في داريا قرب دمشق... سوريون يعيدون بناء حياتهم وأحيائهم المدمرة

بعد 8 ديسمبر عاد عشرات الآلاف من السكان بخبراتهم الجديدة ومهاراتهم وحتى أموالهم

شابان سوريان يقفان على تلة في داريا مُطلّة على القصر الرئاسي الفسيح للرئيس السابق بشار الأسد في دمشق أواخر أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)
شابان سوريان يقفان على تلة في داريا مُطلّة على القصر الرئاسي الفسيح للرئيس السابق بشار الأسد في دمشق أواخر أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)
TT

في داريا قرب دمشق... سوريون يعيدون بناء حياتهم وأحيائهم المدمرة

شابان سوريان يقفان على تلة في داريا مُطلّة على القصر الرئاسي الفسيح للرئيس السابق بشار الأسد في دمشق أواخر أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)
شابان سوريان يقفان على تلة في داريا مُطلّة على القصر الرئاسي الفسيح للرئيس السابق بشار الأسد في دمشق أواخر أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)

لداريا مكانة خاصة في تاريخ الثورة السورية. على مسافة سبعة كيلومترات فقط من العاصمة دمشق، وعلى مرمى البصر من القصر الرئاسي الفسيح للرئيس السابق بشار الأسد. قدّم أهلها الزهور للجنود الذين أُرسلوا لقمع احتجاجاتهم السلمية في مارس (آذار) 2011، لكنهم دفعوا ثمناً باهظاً لصمودهم؛ إذ قُتل ما لا يقل عن 700 شخص في أسوأ مذبحة شهدتها الحرب في أغسطس (آب) 2012.

بعد الإطاحة بحكم بشار الأسد، عاد الرسام بلال شوربه إلى مدينة داريا ليفاجأ بأن عدداً من الجداريات التي رسمها قبل نحو عقد من الزمن لتحاكي تجارب الحصار والاعتقال والتوق للحرية، ما زالت صامدة.

في المدينة الوحيدة التي أخلاها الحكم السابق تماماً من سكانها في ذروة سنوات النزاع السوري، يتفقد شوربه (31 عاماً) إحدى رسوماته على جدار مهدّم في أحد الأحياء. تجسّد «سمفونية الثورة» كما سمّاها، كيف تحوّلت التحركات السلمية إلى نزاع مسلح تعدّدت أطرافه. وتظهر في الرسم فتاة برداء أبيض تعزف الكمان، وخلفها جندي يصوّب بندقيته تجاهها، ومن خلفه مقاتل يلاحقه ويقع بدوره تحت مرمى بندقية مقاتل من تنظيم «داعش».

.

بلال شوربه المعروف بـ«بانكسي السوري» يشير إلى جدارية في مبنى مدمر رسمها عام 2016 قبل فراره من داريا (أ.ف.ب)

ويرى شوربه الذي أمضى السنوات الأخيرة لاجئاً في تركيا، وعاد إلى دمشق بعد تسلّم السلطات الجديدة الحكم في البلاد، أن بقاء عدد من جدارياته الثلاثين بعد كل هذه السنوات، هو «انتصار». ويقول لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «رغم دخول النظام إلى المنطقة وتهجيرنا، بقيت تلك الرسومات البسيطة، وهرب هو».

في مارس 2011، كانت المدينة الواقعة على مسافة سبعة كيلومترات جنوب غربي دمشق، في طليعة حركة الاحتجاج السلمي ضد السلطة، ووزّع المتظاهرون فيها، وبينهم غياث مطر الذي اعتقل وقتل تحت التعذيب، الورود والمياه على الجنود.

لكنّ مع تطوّر الأحداث إلى نزاع دام، شهدت داريا مجزرة في صيف 2012 قُتل فيها 700 من سكانها على أيدي القوات الحكومية السابقة ومقاتلين موالين لها، قبل أن يحاصرها هؤلاء بشكل محكم لنحو أربع سنوات. وأسفرت الهجمات عن تشريد كل سكانها الذين تجاوز عددهم 250 ألفاً، بين نازحين ولاجئين، في دول الجوار وصولاً إلى أوروبا التي استقطبت قبل عقد موجة كبرى من اللاجئين.

الفنان بلال شوربه يستخدم هاتفه المحمول لالتقاط صورة لمبنى مدمر رسم عليه جدارياته عام 2016 قبل فراره من داريا مع ملاحقة النظام له (أ.ف.ب)

عام 2013، وصل شوربه إلى داريا آتياً من دمشق المجاورة، للالتحاق بالمعارضة المسلحة. أحضر معه «حقيبة صغيرة فيها دفتر رسم وأقلام تلوين ورواية البؤساء، مع ثياب تكفي ليومين أو ثلاثة».

لم يتوقع حينها أن الحرب ستغيّر حياته، وأنه سيبقى مع بضعة آلاف من سكان داريا محاصرين لنحو أربع سنوات اضطروا خلالها إلى طهي الحشائش والأعشاب بعد منع دمشق دخول المساعدات الغذائية إلى المنطقة. في أغسطس 2016، أخلت السلطات من تبقى من سكان ومقاتلين إلى محافظة إدلب (شمال غرب).

نبني منازلنا

في عام 2019، وبعدما كانت قوات الأسد استعادت السيطرة على مناطق واسعة خسرتها في السنوات الأولى من الحرب، سمحت دمشق لسكان داريا، خصوصاً النازحين إلى محيطها، بالعودة تباعاً بعد تدقيق أمني. وكان غالبية العائدين من النساء والأطفال والمسنين.

بعد الثامن من ديسمبر (كانون الأول)، عاد عشرات الآلاف من السكان، لا سيما اللاجئين إلى دول الجوار، وبينهم أطباء ومهندسون وعمال ومزارعون. وحمل عديدون منهم خبراتهم الجديدة ومهاراتهم وحتى أموالهم.

وعاد كذلك ناشطون وحقوقيون اختبروا آليات العمل الديمقراطي ومناخ الحريات في دول اللجوء، والتي لم يتذوقوا طعمها يوماً في سوريا.

تختصر داريا، المدينة التي يمكن منها رؤية القصر الرئاسي بالعين المجردة، مأساة حرب قتلت أكثر من نصف مليون شخص وشرّدت الملايين. أحياء بأكملها سُوّيت بالأرض، مرافق خدمية مدمّرة، شحّ في المياه والكهرباء وغياب الاتصالات عن أحياء عدة. ربع آبار المدينة فقط تعمل ومياه الصرف الصحي تفيض في أحياء عدة.

حسام لحام عضو مجلس الإدارة المدنية في داريا إحدى ضواحي دمشق يُطلّ من شرفة المستشفى الذي دُمّرَ تماماً عام 2016 (أ.ف.ب)

وبحسب مسح أجرته الجمعية الأميركية للمهندسين السوريين، في أبريل (نيسان)، تدمّر نحو 65 في المائة من أبنية المدينة تماماً، وتضرّر نحو 14 في المائة. أما النسبة المتبقية فهي صالحة للسكن، لكنها تحتاج إلى ترميم نسبي وإكساء.

مع ذلك، لم يتردّد حسام اللحام (35 عاماً) في العودة مع عائلته التي كوّنها في إدلب ليرزق بأصغر بناته الثلاث في دمشق هذا العام. يقول اللحام الذي نشط بعد عام 2011 في العمل الإغاثي داخل داريا قبل أن يصبح قائداً عسكرياً ويغادرها في عداد من تمّ إجلاؤهم منها عام 2016: «قررنا أن نعود إلى داريا؛ لأننا الوحيدون القادرون على إعادة بناء منازلنا».

ويضيف الرجل الذي يقود (لجنة المبادرات) ضمن الإدارة المدنية لداريا، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «إذا انتظرنا المجتمع الدولي والمنظمات، فقد لا نرجع»، مضيفاً: «نرمّم بيوتنا بأنفسنا، لكن نريد المساعدة في البنى التحتية».

وتعوّل السلطات الجديدة على دعم دولي لإطلاق مرحلة إعادة الإعمار، لكن الأولويات كثيرة والإمكانات المتوفرة متواضعة.

آمنة خولاني المدافعة عن حقوق الإنسان وعضو الهيئة الوطنية للمفقودين والمختفين في سوريا تتفقد أنقاض وأراضي منزل عائلتها في داريا قرب دمشق (أ.ف.ب)

وتعني العودة إلى داريا أيضاً للحام الذي فقد خلال الحرب أكثر من ثلاثين شخصاً من أقربائه وأصدقائه، الوفاء «للسوريين الذين دفعوا ثمناً باهظاً من أجل حريتهم». ويكرّس لحام الذي استأنف أيضاً الدراسة في اختصاص إدارة الأعمال، جزءاً كبيراً من وقته مع متطوعين لجمع المساعدات وإقامة اتصالات مع منظمات من أجل الحصول على تمويل لتأهيل مرافق متضررة، بينها مدرسة ومستشفى. ويقول: «أنهض صبيحة كل يوم وأقول لنفسي... يجب أن نبحث عن متبرّع جديد».

هياكل خرسانية

وبينما سوّت العمليات العسكرية أحياء بأكملها بالأرض على غرار حي الخليج المحاذي لقاعدة المزة العسكرية، تبدو أحياء أخرى مهدمة جزئياً شبه مقفرة، وتقتصر الحركة فيها على سكان يقطنون منازل رمّموها على عجل في أبنية متصدّعة.

وتبدو أحياء أخرى أقل تضرّراً أشبه بخلية نحل. يتوزّع عمّال على الأسطح، يرمّمون مدرسة هنا ويعيدون بناء واجهة مبنى هناك، بينما ينهمك آخرون بإعادة تأهيل مضخة مياه أو نقل مفروشات صُنعت في المدينة التي يكاد لا يخلو حي فيها من ورشة نجارة.

د. حسام جاموس اختصاصي أذن وأنف وحنجرة يصافح صديقاً خارج عيادته في داريا جنوب غربي العاصمة السورية (أ.ف.ب)

والقطاع الطبي من أكثر القطاعات تضرراً، نتيجة خروج أربعة مستشفيات خلال الحرب من الخدمة، أبرزها مستشفى داريا الوطني الذي افتتح عام 2008 بقدرة استيعابية تصل إلى نحو 200 سرير. وبات المستشفى المصمّم أساساً لخدمة أكثر من مليون شخص، عبارة عن هيكل خرساني ضخم أخرجه القصف من الخدمة صيف 2016. ثم نُهبت محتوياته بالكامل، واقتُلع بلاطه وأسلاك الكهرباء وأبواب ونوافذ منه.

ويعرب لحام عن اعتقاده بأن «تأمين خدمات صحية من شأنه أن يشجّع الناس على العودة».

ولجأ أطباء داريا من أصحاب الاختصاصات إلى دول عدة بينها مصر والأردن وتركيا وصولاً إلى أوروبا. ولم يعد الجزء الأكبر منهم بعد.

«أخدم بلدي»

لكن الاختصاصي في جراحة الأنف والأذن والحنجرة، د. حسام جاموس (55 عاماً)، قرّر العودة من الأردن، بعد مغادرته وعائلته عام 2012.

ويقول لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» من داخل عيادة افتتحها في داريا وعلّق على أحد جدرانها شهاداته التي حصل على بعضها في الأردن: «توقعت دماراً كبيراً لكن ليس إلى هذه الدرجة».

على مدخل عيادته الجديدة الذي اخترقه الرصاص، رفع جاموس لافتة كبيرة تحمل اسمه ومجالات تخصصه. وبعد أسابيع من العمل، تجاوز عدد مرضاه المئات، من أطفال مصابين بالتهاب اللوز إلى مرضى يعانون من «ثقوب في غشاء طبلة الأذن أو كسور أنف جراء الضرب تحت التعذيب أو الاعتقال». ويتابع: «كما خدمت أبناء بلدي اللاجئين في الأردن، أتابع اليوم الخدمة ذاتها في بلدي».

عمار زيادة أحد مؤسسي صحيفة «عنب بلدي» المستقلة يقف وسط أنقاض مبنى صدر منه أول عدد في داريا قرب دمشق 10 نوفمبر (أ.ف.ب)

إعلام مستقل

والعودة إلى سوريا هي كذلك هدف فريق عمل جريدة «عنب بلدي»، التي طبعت أول أعدادها في داريا عام 2012 قبل أن تنتقل إلى بلدان عدة، بينها تركيا وألمانيا.

من «فكرة حالمة» بدأتها مجموعة ضمّت أكثر من 20 شاباً وشابة، قُتل أربعة منهم خلال المرحلة التأسيسية، باتت الصحيفة التي تصدر اليوم إلكترونياً من دمشق، من أبرز المنصات المستقلة في سوريا.

أمام منزل مهدّم صدر منه العدد صفر، يقول أحد مؤسسي الصحيفة ومدير تحريرها عمار زيادة (35 سنة): «كانت فكرتنا حينها أن نصدر صحيفة محلية في داريا. لم نتوقع أبداً أن تتوسّع ويصبح لها هذا الحضور على خريطة الإعلام في سوريا».

مع عودة عدد من فريق المنصة من الخارج، حيث طوروا مهاراتهم وخبراتهم، وانضمام صحافيين شباب إليها من خلفيات متعددة مناطقياً ودينياً، تعمل «عنب بلدي»، وفق ما يشرح زيادة، على إنتاج «محتوى مهني مستقل» بعد عقود فرضت خلالها السلطات المتعاقبة قيوداً على عمل الصحافة وحوّلتها إلى أداة دعائية.

ويأمل زيادة أن «ينتزع الإعلام المستقل مساحة من الحرية المتاحة حالياً» في سوريا رغم التحديات، مضيفاً: «ندفع لأن يكون مهنياً، ويتمكّن من نقل صوت الناس، وألا يكون تابعاً أو موجَّهاً سياسياً من أجل خدمة الأطراف السياسية».

يساعد تلاميذ مدرسة في داريا بريف دمشق في نقل مقاعد جديدة إلى فصولهم الدراسية 28 أكتوبر (أ.ف.ب)

صعوبات تعليمية

يقطن حالياً في داريا، وفق بلديتها، نحو مئتي ألف شخص، ثمانون ألفاً منهم عادوا بعد الإطاحة بالأسد.

بين هؤلاء النجار محمّد نكاش (31 عاماً) الذي اصطحب زوجته وطفليه، عمر (ست سنوات) وحمزة (ثماني سنوات) المولودين في تركيا، ليتعرّفا إلى عائلته ويترعرعا في المدينة.

ويعمل نكاش الذي انشق عن الجيش عام 2012 وقتل له شقيق في السجن، في ورشة نجارة يملكها والده، في حرفة تتوارثها عائلته على غرار عائلات كثيرة في المدينة.

ويقول إن طفليه واجها في البداية صعوبة في الاندماج، مضيفاً: «عندما وصلنا إلى هنا لم يقتربا من والديّ وإخوتي»، ما دفعه لعرضهم على ثلاثة أطباء ظناً منه أنهم يعانيان من التوحد. لكن بعد بضعة أشهر، اعتاد الطفلان على العائلة وأطفال الحي، وباتا يرتادان مدرسة قريبة، على غرار 14 ألف طالب يشقون طريقهم يومياً بين أبنية مهدمة إلى 17 مدرسة، من 24 كانت موجودة قبل 2011، وفق ما يشرح مسؤول تربوي، من دون كشف اسمه.

ويشكو القطاع التعليمي اليوم من نقص كبير في عدد المدرسين والتجهيزات. ويقول المسؤول التربوي إن التلامذة القادمين من تركيا يواجهون «صعوبة تتعلق باللغة العربية التي يتكلمونها لكن لا يجيدون كتابتها»، ما يدفع الإدارة التربوية إلى «تنظيم دورات في اللغة العربية».

يقول رئيس بلدية داريا محمّد جعنينة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن مواطنين «عادوا ووجدوا منازلهم مدمّرة يطالبوننا بتأمين المأوى أو الدعم» لإعادة بناء منازلهم.

ويواجه عدد كبير من السكان عقبة رئيسية تتمثل في صعوبة إثبات ملكياتهم بسبب فقدان مستنداتهم، ما يحول دون قدرتهم على إعادة البناء، وهي معضلة يواجهها السوريون في مدن عدة.

«قبر لأشقائي»

في داريا، لا تشكل الأبنية المهدمة وحدها شاهداً على حقبة الحرب. في «مقبرة الشهداء» التي استُحدثت خلال الحرب، ترقد جثامين 421 شخصاً من المدينة موثقين بالأسماء، قتلوا بين عامي 2012 و2016. وتضمّ المقبرة كذلك مدفناً جماعياً فيه جثث مجهولة الهوية دفنت في جزء كبير منها بعد «مجزرة» داريا.

آمنة خولاني المدافعة عن حقوق الإنسان وعضو الهيئة الوطنية للمفقودين والمختفين في سوريا تتفقد أنقاض منزل عائلتها في داريا قرب دمشق 28 أكتوبر (أ.ف.ب)

ويروي عدد من سكان المدينة الذين التقتهم «وكالة الصحافة الفرنسية»، كيف عمل المقاتلون والناشطون قبل رحيلهم على نزع شواهد القبور بعد تصويرها، ثم طمسها بالتراب، خشية عبث القوات الحكومية بها انتقاماً. لكنهم فور عودتهم، أعادوا تنظيم المقبرة، ووضع الشواهد استناداً إلى صور كانوا قد التقطوها.

وتقول آمنة خولاني، ابنة داريا وعضو الهيئة الوطنية للمفقودين التي شكلتها السلطات الجديدة، بينما تزور المقبرة: «في داريا غصّة، قسم كبير من الأهالي لا يعرفون أين أولادهم».

وتضيف بينما تحاول حبس دموعها: «لا قبر لعائلتي الصغيرة هنا»، مضيفة: «أنا اليوم في نضال لأحصل على قبر لإخوتي» الثلاثة.

واعتقلت القوات الحكومية السابقة أشقاءها، وتبلّغت العائلة لاحقاً بإعدامهم. وظهرت صورة أحدهم في ملفات قيصر التي ضمّت أكثر من خمسين ألف صورة لمعتقلين قضوا في السجون السورية إبان فترة قمع الاحتجاجات السلمية.

امرأة تزور قبراً في «مقبرة الشهداء» في داريا - إحدى ضواحي دمشق في 28 أكتوبر (أ.ف.ب)

ويعد ملف المفقودين بين الملفات الأكثر تعقيداً التي أفرزتها الحرب السورية، ويحتاج سنوات من العمل والتوثيق وخبرات تقنية غير متوافرة محلياً.

منذ أشهر، تتنقل خولاني بين بريطانيا (التي منحتها اللجوء مع أسرتها)، وسوريا حيث تحلم ببناء «دولة مواطنة تتحقق فيها العدالة ومحاسبة المجرمين».

وتقول السيدة التي تحدثت مرتين أمام مجلس الأمن الدولي وتنشط في منظمات عدة: «بعد نضالنا سابقاً للتخلص من الأسد، نبحث اليوم عن قبور». وتضيف: «نريد قبوراً ونريد الحقيقة... ونريد دفنهم بطريقة تليق بهم وتكرّم ذكراهم».

على جدار داخل المقبرة، رسم بلال شوربه بعد عودته إلى داريا جدارية تظهر فيها طفلة تحمل وردة حمراء، تحلم بوضعها على قبر والدها. لكن والدها، على غرار ضحايا كثر، لا قبر له.


مقالات ذات صلة

تركيا تستبعد تشكيل آلية أمنية ثلاثية مع سوريا وأوكرانيا

شؤون إقليمية فيدان متحدثاً خلال مقابلة صحافية الاثنين 13 أبريل (إعلام تركي)

تركيا تستبعد تشكيل آلية أمنية ثلاثية مع سوريا وأوكرانيا

استبعدت تركيا تشكيل آلية أمنية ثلاثية مع سوريا وأوكرانيا، محذرة من مخاطر إسرائيلية مؤجلة لما بعد حرب إيران.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا صورة عامة تُظهِر مصنع أسمنت «لافارج» في منطقة الجلبية بشمال سوريا 19 فبراير 2018 (أ.ف.ب)

القضاء الفرنسي يدين شركة «لافارج» بتهمة تمويل متطرفين في سوريا

أدانت محكمة في باريس، الاثنين، شركة الأسمنت الفرنسية «لافارج» بتهمة دفع أموال لتنظيم «داعش» وجماعات متطرفة أخرى لتأمين استمرار العمل في مصنعها في سوريا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي توقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم بين سوريا والأردن بالعاصمة عمّان الأحد (الخارجية السورية)

سوريا والأردن توقعان 20 اتفاقية ثنائية ومذكرة تعاون

يهتم الأردن بالحدود مع سوريا كبوابة لبضائعه نحو تركيا وأوروبا، في حين تهتم دمشق بالأردن كممر آمن لبضائعها نحو دول الخليج العربي.

محمد خير الرواشدة (عمّان)
المشرق العربي إغلاق نفق في شارع فلسطين بمخيم اليرموك من قبل الدفاع المدني السوري (مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا)

هبوط أرضي مفاجئ في مخيم اليرموك يفتح باب أنفاق الحرب

شهد شارع فلسطين في دمشق هبوطاً أرضياً مفاجئاً أدى إلى تشكّل حفرة عميقة، تبيّن لاحقاً أنها ناتجة عن نفق قديم من مخلفات الحرب، دون تسجيل إصابات.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي رئيس الوزراء الأردني جعفر يستقبل الوفد الوزاري السوري صباح الأحد (بترا)

انطلاق الاجتماع الوزاري لمجلس التنسيق الأعلى السوري الأردني

يشهد الاجتماع توقيع 9 وثائق، تشمل اتفاقيات ومذكرات تفاهم تغطي قطاعات حيوية، من بينها الإعلام، والعدل، والتعليم العالي، والصحة، والسياحة، والبريد، والتنمية.

«الشرق الأوسط» (دمشق - عمّان)

الهدنة وحدها تتصدّر «اجتماع واشنطن»... ومن دونها المفاوضات بين لبنان وإسرائيل معلقة

دورية لـ«اليونيفيل» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دورية لـ«اليونيفيل» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

الهدنة وحدها تتصدّر «اجتماع واشنطن»... ومن دونها المفاوضات بين لبنان وإسرائيل معلقة

دورية لـ«اليونيفيل» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دورية لـ«اليونيفيل» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

يقف لبنان على مشارف الدخول في سباق بين الاجتماع التقني المقرر خلال الساعات المقبلة بين سفيرته في واشنطن، ندى حمادة معوض، ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر، برعاية السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى، وعلى جدول أعماله - من الجانب اللبناني - بند وحيد هو التوصل إلى وقف النار لاختبار مدى استعداد الإدارة الأميركية للضغط على رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، للتجاوب مع رغبتها في هذا الخصوص، وبين رهان الأخير على تحقيق تقدم عسكري يتيح له، قبيل انعقاد الاجتماع، السيطرة على مدينتي بنت جبيل والخيام شرطاً للموافقة على هدنةٍ قاعدتها، من وجهة نظره، استكمال توغُّل جيشه في عمق جنوب الليطاني للضغط على لبنان للتسليم بشروطه للدخول في مفاوضات سلام مباشرة.

فالساعات التي تفصل عن اجتماع الثلاثاء، تُدخل الوضع في جنوب لبنان، كما يقول مصدر وزاري لـ«الشرق الأوسط»، مرحلةً دقيقة تكاد تكون حاسمة يُمكن من خلالها استقراء ما سيتقرر في لقاء السفيرين، في ضوء ما إذا كان الجيش الإسرائيلي سيُطبق سيطرته على بنت جبيل والخيام، أم إن المعارك تبقى تحت سقف الكر والفر، رغم استقدام الجيش تعزيزات لإطباق الحصار عليهما ظناً منه أن الوقت قد حان للدخول إليهما.

 

تجاوب مع الرغبة الأميركية

 

وكشف المصدر أن لبنان تجاوب مع رغبة الإدارة الأميركية في عقد لقاء تحضيري بين السفيرين، بعد أن تلقى تعهداً منها بممارسة الضغط على نتنياهو لإلزامه الموافقة على وقف النار في الجنوب. وقال إن اجتماع الثلاثاء سيناقش «بنداً وحيداً مدرجاً على جدول أعماله، محصوراً في التوصل إلى هدنة؛ من دونها لا يمكن الانتقال إلى المرحلة الثانية بانطلاق المفاوضات المباشرة بين البلدين برعاية أميركية».

مدفن مستحدَث لـ«حزب الله» بمنطقة الشويفات في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

وأكد أن رئيس الجمهورية، العماد جوزيف عون، «لن يحيد قيد أنملة عن مبادرته دعوة إسرائيل إلى مفاوضات مباشرة؛ إنما على قاعدة موافقتها على هدنة أولاً، وهذا ما أبلغه السفيرةَ معوّض، وأَعلَمَ به الإدارة الأميركية التي وعدت بالضغط على نتنياهو لهذا الغرض». وقال إن «عون تواصل مطولاً ليل الجمعة الماضي مع رئيس المجلس النيابي نبيه بري، وتوافقا على أن التفاوض يبقى معلقاً ما لم يسبقه وقف النار، وإلا فليس مضطراً إلى التسليم بشروط إسرائيل في حال أصرت على أن تبدأ تحت ضغط النار».

ولفت المصدر إلى «ارتياح بري حيال ما سمعه من عون بربط المفاوضات المباشرة بوقف للنار يشمل الجنوب، ولا يقتصر على بيروت الإدارية وضاحيتها الجنوبية، وذلك بتدخل من واشنطن لدى إسرائيل التي وافقت على تحييدهما وعدم شمولهما في منطقة العمليات العسكرية من وجهة نظرها».

ورأى أن «تحييدهما يشمل (مطار رفيق الحريري الدولي)، ومرفأ بيروت، والبنى التحتية، وهذا ما التزمت به إسرائيل؛ وإن كانت اشترطت، كما قيل للبنان، ألا تسري التطمينات الأميركية على ملاحقتها قيادات وكوادر (حزب الله)».

 

تفهُّم بري الدعوة إلى التفاوض

 

ورداً على سؤال، أكد المصدر أن «إلزام إسرائيل الهدنة يرفع من منسوب التواصل بين عون وبري لتهيئة الأجواء أمام بدء المفاوضات بوفد لبناني يترأسه السفير السابق سيمون كرم». وقال إن بري كان «أبدى تفهمه لدعوته إلى التفاوض، ولم يسبق أن سجّل اعتراضه على المبادرة التي أطلقها في هذا الخصوص». وتابع أن الضرورة تقضي بالتجاوب مع اشتراط بري وقف النار بوصفه «مدخلاً لانفتاح إيجابي على دعوة عون، خصوصاً أنه لم يهاجمها، بخلاف حليفه (حزب الله)». وأكد المصدر أن «هناك استحالة أمام بدء التفاوض من دون أن يحظى بغطاء شيعي بحجم الحضور السياسي الذي تتمتع به (حركة أمل) برئاسة بري».

وسأل: «هل سيكون في مقدور (الحزب) الاعتراض على وقف النار؟ وماذا سيقول لحاضنته الشعبية والمزاج الشيعي العام الذي يتطلع إلى عودة الاستقرار، ولو مؤقتاً، للجنوب والضاحية، في حال قرر الاستمرار في مواجهة إسرائيل وسط الاختلال في ميزان القوى وتراجع قدرته على تحقيق توازن في الردع مع إسرائيل؟».

وتوقف المصدر أمام التمايز بين بري وحليفه في تعاطيهما مع المفاوضات، وقال إن «الحزب» ينظر إليها على أنها «مخالفة للدستور، فيما لم يصدر أي موقف عن بري يتناغم معه في اتهامه حكومة الرئيس نواف سلام بالاستسلام لشروط الإدارة الأميركية - الإسرائيلية، غامزاً، في الوقت نفسه، من قناة عون بذريعة أن دعوته مخالفة للدستور».

 

خيارات «حزب الله»

 

وسأل المصدر «حزب الله»: «ما البديل؟ وهل من خيار لديه سوى التفاوض بعد أن جرّب الحرب التي ألحقت بالبلد الكوارث وأدت إلى تحويل معظم البلدات الجنوبية، بدءاً بتلك الواقعة في جنوب الليطاني، أرضاً محروقة لا تصلح للإقامة فيها؟ وهل حان الوقت لأن يعطي (الحزب) فرصة للخيار الدبلوماسي المحصّن بضوابط في الداخل ترفض التسليم بشروط إسرائيل، ما دام عون أدرج وقف النار أولويةً في مبادرته؟».

كما سأل المصدر «الحزب» عن «الأسباب التي تملي عليه (محاكمة) العهد والحكومة على النيات، استباقاً لما ستؤول إليه المفاوضات، واتهامهما بمخالفة الدستور، فيما شكّل في السابق رأس حربة بدعمه المفاوضات التي أدت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية بين البلدين، وتفويضه في حينها بري الذي كان وراء وضع اتفاق الإطار لانطلاقها برعاية أميركية».

عناصر من «الصليب الأحمر اللبناني» قرب سيارة إسعاف تعرضت لاستهداف إسرائيلي في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

 

دعوة «حزب الله» للتريّث

 

وأكد المصدر أنه يُفترض بـ«حزب الله» عدم الاستعجال بحرق المراحل، و«التريُّث؛ قبل أن ينزل بكل ثقله مستهدفاً مبادرة عون، إلى حين التأكد من تجاوب إسرائيل مع الشرط الذي أدرجه أساساً لبدء المفاوضات، ليكون في وسع (الحزب) أن يبني على الشيء مقتضاه».

Your Premium trial has ended


«الإطار التنسيقي» يقترب من حسم مرشحه لرئاسة الحكومة العراقية

السوداني يتوسط المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)
السوداني يتوسط المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

«الإطار التنسيقي» يقترب من حسم مرشحه لرئاسة الحكومة العراقية

السوداني يتوسط المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)
السوداني يتوسط المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

رغم حالة الانقسام التي يبدو عليها «الإطار التنسيقي»، خصوصاً بعد أن امتنع ائتلاف «دولة القانون»، صاحب القوة الوازنة داخله، عن حضور جلسة انتخاب رئيس الجمهورية نزار آميدي، فإن مصادر «الإطار» يؤكد أنه يقترب من حسم مرشحه لرئاسة الوزراء وتقديمه إلى رئيس الجمهورية للمباشرة بتكليفه.

وتشير معظم التسريبات الصادرة عن البيت الإطاري، أنه يتجه لحسم مرشحه لرئاسة الوزراء. وهذا يعني ضمناً التخلي عن ترشيحه السابق لزعيم ائتلاف «دولة القانون» نوري المالكي الذي اصطدم بـ«فيتو» الرئيس الأميركي دونالد ترمب نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي.

أرشيفية نشرها موقع «الهيئة الوطنية العليا للمساءلة والعدالة» من لقاء رئيسها باسم البدري ونوري المالكي

ورغم الغموض الذي ما زال حاضراً بالنسبة للشخصية المرشحة لرئاسة الوزراء، فإن معظم التوقعات تشير إلى إمكانية التجديد ولاية ثانية لرئيس حكومة تصريف الأعمال الحالية محمد شيّاع السوداني، رغم إمكانية قيام «شخصية توافقية» بإزاحته عن المشهد، وغالباً ما يُشار هنا إلى رئيس «هيئة اجتثاث البعث» باسم البدري على أساس أنه لا يثير حفيظة معظم القوى الإطارية... كما يتداول اسم رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي بوصفه مرشحاً محتملاً.

استثمار هدنة الحرب

ويؤكد مصدر قيادي في قوى «الإطار التنسيقي» على مسألة حسم المرشح لرئاسة الوزراء خلال أمد زمني ربما لا يتجاوز الأسبوعين. ويقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «قوى الإطار تسعى إلى استثمار هدنة الحرب بين الولايات المتحدة وإيران لحسم ملف تشكيل الحكومة، ومن غير المستبعد أن يصار إلى تحديد ملامح رئيس الوزراء الجديد خلال اجتماع قريب جداً».

رئيس الحكومة العراقي الأسبق حيدر العبادي (إكس)

ويقر القيادي، الذي فضّل عدم الإشارة إلى اسمه، بـ«الطبيعة المعقدة للعلاقات والتقاطعات الحادة في وجهات النظر بين القادة داخل (الإطار التنسيقي)، لكن الوقت يداهمهم ويدفعهم إلى حسم ملف الحكومة قبل (احتمال) تجدد النزاع بين واشنطن وطهران». ويشير إلى «الدور المحوري الذي يقوم به رئيس مجلس القضاء فائق زيدان لحسم ملف تشكيل الحكومة، خصوصاً بعد اجتماعه قبل أيام مع قادة في (الإطار التنسيقي)، وتأكيداته المتواصلة على مخاطر خرق التوقيتات الدستورية».

وعن الأسماء المحتملة والمرشحة لشغل المنصب، يرى المصدر أن «التكهن صعب، ويبقى الأمر معلقاً حتى آخر لحظة، لكن حظوظ نوري المالكي باتت معدومة، في مقابل ازدياد حظوظ محمد السوداني والعبادي وباسم البدري، ومع ذلك يمكن بروز شخصية أخرى في آخر لحظة».

وعن أسباب تمسك المالكي بترشيحه للمنصب رغم معرفته بتصفير فرصه بالفوز، يقول المصدر، إن «المالكي يريد أن يصدر قرار سحب ترشيحه من (قوى الإطار)، لأنها هي من رشحته، ولا يجد مبرراً لانسحابه، إلا أنها لم تتخذ خطوة من هذا النوع ،حتى لا تبدو أنها تراجعت أمام ضغوطات واشنطن والرئيس ترمب».

المالكي يتشدد

في المقابل، تفيد بعض التقارير الواردة عن كواليس «دولة القانون»، أن نوري المالكي «الذي بات معزولاً داخل (قوى الإطار)، يسعى إلى عرقلة مساعي تكليف السوداني وحيدر العبادي من جهة، وإلى تثبت حقه في أن يكون له الدور الأبرز في طرح المرشح الجديد لرئاسة الوزراء من جهة أخرى».

من اجتماع لقوى «الإطار التنسيقي» (واع)

وتشير التقارير إلى «أن المالكي أبلغ قادة (الإطار التنسيقي) استعداده للتنازل عن الترشيح لمنصب رئيس مجلس الوزراء، مقابل عدم ترشيح وتجديد ولاية رئيس الحكومة الحالي محمد السوداني لولاية ثانية».

ويقال إن المالكي اشترط أيضاً «عدم تكليف أي شخصية سبق أن تولت منصب رئيس الوزراء في الحكومات السابقة»، في إشارة إلى رفيقه السابق في حزب «الدعوة» ورئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي.

أسبوعان حاسمان

وأكد رئيس «المجلس الإسلامي الأعلى»، همام حمودي، الأحد الماضي، أن أمام «الإطار التنسيقي» مدة لا تتجاوز أسبوعين لاختيار مرشح رئاسة الوزراء، مع الحرص على أن يتم ذلك بالإجماع أو بالأكثرية.

وأشار خلال ملتقى «الحوار»، إلى «ضرورة تطوير أداء (الإطار) ليغادر تبادل الآراء إلى مستوى إدارة الدولة، عبر توزيع الملفات بين أطرافه، بما يضمن مساندة رئيس الوزراء والحكومة، وتحمل الجميع لمسؤولياتهم الوطنية بشكل متكامل».

أرشيفية للسوداني حيث يتوسّط رئيس «الحشد الشعبي» فالح الفياض ورئيس أركانه «أبو فدك» (إعلام حكومي)

وأضاف أن «الحكومة المقبلة ستكون أمام تحديات جوهرية، في مقدمتها بناء جيش وطني قادر على حماية السيادة، وتفعيل الحراك الدبلوماسي لتعزيز الشراكات مع دول الجوار، بما يسهم في ترسيخ أمن المنطقة واستقرارها».

السوداني متمسك بالترشيح

وإلى ذلك ما زال السوداني وائتلافه «الإعمار والتنمية»، يظهران تمسكاً واضحاً بإمكانية الظفر بولاية ثانية، وتؤكد مصادر من داخل «الائتلاف» أنه «على وشك التكليف» من قبل رئيس الجمهورية لتشكيل الحكومة التي طال انتظارها لنحو 5 أشهر .

وقال القيادي في «الائتلاف» خالد وليد، الاثنين، في تصريحات لمواقع محلية، إن «ائتلاف (الإعمار) يطرح بقوة رئيسه محمد السوداني مرشحاً لتشكيل الحكومة العراقية المقبلة، وهو يمتلك حالياً أغلبية كبيرة جداً داخل (الإطار التنسيقي)، فهناك أكثر من 9 قيادات داخل الإطار تدعمه لتجديد الولاية الثانية له».

ويعتقد وليد أن الساعات الثماني والأربعين المقبلة يمكن أن تكون حاسمة بخصوص تكليف السوداني بمهمة تشكيل الحكومة، خصوصاً في ظل التحديات التي تعصف بالعراق، والتي بكل تأكيد تفرض تشكيل حكومة تحظى بغطاء سياسي واسع، وقادرة على تجاوز كل الأزمات التي تمر بها البلاد.


سيدة من غزة تروي قصة «استعادة» وجهها بعد الحرب

صورتان لآية سلامة بعد عمليات التجميل في مصر (الطبيب المعالج)
صورتان لآية سلامة بعد عمليات التجميل في مصر (الطبيب المعالج)
TT

سيدة من غزة تروي قصة «استعادة» وجهها بعد الحرب

صورتان لآية سلامة بعد عمليات التجميل في مصر (الطبيب المعالج)
صورتان لآية سلامة بعد عمليات التجميل في مصر (الطبيب المعالج)

ظلت آية سلامة، لمدة عام ونصف عام، تتجنب النظر للمرآة، وحتى عندما تمكنت من الخروج للشارع كانت تغطي أكثر من نصف وجهها. السيدة التي تشوه وجهها كاملاً في الحرب الإسرائيلية على غزة، ظلت متمسكة بأمل عودة حياتها إلى طبيعتها.

تروي آية سلامة، وعمرها 33 عاماً، قصة معاناتها مع الإصابة، ورحلة العلاج في مصر، وحلمها في عودة وجهها بوصفها امرأة. تقول لـ«الشرق الأوسط»، إنها أصيبت في حزام ناري إسرائيلي شمال غزة، تحديداً في 7 ديسمبر (كانون الأول) 2023.

وتردف: «انحرقت كلياً والنار طالت صدري».

ألم مضاعَف

تحكي السيدة الغزاوية أنها نجت من الحريق وكل من حولها في المستشفى يطلب منها سرد الشهادتين؛ فالكل توقع أن أيامها معدودة في الحياة نتيجة التشوه الكبير في وجهها وفي صدرها بعد أن تملكت منه النيران.

ظلت آية في العناية المركزة لمدة 40 يوماً في مستشفى الشفاء. تقول: «الوضع في غزة كان كتير صعب. فيش (لا يوجد) عنا (لدينا) شاش أو غيار. كانت كلها أدوات بدائية للتغير على الجرح في الأيام الأولى». وتردف السيدة أن ممرضة جارتها تطوعت بمساعدتها لتنظيف الجروح، فهي ظلت في المنزل لمدة 6 أشهر «كنت لا أستطيع السير خطوة واحدة أو شم الهواء».

وفقدت آية سلامة عينها اليُمنى، ووجهها، وأصيبت بجلطة جراء حزنها على حالها، لكنها تقول إن ألمها تضاعف حين رآها ابنها حامد ولم يعرفها، تحكي بألم: «أولادي خافوا مني. ابني قال هاي (هذه) مش (ليست) ماما».

وفي غزة، كانت آية سلامة تتحاشى الخروج حتى بعد أن قدرت عليه، وحين تخرج تغطي وجهها. وتردف: «الناس كانوا يعرفون أنها إصابة حرب. عيني مسكرة (مغلقة) بشاشة ولا أنظر للمرآة أبداً طوال سنة و3 أشهر».

رحلة العلاج

قدمت السيدة إلى مصر في مارس (آذار) من العام الماضي، وحيدة دون زوجها أو أي من أبنائها الأربعة. تقول إنها ظلت تتلقى الرعاية الطبية في مستشفى شمال سيناء، ثم بعدها توجهت للقاهرة، وبقيت 3 أشهر تقريباً متمسكة بأمل أن تجد مساعدة تمكنها من إيجاد طبيب كفء ودعم لتكاليف العمليات التجميلية.

وعلى مدار عام و3 أشهر، خضعت آية لثلاث عمليات جراحية في مصر؛ أولاهما عملية استمرت لمدة 10 ساعات. كانت تحلم فقط بعودة وجهها للحد الأدنى من طبيعته، تقول لـ«الشرق الأوسط»: «مجرد أن رأيت وجهي بعد العمليات، حمدت الله كثيراً. لم أكن أتوقع تلك النتيجة». وخلفت الإصابة آثاراً قاسية على أسرتها أيضاً؛ إذ أُصيبت ابنتاها مرح (12 عاماً) بجروح في الوجه، وليان (11 عاماً) بكسر في الجمجمة، وتأمل الأم في استكمال علاجهما بمصر.

تحدٍّ طبي كبير

حالة آية لم تكن الأولى جراء حرب غزة التي يعمل عليها جراح التجميل والاستشاري المصري محمود الدسوقي، ومتخصص الجراحات الميكروسكوبية، فيقول لـ«الشرق الأوسط»، إنه تعامل مع عشرات الحالات التي تعرضت لتشوهات نتيجة الإصابة من الحرب، لكنه يقر بأن «حالة آية مثلت تحدياً كبيراً ومعقداً».

ويقول الطبيب: «إصابة آية عنيفة جداً، خصوصاً في الجانب الأيمن من وجهها، الخد بالكامل وعضلاته والجلد والعصب السابع؛ كل ذلك تعرض للتشوه، فضلاً عن وجود بقايا شظايا في وجهها. كل هذا جعل الأنسجة متليفة ووجود تقيح موضع العين المصابة».

ويردف الطبيب أنه بعد تقييم الحالة بالتعاون مع استشاري طب العيون، تقرر بدء تدخل جراحي مكثف لتقليل عدد المراحل العلاجية. واستغرقت العملية الأولى من 8 إلى 10 ساعات، وشملت إصلاح الجفون باستخدام رقع جلدية، وإعادة ترميم الخد عبر تحريك أنسجة موضعية، إلى جانب إصلاح العضلات ومحاولة ترميم العصب الوجهي، وإعادة تشكيل الفم ليقترب من طبيعته.

وشارك في العملية فريق طبي متعدد التخصصات، حيث وُصفت هذه المرحلة بأنها الأهم والأصعب، تلتها مراحل تكميلية على مدار عام، تضمنت إجراءات لتحسين بروز العين الصناعية، وحقن الدهون، وجلسات ليزر، إلى جانب العلاج الطبيعي، بهدف الوصول إلى أفضل نتيجة ممكنة، وفقاً للطبيب المعالج.

وعن تفاعل متابعين، سواء عبر الصفحة الرسمية للطبيب أو عبر منصة «إكس» وموقع «فيسبوك» مع صور آية قبل وبعد العملية، يقول الطبيب: «لأن الحالة من غزة وإصابة حرب، وبسبب فرق الشكل الكبير قبل وبعد العملية، والإصابة طبعاً بشكل مباشر في الوجه، فده (هذا) خلى (جعل) الناس تتفاعل مع حالتها بشكل أكبر. بعض الناس وصفوا التغير في الشكل إنه يخض».

ويشير الطبيب المصري لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن هذا النوع من الجراحات قد يُعدّ نادراً في بعض الدول، لكنه يُجرى محلياً في حالات متعددة، بما في ذلك إصابات أكثر تعقيداً. ولا يزال الطبيب يحلم بما وصفه بـ«طمع أطباء التجميل» في نتيجة أفضل لوجه آية، فيما يتلخص حلم السيدة أن ترى أولادها في حضنها مرة أخرى، تقول آية: «إصابتي لم تكن هينة... ظللت شهوراً أتألم. لكني كل ما أحلم به هو عودة أولادي لحضني».