الأسد في سوريا ولبنان... ربع قرن من الاستباحة والتدمير

كانت حكومات لبنان تسقط أو تُصاب بالعرج ويُطعن في تمثيلها (أرشيفية - غيتي)
كانت حكومات لبنان تسقط أو تُصاب بالعرج ويُطعن في تمثيلها (أرشيفية - غيتي)
TT

الأسد في سوريا ولبنان... ربع قرن من الاستباحة والتدمير

كانت حكومات لبنان تسقط أو تُصاب بالعرج ويُطعن في تمثيلها (أرشيفية - غيتي)
كانت حكومات لبنان تسقط أو تُصاب بالعرج ويُطعن في تمثيلها (أرشيفية - غيتي)

مع حلول القرن الحادي والعشرين بدا أنّ الانعطاف في الزمن يحمل انعطافاً في التاريخ. فلنتذكّر العام 2000 الذي منّ علينا ببضعة أحداث يصعب اجتماعها في عام واحد. ففي 10 يونيو (حزيران)، توفّي حافظ الأسد، وبكى كثيرون كما يبكي الضحايا آباء قساة قهروهم وطفّلوهم. لكنّ أكثر منهم قالوا في سرّهم: لأوّل مرّة يصنع الأسد عملاً مفيداً.

وحافظ، الذي كان عمليّاً رئيس البلدين، كان قد أغمض عينيه بعد حدثين شهدهما العام ذاته: ففي مارس (آذار)، كان اجتماعه بالرئيس الأميركيّ بيل كلينتون في جنيف لبحث استئناف التفاوض السوريّ - الإسرائيليّ. هناك قرئ السلام على السلام لأنّ الأسد، وفق عبارته، اختار «الشرف» بديلاً. ومع أنّه كان معروفاً بالجلوس سبع ساعات متواصلة على كرسيّه، فقد تذكّر أنّه كان في شبابه يسبح في بحيرة طبريّا، وأنّ السلام سيكون مرفوضاً ما لم يمنحه كلّ شبر منها.

وفي 25 مايو (أيار)، انسحب الإسرائيليّون من جنوب لبنان التزاماً بالوعد الانتخابيّ الذي قطعه إيهود باراك بالانسحاب من طرف واحد. يومها فُجع أنصار الأسد اللبنانيّون والسوريّون بالانسحاب الذي أحرج إصرارهم على مواصلة حمل السلاح، فسمّوه «مؤامرة الانسحاب». هكذا أخرج أحدهم من قبّعته أرنب «مزارع شبعا» المنسيّة، التي احتلّها الإسرائيليّون في 1967 من سوريّا، فأُرفق الاكتشاف بتجديد صرخة الحرب: إمّا الانسحاب من مزارع شبعا أو فليخرب العالم. لكنْ سريعاً ما هدأت الأعصاب وأُعلن أنّ ذاك الانسحاب يرقى إلى «تحرير» أنجزه «حزب الله» بدعم «سوريّا الأسد».

حافظ الأسد والرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون في جنيف عام 2000 (غيتي)

تدريب بشّار وسياسيّو لبنان

حين توفّي حافظ، روى أحد السوريّين طُرفة عن فلاّح بسيط من درعا توجّه شمالاً نحو دمشق بقصد المشاركة في جنازة الرئيس. لكنّه مع اقترابه من العاصمة، وقعت عيناه على يافطة كُتب عليها: «الأسد خالد لا يموت». هنا، قفل فلاّحنا البسيط عائداً، ظانّاً أنّ الخبر الذي تناهى إليه شائعة فبركها الأعداء الذين يصفهم الإعلام الرسميّ بفبركة الشائعات.

ولم يكن خطأ الفلاّح كاملاً، أو أنّ ذلك ما تبيّن حينما انتقلت السلطة إلى النجل بشّار، فبدا أنّ حافظ خالد حقّاً. فرغم تغييرات حدثت هنا وهناك، ربطها البعض بشباب بشّار ودراسته في لندن واقترانه بفتاة «عصريّة» تعرف العاصمة البريطانيّة كما تعرف كفّها، بقيت النزعة الخرابيّة أقوى ما يتربّع في قصر المهاجرين. هكذا جاز الحديث عن وصيّة حافظ لنجله، ومفادها: فلتَبق الحرائق مشتعلة إلى أن يقضي الله أمراً.

وبشّارُ لم يكن حقل تدريبه إلا لبنان، غرفة نوم النظام السوريّ. ففي 1998، وعلى طريق توريثه الذي بدأ قبل أربعة أعوام مع رحيل أخيه الأكبر باسل، كُلّف بالمسؤوليّة عن الوجود العسكريّ السوريّ في البلد «الشقيق»، حيث بلغ عدد الجنود أربعين ألفاً. وفي سياق تدريبه وثّق النجل علاقته بالسياسيّين اللبنانيّين ممّن كانت أغلبيّتهم الساحقة تطأطئ الرأس أمام أصغر ضابط منتدَب. وهو مثلما استلطف بعضَهم استثقل بعضهم الآخر عملاً بمزاج أرعن طبّقه على آخرين.

وكان أكثر الذين لفحتهم عواطف بشّار، بالإيجابيّ منها والسلبيّ، ثلاثة: حسن نصر الله ورفيق الحريري وإميل لحّود.

فنصر الله، قائد المقاومة، كان مثار إعجابه. فهو، وقد رُسم في 2000 رجل التحرير، مثّل له كلّ ما لا يملكه، هو الذي حصل عبر «توريث جمهوريّ» فريد من نوعه على ما بات يملكه. وإذا كان لوالده الراحل دالّة على نصر الله، وموقع تفاوضيّ قويّ حيال إيران، فاليافع بشّار افتقر إلى الصفتين. ولئن وفّر له «سماحة الأمين العامّ» الشرط الضروريّ لإبقاء النار مشتعلة في كلّ مكان، فقد كان لمقاومته بُعد علاجيّ مخلوط بالسحر على الرئيس غير المجرّب، وذلك بمعنى العلاجيّة التي تراءى للقيصر نقولا وزوجته ألكسندرا أنّ راسبوتين يحملها لابنهما المريض.

«عواطف» الأسد لفحت الحريري ولحود ونصر الله... حباً وبغضاً (أرشيفية - أ.ف.ب)

لكنْ إذا كانت محبّة نصر الله حبّاً لما يستحيل، فمحبّة إميل لحّود كانت حبّاً لما يمكن. فقائد الجيش، الذي أوصلته دمشق إلى رئاسة الجمهوريّة في 1998، كان فيه من العسكريّة ما كان في «الدكتور» بشّار الذي ألبسوه البزّة لأنّ رئاسة سوريّا مكتوبة لعسكريّين. ذاك أنّ لحّود كان قائداً لسلاح البحريّة في الجيش اللبنانيّ، وكان تواضع هذا السلاح، والوقت الضئيل الذي يستدعيه المنصب، يتيح له ساعات طويلة يتشمّس فيها ويدهن جسده بالزيوت في مسبح «الحمّام العسكريّ». ثمّ في 1989 عُيّن لحّود قائداً للجيش، وكان مطلوباً ضابط مارونيّ رفيع الرتبة يقبل الحلول في هذا الموقع بعد تصفية التمرّد الذي قاده القائد السابق ميشال عون. وأغلب الظنّ أنّ سماتٍ شخصيّةً حبّبت بشّار بلحّود أهمّها الضعف المشترك في ربط الكلمات وصياغة العبارات ثمّ تغطية الضعف بقهقهة تُفلت من الفم وتغيب في زحمة اللامعنى في هذا العالم.

بيد أنّ الحريري لم يكن مستساغاً. فالرجل الثريّ الذي يوزّع المال والهدايا بسخاء على ضبّاط سوريّين، مُعوّلاً على مقابل سياسيّ، ليس الثريّ الذي يستهوي بشّار. ذاك أنّ المرغوب من الأثرياء هو مَن يدفع صاغراً، ويكون طموحه الوحيد ألاّ تُصادَر ثروته. أمّا أن يُكتب ويقال إنّ الحريري هو من يبني علاقات سوريّا مع العالم، ومن يقترح على دمشق «النموذج الصينيّ» حيث تبقى السلطة في أيدي أصحابها وتُمنح الحرّيّة للسوق، فهذه كلّها أكلاف باهظة ومهينة ينبغي ألا تُدفع.

وهناك أشياء أخرى أسّست البغضاء للزعيم اللبنانيّ. فقد كان شائعاً أنّ الحريري ينطوي على فائض سنّيّ لا يحتمله الفائض العلويّ في نظام بشّار، وأنّه لا يكتفي بتوحيد الطائفة السنّيّة في لبنان، بل يمدّ نفوذه إلى السنّة السوريّين. ولم يكن أقلّ إثارة للارتياب ما يراه البعض تقاطعاً بين مشروعه السنّيّ ومشروع لبنانيّ لا يزال غامضاً، أو ما ينسبه إليه بعض آخر من رغبة في سلام إقليميّ يكمّل ما بدأه الفلسطينيّون والإسرائيليّون في أوسلو عام 1993. وربّما بدا مستفزّاً لبشّار ما كان يُكثر الحريري من ترداده في وصف نفسه، وهو أنّه «عصاميّ» بنى نفسه بنفسه.

عواصف الخارج وجرائم الداخل

كان لانسحاب الإسرائيليّين من الجنوب أن أسقط حجّة النظام السوريّ في إبقاء جيشه بلبنان، وشجّعت وفاةُ حافظ مَن كان يخاف ويتردّد على الإقدام. أمّا رجل المرحلة فكان البطريرك المارونيّ نصر الله صفير الذي رعى، في سبتمبر (أيلول) 2000، ما عُرف بـ«نداء المطارنة الموارنة» الداعي إلى انسحاب الجيش السوريّ الذي «آن أوانه».

ومضى صفير، بهمّة مصارع شابّ، يوجّه لكماته. ففي ظلّه أُسّس، في أبريل (نيسان) 2001، «لقاء قرنة شهوان» الذي اعتُبر نواةً لما بات معارضة. ولئن جمع اللقاء هذا سياسيّين مسيحيّين، فإنّه مدّ جسوراً، منظورة وخفيّة، مع الحريري ووليد جنبلاط المصابين بـ«الاستياء» من بشّار ومن عامله في لبنان إميل لحّود. وفي صيف العام، وبالشراكة مع جنبلاط، أشرف البطريرك على «مصالحة الجبل» بين المسيحيّين والدروز. والأخيرة اكتسبت أهميّتها من أنّ الجبل المسيحيّ - الدرزيّ عمود الوطنيّة اللبنانيّة الفقريّ. وفي موازاة تحرّك رجال الدين والسياسيّين المسيحيّين، اهتزّ المجتمع المسيحيّ، في 7 أغسطس (آب)، عبر تظاهرات طلاّبيّة أعلنها قواتيّون، قائدهم سجين، وعونيّون، قائدهم منفيّ. وبدون مذكّرات توقيف أو مبرّر قانونيّ، زُجّ في المعتقلات مئات المتظاهرين الشبّان المطالبين بحرّيّة التعبير وخروج القوّات السوريّة.

لكنّ الجوار الإقليميّ كان يضجّ بأحداث أكبر. ففي 2003 غزا الأميركيّون العراق، وبعد عام وجد الكرد السوريّون في القامشلي/قامشلو ما يشجّعهم على الانتفاض فانتفضوا. وفيما راح الأسد يردّ على تلك الزلازل بشحن الإرهابيّين إلى العراق، حيث يزرعون عبوات الموت، مضت واشنطن تلوّح له بالعصا الغليظة فواجهها بعبوة سياسيّة فُجّرت في بيروت. فقد تمسّك بشّار بالتجديد للحّود، مع انتهاء ولايته الدستوريّة في 2004، رافعاً محبّته له إلى هيام، وهذا لأنّ لحّود، وفق المراقبين، «المارونيّ الوحيد الذي يطمئنّ له الأسد في ظلّ ظروف المنطقة الجديدة».

وفي سبتمبر من العام نفسه صدر عن مجلس الأمن القرار 1559 الداعي إلى انسحاب القوّات الأجنبيّة المتبقّية من لبنان، وحلّ جميع الميليشيات ونزع سلاحها. وقد بدا واضحاً بما يجلو اللبس أنّ المستهدَفين بالقرار هما بشّار، الذي عليه أن ينسحب، ونصر الله، الذي عليه أن ينزع سلاحه. هكذا كان لا بدّ أن يردّ المستهدَفان بعمل يطال إمّا جنبلاط الذي دفعه التجديد للحّود إلى الموقع المسيحيّ المعارض، أو الحريري، الممتعض من التجديد، والذي تسبّب له امتعاضه بإهانة مباشرة من الأسد، خصوصاً أنّ الشكوك قد حامت بشأن دور له في صدور القرار الأمميّ.

ربّما بدا مستفزّاً لبشّار ما كان يُكثر الحريري من ترداده في وصف نفسه وهو أنّه «عصاميّ» بنى نفسه بنفسه

هكذا شهد يوم 14 فبراير (شباط) 2005 الجريمة التي أودت بالحريري ومعه الوزير باسل فليحان و21 شخصاً من المرافقين، قبل أن تتناسل الجرائم وتحصد مجموعة معتبرة من السياسيّين والصحافيّين المعروفين بمعارضتهم الأسد ونصر الله.

وكما أنّ سوريّا سوريّتان فلبنان لبنانان. هكذا انشقّ البلد بين كتلة عُرفت بـ«8 آذار» تيمّناً بيوم مظاهرتها الضخمة التي شكرت «سوريّا الأسد»، وأخرى عُرفت بـ«14 آذار» تبعاً ليوم المظاهرة التي فاقتها ضخامة، والتي احتجّت على اغتيال الحريري وطالبت بخروج الجيش السوريّ.

بالفعل خرجت قوّات الأسد من لبنان في 30 أبريل، لكنّ نصر الله آثر أن يهدي قائدها رستم غزالة «بندقيّة المقاومة» لأنّه لم يشأ للجنود السوريّين أن يغادروا ضعفاء مذلولين. بيد أنّ «لعنة الحريري» طاردت غزالة مثلما طاردت سلفه غازي كنعان لتنسج واحدة من القصص الخفيّة في سيرة بشّار. فرستم، المُعيّن في 2002 على رأس الهرم الأمنيّ محلّ غازي، شاركه القتل والتعذيب اللذين تشهد عليهما بلدة عنجر البقاعيّة وفندق البوريفاج البيروتيّ، كما شاركه رعاية شبكات التهريب والمخدّرات التي تتوزّع عائداتها عليهما وعلى نظامهما وحلفائهما في «محور المقاومة». لكنّ رستم كان أشدّ فظاظة وانضباطاً في ولائه من غازي، ولربّما عاد هذا إلى سنّيّة الأوّل التي أحوجته إلى المزايدة في الولاء قياساً بعلويّة الثاني، ابن بلدة القرداحة، الذي بلغ به اطمئنانه حدّ الافتخار بصداقة الحريري بعدما بات الأخير مغضوباً عليه.

في الأحوال كافّة، شاع أنّ الخوف من انكشاف معلومات تتّصل بمقتل الزعيم اللبنانيّ هو ما أودى، في 2015، برستم، المؤتمن على السرّ وعلى بندقيّة المقاومة. أمّا كنعان الذي نُقل من لبنان في 2001 ثمّ سُلّم وزارة الداخليّة السوريّة، فكان ممّا شاع عنه تسريبه معلومات تتعلّق بالجريمة. وفي 2005، قُتل غازي في مكتبه برصاصتين أو ثلاث، فأشاعت السلطة أنّه انتحر. ولأنّ النكتة السوداء تتّجه إلى حيث الجرح، تردّد أنّ كنعان انتحر برصاصتين أو ثلاث، وفي السنوات اللاحقة تأكّد أنّ الانتحار من خصال عائلته، إذ «انتحر» أيضاً اثنان من أشقّائه.

بيد أنّ الشكل الآخر لتكامل سوريا اللبنانيّة ولبنان السوريّ كان ماليّاً. فقد تبيّن لاحقاً وجود علاقة بين جريمة الحريري وفضيحة سبقتها بعامين. ذاك أنّ من سُمّوا رجال «النظام الأمنيّ اللبنانيّ السوريّ المشترك» غرفوا، بالرشوة والاختلاس، ملياري دولار من «بنك المدينة»، ما أدّى إلى انهياره. وكان البنك المذكور، وفق وثائق حصلت عليها لاحقاً لجنة التحقيق الدوليّة في جريمة الحريري، قد شارك بنوكاً أخرى أعمال تهريب وتبييض غامضة.

لبنان كان «غرفة نوم» النظام السوري حيث تدرب بشار الأسد (أرشيفية - أ.ف.ب)

رَسَن لربط الشقيق بالشقيقة

إبّان ما سُمّي «عهد الوصاية»، والذي ورّثه القرن العشرون للحادي والعشرين، أُخضع لبنان لنظريّة بعثيّة عنوانها «عروبة لبنان». والعروبة هذه لا تليق كلمة في وصفها ككلمة المسخرة. فهي مثلاً طالبت اللبنانيّين بالوقوف، في السرّاء والضرّاء، بجانب سوريّا وإيران غير العربيّة ضدّاً على مصر والعراق والخليج والمغرب. بيد أنّ أخطر ما في تلك العروبة أنّها شكّلت، للمرّة الأولى في تاريخ لبنان الحديث، آيديولوجيا رسميّة يُحدّد بموجبها «الصديق» و«العدوّ»، فحلّت بهذا محلّ الحرّيّة التي كانت تقليديّاً مُحرّك الرأي ومصدر الموقف في لبنان.

فحافظ، وعلى الطريقة السوفياتيّة، كان قد أحكم ربط بيروت بدمشق، من خلال اتفاقيّة «معاهدة الأخوّة والتعاون والتنسيق» الموقّعة في 1991. وعن الاتّفاقيّة هذه رُبطت سياسة لبنان الخارجيّة بسياسة سوريّا الخارجيّة، ولكنْ أيضاً باتت لدمشق اليد العليا في التعيينات الإداريّة والعامّة، لا سيّما منها الأمنيّة والعسكريّة، وفي تسمية مديري الوزارات والقضاة، ورسم توجّهات المنابر الإعلاميّة ومدى حرّيّتها وخريطة العمالة وتدجين النقابات.

ومع بشّار استمرّت هذه العروبة رسَناً يربط الشقيق الأصغر بشقيقته الأكبر. صحيح أنّ الوريث أحدث انفراجاً جزئيّاً بُعيد تسلمّه السلطة، وهو وإن لم يدم طويلاً أتاح هامشاً من الحركة والتعبير لناشطين في المجتمع المدنيّ السوريّ. ومع لبنان، بدت واضحةً آثار التحوّل الجزئيّ نحو اللبرلة، أو «اقتصاد السوق الاجتماعيّ». فقد أنشأت مصارف لبنانيّة فروعاً في سوريّا، واستثمر لبنانيّون، بعضهم رجال أعمال وبعضهم نصّابون ومتزلّفون، كما استُؤجرت خبرات لبنانيّة لإدارة اقتصاد تحرّرت بعض أوجهه. ومع التقدّم في الخصخصة، وتوسّع الاقتصادات المافيويّة الموازية، تعاظم اعتماد الدولة السوريّة على العمالة الضخمة المصدّرة إلى لبنان بوصفها مصدر إعفاء لدولتها من مسؤوليّتها حيال شعبها.

لكنّ أحداثاً كثيرة كانت تشي بأنّ القوانين الأساسيّة لعلاقة البلدين لا تزال سارية المفعول. فالنجل مدّ يده مثلاً إلى مجال جديد هو الأحزاب المسيحيّة المعروفة بالعداء التقليديّ لآل الأسد. هكذا، وبالاستفادة ممّا كان يوصف بـ«التهميش المسيحيّ»، ثُبِّتَ في 2001 كريم بقرادوني في رئاسة حزب الكتائب، هو الذي انتقل، على مدى السنوات، من البشيريّة إلى البشّاريّة.

وجاءت قمّة بيروت في 2002، والتي صدرت عنها مبادرة السلام العربيّة، برهاناً على استمرار تلك القوانين في العلاقات العربيّة والخارجيّة. فقد أفضى تواطؤ بشّار ولحّود إلى حرمان ياسر عرفات من التحدّث إلى القمّة التي يُفترض بها أن تناقش موضوع فلسطين، وذلك «منعاً لدخول الإسرائيليّين على خطّ المكالمة» كما قيل.

لكنّ العلاقة الوحيدة المحترمة التي أتاحتها تلك السنوات، جسّدها مثقّفون وكتّاب سوريّون شرعوا ينشرون أعمالهم في الصحافة اللبنانيّة، كما يتردّدون على بيروت منشئين مع زملاء لبنانيّين صداقات عاش بعضها طويلاً. بيد أنّ هذه العلاقة النادرة في نظافتها لم تخلُ من غصّة رافقت تعرّف بعض اللبنانيّين إلى خيرة أبناء الشعب السوريّ: فالأخيرون، ومن دون استثناء تقريباً، أتوا من سجون قضى واحدهم فيها، وهو في بواكير طلّته على الحياة، ما بين عشر سنوات وعشرين.

إلى الحرب مع إسرائيل در

كذلك سمح الانفتاح النسبيّ بظهور ما عُرف بـ«إعلان بيروت دمشق» حيث وقّع، في مايو 2006، مئات المثقّفين والناشطين السوريّين، فضلاً عن زملائهم اللبنانيّين، على ذاك «الإعلان» الذي طالب الحكومة السوريّة بتصحيح العلاقة مع لبنان، واحترام استقلاله وسيادته، فضلاً عن إنهاء الاغتيالات السياسيّة فيه. وكان لذاك «الإعلان» أن شكّل نهاية الانفتاح النسبيّ المذكور، فكلّف بعض موقّعيه السوريّين غالياً، اعتقالاً لسنوات ومضايقات وفصلاً من العمل.

لقد تأدّى عن خروج القوّات السوريّة من لبنان، وشعور «حزب الله» وحلفائه بالعزلة، وكذلك صعود الأجندة الوطنيّة التي حملتها حركة 14 آذار، وارتفاع أصوات سوريّة تتضامن مع اللبنانيّين، شعور مُلحّ بضرورة تحويل الاتّجاه وقلب الأسود أبيض. وعلى جاري العادة، ما من شيء يؤدّي هذه الوظيفة كالحرب مع إسرائيل. لكنْ أيضاً على جاري العادة، خطف «حزب الله» مشاعر التأييد والمبايعة في العالم العربيّ، بما فيه سوريّا، بعد خطفه، في يوليو (تمّوز) جنديّين على الحدود اللبنانيّة - الإسرائيليّة.

هكذا، وبسبب ما أسماه نصر الله «انتصاراً إلهيّاً»، راح الحزب الخمينيّ يشغل، في الداخل اللبنانيّ، الدور الذي كان يشغله رستم غزالة قبل انسحاب جيشه. وإذ غدا الحضور الإيرانيّ أقلّ خفاء ممّا كان، غدا الحضور السوريّ مهمّة تُمارَس في الأنفاق والدهاليز أكثر ممّا على سطح الأرض الظاهر.



 

إبّان ما سُمّي «عهد الوصاية» الذي ورّثه القرن العشرون للحادي والعشرين أُخضع لبنان لنظريّة بعثيّة عنوانها «عروبة لبنان»

وكان أن نشأ ازدواج قاتل: من جهة أغلبيّة شعبيّة ونيابيّة تجد تمثيلها في حكومة فؤاد السنيورة، ومن جهة أخرى، «انتصار إلهيّ» يحول سلاحه وتحالفاته دون أيّ حكم مستقرّ. وإلى تعطيل الحكومة، وتعطيل العاصمة نفسها بالخيام التي نُصبت في وسطها، شهد عام 2007 حادثاً كبيراً بدا لوهلة غريباً. ففي مايو قتلت جماعة عُرفت بـ«فتح الإسلام» 27 جنديّاً لبنانيّاً كانوا نياماً في أسرّتهم، واندلعت معارك شرسة استمرّت حتّى آخر الصيف في مخيّم نهر البارد الفلسطينيّ الذي دُمّر بنتيجتها. لكنّ ما تبيّن بعد ذاك أنّ المدعوّ شاكر العبسي، قائد «فتح الإسلام»، كان ممّا فبركته المخابرات السوريّة. فهو كان سجيناً في دمشق، أُطلق سراحه ليتولّى إرسال إرهابيّين إلى العراق، وبعد مواجهات البارد فرّ إلى العاصمة السوريّة، وهناك، وبحسب ما تردّد، قُتل في ظروف لم يُعرف شيء عنها.

وبات الالتزام بالاستحقاقات الدستوريّة أشبه بالمستحيل. فاستمرّ الفراغ الذي سبق انتخاب ميشال سليمان رئيساً للجمهوريّة ستّة أشهر، وكان حلفاء «حزب الله» ودمشق قد غزوا بيروت بالسلاح، ما استدعى عقد مؤتمر الدوحة بقطر، ومن ثمّ انتخاب سليمان.

ومن قبيل التنازلات الشكليّة تقرّر، في 2008، وللمرّة الأولى منذ نشأة الدولتين، إنشاء سفارتين في البلدين. إلاّ أنّ ما اعتُبر إقراراً سوريّاً باستقلال لبنان ظلّ يتعرّض لتقويض متعدّد الأشكال. فبذريعة «ثلث معطّل»، أو احتجاجاً على تسهيل أعمال المحكمة الدوليّة بصدد جريمة الحريري، أو نزولاً إلى الشارع من خلال لابسي «قمصان سود»، كانت الحكومات تسقط أو تُصاب بالعرج ويُطعن في تمثيلها، وهذا علماً بأنّ انتخابات 2009، كسابقتها انتخابات 2005، أنتجت أكثريّة من الـ14 آذاريّين.

وعلى هذا النحو استؤنفت حياة سياسيّة معاقة، يحيطها التشهير ويتهدّدها القتل.

ما بعد الثورة وما بعد سقوط الأسد

حين انفجرت الثورة السوريّة في 2011، بدا أنّ روحاً لطيفة هبّت على لبنان المريض، روحاً قد تتحوّل ريحاً عاصفة تأخذ في طريقها العفنَ المتراكم. وبالفعل بادر شبّان وشابّات إلى التعبير العفويّ عن تضامنهم، بمظاهرة سلميّة وإضاءة شموع وكتابة بيانات، وكان واضحاً أنّ التضامن مع سوريّا تحرّكه، هذه المرّة، الحرّيّة ومطلب الكرامة، لا العروبة والمقاومة وباقي العناوين المشابهة التي كانت السبب التقليديّ لحركات التضامن. ولم يتكاسل شبّيحة الأحزاب ومُوالو دمشق و«حزب الله» في تعرّضهم للمتضامنين والاعتداء عليهم ومحاولة إرعابهم، ولم تنجُ من الاتّهام السفارة السوريّة الجديدة في بيروت التي اعتبر البعض أنّ توجيهها أعمالاً كهذه هو أهمّ وظائفها «الدبلوماسيّة».

إلاّ أنّ طرابلس التي كانت الأكثر جهراً في تأييدها الثورة تلقّت العقاب الأسوأ. ففي 2013 حصدت تلك المدينة، التي جعلها الجوار الجغرافيّ أشدّ المناطق اللبنانيّة تعرّضاً لأذى النظام الأسديّ، انفجارين تسبّبا بمجزرة في مسجدي التقوى والسلام قُتل من جرّائها 49 قتيلاً وجُرح أكثر من 800 شخص. وعملاً بالطقوس إيّاها، تبيّن لاحقاً أنّ مجموعة إرهابيّة أخرى تابعة لدمشق كانت وراء السيّارتين المفخّختين.

وتفاقم عامذاك ما عُرف بمساجين سجن رومية الإسلاميّين، وذلك بسبب معركة بلدة عبرا، قريباً من مدينة صيدا، بين أنصار الداعية السلفيّ أحمد الأسير و«سرايا المقاومة اللبنانيّة» التابعة لإيران، وتدخّل القوى الأمنيّة لصالح الأخيرة. وبينما كان شبّان إسلاميّون يُعتقلون بحجّة انضمامهم إلى الثوّار السوريّين، أو إعلان نيّتهم في ذلك، فُتح الملفّ الذي يعود إلى عام 2000 مع ما عُرف بأحداث الضنّيّة، والذي ضخّمه، في 2007، اتّهام آخرين بالتورّط في معارك نهر البارد ضدّ الجيش اللبنانيّ. وعلى العموم، بلغ عدد المساجين 1200 شخص أوقعت بهم، بطرق مختلفة، المنظومة الأمنيّة اللبنانيّة التي تديرها دمشق. والأسوأ أنّ هؤلاء، الذين أُودعوا «غوانتانامو اللبنانيّ»، لم يُحقّق معهم ولم يحاكَموا حتّى اليوم، بحجّة افتقار المؤسّسة القضائيّة إلى شروط تنفيذ مهمّة كهذه.

والحال أنّ النفوذ السوريّ، بنتيجة الثورة ثمّ الحرب الأهليّة، صار أشدّ اضطراراً للهبوط إلى الأنفاق والدهاليز. ففي 2012 انفجرت «قضيّة ميشال سماحة» التي تساءل اللبنانيّون عمّا إذا كانت جريميّتها أكبر من فضائحيّتها أم العكس. ذاك أنّ الوزير السابق، الذي يُعَدّ «من أصدقاء الأسد»، تورّط في نقل متفجّرات من سوريّا إلى لبنان والتخطيط لتنفيذ تفجيرات رُجّح أنّ مهندسها كان علي المملوك، مستشار بشّار الأمنيّ.

وباتت دمشق، في تلك الغضون، أشدّ اضطراراً للالتفاف على العقوبات الدوليّة عبر المنافذ الاقتصاديّة التي يتيحها لبنان. وأغلب الظنّ أنّ المرحلة تلك شهدت توطّد الشراكة الماليّة مع «حزب الله» في ما خصّ أعمال التهريب، لا سيّما الكبتاغون. والحال أنّه منذ 2019 خصوصاً، حين صدر «قانون قيصر»، وبالتعاون مع مافيات روسيّة، بات هذا النشاط يردّ مليارات الدولارات على أطراف التحالف الممانع.

لكنْ مقابل سياسة الأنفاق والدهاليز، تُركت العلنيّة الفجّة لـ«حزب الله» الذي بدأ تدخّلَه العسكريّ المباشر في سوريا، عام 2013، متذرّعاً بالدفاع عن مقام السيّدة زينب، ما جعل تطوّع أفراد لبنانيّين إلى جانب الثورة أقرب إلى هوايات صبيانيّة. وتلازم التدخّل، الذي ما لبث أنّ اكتسب طبيعة احتلاليّة وتهجيريّة للسكّان، مع تطوّرات بقدر ما أفضى إلى تطوّرات. فهو، وقد نقل سوط التعذيب إلى يد لبنانيّة، ترافق مع انتفاخ في نظريّة «حلف الأقلّيّات» التي تُرك تنظيرها للعونيّين ممّن التحقوا بالحزب وبدمشق منذ 2006. وكانت الرسالة التي أريدَ إيصالها أنّ المسيحيّين والشيعة والعلويّين، ممثّلين بالعونيّين والحزب ونظام الأسد، يقفون سدّاً واحداً في وجه السنّة ممثّلين بـ... داعش! وبذريعة مقاتلة الأخير وحماية اللبنانيّين منه، كان يُهجَّر سوريّو المناطق الحدوديّة التي يحتلّها الحزب، ما يفاقم مشكلة اللجوء السوريّ التي لن تلبث أن تنفجر.

والراهن أنّ لبنان الرسميّ حاول النأي بنفسه عن الصراع السوريّ منذ انفجار الوضع هناك. هكذا رعى رئيس الجمهوريّة، أواسط 2012، المؤتمر الذي أصدر «إعلان بعبدا» معبّراً عن توافق الجميع، بمن فيهم «حزب الله»، على عدم التدخّل. بيد أنّ طهران، الساعية إلى دعم حليفها السوريّ، سارعت إلى زجّ حزبها فانزجَّ بحماسة قاتلاً ومقتولاً.

أصدقاء الأسد في لبنان... سجلّ جرائم وفضائح (أرشيفية - سانا)

وفي الخطّ التصاعديّ الذي سلكته الكارثة شهدت بيروت يوم 4 أغسطس 2020 يوماً غير مسبوق في تاريخها المأسويّ. فالحدث الذي استرجع معه المؤرّخون الزلزال الذي ضرب المدينة ومدناً ساحليّة أخرى في منتصف القرن الميلاديّ السادس، كان «أكبر انفجار غير نوويّ في التاريخ»، بحسب وصف شاع. وقيل الكثير عن أنّ مقرّبين من نظام الأسد بالصفقات والتهريب، جاؤوا بخزين نيترات الأمونيوم الذي انفجر ودمّر ربع المدينة، وقيل أكثر منه عمّا يتسبّب به الضباب السياسيّ ومناخ «المقاومة» المعطّل للدولة والمحاسبة. وفي الأحوال كافّة، فبعد تهديد مسؤول الحزب الأمنيّ، وفيق صفا، بـ«قبع» القاضي طارق البيطار، طوي الأمر وسط شعور عارم بموت يُستحسن أن يُختم بدفن صامت.

وكان لتلك السنوات التي افتتحتها الثورة أن حملت إلى بيروت أعداداً من السوريّين، فيهم العائلات والأفراد، ممّن صدروا عن مناطق سوريّا وطبقاتها وطوائفها. وبين هؤلاء واللبنانيّين نشأت صلات حميمة، تبادل فيها الطرفان الصداقات والتعارف الذي شمل البيوت والمآكل والعادات وشراكة الهمّ والشكوى، وهذا فضلاً عن انعقاد زيجات بين سوريّين ولبنانيّات ولبنانيّين وسوريّات.

لكنْ على مقربة من هؤلاء جميعاً، كانت تعتمل مشكلة تسبّبت بها وحشيّة النظام، وفي عدادها وحشيّة «حزب الله». فقد تفاقم اللجوء السوريّ وبات عدد اللاجئين الضخم عبئاً ثقيلاً على بلد يعاني أزمة اقتصاديّة طاحنة، ويتشارك أبناؤه أنفسُهم في علاقات من العداء والريبة المتبادلين. وإذ أحسّت البيئة الاجتماعيّة الأفقر والأشدّ اعتماداً على العمل اليدويّ بمنافسة سوريّة، كان من تعابير المنافسة ظهور مشاعر عنصريّة رافقها تقييد لحركة السوريّين وانتهاكات مباشرة نزلت ببعضهم. وفي معرض التوتّر كان صعباً على المتوتّرين، وقد أجّجهم العونيّون وقوى سياسيّة أخرى، إدراك أنّ أحداً لا يستطيع حلّ مشكلة يرفض النظام السوريّ حلّها. ودائماً كان اللبنانيّون الأشدّ رحابة ينبّهون إلى ذلك، ويذكّرون بأنّ قطاع الزراعة يعتمد على ما بين 300 و400 ألف سوريّ، والشيء نفسه يقال في قطاع البناء، وهذا فضلاً عن حضور العمالة السوريّة في مجالات الكهرباء والسباكة وميكانيك السيّارات وسواها.

وإذ سقط الأسد، وولّى هارباً إلى موسكو، كان للّبنانيّين حصّتهم من التركة الهيوليّة التي خلّفها النظام الساقط. فهناك، كما بيّنَ خلع الأبواب والأقفال، مخطوفون ومساجين لبنانيّون في سجونه أنكرَ النظامان وجودهما. بعض هؤلاء حُرّروا، وبعضهم الآخر يستمرّ البحث عنهم. وهناك ما ضربه الإسرائيليّون من مصانع أسلحة وأنفاق على الحدود المشتركة للبلدين، وعلاقات سياسيّة وماليّة تنتظر التحقيق فيها بين رموز في سلطتي البلدين. والأخطر أنّ رجالاً من معاوني الأسد لجأوا إلى لبنان، محاطين برعاية الحكومة وحماية «حزب الله». ويُستحسن بالسلطة اللبنانيّة أن تسلّم هؤلاء إلى ضحاياهم، إن لم يكن حبّاً بسوريّا، وبإحقاق الحقّ، فحرصاً على علاقات سليمة بين البلدين في المستقبل. عندها فقط يمكن القول إنّ ربع القرن الفائت، الذي اكتوى بالاستباحة والتعذيب، انتهى حقّاً.


مقالات ذات صلة

صدام حفتر يؤكد للشيباني استعداد «القيادة العامة» لدعم الشعب السوري

شمال افريقيا صدام حفتر نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي مستقبلاً وزير خارجية سوريا أسعد الشيباني في مقر القيادة ببنغازي الأحد (القيادة العامة)

صدام حفتر يؤكد للشيباني استعداد «القيادة العامة» لدعم الشعب السوري

في أول زيارة له إلى بنغازي، بحث وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي، عدداً من الملفات الأمنية.

جمال جوهر (القاهرة)
المشرق العربي انتشار لقوى الأمن الداخلي السورية خلال مظاهرات يوم الجمعة في الحسكة (مديرية الإعلام في الحسكة)

الحسكة: «المكوّن العربي» يشكو استمرار «هيمنة قسد»

أكد نائب محافظ الحسكة السورية، أحمد الهلالي، السبت، أن مطالب الأهالي، خلال المظاهرات التي خرجت الجمعة، «مشروعة»، نافياً سيطرة «قسد» على المحافظة.

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي رجل أمن يتبع لوزارة الداخلية في ضواحي قرية الصورة الصغيرة بريف السويداء يوم 15 سبتمبر الماضي (رويترز)

من المستفيد من نشر الفوضى في سوريا؟

لائحة المستفيدين من إضعاف الحكم السوري تشمل «داعش» وإسرائيل وإيران وبقايا نظام الأسد... وتشديد على ضرورة سرعة المعالجة.

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي عناصر من قوات الأمن السورية (أ.ف.ب- أرشيفية)

سوريا: توقيف 16 طياراً بسلاح الجو السابق في أقل من شهر

أعلنت السلطات الأمنية السورية عن تنفيذ سلسلة عمليات ضمن حملة لملاحقة ضباط سلاح الجو السابق، أسفرت عن توقيف 16 ضابطاً بينهم قادة، خلال أقل من شهر.

سعاد جروس (دمشق)
شؤون إقليمية جانب من المباحثات الموسعة بين وزيري الخارجية السوري أسعد الشيباني والتركي هاكان فيدان في دمشق في 13 سبتمبر بحضور وفدي البلدين (الخارجية التركية)

تركيا: الأولوية القصوى في سوريا حالياً هي توقف «قسد» عن كونها تهديداً

أكدت تركيا أن الأولوية القصوى في سوريا حالياً هي أن تتوقف «قوات سوريا الديمقراطية» عن كونها تهديداً، عادّةً أن إسرائيل تشكل الخطر الأكبر على استقرار جارتها

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

مرشد إيران الأخير... عندما تصبح الجمهورية تنظيماً شبكياً

عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)
عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)
TT

مرشد إيران الأخير... عندما تصبح الجمهورية تنظيماً شبكياً

عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)
عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)

كانت القنبلة مخبأة داخل جهاز تسجيل في مسجد «أبو ذر» بطهران، بينما علي خامنئي يلقي محاضرة على مصلين في يونيو (حزيران) 1981. انفجر الجهاز، وأصيب عدد من الأشخاص، كان هو أشدهم تأثراً بجروح بليغة.

«ذَهبتُ إلى حافة الموت لكن الله أعادني (...) شعرت أنه ينتظر مني أداء تكليف عظيم». كانت هذه كلمات خامنئي مستعيداً لحظاته وقت الانفجار؛ نجا بيد يمنى مشلولة، وربط نجاته بانتظار ذلك «التكليف».

أمضى خامنئي نحو 37 عاماً مرشداً لإيران، خلفاً للمرشد الأول الخميني. ومع بلوغه ذروة النفوذ، متمركزاً في شبكات معقدة وأدوات متفرعة لضبط «الثورة الإسلامية»، تطلب الأمر - كما تفيد تقديرات - نحو 15 دقيقة من غارة إسرائيلية، أواخر فبراير (شباط) الماضي، لينتهي فصل طويل من إيران التي كنا نعرفها، ويبدو أنها تغيرت على نحو ملتبس.

المرشد السابق علي خامنئي خلال تلقيه العلاج داخل مستشفى «بهارلو» بطهران بعد تعرضه لمحاولة اغتيال في يونيو 1981 (موقع المرشد)

حتى مع مجيء المرشد الثالث مجتبى خامنئي، فإن التركة التي أورثها الأب من صلاحيات مطلقة ورمزيات دينية مكثفة، ومصالح متشابكة، ومركزية سياسية وعسكرية ومالية، لم يحصل عليها الابن بوصفه مرشداً تقليدياً، بل تقاسمها «أبناء» عديدون، كما تفعل التنظيمات الأصولية حين تنتقل بحكم الصدمة والاضطرار إلى العمل الشبكي، الخيطي.

ثمة جدل بشأن ما إذا كان خامنئي قد جهز «الثورة الإسلامية» للعمل بلا رأس، عبر رؤوس متعددة تعمل بشكل شبه مستقل، أو أنه لم يكن يتخيل المصير الذي انتهى إليه، لاعتقاده بأن «يد الله» تحميه، كما كان يكرر في مناسبات عامة، غير أن ابنه مجتبى سيبدو جواباً على لغز الدولة العميقة في إيران، التي استعدت لولادة جمهورية تعمل مثل شبكات خيطية.

في الحالتين، إيران اليوم جمهورية من خلايا متفرقة، تشبه سلوك في طريقة عملها أذرعها «المقاومة».

«لا نتحدث عن معركة الآن»

بنت «الثورة الإسلامية» مجدها على الردع البعيد. خامنئي نفسه، في هذا الردع، لم يكن يتخيل، على الأرجح، أن تقترب منه نيران المواجهات. كان هو أكثر من عبر عن هذه المقاربة، دون غيره.

في مارس (آذار) 2011، لم يخف خامنئي ارتياحه لاندلاع ما سمي آنذاك «الربيع العربي»، وقال: «في هذه الأحداث، يمكن الشعور بيد قدرة الله». وفي مايو (أيار) 2019، كان أنصاره يهتفون أمامه بشعار يدعو بحماس إلى «معركة ضد أميركا». أوقفهم خامنئي، قائلاً: «الآن لا نتحدث عن معركة. القضية هي المقاومة».

بعد أحداث 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كانت إيران تتعرض إلى ضغوط متواترة للرد على إسرائيل والولايات المتحدة. مع ذلك ابتكرت طهران «الصبر الاستراتيجي»، الذي وصل إلى إخضاع قوى إقليمية، من وكلاء وأذرع، لفترات من الهدنة، ليست قصيرة.

من الواضح أن استراتيجية خامنئي مزيج من تصوره الديني عن التاريخ، وتكتيك إيران الذي يستند إلى إبقاء المعركة بعيدة عن طهران. حتى بعد وقائع 7 أكتوبر 2023؛ إذ يصفها رجل دين عراقي من النجف بقوله: «كأس سم سقاه يحيى السنوار للمرشد».

أشخاص يسيرون بجوار جدارية تصور المرشد السابق علي خامنئي في أحد شوارع طهران 13 أغسطس 2026 (رويترز)

طوال 4 عقود من وجوده على هرم السلطة، وبينما تجنب المواجهة المباشرة، كان المرشد ينسج خيوط النظام الشبكي من خلال تعيين أشخاص موالين لإدارة ملفات حيوية في الأمن والسياسة والاقتصاد والإعلام.

يشاع في طهران وبغداد وبيروت، بين دوائر مطلعة، أن مكتب المرشد ليس «مؤسسة في مبنى تقليدي لديها حارس وبوابة»، بل شبكة واسعة غير مرئية تضم عدداً غير متوقع من المسؤولين والممثلين والمندوبين والأذرع، تصل حتى إلى مؤسسات تقع تحت إشراف رئيس إيران، وظيفتهم جميعاً التأكد من أن «المرشد يرى ويسمع، ويقرر في كل شيء».

في بغداد، ظهر انعكاس لهذا التمدد، يكشف عنه مسؤول سابق، طلب التحفظ على اسمه، قال إن «رجل دين إيرانياً كان يواظب على تدقيق السياسة النفطية العراقية بشكل يومي، بأوامر شخصية من المرشد». وأضاف: «خامنئي أو مكتبه حريص على أن يحصل على تحديثات يومية بشأن الملفات الاستراتيجية».

الخطوط الحمراء... حمراء

يتجاوز موقع خامنئي حدود الدستور لـ«المرشد». يقول الباحث العراقي علي المدن، إنه «ومن خلال عقود طويلة تمتد إلى ما قبل (الثورة الإسلامية) عام 1979، راكم خامنئي عوامل وموارد تجاوزت الحدود التقليدية للصلاحيات الدستورية للمنصب. جمع، إلى جانب تجربته السياسية، رئاسة الجمهورية، وموقعه الديني، فضلاً عن شبكة واسعة من العلاقات والولاءات داخل المؤسسات».

يميل المدن، وهو باحث في «الفلسفة الإسلامية»، راكم خبرته عبر أكثر من 3 عقود من الدراسة والعيش في قم، إلى الاعتقاد بأن «موقع خامنئي الأب ليس نتاجاً لاختصاصاته الدستورية فحسب، إنما أيضاً للخبرة المتراكمة وقدرته على إدارة التوازن بين المؤسسات ومراكز القوة المختلفة».

لكن الطريقة التي بنى فيها خامنئي سلطاته غير التقليدية كانت محمية على الأرجح بفكرة الردع؛ إذ يضخ فيها «بعداً إلهياً»، في كل مرة يظهر فيها إلى العلن، مهما كان السياق.

عام 2018، كان ضيق العيش يطبق على الإيرانيين مع تفاقم العقوبات الأميركية. في أغسطس من ذلك العام، احتشد الآلاف حول منبر خامنئي ليسمعوه يقول: «أشعر بيد الله القوية تتجلى وتتبلور في قوة الشعب». هكذا تسرب إلى جمهور المرشد في إيران، وبلدان ما يسمى بـ«محور المقاومة»، كيف أن الخطوط الحمراء، حمراء لا يمكن كسرها.

مشيعون يتجمعون خلال جنازة المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في طهران (رويترز)

يقول سياسي عراقي احتك لسنوات مع سياسيين على صلة وثيقة بمكتب المرشد الأب، إنهم ليسوا أقل ثقة من خامنئي بأن «يد الله» تحميه، وتحمي «الثورة الإسلامية» وتحميهم، بل إن أقصى ما كان يعده من سيناريوهات عن المواجهات، حين تصبح مباشرة، أنها «قد تصيب الرجل الذي يجلس جوار المرشد، وليس المرشد»، على حد تعبير أحدهم.

هل كان خامنئي متيقناً من أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أو رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو لن يأمرا باغتياله؟ من الصعب الحصول على إجابة حاسمة، لكن المرشد نفسه حتى حين كان يتوقع انقلاب الأمور رأساً على عقب، كان يشير إلى الآخرين. في 10 يونيو (حزيران) 2005، وبمناسبة ذكرى وفاة المرشد الأول، قال خامنئي إن «هذه اليد القوية (يد الله) قد تتحول أحياناً إلى قبضة وتضرب الإنسان على رأسه».

يميل السياسي العراقي إلى أن «خامنئي لم يكن يريد الذهاب إلى المواجهة، بل إطالة الصراع على الأقل إلى نهاية حياته بالطريقة الطبيعية، وليس كما فرضها الإسرائيليون والأميركيون».

ومن وجهة نظره، فإن «بلوغ الصراع حافة قتل المرشد يعني أن مرحلة طويلة من تاريخ إيران وصلت إلى لحظة أفول».

خامنئي الابن... مرشد «الحرس»؟

مع أن كثيرين يرجحون فرضية أن خامنئي عارض توريث مجتبى مرشداً لإيران، إلا أن الأب ترك ابنه في وقت مبكر متوارياً، يتوغل في المجتمع والمؤسسات، من باب «الحرس الثوري». يقول أشخاص عراقيون ولبنانيون عاصروا تحولات إيران خلال التسعينات، طلبوا عدم الإشارة إلى أسمائهم، إن مجتبى استغل «مرونة هاشمي رفسنجاني (كان رئيساً لإيران حين لعب دوراً محورياً في انتخاب الأب مرشداً عام 1989) وانغمس في نسج علاقات مع الجميع، داخل الحرس، الحوزة، السوق، الجيش، الباسيج، والقضاء».

قال أحدهم إن خامنئي الابن هو من زج بـ«مير حسين موسوي» إلى السجن، وقضى على حركات سياسية في مهدها، أو في طور نشوئها، هندس وصول إبراهيم رئيسي إلى الرئاسة، وأسس فلسفة جديدة تتحول الدولة فيها، كمؤسسات، إلى ما يشبه (حزب الله) في قلب الدولة». لقد تعلم الرجل مبكراً مبادئ «الدولة العميقة».

هل كان الأب خامنئي يعارض التوريث، بوصفه مشروعاً يناقض «الثورة الإسلامية» التي جاءت على أنقاض نظام الشاه، لكنه في المقابل سمح للابن بأن يرث الدولة العميقة التي عينته مرشداً، أو «واجهة لها»، كما يصف رجل الدين العراقي من النجف؟

امرأة تمر بجوار ملصق يحمل صور المرشد الأعلى الإيراني السابق علي خامنئي في أحد شوارع طهران (رويترز)

بالنسبة للباحث علي المدن، «مجتبى خامنئي ابن النظام؛ نشأ وكبر داخله (...) إنه منتَج لمؤسساته وليس واحداً من مؤسسيه، ولم يسبق له أن شغل منصباً سياسياً عاماً مماثلاً للمناصب التي شغلها والده قبل توليه القيادة، كما أن حضوره داخل المؤسسة الدينية لا يمتلك، حتى الآن، الامتداد نفسه الذي اكتسبه والده عبر عقود من التكوين العلمي وممارسة السلطة. ومن ثم فإن انتقال المنصب له لا يعني بالضرورة انتقال جميع الموارد الشخصية والسياسية التي كانت متجمعة في شخص والده».

الهوة التي يراها مختصون شاسعة بين الأب والابن تدفع رجل الدين من النجف إلى الجزم بأن «خامنئي الأب هو آخر مرشد يحمل الحد الأدنى من شروط الفقاهة، كما أنه الأخير الذي يمتلك هيمنة حقيقية على (الحرس الثوري)، على عكس خامنئي الابن الذي يهمين عليه الحرس ويدير أموره».

لا يعني ذلك، أيضاً، أن موقع المرشد أصبح رمزياً أو أن صلاحياته انتقلت إلى مؤسسة أخرى؛ إذ يميز علي المدن، بين «السلطة الدستورية للمرشد، وقدرته العملية على تركيز عملية صنع القرار في شخصه».

جمهورية انشطار الخلايا

إذا لم تنتقل السلطة من يد خامنئي الأب إلى ابنه المستتر حتى الآن، فأين استقرت؟ الجواب الجاهز أن «الحرس الثوري» يتحكم بكل شيء. على الأقل فإن هذه المؤسسة التي يمتد نفوذها وشبكاتها الأمنية والاقتصادية إلى عواصم في الشرق الأوسط ومناطق في غرب آسيا وأخرى بعيدة، هي التي أشرفت وأدارت جلسة انتخابه من قبل مجلس الخبراء في 8 مارس 2026. كان «الخبراء» يتوافدون معية أفراد من «الحرس الثوري» إلى مقر الانتخاب في مشهد دراماتيكي يعيد أجواء الحرب العالمية الثانية، يوم كانت الحكومة البريطانية تجتمع في ملاجئ «وستمنستر»، بينما يُمطر الطيران الألماني لندن بالقنابل».

يقول السياسي العراقي إن «الحرب الأخيرة على إيران أكبر مواجهة عسكرية شهدتها المنطقة، وتكاد تتجاوز حرب السنوات الثماني مع العراق».

لكن، وبالمقدار الذي يتحفظ به على تصوير الأمور في إيران بأنها سلسة، وتختزل باستبدال قائد بقائد آخر، فإن علي المدن يتحفظ أيضاً على وصف الوضع الجديد بأنه انتقال من «حكم المرشد» إلى «حكم الحرس الثوري»؛ لأنه يفترض انتقالاً مباشراً لا تسمح به بعدُ طبيعة النظام الداخلية ولا التحديات التي خلقتها أجواء الحرب.

أجواء الحرب نفسها قد تكون الكلمة المفتاحية لفهم ما تغير في إيران. على الأغلب، فإن نظام «الثورة الإسلامية» بالشكل الذي كانت عليه أيام الخميني وخامنئي، تَفَرّقَ دون أن ينفرط إلى جمهورية تنظيمات خيطية. يقول السياسي العراقي إن «إيران اليوم لا تحتاج إلى مرشد، بل إلى قادة علميات يتصرفون كمسؤولي خلايا سرية، مهمتهم الوحيدة هي البقاء».

إيرانية تمر أمام جدارية تحمل صورة المرشد علي خامنئي في شارع آزادي بطهران 29 يوليو 2026 (أ.ب)

كان وزير الخارجية عباس عراقجي وصف استراتيجية إيران خلال الحرب الأخيرة بـ«الدفاع اللامركزي»، في محاولة للقول إنها انتقلت من التركيز على حماية القيادات العليا إلى ضمان البقاء خلال الحرب. يبدو أن ذلك يجري عبر تعددية قتالية يصعب السيطرة عليها أو رصدها بسهولة.

ليس هناك دليل على أن خامنئي الأب كان قد وضع خطة لهذا الانشطار التنظيمي، لكن النتيجة واحدة، إيران اليوم «الدولة والثورة».

يظهر دوماً انعكاس إيراني في بغداد، هذه المرة انعكاس لحالة الانشطار. في مارس 2016، كانت الحكومة العراقية تفاوض فصيلاً من أجل هدنة قصيرة تستغرق يومين. كان الأميركيون قد حصلوا على وعد بوقف الهجمات على سفارتهم في بغداد، لكن المسيرات الملغمة واصلت ضرب منشأتهم.

تقول المصادر إن الاتصالات بين المسؤولين الأميركيين والعراقيين لم تكن ودية حينها، «بسبب إخفاق الحكومة في إبرام اتفاق مع فصيل». ونقلت مصادر موثوقة أن «ضابطاً في (الحرس الثوري) يعمل في العراق لم يرد على استفسارات مسؤول عراقي كبير بشأن: لماذا تواصل الهجوم رغم الاتفاق».

«مركز واحد وخيوط»

من هذه الزاوية الحادة يمكن ملاحظة ما تغير فعلاً. في عهد خامنئي كانت إيران تضم مؤسسات ومراكز قوة متعددة، وكان «الحرس الثوري» أحد أبرزها، لكن وجود مرشد ذي خبرة بمواصفات الأب أتاح له درجة عالية من المركزية في إدارة هذه المؤسسات وفي حسم الخلافات بينها.

بعد غيابه، يقول المدن: «يبدو أن عملية صنع القرار أصبحت تعتمد بدرجة أكبر على التفاعل بين مكتب المرشد، والمجلس الأعلى للأمن القومي، والقيادات العسكرية والأمنية، و(الحرس الثوري)، إلى جانب مؤسسات الدولة الأخرى».

يميل علي المدن إلى أن «الانتقال في إيران نسبي من مركزية شخصية عالية الحضور إلى مركزية مؤسسية أكثر تركيباً، ازدادت داخلها أهمية المؤسسات الأمنية والعسكرية بحكم الحرب والظروف التي جرت فيها عملية الخلافة».

إيرانية تحمل صورة المرشد مجتبى خامنئي خلال مراسم الأربعين في طهران (أ.ب)

بالفعل، تحول «الحرس الثوري» مثلاً إلى أسلوب «القطع» المنفصلة، بقيادات محلية وإقليمية تتمتع بقدر من الاستقلال العملياتي، كما لو أن «القائد الأعلى» مقتول على الدوام.

بات السؤال في إيران اليوم، وفق علي المدن، ليس من يحكم إيران؟ بل كيف يتوزع صنع القرار بعد اختفاء الشخصية التي كانت تمسك جمع الخيوط في مركز واحد؟ إنها «مرحلة إعادة تعريف العلاقة بين مؤسسة القيادة ومراكز القوة، في طور تشكل لم تكتمل فصولها بعد».

لا يخفي الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان القلق من «إيران الخلايا». قال أخيراً إنه «لن يُسمح لمجموعة أن تأخذ إيران إلى شيء ما»، وصحيح أن طيفاً واسعاً من المحللين يصنفون مثل هذه التصريحات على أنها تكتيك إيراني لخلق سردية «الشرطي الجيد والشرطي الشرير»، لكن الوقائع الميدانية مرتبطة بأن إيران تتحرك كأجزاء منفصلة.

هل تستمر إيران على هذا النحو الشبكي، حيث تستطيع أن تعمل بالغموض، بلا رأس مركزي واضح قد يؤدي فقدانه في نصف ساعة إلى شل النظام بالكامل؟ ثمة إجابات مختلفة رائجة في الأوساط المهتمة، لكن ما هو أكثر أهمية اليوم يتعلق بقدرة النظام في طهران على التحكم بإيقاع «القطع» المنفصلة، وما إذا أصبح استقلالها داخل المنظومة مفرطاً ومخيفاً أكثر من الاستهداف الخارجي، أكثر مما كان خامنئي الأب ليحتمل ويتحمل.


نصر الله... الأسطورة التي دُفنت مع صاحبها

كشافة المهدي يرفعون صور أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)
كشافة المهدي يرفعون صور أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)
TT

نصر الله... الأسطورة التي دُفنت مع صاحبها

كشافة المهدي يرفعون صور أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)
كشافة المهدي يرفعون صور أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)

«تخيلي لو أنه لم يمت»، يقول محدِّثي عبر الهاتف من بيروت وهو على معرفة وثيقة بـ«حزب الله» وعلى تماسٍّ يومي بمجتمعه الأوسع.

يطرح سؤالاً افتراضياً: ماذا لو نجا حسن نصر الله، وكان عليه أن يقود المواجهة؟

لا يقصد مواجهة عسكرية مع إسرائيل. «فذلك ما يفعله الحزب وهي ملعبه»، بل «مواجهة نفسه وجمهوره وبيئته بهذه النكبة التي استجلبها لهم».

هل كان سيوقّع اتفاق وقف إطلاق النار؟ هل كان سيوافق على المفاوضات أم سيعارضها كما يفعل اليوم خليفته؟ هل كان يستطيع العودة إلى «لو كنت أعلم»، التي استخدمها بعد «حرب تموز 2006»؟

سيل من الأسئلة التي لن تجد إجابة لها و«فراغ هائل بحجم الحفرة التي ابتلعته ورفاقه في الضاحية الجنوبية» يقول مصدر آخر جنوبي واكب كل الحروب الإسرائيلية على لبنان وخسر أهلاً ورفاقاً ومنازل ويقف على نقيض سياسي من «حزب الله». ويتابع: «مرت سنتان ولا تزال البيئة والمحيط في حالة صدمة ونكران تام... حالة هذيان جماعي. كأن الناس لم يفقدوا قائداً عسكرياً أو زعيماً دينياً، بل خسروا من يمنحهم رواية عن أحوالهم».

ثمة إجماع حول قدرة نصر الله على «مسرحة» الحرب وخسائرها وتحويل أثمانها للمنكوبين والمكلومين والثكلى إلى لحظة ملحمية من النشوة والانتصار، ويبدو أن ذلك أكثر ما يفتقده محازبوه وجمهوره اليوم. فكأن انخراطهم في حرب الإسناد ودفعهم أثمانها، يبقى تفصيلاً مقابل غياب من يملي عليهم سيرتها الحسنة.

مصاب في تفجيرات «بيجر» يحمل هاتفاً عليه صورة أمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتياله (أ.ف.ب)

وذلك الفراغ الخطابي ليس مردّه فقط كون أمين عام «حزب الله» الحالي نعيم قاسم، يفتقر لملكته، بل لأن نصر الله نفسه بدأ يخسر حيّزه العام وصورته ومشهديته قبل اغتياله بوقت غير قليل، وبهذا «جاءت لحظة الاغتيال إنقاذاً له من خسائر كثيرة واستحقاقات هائلة».

ويقول المصدر: «مات نصر الله فعلياً قبل لحظة اغتياله... مات مع عملية البيجر وسلسلة الاغتيالات التي توالت. مات حين فقد قدرته على التعبئة والتبرير وحين عجز عن تقديم رواية للناس، وحين لم يعد أحد يكترث بخطاباته وينتظرها كما في السابق».

هنا يضع المصدر يده على وظيفة هي برأيه أهم من الموقع التنظيمي الحزبي الذي شغله نصر الله؛ فهو «لم يكن رجل تكتيك عسكري، ولا رجل دين بالمعنى المتعارف عليه، بقدر ما كان (رجل تعبئة) منح الحزب قوة تتمتع بها الدول وليس الأحزاب أو التنظيمات المسلحة».

ومعلوم أن هذا الحضور الطاغي لا يولد في لحظة.

«كأنه لم يكن»

سوسيولوجي وكاتب يرصد تحولات الحزب وبيئته الاجتماعية يتذكر نصر الله بين عامي 2000 و2006، ويصفه بأنه كان أقرب إلى «الناشط الحزبي»، قبل أن يبني تدريجياً حضوراً تكرس، في رأيه، مع اغتيال رفيق الحريري، حين أصبح لكلامه وزن إقليمي.

فمنذ التحرير عام 2000، ونصر الله يرعى هذه الهالة و«اشتغل عليها شغلاً حثيثاً»، مستنداً إلى آلة إعلامية كاملة للحزب لتكريس صورة «أقرب إلى الأسطورة وأنصاف الآلهة، مبرراً بذلك استمرارية حمل السلاح».

مناصرون لـ«حزب الله» يشاركون في الذكرى السنوية الثانية لاغتيال أمينيه العامين السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين (د.ب.أ)

وحتى أمس قريب كانت إطلالاته التلفزيونية أشبه بـ«سهرات أم كلثوم. تفرغ الشوارع ويتسمر الناس أمام الشاشات ويطربون لما يسمعون».

وللمفارقة لم يكن المستمعون أعضاء في «حزب الله»، ولا حتى جميعهم جزءاً من بيئته المباشرة. كان نصر الله، في مراحل مختلفة، حدثاً عاماً: «يستمع إليه المؤيد، والخصم، ودول الجوار، وكل من ينتظر معرفة ما سيحدث في اليوم التالي».

أما اليوم، بعد سنتين، «فكأنه لم يكن».

سيدة جنوبية تنتمي إلى إحدى العائلات ذات الثقل الاجتماعي والديني توجهت إلى صور والنبطية قبل يوم واحد من إحياء ذكرى السنتين، تقول: «لم أرَ صوره في الشوارع أو على الأبنية كما جرت العادة. ولولا أن لمحت صورة صغيرة وجانبية له في دكان صغير لما تنبّهت أصلاً إلى غيابه التام عن المشهد العام».

وتضيف: «حتى في الجلسات الضيقة، ما عاد أحد يتحدث عنه، وبدا لي ذلك أكثر غرابةً أنه تزامن مع توقيت الذكرى... قد يبدو لوهلة أن ثمة عدم اكتراث به، لكنني أعتقد أنه أصبح ذلك الغائب (المسكوت عنه). إنه اليوم (التابو) الشيعي بامتياز».

وحسب السيدة، وهي القريبة من بيئة الحزب وتحظى بثقة داخل مجتمعه الضيق، من دون أن تكون جزءاً منه يبدو أنه «لم يعد من محبين لـ(السيد) من خارج نواة المحازبين الصلبة ومن هم على لائحة الرواتب الحزبية».

فحتى جمهوره العريض السابق لم يذهب إلى دور العزاء وهي «طقس محوري بالنسبة للشيعة».

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلام الحزب وصور أمينه العام السابق حسن نصر الله في الذكرى الثانية لاغتياله (د.ب.أ)

لم يبق إلا «الحرس»

يعيدني محدّثي الجنوبي إلى إرث نصر الله ليقول إنه «لم يبقَ من يرثه... حتى (حزب الله) كما نعرفه مات بموته».

ولشرح وجهة النظر تلك، يفنّدها صاحبها بالقول «في السياسة، تسبب نصر الله بإحراجٍ سياسيٍّ غير مسبوق لأقرب حلفائه، لجهة إعلانه حرب الإسناد بعدما تعهد شخصياً لرئيس مجل النواب نبيه برّي بعكس ذلك. ثم بعد إطلاق الصواريخ الستة، أجرى بري اتصالاته وحاول إقناع الحزب بعدم إصدار بيان يتبنى فيه الصواريخ، وأخذ تعهداً صريحاً آخر لم يعش سويعات حتى تم نقضه أيضاً».

وحتى 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 لعب نصر الله دوراً إقليمياً مع هامش مناورة مريح نسبياً فكان «الوسيط الأمين بين إيران ولبنان؛ حكومةً وطوائف وشعباً ومؤسسات، وأدى أدواراً في العلاقة مع المحيط والخارج، مُعفياً طهران من كثير من المواجهات المباشرة مع دول الجوار؛ فيمرر القرارات ويتلقى الصدمات عوضاً عنها».

لكن ذلك، يقول المصدر، بدأ يتغير تدريجياً بعد «7 أكتوبر»، ثم جذرياً بعد مقتل نصر الله، بحيث «لم يبقَ اليوم إلا (الحرس الثوري). فقط لا غير. (الحرس) يتحكم مباشرةً بكل مفاصل الحزب؛ قيادةً ومقاتلين واستراتيجياً. ونعيم قاسم غير قادر على لعب دور الوسيط أو المرسال».

مشهد من الذكرى الثانية لاغتيال أمين عام حزب الله السابق حسن نصر الله في ضاحية بيروت الجنوبية (رويترز)

أما بالنسبة إلى الهيكلية الحزبية، يتابع المصدر: «فإن حسن نصر الله هو آخر العمامات السوداء في الأمانة العامة. نعيم قاسم صاحب عمامة بيضاء وفي ذلك تراتبية دينية مختلفة، أما نائبه (المتداول) فهو محمد رعد. نائب في البرلمان وليس حتى رجل دين».

وإذا لم نحتسب مَن كان مرشحاً للأمانة العامة قبل قاسم وتم استبعاده (أو هو أبعد نفسه على ما يقول البعض)، أي إبراهيم السيد أمين، وكان الأقرب للمنصب بعد هاشم صفي الدين، فقد يذهب التفكير إلى ابن نصر الله محمد مهدي. رجل دين شاب ومعمم، وكادر حزبي فاعل.

«لكنه لم يؤهَّل لذلك الدور ولم ينضج بعد» على ما يتفق أكثر من مصدر.

أبناء نصر الله... محنة التركة

يشرح أحد المصادر: «بعد مقتله ومن حوله، نتبين أهمية الروابط العائلية في دائرة الثقة التي أحاط نفسه بها والتي تبين أن قيادة الحزب تقوم عليها». وحسب المصدر، فإن «ما نسفه نصر الله في اختياره البقاء في موقعه محاطاً بهؤلاء القادة المقربين منه، وانتظاره الموت الذي كان قادماً إليه لا محالة، هو نسيج العائلة والعشيرة والحزب معاً، وهو ما يصعب، إن لم يكن مستحيلاً، ترميمه».

واللافت أنه في ذلك كله، لم يشمل أبناءه ولم يعمل على تحضير أحدهم لوراثته.

وحسب الكاتب السوسيولوجي، فإن «قادة تاريخيين بهذا الحجم لا يفكرون في التوريث، ربما لنرجسيةٍ ما فيهم، مما يترك الأبناء متخبطين في هويتهم وفي إدارة ثقل التركة على كاهلهم».

والأبناء، وتحديداً جواد ومحمد مهدي اللذان كثّفا من حضورهما في الفترة الأخيرة «ظاهرة تستحق التوقف لا سيما مع محاولة كل منهما أنسنة الأب ومحاكاة صورته... لكن حقيقةً دون كثير جدوى».

وبمتابعة دقيقة لمواقع التواصل الاجتماعي التي يتوسّلها الشابان مؤخراً، ثمة جهد حثيث لديهما باقتباس سلوكيات الأب من تقليد حركة يده، أو طريقة كلامه، إلى شيء من توزيع أدوار، كأن يحاكي الأول قاعدة دينية بعمامته، ويستعين الآخر بغيفارا وتحرر الشعوب حيناً ثم الشهداء والأبرار ويقينه بعودة والده معهم حيناً آخر.

الطفل علي عبّاس (14 عاماً) الذي خسر عينه وأصيب بتشوهات في تفجيرات «بيجر» التي نفذتها إسرائيل في سبتمبر 2024 وهو لا يزال يحاول التعافي (رويترز)

«سحر العيون»... مجرد فقاعة

اليوم، وعوضاً عن البناء على تلك «الأسطورة»، «هزلت رواية نصر الله... وباتت في مهب الريح» يقول أحد المصادر. ويتابع: «بعد سنتين على موته، يكفي أن ننظر إلى الاستسهال في التصرف بسيرته من دائرته المباشرة لندرك أنه ليس هناك مِن قيِّم على هذا الإرث... كل تلك السرديات عن الكاريزما القيادية والشخصية الحاضرة وسحر العيون (التشبيه الشائع عن نصر الله والمستمد من وصف عبد الناصر)، كلها تلاشت فجأة. كأنها كانت مجرد فقاعة. فيكفي أن يزعم سياسي هامشي على شاشات التلفزة أنه كان يجالسه نحو 7 ساعات! أيُّ مبالغة تلك؟ أو مثلاً ابنه (مهدي) الذي راح يتحدث كيف يحضّر له الفطور، أو الفيديو الذي ظهر له وهو يتجول في السيارة في الضاحية ولا نعرف له سياقاً أو تاريخاً أو مصدراً. هل هو الإعلام الحزبي؟ تلفزيون المنار؟ مَن قرَّر أن هذه القصص يجب أن تخرج اليوم إلى العلن؟».

فقدان الصوت والصورة

مزيد من الأسئلة التي تصب كلها في إطار استباحة الرواية التي كان نصر الله يحتكرها. روايته عن نفسه وعن حزبه، ويضبط إيقاعها عبر آلة إعلامية ملتزمة لا تخرج عن سياق ما يمليه عليها.

فهل لهذا كان شعار الذكرى «على العهد باقون»؟ وهل لهذا أطلق قاسم مؤسسة لحفظ ونشر تراث نصر الله؟

فتاة من كشافة المهدي تحمل صورة أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)

لعل هدف هؤلاء كان «أنسنة» الرجل وجعله شخصاً في المتناول لإيصال رسالة للحاضنة الشعبية الثكلى، أنه مثلهم وبينهم رغم الغياب.

لكن عملياً، النتيجة جاءت عكسية تماماً.

«الفراغ الذي بحجم الحفرة» وأزمة القيادة يقرأها السوسيولوجي من زاوية الكتلة البشرية التي كانت حاضرة بقوة، وأصبحت «غامضة ومغلقة أكثر من أي وقت مضى»، و«مجهولة تماماً لغير أبنائها المقربين».

ويقول: «كأن الشيعة كلهم انكفأوا وتركوا فراغاً في مفاصل الحياة اليومية، في علاقتهم بالأحزاب الأخرى والطوائف والمجال اللبناني الأوسع». وباستثناء القلة التي تظهر على وسائل التواصل الاجتماعي وتستبسل في الدفاع عن حرب الإسناد، تبدو له الكتلة الاجتماعية التي كان نصر الله صوتها، أقل ظهوراً وحضوراً.

ويقول: «كأنهم بفقدان نصر الله فقدوا الصوت والصورة».

لكن ما يبدو من الخارج ضمور يتكشف في دوائر الثقة الضيقة عن محنة أخرى.

صاحب دكان في بيروت يجلس خارجاً بينما يبث التلفزيون إحدى خطب أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله (أ.ب)

هل «الإيواء» قادم لا محالة؟

تقول السيدة الجنوبية إن «فراغ القيادة الحزبية يبدو اليوم ترفاً مقابل فراغ محركات الحياة اليومية للجنوبيين». وتتابع: «كأن (أمل) ورثت الشارع والمشهد في صور تحديداً عوضاً عن الحزب، وما كان يشكله الحزبيون من رادع للحركيين، ما عاد اليوم موجوداً، فأصبح هؤلاء سلطة أمر واقع يتحكمون بكل شيء... وفي ذلك مرار كثير».

واليوم يريد كثير من الجنوبين تصديق كلام أمينهم العام الجديد بأن «الإيواء» قادم لا محالة، وأن إيران لن تتخلى عنهم وعن دعمعهم بالمال والسلاح والنفوذ، لكنهم يصمتون عن أن المال لن يأتي وأن مجرد استخدام كلمة إيواء بدل «سكن لائق وفرش لائق» التي وعدهم بها نصر الله بعد «حرب تموز 2006»، يقول الكثير عن أحوالهم.

مواطن لبناني من سكان الضاحية يجلس على أنقاض منزله الذي دمّر بالقصف الإسرائيلي الذي استهدف مقرّ الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله في حارة حريك في بيروت في سبتمبر 2024 (أ.ف.ب)

وبين المكابرة والحداد العميق الذي يقاسيه مجتمع الحزب، يبقى أن أكبر صدمة «هي فقدان السلطة و(فائض القوة) الذي تمتعوا به لأكثر من عقدين وأشهروه سلاحاً يومياً في وجه بقية اللبنانيين... لذلك يبدو أن عقدهم الاجتماعي اليوم يقوم على مداواة ذلك الجرح النرجسي بأن يصبّوا جام غضبهم على العملاء».

كأن الحديث المفرط عن الخونة والعملاء يعوّضهم عن ذلك الصمت المطبق عن كل ما عداهم. وهؤلاء بحسبهم هم اللبنانيون، كل اللبنانيين من خارجهم، وكل من لم يساندهم في إسنادهم... فتراهم يستشيطون غضباً في ذكرهم ويستعينون على الشقاء بمزيد من الشتم والوعيد.


من «أحمد الياباني» إلى «طوفان السنوار»... قصة عذابات ونهر من الأضرحة

أوكاموتو أمام ضريح رفيقيه خلال إحياء الذكرى الخمسين لعملية اللد عام 2022 (أ.ف.ب)
أوكاموتو أمام ضريح رفيقيه خلال إحياء الذكرى الخمسين لعملية اللد عام 2022 (أ.ف.ب)
TT

من «أحمد الياباني» إلى «طوفان السنوار»... قصة عذابات ونهر من الأضرحة

أوكاموتو أمام ضريح رفيقيه خلال إحياء الذكرى الخمسين لعملية اللد عام 2022 (أ.ف.ب)
أوكاموتو أمام ضريح رفيقيه خلال إحياء الذكرى الخمسين لعملية اللد عام 2022 (أ.ف.ب)

كان حارس المقبرة لطيفاً وودوداً. ولعله ابتهج أن سكان الأضرحة التي يعايشها لم يغرقوا في النسيان الكامل، وأن هناك من لا يزال يزورهم أو يسأل عنهم. طاف بي بين أضرحة «مقبرة شهداء الثورة الفلسطينية» في بيروت، واستوقفتني أسماء كثيرة، بينها اسم بلقيس، زوجة الشاعر نزار قباني، التي قُتلت في انفجار ضرب السفارة العراقية في بيروت، وقد زُيّن ضريحها بأبيات من رثائه الموجع لها.

وتلعب الصدف أحياناً دوراً في تقرير المصائر. ولا غرابة أن تبدأ الحكايات من شرارة غير مقصودة. وسأروي قصة صدفتين.

روى لي حازم جواد، الذي قاد «البعث» العراقي إلى السلطة عام 1963، حكاية ذات دلالات. قال إن فريقاً في قيادة الحزب قرر عام 1959 اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم. تم اختيار الفريق المكلف بالاغتيال، لكن أحد أفراده اعتذر عن المشاركة بعدما كان قد وافق. تحت ضغط الوقت، سألت القيادة مسؤولاً حزبياً إن كان يعرف شاباً بديلاً للمعتذر، فحمل إليهم اسم الشاب صدام حسين. شارك صدام في محاولة الاغتيال الفاشلة، وأصيب بجرح في ساقه. فرّ إلى سوريا، حيث التقى مؤسس الحزب ميشال عفلق الذي وقع في الإعجاب بهذا الشاب، وأعطاه بعد سنوات قليلة فرص الصعود في الآلة الحزبية.

في الفترة نفسها، سمعت من رفاق القائد الفلسطيني الدكتور وديع حداد عن دور لعبته الصدفة. كان حداد يخطط لعملية مطار اللد، التي نُفذت في 30 مايو (أيار) 1972 وأسفرت عن مقتل عشرات الأشخاص، معظمهم من السياح.

تقول الرواية إن شاباً كان مقرراً أن يشارك في التنفيذ غرق بينما كان يسبح في منطقة الروشة في بيروت. لم تنتبه أجهزة الاستخبارات إلى الحادث وطبيعة دور الغريق، لكن حداد قرر الإسراع بتنفيذ العملية. بحث وديع، مع مجموعة «الجيش الأحمر الياباني»، عن بديل للغريق، فوقع الخيار على كوزو أوكاموتو، «أحمد الياباني»، وفقاً لتسمية «المجال الخارجي» التابع لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين».

غسان شربل بين أضرحة مقبرة الثورة الفلسطينية (الشرق الأوسط)

استقبل حداد أعضاء الفريق وزودهم بتعليماته بعد تلقيهم تدريبات في بعلبك في البقاع اللبناني. غادروا بيروت إلى محطة أوروبية، ومنها إلى روما، حيث صعدوا إلى طائرة للخطوط الجوية الفرنسية متجهة إلى مطار اللد الإسرائيلي.

كان طابع العملية انتحارياً، إذ لم يكن مقدراً أن يبقى أحد من المهاجمين حياً. لعبت الصدفة دورها: قُتل اثنان من المهاجمين، وجُرح أوكاموتو واعتُقل. وسيشعر أوكاموتو بالأسى على مدى سنوات «لأنه لم يتمكن من ترك جثته في تراب فلسطين»، و«لأنه لم يتحول إلى نجمة في السماء على غرار ما حدث لرفيقيه»، وفقاً لمعتقداته اليابانية.

تعرض أوكاموتو في سجنه الإسرائيلي إلى تعذيب غير مسبوق. سُجن مقيّد اليدين في قفص للكلاب. وكان عليه، على مدى سنوات، أن ينتظر عواء كلب ويرد عليه بالعواء كي يأتيه الجندي بالطعام، من دون أن يوجه إليه سؤالاً أو كلمة.

وفي هذا العزل القاتل، فقد الأسير قدرته على استخدام يديه أو التفكير باستخدامهما. ولعله كان يتوقع أن يهرم ويموت في سجنه الإسرائيلي، لكن حدثاً غيّر مسار حياته.

كانت «الجبهة الشعبية - القيادة العامة»، بزعامة أحمد جبريل، تحتجز ثلاثة جنود إسرائيليين بعد الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982. خاضت الجبهة في منتصف الثمانينات مفاوضات شاقة غير مباشرة مع إسرائيل، شارك في تسهيلها المستشار النمساوي برونو كرايسكي. خلال تلك المفاوضات التي دامت نحو سنتين، أصر جبريل على أن تشمل عملية التبادل أسماء بارزة تقيم في السجون الإسرائيلية.

نضجت المفاوضات وحان وقت التبادل في 20 مايو (أيار) 1985. شاءت المهنة أن أكون حاضراً. أقلعت طائرتنا من دمشق إلى جنيف حاملة أحد الجنود الإسرائيليين الثلاثة. وبعد نجاح التبادل في جنيف، أقلّتنا الطائرة إلى طرابلس، إذ كان جبريل يريد إهداء النصر أيضاً إلى العقيد معمر القذافي، الذي لم يبخل على جبريل بالدعم على أنواعه.

كان أبرز من أُفرج عنهم بموجب صفقة التبادل الشيخ أحمد ياسين، زعيم حركة «حماس»، وزياد النخالة، الذي تولى لاحقاً منصب الأمين العام لـ«الجهاد الإسلامي»، وجبريل الرجوب، القيادي الفلسطيني المعروف. أما الرابع فكان أوكاموتو، الذي بدأ فصلاً جديداً ومختلفاً في حياته.

بعد إقامة محدودة في ليبيا، توجه أوكاموتو إلى سوريا، وأغلب الظن أنه انتقل سراً إلى لبنان في حدود 1987، وأقام مع رفاق له في منطقة البقاع، طبعاً مع تبديل مكان إقامته من وقت إلى آخر. عام 1997 اعتقلت السلطات اللبنانية في البقاع مجموعة من اليابانيين، وحُكم على أوكاموتو بالسجن ثلاث سنوات بتهمة الدخول خلسة إلى البلاد. أُفرج عن المجموعة عام 2000، لكن عودة أوكاموتو إلى اليابان لم تكن واردة، إذ كان مطلوباً فيها.

نجحت «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» في إطلاق تحركات احتجاجية بالتعاون مع عدد من الأحزاب والشخصيات، وكان الغرض السماح له بالبقاء في بيروت. كان سليم الحص رئيساً للحكومة، واللواء جميل السيد مديراً للأمن العام، والجنرال إميل لحود رئيساً للجمهورية. وفي خطوة غير مسبوقة، منحت السلطات اللبنانية أوكاموتو صفة «لاجئ سياسي»، مشترطة عليه عدم القيام بأي نشاطات على الأرض اللبنانية.

أخذت «الجبهة الشعبية» على عاتقها حفظ الجميل للمقاتل الياباني، وتحملت نفقات إقامته وتطبيبه وإعادة تأهيله. لم يكن يشارك في أي نشاط علني باستثناء وضع إكليل سنوي على النصب التذكاري لشهداء عملية اللد في مقبرة الشهداء. وكان يجدد العهد لرفيقيه بالتحول إلى نجمة في السماء.

نصب المشاركين اليابانيين في عملية اللد (الشرق الأوسط)

خرج أوكاموتو من سجنه الإسرائيلي مدمراً. كان يشبه «رفات رجل». كان ظهره محنياً ويداه معطلتين، ويأكل مباشرة بفمه من دون استخدام يديه. لم يكن يعرف كيف يستحم أو يصنع القهوة، ولم يجرؤ على إطفاء المصباح.

لم يكن يرغب في استعادة ما حدث في هجوم اللد، ولم يحدثه المهتمون عنه بما يمكن أن يفتح جروحه. تولى أطباء موثوقون مساعدته. ومن 2008 إلى 2021 تولى سميح رزق الاهتمام به، وكان بالنسبة إليه بمثابة «الأب والأخ والصديق والرفيق». بعد وفاة سميح، انتقلت مسؤولية الاهتمام بأوكاموتو إلى فؤاد ضاهر، مسؤول العمل الاجتماعي في «الجبهة الشعبية» في لبنان، والذي ربطته بالياباني علاقة مودة بدأت من أيام سميح.

كان أوكاموتو يحب بحر صور، وكان المهتمون به يأخذونه إلى هناك. استرجع قدراً من العيش شبه الطبيعي. كان يحب تناول الأسماك واللحم والدجاج، ويخطر بباله أحياناً تناول كأس من النبيذ أو قنينة من البيرة. كان أحياناً يطلب سندويتش فلافل أو شاورما. كانت عربيته ركيكة، وإنجليزيته مثلها.

كانت تحركاته لا تُعلن مسبقاً، ولم يشعر المهتمون به بأن إسرائيل حاولت الوصول إليه مجدداً. أميركا أعلنت قبل سنوات عن جائزة قدرها خمسة ملايين دولار لمن يرشد إلى مقر إقامة أوكاموتو، لكن «الجبهة» لم تبلغ الرجل الذي أقام في سنواته الأخيرة مع عائلة أحبها وأحبته. لم يتزوج، ولم تكن له صديقة، ولم يكن مهتماً بهذا الأمر. لم يحاول أحد من عائلته في اليابان زيارته أو مراسلته.

فؤاد ضاهر الذي رافق أوكاموتو في سنواته الأخيرة يتحدث إلى غسان شربل (الشرق الأوسط)

يقول فؤاد ضاهر: «أوكاموتو جزء من حالة. زرت أمس مقابر شهداء الثورة الفلسطينية، وقلت لشخص التقيته هناك إن المقبرة تعبر عن أممية القضية الفلسطينية التي تضم جنسيات وأدياناً مختلفة. فيها الياباني والفرنسي والتركي والإيطالي والإيراني والعراقي. إذا ذهبت إلى حارس المقبرة يطلعك عليهم. ضريح كمال ناصر المسيحي يجاور ضريح محمد يوسف النجار وكمال عدوان».

في يوليو (تموز) الماضي، تدهورت صحة أوكاموتو، وفي 23 منه توفي في «مستشفى الرسول الأعظم».

أثارتني قصة أوكاموتو، فقلت أزور مقبرة الشهداء. جلت بين أضرحة كثيرة، بينها أضرحة غسان كنفاني وأبو حسن سلامة وكمال ناصر وبلقيس، زوجة الشاعر نزار قباني، وشاهدت أضرحة «الشهداء الأجانب».

الصدفة تلعب دورها. لم أخطط للكتابة عن أوكاموتو. زرت مخيم مار إلياس في بيروت لجس نبض الناس عشية إطفاء «طوفان السنوار» شمعته الثالثة. عاينت بؤس الإقامة في المخيم، لكنني لمحت على الجدار صورة أوكاموتو، فذهبت القصة في اتجاه آخر.

ضريح غسان كنفاني (الشرق الأوسط)

أخذني الحارس إلى ضريح غسان كنفاني، عضو المكتب السياسي لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين». لاغتياله علاقة مباشرة بهجوم مطار اللد وما فعله أوكاموتو ورفيقاه. كان الناطق الرسمي باسم «الجبهة» التي أعلنت مسؤوليتها عن الهجوم.

روى لي رفاق وديع حداد أنهم قلقوا على سلامة كنفاني. نصحوه بتغيير مقر إقامته وسيارته، لكنه لم يتجاوب «فقد خشي أن يُتهم بالتصرف كبرجوازي». لم تتأخر يد «الموساد» في الوصول إليه. في 8 يوليو (تموز) 1972 انفجرت قنبلة في سيارته وقتلت معه لميس نجم (17 عاماً)، ابنة شقيقته. قفزت إلى ذاكرتي عناوين بعض رواياته: «أم سعد» و«رجال في الشمس» و«عائد إلى حيفا».

في هذا المكان الهادئ يقيم رجل صاخب اسمه أبو حسن سلامة. ابن عائلة ثرية اقتدى بتجربة والده في التصدي للاحتلال. عاشق للنضال والعيش والنساء والسهر، وانشغلت بيروت طويلاً بزواجه من ملكة جمال لبنان والعالم جورجينا رزق. أسس الجهاز العسكري الذي سمي «القوة 17»، المكلفة بحماية ياسر عرفات. كان قريباً من مكتب القائد وقلبه.

ضريح علي حسن سلامة في مقبرة الثورة (الشرق الأوسط)

شارك أبو حسن سلامة في الإشراف على عمليات خارجية طالت مصالح إسرائيلية. اغتاله «الموساد» الإسرائيلي في بيروت في 22 يناير (كانون الثاني) 1979 بعد مطاردة طويلة. نُسجت حول دور «الأمير الأحمر» روايات كثيرة، بينها أنه اغتيل بسبب علاقته بالهجوم على الفريق الإسرائيلي في الدورة الأولمبية في ميونيخ عام 1972. والحقيقة هي أنه لم تكن له أي علاقة، لا بطرح الفكرة ولا بالتنفيذ، وفقاً لما أكده لي محمد عودة (أبو داود)، الذي أدخل المهاجمين إلى القرية الأولمبية ومعهم الأسلحة التي أحضرها صلاح خلف (أبو إياد) شخصياً إلى ميونيخ. وثمة من يعتقد أن سلامة، الذي نجح أحد أعضاء «الموساد» في الاقتراب منه، اغتيل «بسبب نجاحه في فتح خط مع الـ(سي آي ايه) وهو ما أثار قلقاً شديداً لدى إسرائيل».

مررنا أيضاً بضريح القيادي والأديب الفلسطيني ماجد أبو شرار الذي فخّخ «الموساد» سريره في أحد فنادق روما، حيث كان يشارك إلى جانب الشاعر الكبير محمود درويش في مؤتمر للتضامن مع الشعب الفلسطيني. عادت إلى ذاكرتي قصيدة محمود «صباح الخير يا ماجد»، التي استهلها قائلاً: «قُمْ، اقرأ سورة العائد، وحثّ السير إلى بلد فقدناه بحادث سير».

قال الحارس إن الجنسيات تتجاور في المقبرة، وكذلك الأديان. وأشار إلى أن كمال ناصر، القيادي الفلسطيني المسيحي، ينام في المقبرة إلى جانب كمال عدوان وأبو يوسف النجار. وكان كمال ناصر، الشاعر، قد «غار» من جنازة غسان كنفاني قائلاً: «يا سلام، هكذا يكون عرس الكاتب الشهيد».

اغتيل ناصر وعدوان والنجار في 10 أبريل (نيسان) 1973، في ما عُرف بـ«عملية فردان» التي شنها الجيش الإسرائيلي ليلاً في بيروت. وفي تلك الليلة شارك في الاغتيال الثلاثي ضابط إسرائيلي تنكر في ثياب امرأة اسمه إيهود باراك، وسيتولى لاحقاً منصب رئيس الوزراء.

ضريح آخر لا يقل إيلاماً. في 15 ديسمبر (كانون الأول) 1981 اقتحمت سيارة مفخخة مبنى السفارة العراقية في بيروت. كان بين الضحايا الدبلوماسية بلقيس الراوي، زوجة الشاعر الكبير نزار قباني. وقد زُيّن الضريح بمقطع من قصيدة للشاعر جاء فيه:

بلقيس...

يا عطراً بذاكرتي

يا زوجتي... وحبيبتي... وقصيدتي

نامي بحفظ الله... أيتها الجميلة

فالشعر بعدك مستحيل...

والأنوثة مستحيلة

أبيات نزار قباني على شاهد قبر بلقيس (الشرق الأوسط)

لا يريد الحارس صورة أو كلاماً. قال: «أنا مجرد ناطور، والقصة هي عند سكان الأضرحة». سألته من يوفر له راتبه، فأجاب إنها حركة «فتح».

تذكرت في طريق العودة محمود درويش العصي على النسيان. تذكرت أيضاً ياسر عرفات، الذي كان يحلم بقبر في فلسطين حرة. رجعت مثقلاً بـ«طوفان الأضرحة».