في داريا قرب دمشق... سوريون يعيدون بناء حياتهم وأحيائهم المدمرة

بعد 8 ديسمبر عاد عشرات الآلاف من السكان بخبراتهم الجديدة ومهاراتهم وحتى أموالهم

شابان سوريان يقفان على تلة في داريا مُطلّة على القصر الرئاسي الفسيح للرئيس السابق بشار الأسد في دمشق أواخر أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)
شابان سوريان يقفان على تلة في داريا مُطلّة على القصر الرئاسي الفسيح للرئيس السابق بشار الأسد في دمشق أواخر أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)
TT

في داريا قرب دمشق... سوريون يعيدون بناء حياتهم وأحيائهم المدمرة

شابان سوريان يقفان على تلة في داريا مُطلّة على القصر الرئاسي الفسيح للرئيس السابق بشار الأسد في دمشق أواخر أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)
شابان سوريان يقفان على تلة في داريا مُطلّة على القصر الرئاسي الفسيح للرئيس السابق بشار الأسد في دمشق أواخر أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)

لداريا مكانة خاصة في تاريخ الثورة السورية. على مسافة سبعة كيلومترات فقط من العاصمة دمشق، وعلى مرمى البصر من القصر الرئاسي الفسيح للرئيس السابق بشار الأسد. قدّم أهلها الزهور للجنود الذين أُرسلوا لقمع احتجاجاتهم السلمية في مارس (آذار) 2011، لكنهم دفعوا ثمناً باهظاً لصمودهم؛ إذ قُتل ما لا يقل عن 700 شخص في أسوأ مذبحة شهدتها الحرب في أغسطس (آب) 2012.

بعد الإطاحة بحكم بشار الأسد، عاد الرسام بلال شوربه إلى مدينة داريا ليفاجأ بأن عدداً من الجداريات التي رسمها قبل نحو عقد من الزمن لتحاكي تجارب الحصار والاعتقال والتوق للحرية، ما زالت صامدة.

في المدينة الوحيدة التي أخلاها الحكم السابق تماماً من سكانها في ذروة سنوات النزاع السوري، يتفقد شوربه (31 عاماً) إحدى رسوماته على جدار مهدّم في أحد الأحياء. تجسّد «سمفونية الثورة» كما سمّاها، كيف تحوّلت التحركات السلمية إلى نزاع مسلح تعدّدت أطرافه. وتظهر في الرسم فتاة برداء أبيض تعزف الكمان، وخلفها جندي يصوّب بندقيته تجاهها، ومن خلفه مقاتل يلاحقه ويقع بدوره تحت مرمى بندقية مقاتل من تنظيم «داعش».

.

بلال شوربه المعروف بـ«بانكسي السوري» يشير إلى جدارية في مبنى مدمر رسمها عام 2016 قبل فراره من داريا (أ.ف.ب)

ويرى شوربه الذي أمضى السنوات الأخيرة لاجئاً في تركيا، وعاد إلى دمشق بعد تسلّم السلطات الجديدة الحكم في البلاد، أن بقاء عدد من جدارياته الثلاثين بعد كل هذه السنوات، هو «انتصار». ويقول لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «رغم دخول النظام إلى المنطقة وتهجيرنا، بقيت تلك الرسومات البسيطة، وهرب هو».

في مارس 2011، كانت المدينة الواقعة على مسافة سبعة كيلومترات جنوب غربي دمشق، في طليعة حركة الاحتجاج السلمي ضد السلطة، ووزّع المتظاهرون فيها، وبينهم غياث مطر الذي اعتقل وقتل تحت التعذيب، الورود والمياه على الجنود.

لكنّ مع تطوّر الأحداث إلى نزاع دام، شهدت داريا مجزرة في صيف 2012 قُتل فيها 700 من سكانها على أيدي القوات الحكومية السابقة ومقاتلين موالين لها، قبل أن يحاصرها هؤلاء بشكل محكم لنحو أربع سنوات. وأسفرت الهجمات عن تشريد كل سكانها الذين تجاوز عددهم 250 ألفاً، بين نازحين ولاجئين، في دول الجوار وصولاً إلى أوروبا التي استقطبت قبل عقد موجة كبرى من اللاجئين.

الفنان بلال شوربه يستخدم هاتفه المحمول لالتقاط صورة لمبنى مدمر رسم عليه جدارياته عام 2016 قبل فراره من داريا مع ملاحقة النظام له (أ.ف.ب)

عام 2013، وصل شوربه إلى داريا آتياً من دمشق المجاورة، للالتحاق بالمعارضة المسلحة. أحضر معه «حقيبة صغيرة فيها دفتر رسم وأقلام تلوين ورواية البؤساء، مع ثياب تكفي ليومين أو ثلاثة».

لم يتوقع حينها أن الحرب ستغيّر حياته، وأنه سيبقى مع بضعة آلاف من سكان داريا محاصرين لنحو أربع سنوات اضطروا خلالها إلى طهي الحشائش والأعشاب بعد منع دمشق دخول المساعدات الغذائية إلى المنطقة. في أغسطس 2016، أخلت السلطات من تبقى من سكان ومقاتلين إلى محافظة إدلب (شمال غرب).

نبني منازلنا

في عام 2019، وبعدما كانت قوات الأسد استعادت السيطرة على مناطق واسعة خسرتها في السنوات الأولى من الحرب، سمحت دمشق لسكان داريا، خصوصاً النازحين إلى محيطها، بالعودة تباعاً بعد تدقيق أمني. وكان غالبية العائدين من النساء والأطفال والمسنين.

بعد الثامن من ديسمبر (كانون الأول)، عاد عشرات الآلاف من السكان، لا سيما اللاجئين إلى دول الجوار، وبينهم أطباء ومهندسون وعمال ومزارعون. وحمل عديدون منهم خبراتهم الجديدة ومهاراتهم وحتى أموالهم.

وعاد كذلك ناشطون وحقوقيون اختبروا آليات العمل الديمقراطي ومناخ الحريات في دول اللجوء، والتي لم يتذوقوا طعمها يوماً في سوريا.

تختصر داريا، المدينة التي يمكن منها رؤية القصر الرئاسي بالعين المجردة، مأساة حرب قتلت أكثر من نصف مليون شخص وشرّدت الملايين. أحياء بأكملها سُوّيت بالأرض، مرافق خدمية مدمّرة، شحّ في المياه والكهرباء وغياب الاتصالات عن أحياء عدة. ربع آبار المدينة فقط تعمل ومياه الصرف الصحي تفيض في أحياء عدة.

حسام لحام عضو مجلس الإدارة المدنية في داريا إحدى ضواحي دمشق يُطلّ من شرفة المستشفى الذي دُمّرَ تماماً عام 2016 (أ.ف.ب)

وبحسب مسح أجرته الجمعية الأميركية للمهندسين السوريين، في أبريل (نيسان)، تدمّر نحو 65 في المائة من أبنية المدينة تماماً، وتضرّر نحو 14 في المائة. أما النسبة المتبقية فهي صالحة للسكن، لكنها تحتاج إلى ترميم نسبي وإكساء.

مع ذلك، لم يتردّد حسام اللحام (35 عاماً) في العودة مع عائلته التي كوّنها في إدلب ليرزق بأصغر بناته الثلاث في دمشق هذا العام. يقول اللحام الذي نشط بعد عام 2011 في العمل الإغاثي داخل داريا قبل أن يصبح قائداً عسكرياً ويغادرها في عداد من تمّ إجلاؤهم منها عام 2016: «قررنا أن نعود إلى داريا؛ لأننا الوحيدون القادرون على إعادة بناء منازلنا».

ويضيف الرجل الذي يقود (لجنة المبادرات) ضمن الإدارة المدنية لداريا، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «إذا انتظرنا المجتمع الدولي والمنظمات، فقد لا نرجع»، مضيفاً: «نرمّم بيوتنا بأنفسنا، لكن نريد المساعدة في البنى التحتية».

وتعوّل السلطات الجديدة على دعم دولي لإطلاق مرحلة إعادة الإعمار، لكن الأولويات كثيرة والإمكانات المتوفرة متواضعة.

آمنة خولاني المدافعة عن حقوق الإنسان وعضو الهيئة الوطنية للمفقودين والمختفين في سوريا تتفقد أنقاض وأراضي منزل عائلتها في داريا قرب دمشق (أ.ف.ب)

وتعني العودة إلى داريا أيضاً للحام الذي فقد خلال الحرب أكثر من ثلاثين شخصاً من أقربائه وأصدقائه، الوفاء «للسوريين الذين دفعوا ثمناً باهظاً من أجل حريتهم». ويكرّس لحام الذي استأنف أيضاً الدراسة في اختصاص إدارة الأعمال، جزءاً كبيراً من وقته مع متطوعين لجمع المساعدات وإقامة اتصالات مع منظمات من أجل الحصول على تمويل لتأهيل مرافق متضررة، بينها مدرسة ومستشفى. ويقول: «أنهض صبيحة كل يوم وأقول لنفسي... يجب أن نبحث عن متبرّع جديد».

هياكل خرسانية

وبينما سوّت العمليات العسكرية أحياء بأكملها بالأرض على غرار حي الخليج المحاذي لقاعدة المزة العسكرية، تبدو أحياء أخرى مهدمة جزئياً شبه مقفرة، وتقتصر الحركة فيها على سكان يقطنون منازل رمّموها على عجل في أبنية متصدّعة.

وتبدو أحياء أخرى أقل تضرّراً أشبه بخلية نحل. يتوزّع عمّال على الأسطح، يرمّمون مدرسة هنا ويعيدون بناء واجهة مبنى هناك، بينما ينهمك آخرون بإعادة تأهيل مضخة مياه أو نقل مفروشات صُنعت في المدينة التي يكاد لا يخلو حي فيها من ورشة نجارة.

د. حسام جاموس اختصاصي أذن وأنف وحنجرة يصافح صديقاً خارج عيادته في داريا جنوب غربي العاصمة السورية (أ.ف.ب)

والقطاع الطبي من أكثر القطاعات تضرراً، نتيجة خروج أربعة مستشفيات خلال الحرب من الخدمة، أبرزها مستشفى داريا الوطني الذي افتتح عام 2008 بقدرة استيعابية تصل إلى نحو 200 سرير. وبات المستشفى المصمّم أساساً لخدمة أكثر من مليون شخص، عبارة عن هيكل خرساني ضخم أخرجه القصف من الخدمة صيف 2016. ثم نُهبت محتوياته بالكامل، واقتُلع بلاطه وأسلاك الكهرباء وأبواب ونوافذ منه.

ويعرب لحام عن اعتقاده بأن «تأمين خدمات صحية من شأنه أن يشجّع الناس على العودة».

ولجأ أطباء داريا من أصحاب الاختصاصات إلى دول عدة بينها مصر والأردن وتركيا وصولاً إلى أوروبا. ولم يعد الجزء الأكبر منهم بعد.

«أخدم بلدي»

لكن الاختصاصي في جراحة الأنف والأذن والحنجرة، د. حسام جاموس (55 عاماً)، قرّر العودة من الأردن، بعد مغادرته وعائلته عام 2012.

ويقول لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» من داخل عيادة افتتحها في داريا وعلّق على أحد جدرانها شهاداته التي حصل على بعضها في الأردن: «توقعت دماراً كبيراً لكن ليس إلى هذه الدرجة».

على مدخل عيادته الجديدة الذي اخترقه الرصاص، رفع جاموس لافتة كبيرة تحمل اسمه ومجالات تخصصه. وبعد أسابيع من العمل، تجاوز عدد مرضاه المئات، من أطفال مصابين بالتهاب اللوز إلى مرضى يعانون من «ثقوب في غشاء طبلة الأذن أو كسور أنف جراء الضرب تحت التعذيب أو الاعتقال». ويتابع: «كما خدمت أبناء بلدي اللاجئين في الأردن، أتابع اليوم الخدمة ذاتها في بلدي».

عمار زيادة أحد مؤسسي صحيفة «عنب بلدي» المستقلة يقف وسط أنقاض مبنى صدر منه أول عدد في داريا قرب دمشق 10 نوفمبر (أ.ف.ب)

إعلام مستقل

والعودة إلى سوريا هي كذلك هدف فريق عمل جريدة «عنب بلدي»، التي طبعت أول أعدادها في داريا عام 2012 قبل أن تنتقل إلى بلدان عدة، بينها تركيا وألمانيا.

من «فكرة حالمة» بدأتها مجموعة ضمّت أكثر من 20 شاباً وشابة، قُتل أربعة منهم خلال المرحلة التأسيسية، باتت الصحيفة التي تصدر اليوم إلكترونياً من دمشق، من أبرز المنصات المستقلة في سوريا.

أمام منزل مهدّم صدر منه العدد صفر، يقول أحد مؤسسي الصحيفة ومدير تحريرها عمار زيادة (35 سنة): «كانت فكرتنا حينها أن نصدر صحيفة محلية في داريا. لم نتوقع أبداً أن تتوسّع ويصبح لها هذا الحضور على خريطة الإعلام في سوريا».

مع عودة عدد من فريق المنصة من الخارج، حيث طوروا مهاراتهم وخبراتهم، وانضمام صحافيين شباب إليها من خلفيات متعددة مناطقياً ودينياً، تعمل «عنب بلدي»، وفق ما يشرح زيادة، على إنتاج «محتوى مهني مستقل» بعد عقود فرضت خلالها السلطات المتعاقبة قيوداً على عمل الصحافة وحوّلتها إلى أداة دعائية.

ويأمل زيادة أن «ينتزع الإعلام المستقل مساحة من الحرية المتاحة حالياً» في سوريا رغم التحديات، مضيفاً: «ندفع لأن يكون مهنياً، ويتمكّن من نقل صوت الناس، وألا يكون تابعاً أو موجَّهاً سياسياً من أجل خدمة الأطراف السياسية».

يساعد تلاميذ مدرسة في داريا بريف دمشق في نقل مقاعد جديدة إلى فصولهم الدراسية 28 أكتوبر (أ.ف.ب)

صعوبات تعليمية

يقطن حالياً في داريا، وفق بلديتها، نحو مئتي ألف شخص، ثمانون ألفاً منهم عادوا بعد الإطاحة بالأسد.

بين هؤلاء النجار محمّد نكاش (31 عاماً) الذي اصطحب زوجته وطفليه، عمر (ست سنوات) وحمزة (ثماني سنوات) المولودين في تركيا، ليتعرّفا إلى عائلته ويترعرعا في المدينة.

ويعمل نكاش الذي انشق عن الجيش عام 2012 وقتل له شقيق في السجن، في ورشة نجارة يملكها والده، في حرفة تتوارثها عائلته على غرار عائلات كثيرة في المدينة.

ويقول إن طفليه واجها في البداية صعوبة في الاندماج، مضيفاً: «عندما وصلنا إلى هنا لم يقتربا من والديّ وإخوتي»، ما دفعه لعرضهم على ثلاثة أطباء ظناً منه أنهم يعانيان من التوحد. لكن بعد بضعة أشهر، اعتاد الطفلان على العائلة وأطفال الحي، وباتا يرتادان مدرسة قريبة، على غرار 14 ألف طالب يشقون طريقهم يومياً بين أبنية مهدمة إلى 17 مدرسة، من 24 كانت موجودة قبل 2011، وفق ما يشرح مسؤول تربوي، من دون كشف اسمه.

ويشكو القطاع التعليمي اليوم من نقص كبير في عدد المدرسين والتجهيزات. ويقول المسؤول التربوي إن التلامذة القادمين من تركيا يواجهون «صعوبة تتعلق باللغة العربية التي يتكلمونها لكن لا يجيدون كتابتها»، ما يدفع الإدارة التربوية إلى «تنظيم دورات في اللغة العربية».

يقول رئيس بلدية داريا محمّد جعنينة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن مواطنين «عادوا ووجدوا منازلهم مدمّرة يطالبوننا بتأمين المأوى أو الدعم» لإعادة بناء منازلهم.

ويواجه عدد كبير من السكان عقبة رئيسية تتمثل في صعوبة إثبات ملكياتهم بسبب فقدان مستنداتهم، ما يحول دون قدرتهم على إعادة البناء، وهي معضلة يواجهها السوريون في مدن عدة.

«قبر لأشقائي»

في داريا، لا تشكل الأبنية المهدمة وحدها شاهداً على حقبة الحرب. في «مقبرة الشهداء» التي استُحدثت خلال الحرب، ترقد جثامين 421 شخصاً من المدينة موثقين بالأسماء، قتلوا بين عامي 2012 و2016. وتضمّ المقبرة كذلك مدفناً جماعياً فيه جثث مجهولة الهوية دفنت في جزء كبير منها بعد «مجزرة» داريا.

آمنة خولاني المدافعة عن حقوق الإنسان وعضو الهيئة الوطنية للمفقودين والمختفين في سوريا تتفقد أنقاض منزل عائلتها في داريا قرب دمشق 28 أكتوبر (أ.ف.ب)

ويروي عدد من سكان المدينة الذين التقتهم «وكالة الصحافة الفرنسية»، كيف عمل المقاتلون والناشطون قبل رحيلهم على نزع شواهد القبور بعد تصويرها، ثم طمسها بالتراب، خشية عبث القوات الحكومية بها انتقاماً. لكنهم فور عودتهم، أعادوا تنظيم المقبرة، ووضع الشواهد استناداً إلى صور كانوا قد التقطوها.

وتقول آمنة خولاني، ابنة داريا وعضو الهيئة الوطنية للمفقودين التي شكلتها السلطات الجديدة، بينما تزور المقبرة: «في داريا غصّة، قسم كبير من الأهالي لا يعرفون أين أولادهم».

وتضيف بينما تحاول حبس دموعها: «لا قبر لعائلتي الصغيرة هنا»، مضيفة: «أنا اليوم في نضال لأحصل على قبر لإخوتي» الثلاثة.

واعتقلت القوات الحكومية السابقة أشقاءها، وتبلّغت العائلة لاحقاً بإعدامهم. وظهرت صورة أحدهم في ملفات قيصر التي ضمّت أكثر من خمسين ألف صورة لمعتقلين قضوا في السجون السورية إبان فترة قمع الاحتجاجات السلمية.

امرأة تزور قبراً في «مقبرة الشهداء» في داريا - إحدى ضواحي دمشق في 28 أكتوبر (أ.ف.ب)

ويعد ملف المفقودين بين الملفات الأكثر تعقيداً التي أفرزتها الحرب السورية، ويحتاج سنوات من العمل والتوثيق وخبرات تقنية غير متوافرة محلياً.

منذ أشهر، تتنقل خولاني بين بريطانيا (التي منحتها اللجوء مع أسرتها)، وسوريا حيث تحلم ببناء «دولة مواطنة تتحقق فيها العدالة ومحاسبة المجرمين».

وتقول السيدة التي تحدثت مرتين أمام مجلس الأمن الدولي وتنشط في منظمات عدة: «بعد نضالنا سابقاً للتخلص من الأسد، نبحث اليوم عن قبور». وتضيف: «نريد قبوراً ونريد الحقيقة... ونريد دفنهم بطريقة تليق بهم وتكرّم ذكراهم».

على جدار داخل المقبرة، رسم بلال شوربه بعد عودته إلى داريا جدارية تظهر فيها طفلة تحمل وردة حمراء، تحلم بوضعها على قبر والدها. لكن والدها، على غرار ضحايا كثر، لا قبر له.


مقالات ذات صلة

الشرع: الجولان أرض سورية... وأي وضع غير ذلك باطل

شؤون إقليمية الرئيس السوري أحمد الشرع خلال جلسة حوارية في منتدى أنطاليا الدبلوماسي في تركيا الجمعة (إعلام تركي)

الشرع: الجولان أرض سورية... وأي وضع غير ذلك باطل

أكد الرئيس أحمد الشرع أن سوريا تدفع باتجاه استقرار المنطقة وحل المشكلات عبر الحوار والدبلوماسية والابتعاد عن الصراعات والنزاعات.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع يتحدث خلال جلسة في منتدى أنطاليا للدبلوماسية في أنطاليا - تركيا 17 أبريل 2026 (رويترز)

الشرع: التفاوض مع إسرائيل حول الجولان رهن إبرام اتفاق أمني

قال الرئيس السوري أحمد الشرع، الجمعة، إن بلاده قد تنخرط في مفاوضات مع إسرائيل بشأن الجولان، في حال أبرم الطرفان اتفاقاً أمنياً.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع (رويترز)

الرئيس السوري يبحث مع عبدي وأحمد استكمال عملية الدمج وإعلان حل «قسد»

بحث الرئيس السوري، أحمد الشرع، مع قائد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)»، مظلوم عبدي، والرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في «الإدارة الذاتية»، إلهام أحمد،…

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي زحمة حضور كردي في مركز حكومي في المالكية القديمة بمنطقة القامشلي (أ.ف.ب)

سوريون أكراد يتدفقون إلى مراكز حكومية طلباً لجنسية حرموا منها لعقود

مرسوم أصدره الرئيس السوري أحمد الشرع في يناير (كانون الثاني)، نصّ على منح الجنسية السورية للمواطنين من أصول كردية المقيمين في سوريا، وبمن فيهم مكتومو القيد...

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي صورة نشرتها وكالة «سانا» السورية الرسمية للجيش عند تسلّمه القاعدة (سانا)

دمشق تؤكد تسلّمها كل القواعد التي شغلها الجيش الأميركي في سوريا

أكدت الحكومة السورية، الخميس، أنها تسلّمت كل القواعد العسكرية التي كانت تشغلها قوات أميركية انتشرت في البلاد منذ أعوام في إطار التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش».

«الشرق الأوسط» (دمشق)

ماكرون قلق من عدم احترام وقف إطلاق النار لبنانياً

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
TT

ماكرون قلق من عدم احترام وقف إطلاق النار لبنانياً

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

عجَّل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في التعبير عن دعمه لوقف إطلاق النار لعشرة أيام بين لبنان وإسرائيل الذي أعلنه، مساء الخميس، الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وكذلك فعل جان نويل بارو، وزير الخارجية الذي وصف «الهدنة» بأنها «تشكل مرحلة أولى ضرورية ومرحّباً بها؛ لأنها توفر للسكان فسحة (من الهدوء) بعد عدة أسابيع من النزاع الدموي في لبنان وإسرائيل»، بيد أن ماكرون سارع للإعراب عن «قلقه» من «أن يكون الاتفاق مهدداً بالفعل بسبب استمرار العمليات العسكرية».

والهم الأول للرئيس الفرنسي، بموازاة الاتفاق توفير الأمن للسكان المدنيين» من جانبي الحدود مع وضع الإصبع على الملف الأصعب الذي يتمثل في «تخلي (حزب الله) عن سلاحه، وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية التي تحتلها بإشارته الى «احترام سيادة لبنان وسلامة أراضيه ووقف الحرب». وهذه المخاوف عبَّر عنها بارو الذي دعا إلى «الالتزام الكامل بوقف إطلاق النار» الذي يعني «الامتناع عن أي عمل من شأنه أن يعرّض تنفيذ هذه الهدنة للخطر». وبطبيعة الحال، تريد باريس الذهاب إلى الهدف الأوسع الذي هو «التوصل إلى حل سياسي يشمل الانسحاب الإسرائيلي، ونزع سلاح (حزب الله)، وبما يتيح، على نطاق أوسع، رسم مسار نحو السلام والأمن لكلا البلدين ».

الرئيس دونالد ترمب يتحدث الخميس إلى وسائل الإعلام قبل صعوده على متن مروحية «مارين وان» في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض متوجهاً إلى لاس فيغاس بولاية نيفادا (د.ب.أ)

ولأن فرنسا تعي المخاطر والمطبات التي يمكن أن تعرقل هذا المسار وأهدافه فإنها، وفق ما جاء في إعلان بارو «سوف تظل ملتزمة بشكل كامل، إلى جانب شركائها الأوروبيين والإقليميين والدوليين، بمواكبة العملية الدبلوماسية الجارية».

الدور الفرنسي

أن تشيد باريس بالجهود الأميركية وتحديداً الرئيس ترمب، فلأن ذلك يستجيب لما كانت تطالب به الإدارة الأميركية منذ أشهر طويلة. ودأبت الدبلوماسية الفرنسية على التذكير بأن الجهود التي تبذلها مع واشطن لم تكن تلقى آذاناً أميركية مصغية. من هنا، وأخيراً، فإن اهتمام الرئيس ترمب شخصياً ورعايته اتفاق وقف إطلاق النار يريح فرنسا. وقالت مصادرها إنها لعبت دوراً في «إيصال الرسائل» الى الأطراف المؤثرة في الملف اللبناني بدءاً بالولايات المتحدة والدول العربية الفاعلة، وصولاً إلى الأطراف الأوروبية وأخيراً إلى إيران. وعلم من مصادر رسمية في باريس أن بارو تواصل مع نظيره الأميركي ماركو روبيو بشأن لبنان للنظر في هذه المرحلة وما بعدها.

ليس من العجب أن ترى باريس أن التحديين الرئيسيين اللذين ينتظران السلطات اللبنانية هما من جهة نزع سلاح «حزب الله»، وهو ما التزمت به الدولة اللبنانية، وانسحاب إسرائيل من الأراضي التي تحتلها. من هنا، فإن مصدراً سياسياً فرنسيا رأى أن البيان الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية، الخميس، «يميل لصالح إسرائيل» أقله في نقطتين: الأولى، أنه يعطيها الحق في القيام بعمليات عسكرية حتى ضمن مهلة الأيام العشرة لـ«الهدنة» الأمر الذي يذكر بما كان عليه الوضع بعد التوصل إلى اتفاق وقف النار في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2024.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، تذكّر الأمم المتحدة بأن اتفاق 2024 تم انتهاكه 15400 مرة، خصوصاً من جانب إسرائيل بين المدة الممتدة من تاريخ إعلانه وحتى مارس (آذار) الماضي. والنقطة الثانية أن بيان «الخارجية الأميركية» لا يتناول ملف الانسحاب الإسرائيلي، بينما رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، لا يخفي طموحه بالاحتفاظ بشريط محتل داخل الأراضي اللبنانية يمتد إلى ما بين 8 و10 كلم، ومن البحر وحتى جبل الشيخ.

الخطوات المتقابلة

من المعروف أن العلاقات الفرنسية ــ الإسرائيلية لا تعيش أحلى أيامها. وجاءت تصريحات السفير الإسرائيلي في الولايات المتحدة التي قال فيها إنه «كلما ابتعدت فرنسا عن المفاوضات كان ذلك أفضل» لتكشف عن توترات كامنة بين الطرفين رغم الخطوات التي قام بها بارو، ومنها زيارة إسرائيل مباشرة بعد زيارته الأخيرة للبنان، إلا أن هذا الواقع لا يمنع باريس من تأكيد أنها «ستكون إلى جانب لبنان الذي لا يتعين أن يترك وحيداً». وتعي السلطات الفرنسية أن الرئيس جوزيف عون سيكون بحاجة إلى دعم ومساندة في الأسابيع والأشهر المقبلة لكون لبنان واقعاً بين المطرقة الإسرائيلية وسندان «حزب الله». وتخوف باريس أن يكون كل من هذين الطرفين يستخدم الطرف الآخر ليبرر مواقفه؛ حيث إن إسرائيل سترفض الانسحاب ما لم ينزع سلاح «حزب الله»، والأخير لن يتخلى عن سلاحه ما دام الجيش الإسرائيلي لم ينسحب. من هنا، فإن مصادر فرنسية ترى أن الحل يقوم على اقتراح مبدأ «الخطوات المتقابلة» بحيث لا يعاود ارتكاب الخطأ الذي وقع فيه المبعوث الأميركي توم براك الذي طلب من لبنان نزع سلاح «حزب الله» بالكامل قبل أن تقبل إسرائيل الانسحاب من النقاط الخمس التي تمركزت فيها داخل الأراضي اللبنانية؛ لذا، تدعو باريس لـ«خطوات متوازية ومتقابلة»، لكن أمراً كهذا لا يمكن أن يتحقق من غير ضغوط أميركية جدية، الأمر الذي يعيد طرح إشكالية إعطاء الضوء الأخضر لإسرائيل للقيام بعمليات عسكرية بموازاة المفاوضات في حال قيامها ما سيعني عملياً «التفاوض تحت النار».

نازحون لبنانيون عائدون إلى مناطقهم ومنازلهم في الجنب اللبناني بعد إعلان وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان (رويترز)

فرنسا: مساعدة «البلد الشقيق»

تلاحظ السلطات الفرنسية لبلادها دوراً في لبنان الذي تؤكد مصادرها أنه الموضوع الأول الذي تطرحه الدبلوماسية الفرنسية في جميع لقاءاته ومساعيها. وعكست الصحافة الفرنسية مخاوف باريس من أن يكون نتنياهو بصدد فرض «خط أصفر» جديد في جنوب لبنان كما فعل في غزة وسوريا. ووضعت صحيفة «لو موند» في عددها ليوم الجمعة عنواناً بارزاً يشير إلى «تحديات الهدنة الهشة للبنان». ورغم اعتبارها أن «دينامية جديدة» انطلقت مع وقف إطلاق النار، الأولى من نوعها منذ عام 1991، فإنها بالمقابل فصلت التحديات الكبرى التي يطرحها الواقع الجديد: نزع سلاح حزب الله، الانسحاب الإسرائيلي ، ملف النازحين والأسرى وإعادة الإعمار وترسيم الحدود البرية... من هنا، سيكون لبنان بحاجة لكل الإرادات الراغبة في المساعدة وعلى رأسها باريس التي ترى أن لها دوراً في مساعدة السلطات وتقويتها، ودعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي. وللتذكير، فإن مؤتمراً كان مقرراً عقده لهذه الغاية، الشهر الماضي، تأجل لأمد غير محدد. كذلك تريد باريس أن تكون همزة وصل بين لبنان وسورياً خصوصا في ملف ترسيم الحدود الشرقية. وفي أي حال، فإن فرنسا عازمة على مواصلة دعم لبنان دبلوماسياً وإنسانياً وعسكرياً، وهو البلد الذي يسميه ماكرون «البلد الشقيق».


«حزب الله» يحصي قتلاه مع ترجيحات بتجاوزهم الألف

سيارة إسعاف تنقل مصابين من موقع استهداف إسرائيلي لمبنى في مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)
سيارة إسعاف تنقل مصابين من موقع استهداف إسرائيلي لمبنى في مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)
TT

«حزب الله» يحصي قتلاه مع ترجيحات بتجاوزهم الألف

سيارة إسعاف تنقل مصابين من موقع استهداف إسرائيلي لمبنى في مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)
سيارة إسعاف تنقل مصابين من موقع استهداف إسرائيلي لمبنى في مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)

أعلن «حزب الله» أن أيدي عناصره «ستبقى على الزناد»، وذلك بعد ساعات من سريان وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، جازماً بأنه لن يسكت عن أي خروق إسرائيلية للاتفاق، ولن يكرر التجربة الماضية حين التزم هو باتفاق أكتوبر (تشرين الأول) 2024، في حين واصلت إسرائيل بوقتها اعتداءاتها واغتيالاتها لعناصره وقيادييه.

وانشغل «الحزب»، في الساعات الماضية، بتأمين عودة عدد كبير من النازحين إلى قُراهم، وبمراقبة التطورات على الأرض، لجهة التحركات الإسرائيلية في المناطق المحتلة والاستعداد لمواجهة جديدة في أي لحظة.

إحصاء القتلى

ووفق مواكبين من كثب لوضع الحزب، فإنه لا يزال يعمل على إحصاء عدد قتلاه، دون التوصل حتى الآن إلى حصيلة نهائية؛ نظراً إلى أن عدداً كبيراً من عناصره ما زالوا تحت الأنقاض في القرى والبلدات التي شهدت مؤخراً مواجهات عنيفة كالخيام وبنت جبيل وهي مناطق توجد فيها القوات الإسرائيلية، ما يصعّب عملية البحث عنهم، كما أنه يصعب التعرّف على هويات بعضهم الآخر مع تحولهم إلى أشلاء، إضافة إلى وقوع عدد آخر في الأَسْر.

وتؤكد المصادر أن «(الحزب) لن يُقْدم، في الوقت الراهن ولا في الفترة المقبلة، على إعلان أي أرقام لقتلاه، كما فعل في الحرب السابقة، إذ توقّف عن نعي قتلاه رسمياً بعد أن تجاوز العدد عتبة الخمسمائة. وهو يواصل اعتماد هذا النهج، اليوم، مع ترجيحات بأن تكون الحصيلة مرتفعة، وقد تتجاوز الألف، ولا سيما بعد المعارك العنيفة في الخيام، وخصوصاً في بنت جبيل».

مواقف «الحزب»

وفي بيانٍ أصدره بعد وقف النار، أعلن «الحزب» أنه وخلال معركة «العصف المأكول» التي استمرت خمسة وأربعين يوماً (من الثاني من مارس «آذار» إلى السادس عشر من أبريل «نيسان» 2026)، نفذ «2184 عمليّة عسكريّة مختلفة، كما استهدفت عمليات المقاومة بالمُسيّرات الانقضاضيّة والنيران الصاروخيّة المتنوّعة المستوطنات والمدن الإسرائيليّة، بدءاً من الحدود اللبنانيّة الفلسطينيّة، حتّى ما بعد مدينة تلّ أبيب بعمق 160 كيلومتراً».

وأشار إلى أن عناصره نفّذوا «نحو 49 عمليّة يوميّاً»، وقال: «وستبقى يد هؤلاء المجاهدين على الزناد، يتحسّبون لغدر العدوّ ونكثه».

مُلصق لعنصر من «حزب الله» بضاحية بيروت الجنوبية في اليوم الأول لوقف إطلاق النار (أ.ف.ب)

وواكب نواب «الحزب»، يوم الجمعة، النازحين، خلال عودتهم إلى بلداتهم وقُراهم، سواء في الجنوب أم البقاع، أم الضاحية الجنوبية لبيروت.

وأكد عضو كتلة «حزب الله»، النائب حسن فضل الله، خلال جولته في مناطق الضاحية، أن «حزبه» لن يقبل أي استسلام، «ولن نقبل أي خضوع؛ فهذا موضوع محسوم لدينا، وإذا أراد الأميركان أن يعطوا العدو الإسرائيلي، كما يقولون، حرية حركة، وأن بعض المسؤولين في لبنان يخضعون ويتنازلون، فهذا لن يكون له تطبيق على أرض الواقع»، مشدداً على أن «وقف إطلاق النار يجب ألا يكون لابتزاز السلطة من قِبل العدو». وأضاف: «على السلطة اللبنانية الخروج من المفاوضات المباشرة التي لن تؤدي إلا إلى الخضوع للإملاءات الإسرائيلية، وهذا يهدد مستقبل لبنان ومصيره».

هزيمة كبرى

وفي حين يصر «حزب الله» وجمهوره على اعتبار ما خلصت إليه هذه الجولة من الحرب انتصاراً، قال الدكتور رياض قهوجي، الباحث والكاتب في شؤون الأمن والدفاع، لـ«الشرق الأوسط»: «اعتدنا من (حزب الله) دوماً إعلان الانتصار، لكن إذا أردنا مقاربة الموضوع عسكرياً، فعندما بدأت الحرب كان الإسرائيلي يوجد في 5 نقاط بينما كان عناصر (الحزب) ينشطون في محاور كالناقورة وكفركلا وعيناتا، أما اليوم فباتوا في مكان آخر داخل الأراضي اللبنانية، في وقت وصلت السيطرة الإسرائيلية لعمق 10 كلم، بعدما كانت بحدود 2 أو 3 كلم، وبناءً عليه فإن (الحزب) خسر أراضي، وأُجبر على التراجع، وعدد قتلاه بالمئات، بينما عدد أسراه ارتفع، وحجم الدمار في الجنوب والضاحية والبقاع أضعاف ما كان عليه قبل الجولة الأخيرة من الحرب، أضف إلى ذلك أن عدد النازحين الذين دُمّرت منازلهم بعشرات الآلاف، وبالتالي ما هو فيه هزيمة، بكل معنى الكلمة».

وأشار قهوجي إلى أنه «وإن صح أن هناك قتلى بصفوف الجنود الإسرائيليين، لكن عددهم لا يقارَن؛ لا من قريب أو من بعيد، بعدد قتلى الطرف الآخر. تماماً كما أن مقارنة بين حجم الأضرار في لبنان وإسرائيل يؤكد حجم الهزيمة الكبرى». وأضاف: «يعدّ الحزب أنه ما دام موجوداً وقادراً على إطلاق الصواريخ فهذا يُعد انتصاراً، علماً بأنه أثبت مجدداً أنه ليس لبنانياً ولا يقوم بشيء لمصلحة لبنان، وأنه مجرد أداة إيرانية ودخل بالحرب لإسناد إيران».

«الحزب» مستعدّ لمواجهة جديدة

في المقابل، يمتلك الكاتب السياسي الدكتور قاسم قصير، المُطّلع من كثب على موقف «حزب الله»، قراءة مختلفة تماماً للواقع الراهن، إذ يَعدّ أن «(الحزب) خرج أقوى مما كان عليه، مقارنة بوضعه بعد حرب 2024. وإذا لم نُرد أن نقول إنه انتصر فالمؤكد أن الإسرائيلي لم يتمكن من تحقيق أهدافه العسكرية والأمنية، فتل أبيب لم تستطع أن تستهدف قيادة (حزب الله)، وإن كان قد سقط عدد من القياديين لكنه بقي قليلاً جداً، مقارنة بالحرب الماضية».

ويرى قصير أن «الحزب» «أدار المعركة العسكرية بدقة ونجاح، وهو مستعدّ لسيناريو تجدُّد الحرب ويعيد ترتيب أموره استعداداً لمواجهة جديدة، إلا إذا جرى التوصل لحلول جذرية تؤدي للانسحاب الكلي للجيش الإسرائيلي وإعادة الأسرى ووقف العدوان وإعادة الإعمار».


ترمب: طفح الكيل وسأمنع إسرائيل من قصف لبنان مجدداً

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
TT

ترمب: طفح الكيل وسأمنع إسرائيل من قصف لبنان مجدداً

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الجمعة، أي ربط بين وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل وإعلان إيران في شأن إعادة فتح مضيق هرمز، خلافاً لما أعلنه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بشأن وضع هذا الممر الملاحي الدولي.

وفي موقف لافت في «يوم عظيم ومشرق للعالم»، أكد الرئيس ترمب أن بلاده «ستتعامل مع (حزب الله) بالطريقة المناسبة» و«ستمنع إسرائيل من قصف لبنان مجدداً» لأن «الكيل قد طفح». ووعد «بجعل لبنان عظيماً مرة أخرى»

وشهدت أزمة المضيق انفراجة لافتة بعدما نشر عراقجي في حسابه على منصة «إكس» أنه «تمشياً مع وقف إطلاق النار في لبنان، أُعلن فتح ممر جميع السفن التجارية عبر مضيق هرمز بالكامل خلال الفترة المتبقية من وقف إطلاق النار، عبر الطريق المنسق كما أعلنته سابقاً منظمة الموانئ والشؤون البحرية» الإيرانية.

وعلى الفور، أطلق الرئيس ترمب سيلاً من المنشورات عبر منصته «تروث سوشيال». وقال في أحد هذه المنشورات: «أعلنت إيران للتو أن مضيق هرمز مفتوح بالكامل وجاهز للمرور الكامل». وأتبعه بآخر قال فيه إن «مضيق هرمز مفتوح بالكامل وجاهز للأعمال والمرور الكامل، لكن الحصار البحري سيظل سارياً ونافذاً فيما يتعلق بإيران فقط، إلى حين إتمام معاملاتنا معها بنسبة 100 في المائة».

وتوقع أن «تتم هذه العملية بسرعة كبيرة نظراً لأن معظم النقاط جرى التفاوض عليها بالفعل». وقال أيضاً إن «إيران، بمساعدة الولايات المتحدة، أزالت، أو هي بصدد إزالة، جميع الألغام البحرية!».

نازحون عائدون إلى جنوب لبنان بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ (رويترز)

لبنان وهرمز

وكذلك أفاد في منشور منفصل: «ستحصل الولايات المتحدة على كل (الغبار) النووي الناتج عن قاذفاتنا (بي 2) العظيمة، ولن يجري تبادل أي أموال بأي شكل من الأشكال». وأضاف أن «هذه الصفقة غير مرتبطة بلبنان بأي حال من الأحوال، لكن الولايات المتحدة ستعمل بشكل منفصل مع لبنان، وستتعامل مع وضع (حزب الله) بالطريقة المناسبة». وأكد أن «إسرائيل لن تقصف لبنان بعد الآن. الولايات المتحدة تمنعها من ذلك. طفح الكيل!».

وكرر في منشور منفصل أنه «مرة أخرى! هذا الاتفاق (على فتح هرمز) لا يرتبط بأي شكل من الأشكال بلبنان، لكننا سنجعل لبنان عظيماً مرة أخرى!».

وأطلق الرئيس ترمب العنان لتغريدات أخرى حمل فيها على شركاء الولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي «الناتو»، لأنهم «كانوا عديمي الفائدة عند الحاجة، مجرد نمر من ورق!». وفي المقابل، شكر للمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر «شجاعتكم ومساعدتكم العظيمة!». وكذلك شكر لـ«باكستان ورئيس وزرائها العظيم (شهباز شريف) وقائدها العسكري (عاصم منير)، إنهما شخصان رائعان!».

دور فانس لبنانياً

وكان الرئيس ترمب قد أعلن وقف إطلاق النار لمدة عشرة أيام بعد مكالمتين هاتفيتين منفصلتين مع كل من الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، داعياً إياهما إلى البيت الأبيض لإجراء محادثات سلام مباشرة. ووجه نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو، الذي يتولى أيضاً منصب مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية دان كاين للعمل على التوصل إلى تسوية دائمة.

واضطلع فانس بدور بعيد عن الأضواء، إذ إنه «ضغط على الإسرائيليين لأيام، لتوخي المزيد من الحذر في لبنان»، مضيفاً أن «إنهاء القتال هناك من شأنه أن يهدئ التوترات الإقليمية الأوسع»، طبقاً لما أوردته شبكة «سي إن إن».

تزايد هذا الزخم بعدما عقد روبيو اجتماعاً ثلاثياً مع السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر، في أول تواصل مباشر من نوعه بين البلدين منذ عقود. وقال مسؤول في البيت الأبيض: «أقرّ لبنان بأن (حزب الله) يمثل مشكلة مشتركة» خلال ذلك الاجتماع.

نازحون عائدون إلى جنوب لبنان (إ.ب.أ)

مشرعون

وبدا رد فعل الكونغرس على وقف إطلاق النار في لبنان خافتاً أمام تركيز النقاش حول مسار الولايات المتحدة وإيران.

وعبَّر السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام عن تحفظه على وقف إطلاق النار، واصفاً إياه بأنه قد يكون «اتفاق سلام زائف» أو قد «يمنح (حزب الله) شريان حياة»، مشدداً على أنه لن يدعم أي اتفاق بشأن لبنان لا يؤدي إلى نزع سلاح «حزب الله» وحلّه بوصفه منظمة مصنفة إرهابية داخل الولايات المتحدة، ويشكل تهديداً للولايات المتحدة وإسرائيل والمنطقة.

وفي المقابل، انتقد عدد من النواب الديمقراطيين، وبينهم النائب جيم ماكغفرن، الضربات الإسرائيلية المستمرة في لبنان، محذرين من أنها قد تُقوض وقف إطلاق النار مع إيران وتشعل حرباً أوسع، وطالبوا ترمب بالضغط على نتنياهو لوقف القصف. ودعا النائب دون باير إلى وقف فعال لإطلاق النار في لبنان لتجنب الفوضى، مؤكداً أن «القصف ليس سبيلاً للسلام».