المهنية كمساعد للمدعي العام في مدينة نيويورك. وكان محامياً وحقوقياً بيئياً ناجحاً، أسس ودافع عن جمعيات بيئية، قبل أن يوجه انتباهه في أوائل العقد الأول من القرن 21 إلى «انتهاكات» ثقة الجمهور التي كان يعتقد أنها موجودة في تنظيم صناعة الأدوية واللقاحات. وهو يعيش الآن في كاليفورنيا مع زوجته الثالثة الممثلة شيريل هاينز ولديه 6 أولاد. ومن مؤلفاته كتاب نشر عام 2005، زعم فيه أن الزئبق في اللقاحات قد يسبب في زيادة الاضطرابات العصبية مثل التوحّد. ولقد جرى سحبه في وقت لاحق من ناشريه بعد تصحيحات متعددة.

الاقتراب من السياسة

سياسياً، دار نقاش في الصحافة الأميركية عن أن إدارة الرئيس باراك أوباما الأولى ربما كانت تعتبره مرشحاً لمنصب مدير «وكالة حماية البيئة»، لكن تصريحاته المثيرة للجدل واعتقاله بتهمة حيازة الهيرويين في الثمانينيات استبعدا احتمالات حصوله على التثبيت اللازم لتعيينه من مجلس الشيوخ. ومن ثم، منذ ظهور جائحة «كوفيد - 19»، برز كنيدي كمؤيد ومروّج رائد للمعلومات المضللة عن اللقاح المضاد داخل الولايات المتحدة. وألّف عامي 2021 كتاباً عن «أنتوني فاوتشي الحقيقي»، الطبيب البارز الذي قاد جهود التصدي للجائحة، وكتاباً آخر عام 2022 بعنوان «رسالة إلى الليبراليين».

وفي الواقع، دأب كنيدي «الابن» على استخدام خطاب «نظرية المؤامرة» من أجل تبرير شكوكه وترويجها بشأن جائحة «كوفيد - 19». وهو يعتبر أن التآمر المزعوم يخدم مصالح المليارديرات، وأنه أدى إلى انتقال 4.4 تريليون دولار من ثروة الطبقة الوسطى الأميركية إلى «هذه الأوليغارشية الجديدة التي أنشأناها، من 500 ملياردير جديد بسبب الإغلاق، والمليارديرات الذين قمنا بالفعل بزيادة ثرواتهم بنسبة 30 في المائة».

في المقابل، يرى البعض أن مواقف كنيدي الحادة من قضايا البيئة، وشعاراته المدافعة عن الطبقات الفقيرة وتعاطفه مع الطبقة الوسطى، فضلا عن اسم عائلته «السحري»، عوامل ربما أسهمت بالفعل في ارتفاع أرقام مؤيديه. وكمثال، انتقد الضرر البيئي لتدريبات الجيش الأميركي في الجزر التابعة للولايات المتحدة، وخاض معارك قانونية وعلاقات عامة ضد التلوث الذي تسببه مصانع المزارع طيلة ما يقرب من 20 سنة.

وأيضاً، دافع عن التحول العالمي بعيدا عن الوقود الأحفوري نحو الطاقة المتجددة. وانتقد بشكل خاص صناعة النفط، ورفع إحدى أولى القضايا البيئية ضد شركة «موبيل أويل» بتهمة تلويث نهر الهدسون. وتحت قيادته، أطلق عام 2001 حملة للتخلص من إنتاج الفحم الحجري، ورفعت العشرات من الدعاوى القضائية التي تستهدف ممارسات التعدين، وعارض الطاقة النووية التقليدية، بحجة أنها غير آمنة وعاجزة عن المنافسة اقتصادياً.

رهان خاطئ أم خدعة؟

لكن من أين بالضبط أتى التأييد لكنيدي «الابن»؟ وهل يُمكن الرهان على نجاحه، الذي قد يكون إشكالياً، مثلما يمكن أن يكون ترشحه خادعاً في هذه المرحلة المبكرة من السباق الرئاسي؟

حسب «المتابعة» الضئيلة نفسها لنشاطات الرجل، يُعزى الاهتمام به أساساً إلى نسبه كفرد من عائلة كنيدي، إحدى أشهر العائلات السياسية الأميركية. وكما سبقت الإشارة، والده السيناتور ووزير العدل روبرت كنيدي، الذي اغتيل عام 1968، حين كان مرشحا رئاسياً، وأحد أعمامه الرئيس الأسبق جون كنيدي، الذي اغتيل أيضاً عام 1963. وعمه الأصغر السيناتور اللامع الراحل إدوارد كنيدي.

كل هذا الإرث قد يكون كافياً - عند كثيرين - لجعل بعض الديمقراطيين يلقون نظرة جدية على حملته الرئاسية. ولكن هؤلاء سرعان ما سيجدونه ناشطاً مضاداً للقاحات، كما أنه غالباً ما يبدو مثل جمهوريي «ماغا» (لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى) المتطرفين اليمينيين... وفق بعض الكتابات عنه.

ما يستحق الذكر هنا أنه ترويجاً لفكرته عن «خداع الأقوياء»، بدأ كنيدي «الابن» خطاباً حديثاً له بالتكلم عن «كذب» إدارة الرئيس الأسبق دوايت أيزنهاور، عام 1960، عندما أسقط السوفيات طائرة تجسّس أميركية ادّعيَ أنها كانت طائرة متخصصة بأبحاث الطقس. ثم أضاف العديد من الروايات عن هذا «الخداع»، بعضه مثبت، مثل الكشف العرضي عن مخططات فعلية ألحقت ضرراً واضحاً، كما هو الحال في فضائح بعض رجال الدين من الكنيسة الكاثوليكية، أو صناعة التبغ، أو أجهزة الاستخبارات، في حين دحض بعضه الآخر، وظل الكثير مجرد تخمينات من قبله.

أقرب إلى جمهوريي «ماغا»

مع هذا، لا أحد يعرف حتى الآن كيف سيكون رد فعل الناخب الأميركي أو الحزب الديمقراطي عندما يتكشف المزيد عن سياسات كنيدي «غير التقليدية».

مثلاً، لم يضع الرجل حتى الآن استراتيجية لقضية الهجرة، وهو «غير متأكد» مما إذا كان ينبغي حظر جراحات المتحوّلين جنسيا للشباب، رغم أنه يعارض تنافس النساء المتحولات في الرياضة النسائية. ثم يقول إنه يدعم حقوق الإجهاض ولن يقطع الضمان الاجتماعي أو برنامج الرعاية الصحية الحكومي «ميديكيد»، لكنه يرفض القول ما إذا كان سيؤيد حظر الأسلحة الهجومية، لأن «السيطرة على الأسلحة يجب أن تتحقق من خلال الإجماع».

وعلى صعيد السياسة الدولية، أدان كنيدي غزو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لأوكرانيا، إلا أنه يلوم واشنطن على إثارة الحرب من خلال دعمها الانتفاضة الشعبية فيها عام 2014. بل، ووصف الحرب بأنها «إعداد من قبل المحافظين الجدد ووكالة المخابرات المركزية».

ومثل ترمب، قال كنيدي إنه سيتفاوض بسرعة على السلام إذا ما انتُخِب رئيساً. وبدا أيضاً أكثر انسجاماً مع سياسات «ماغا» الجمهورية اليمينية المتطرفة منه مع سياسات الحزب الديمقراطي، في أنه لا يزال يؤمن بأن المرشح الديمقراطي - آنذاك - جون كيري، فاز في انتخابات عام 2004 الرئاسية التي أعيد فيها انتخاب الرئيس الجمهوري جورج بوش «الابن». وهو في هذا يستند غالباً إلى تحليل «فضفاض» لاستطلاعات الرأي، وماكينات الاقتراع، وعدّ الأصوات في الدوائر الانتخابية. وهذا الأمر يذكّر بنوع الادعاءات نفسها التي أدلى ويدلي بها ترمب وأنصاره حول «سرقة» انتخابات 2020. أما عن صحة انتخاب الرئيس الحالي بايدن، فهو يقول إنه لا يعرف ما إذا فاز بايدن... «لكنني أعتقد أنه فاز».

هل يساعد ترشحه ترمب؟

كنيدي يرفض المخاوف التي يعبر عنها ديمقراطيون من أن ترشحه يمكن أن يساعد ترمب أو يؤدي إلى فوز أي جمهوري آخر، وهذا بينما يعلن أنه لن يدعم بايدن - الذي يعتبره «صديقاً»، وذلك بسبب مقاربته لحرب أوكرانيا.

وفي هذه النقطة، يقر كنيدي بأن بعض أفراد عائلته، ومنهم عدد من الأعضاء الذين يخدمون في إدارة بايدن، غير موافقين على ترشحه وغير مؤيدين لآرائه. وحقاً، كتب إخوة كنيدي، تحديداً كاثلين كنيدي تاونسند وجوزيف كنيدي، وابنة أخته ماييف كنيدي ماكين، مقالة رأي عام 2019، حذّروا فيها من «معلوماته الخاطئة والخطيرة» التي تعرّض الصحة العامة والأطفال للخطر. وحتى زوجته، الممثلة شيريل هاينز، نأت بنفسها عن آرائه، عندما قال إن اليهود كانوا يتمتعون بحريات أكبر في عهد هتلر مقارنة بالأميركيين الذين لم يتلقوا اللقاح المضاد لـ«كوفيد - 19».

بيد أن إطلالاته الإعلامية مع المحطات والمواقع اليمينية، تبقى التصرفات الأكثر إثارة لمخاوف المؤسسة الحزبية الديمقراطية. إذ إنه ظهر مع محطة «فوكس نيوز» التي عاملته على أنه «منافس جاد» لبايدن. وظهر مع مجموعة من المتحدثين اليمينيين في برامج بودكاست، شملت الكاتب المحافظ مات والش، الذي يصف نفسه بأنه «ثيوقراطي فاشي»، والناشطة اليمينية السوداء كانديس أوينز، الداعية إلى مساعدة السود على «الهروب من المزرعة الديمقراطية»، وتشارلي كيرك، وهو مؤسس مجموعة يمينية تدعى «نقطة تحول لأميركا». وكان الموضوع المشترك لهؤلاء المتحدثين اليمينيين اقتناعهم بأن المؤسسات الإخبارية الكبرى لم تعد تقدم صوراً دقيقة لما يحدث، وهو ما يلتقي مع اتهامات كنيدي السابقة لوكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) «تواصل التأثير على التغطية الإخبارية السياسية المحلية».

ورغم ذلك، وفق مجموعة «القيم الأميركية 2024» المستقلة التي تدعم حملته، فقد جمع بالفعل 5.7 مليون دولار، منذ ترشحه نهاية أبريل (نيسان) وحتى بداية هذا الشهر.

بعض ما في جعبة كنيدي «الابن» من «نظريات المؤامرة»

دونالد ترمب

دونالد ترمب

تاريخ روبرت كنيدي «الابن» مع «نظريات المؤامرة» حافلٌ في الواقع، وهو يسبق ادعاءاته الأخيرة، عن اللقاحات، إذ جادل طويلاً أن اللقاحات المنقذة للحياة تشكل تهديداً، وأن لقاحات الأطفال تسبّب التوحّد، وهذا قبل أن يبدأ معركته ضد لقاحات «كوفيد - 19» المضرة. إذ إنه زعم عندما استضافه جو روغان، مقدم البرامج اليميني على بودكاست هذا الشهر «سيقول الجميع لا توجد دراسة تظهر أن التوحّد واللقاحات مرتبطان. هذا مجرد جنون. هؤلاء هم الأشخاص الذين لا ينظرون إلى العلم. إنه جزء من الدين». في عام 2019، جادل كنيدي بأن «تمريناً» يحاكي جائحة وهمية «أرشِف» على موقع «يوتيوب»، و«كشف خطة سرّية» قال إنها تضم خبراء تجسس أميركيين «لإثراء شركات الأدوية وقمع حرية التعبير». ولاحقاً، إبّان جائحة «كوفيد - 19» قلب نتائج بيانات سريرية من تجربة لقاح ضد الفيروس لم تكن مصممة لقياس معدل الوفيات، ما أشار بشكل خاطئ إلى أن اللقاحات قتلت أشخاصاً أكثر مما أنقذتهم، متجاهلاً أن اللقاح منع تفشي الوباء وأنقذ الأرواح. وأمام حشد من المؤيدين الديمقراطيين المتشككين سياسياً - كما لدى الجمهوريين - من مؤيدي نظرية المؤامرة، قال «لقد كذبتنا الحكومة ووسائل الإعلام... وهكذا كان كل شيء محيّراً، لأنهم يبقوننا عمداَ في حيرة من أمرنا». وفي مجال السياسة، كنيدي مقتنع بأن خطابه يمكن أن يعيد تشكيل الحزب الديمقراطي، ويفي بالطموحات التي «سُرقت» من والده وعمه (الرئيس جون كنيدي)، الذي لا يزال يؤمن بأنهما اغتيلا على أيدي وكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه)، الأمر الذي تنفيه الحكومة الأميركية بشدة. وعندما سأله روغان عما إذا كان هو أيضاً يمكن أن يكون هدفا للوكالة، قال كنيدي، «عليّ أن أكون حذراً. أنا أعلم ذلك، ومدرك لهذا الخطر»، وأردف «لذا آخذ الاحتياطات». في مقابلة صحافية أجريت مع كنيدي أخيراً، قال «أنا لم أستطع الترشح إلا في هذه الانتخابات، ولقد قمت بالفعل بدمج الخداع ومنهجه بطرق تتجاوز تجربة بلدنا... الناس يريدون الحقيقة». وبينما يعتقد أن حملته تهدف إلى إعادة احتضان «روح حملات عائلته» في عامي 1960 لجون كنيدي و1968 لوالده روبرت، التي وحّدت أنصار الطبقة العاملة البيض - القوة الشعبية الكبيرة للرئيس السابق دونالد ترمب - مع تحالف الديمقراطيين السود واللاتينيين، فهو يجادل بأن الاقتراع الوطني لا يأخذ في الحساب التحولات التي يمكن أن يحققها التصويت في انتخابات تمهيدية ديمقراطية مفتوحة. وحقاً، يرى البعض أن ترشح كنيدي يأتي في لحظة تحوّل زلزالي في السياسة الأميركية، وهو في وضع فريد ليكون قادرا «على إعادة مؤشر الحوار الوطني إلى المركز». فالأسلوب «التآمري» للسياسة والفكرة التي يدفع بها وتقوم على أن «الأقوياء» يشكلون الأحداث سرا بأهداف خبيثة، باتت تهيمن على الرأي العام الأميركي عموماً. وخلال العقود الأخيرة، وثّق مركز «غالوب» ثقة منخفضة قياسية في مؤسسات مثل الكونغرس، والشركات والصحف والإعلام ونظام العدالة والقضاء. ثم إن «المؤامرات» الجديدة، ترفد الآيديولوجيات السائدة، مثل تحميل دونالد ترمب «الدولة العميقة» المسؤولية عن مشاكله، في حين يتهم السيناتور اليساري المستقل بيرني ساندرز «فاحشي الغنى» مسؤولية فشله الرئاسي، ويعتبر دي سانتيس أن «نخبة مؤسسية وتنظيمية وأكاديمية وإعلامية» تنشر خلسة «فيروس استيقاظ العقل»(ثقافة الـWOKE) من أجل الترويج للفكر التحرّري.

 

بيرني ساندرز

بيرني ساندرز

من جهة أخرى، يرشح كنيدي نفسه، كأحد أشهر الأحفاد الأحياء للعائلة السياسية العريقة، باعتباره كان منبوذاً لعقود بسبب مناهضة ما يراه جهداً منسّقاً لإبعاده عن الساحة العامة، إثر تعليقاته وكتاباته المبكّرة عن اللقاحات، وانتقاداته لدور المؤسسات الحكومية وأجهزة الاستخبارات وأسرارها. وضمن سياق ترديده آراءه حول اللقاحات، جادل بأن فيروس «كوفيد - 19» نشأ في مختبر تموّله الولايات المتحدة في الصين، بسبب قانون «باتريوت» الذي صدر عام 2001، والذي ادعى بعد ذلك أنه جرى تمريره فقط بعد تعرض اثنين من أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين الرافضين، باتريك ليهي وتوم داشل، للتهديد. وهو ما نفته كل التحقيقات والأدلة اللاحقة، وكذلك شهادات السيناتورين نفسهما. كنيدي زعم أيضاً أن شركات التكنولوجيا العملاقة مثل أمازون أيّدت عمليات الإغلاق وحدّت من الآراء المعارضة «لأنها ستستفيد من العزلة»، واتهم وسائل إعلام ومؤسسات إخبارية بالتحالف مع تلك الشركات، في انتهاك لقوانين مكافحة الاحتكار، بحجة «مكافحة المعلومات المضللة». وعلى الأثر، عام 2021 أغلق حسابه على تطبيق «إنستغرام»، بسبب ما وصفته الشركة بـ«المزاعم الكاذبة حول فيروس كوفيد أو اللقاحات»؛ (أعاد الموقع حسابه بداية هذا الشهر، بعد ترشحه للرئاسة). وطلبت السيناتورة الديمقراطية، إليزابيث وارين، من أمازون التوقف عن الترويج لكتبه، ووصفته الناطقة باسم البيت الأبيض بأنه عضو في «دزينة المعلومات المضللة» بسبب آرائه حول «كوفيد».

 

إليزابيث وارين

إليزابيث وارين

مع هذا، مقاربته العنيدة لـ«نظرية المؤامرة» لا تتوقف عند هذا الحد. إذ شن لفترة من الوقت حملة ضد تكنولوجيا الإنترنت «جي5»، مدعياً أنها تلحق ضرراً بالحمض النووي البشري، وبأنها «أداة سرية للمراقبة الجماعية». ومن ثم، اتهم بيل غيتس، أحد مؤسسي شركة «مايكروسوفت» بالعمل على تطوير «شريحة قابلة للحقن» تسمح، مرة أخرى، بمراقبة جماعية!


مقالات ذات صلة

استعدادات للانتخابات البرلمانية في الحسكة السورية

المشرق العربي اجتماع اللجنة العليا في محافظة الحسكة والفريق الرئاسي (فيسبوك)

استعدادات للانتخابات البرلمانية في الحسكة السورية

بدأت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب السوري الخطوات العملية لإجراء الانتخابات في محافظة الحسكة، شمال شرقي سوريا.

سعاد جروس (دمشق)
شمال افريقيا رئيس سلطة الانتخابات مع وزير الشباب ومستشارين بالرئاسة في لقاء مع كوادر من هيئة الانتخابات (السلطة)

«عراقيل» الترشح للانتخابات الجزائرية تفجر جدلاً سياسياً حادّاً

يحتدم جدل كبير في الجزائر حالياً بين هيئة تنظيم الانتخابات وأحزاب المعارضة، بخصوص «تأخر» المصادقة على الترشيحات الخاصة بالاستحقاق التشريعي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
المشرق العربي عناصر من «البيشمركة» يتموضعون تحت صورة لمسعود بارزاني في كركوك (أرشيفية - إ.ب.أ)

بارزاني يهاجم «صفقات مشبوهة» شمال العراق

أعلن مسعود بارزاني رئيس «الحزب الديمقراطي الكردستاني» رفضه لمخرجات التوافق السياسي الأخير في محافظة كركوك شمال العراق؛ ما أفضى إلى تغيير منصب المحافظ.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي رئيس الحكومة محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

مناورات تشكيل الحكومة العراقية تدخل مرحلة حاسمة

دخلت القوى السياسية العراقية مرحلة حاسمة في تشكيل الحكومة الجديدة، في وقت قرر فيه "الإطار التنسيقي" تأجيل اجتماع حاسم إلى السبت المقبل.

حمزة مصطفى (بغداد)
شمال افريقيا السكرتير الأول لجبهة القوى الاشتراكية في تجمع دعائي بشرق العاصمة تحسباً للانتخابات التشريعية (إعلام حزبي)

الجزائر: سباق انتخابي تحت ضغط شكوك «النزاهة»

أطلقت الأحزاب الجزائرية حملة مزدوجة تحسباً للانتخابات التشريعية، المقررة في 2 يوليو (تموز) المقبل، تتركز في مسارين.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.