مخيمات الضفة... قطعة من «جحيم غزة»

«الشرق الأوسط» رصدت واقعها مع تصاعد العمليات العسكرية

TT

مخيمات الضفة... قطعة من «جحيم غزة»

نازحون يعودون لتفقد بيوتهم في مخيم جنين بعد انتهاء الاقتحام الإسرائيلي (الشرق الأوسط)
نازحون يعودون لتفقد بيوتهم في مخيم جنين بعد انتهاء الاقتحام الإسرائيلي (الشرق الأوسط)

صباح الثلاثاء 21 مايو (أيار) كان يفترض أن يكون صباحاً عادياً في مدينة جنين. فبعد ليلة لم تعكر صفوها اقتحامات الجيش الإسرائيلي أو عمليات الاغتيال والمداهمات، دبّت الحركة في أرجاء المدينة. سار الموظفون والعمال والطلبة إلى أعمالهم ومدارسهم وجامعاتهم كما يفعلون كل صباح، وشرّعت المحال التجارية أبوابها إيذاناً ببدء يوم جديد. بيد أن الدقائق القليلة التي تلت حملت فصلاً دامياً آخر من فصول المدينة الحزينة.

لا أحد ممن شقوا طريقهم في شوارع جنين ذاك الصباح كان يعلم أن ساعة الصفر لعملية عسكرية إسرائيلية موسعة في المدينة كانت قد دنت، وأن الدقائق القليلة التالية ستحيل الشوارع والطرقات والبنايات المحيطة إلى ساحة حرب مفتوحة. كانت قوة إسرائيلية خاصة قد تسللت داخل سيارة تحمل لوحة فلسطينية، وعمدت بنشر فرق من القناصة فوق عدد من الأبنية والعمارات تمهيداً لتحرك عسكري في المنطقة.

بعد الساعة الثامنة بقليل، شرَعت القوة الخاصة رفقةَ القناصة بإطلاق الرصاص على «كل ما يتحرك أمامها»، بحسب ما روى شهود، فقتلت على الفور 7 من سكان المدينة، بينهم تلميذان ومعلم وطبيب جراح.

محمود خرج لتقديم امتحاناته فقتله قناص قرب مدرسته

أحد التلميذين كان محمود حمادنة (15 عاماً)، طالب في الصف التاسع. غادر بيته في الصباح الباكر رفقة شقيقه التوأم للالتحاق بالمدرسة قرب مخيم جنين، وتقديم امتحانات آخر العام الدراسي. بصوت مختلج وبعينين مثقلتين بألم الفقد، يقول والد محمود المفجوع بخسارة نجله إنه اتصل به فور انطلاق صفارات الإنذار في المخيم، فأجابه أنه وصل المدرسة مع شقيقه. يضيف: «حينها شعرت بالاطمئنان على أنهما بخير».

سكان مخيم جنين يشيعون ضحايا العملية العسكرية الإسرائيلية أواخر مايو الماضي (الشرق الأوسط)

بيد أن الاقتحام الإسرائيلي المفاجئ أحدث إرباكاً كبيراً في مؤسسات المدينة كافة، ما دفع المسؤولين إليها لاتخاذ إجراءات الإخلاء والطلب من الطلاب والموظفين والعاملين العودة إلى منازلهم خشية تفاقم الأوضاع، وتجنباً لسيناريوهات الحصار التي سبق أن تعرضوا لها في اجتياحات سابقة، ما استدعى تدخل «الصليب الأحمر» ومنظمات دولية لإفساح المجال أمام عودة الطلاب إلى منازلهم.

يروي والد الطفل محمود تفاصيل تلك اللحظات الثقيلة، في حديثه مع «الشرق الأوسط»، يقول: «تفاجأت بعودة شقيق محمود وحيداً إلى البيت... حاولت الاتصال به، لكن هاتفه لا يجيب إطلاقاً. كررت الاتصال أكثر من 15 مرة دون رد». كان محمود في الأثناء قد شقّ طريقه عائداً إلى منزله على دراجته الهوائية. وما أن غادر بوابة مدرسته حتى عاجله قناص إسرائيلي اعتلى إحدى البنايات القريبة بـ5 رصاصات اخترقت صدره ورأسه.

«اتصلت مجدداً، فأجاب أحدهم وقال لي إن صاحب الهاتف موجود في المستشفى. لم يعرف اسمه. قال إنه وصل مصاباً»، يستذكر والد محمود التفاصيل بحرقة وألم شديدين، مضيفاً: «فقدت عقلي حين علمت أن ابني قد أصيب... توجهت سريعاً مع زوجتي إلى المستشفى. قدت السيارة بسرعة كبيرة... كانت القوات الخاصة منتشرة في المنطقة حولنا، أطلق قناص النار باتجاهنا... وصلنا المستشفى وأنا أعتقد أن ابني مصاب، فوجدته قد استشهد. لم ألحق به، كان قد فارق الحياة».

إسرائيل تطيل أمد عملياتها داخل الضفة

كانت صافرات الإنذار تدوي في أرجاء مخيم جنين، فيما انتشرت عناصر الكتائب العسكرية الفلسطينية لاتخاذ مواقعها في الشوارع والميادين بعد اكتشاف أمر الوحدة الإسرائيلية الخاصة، فاندلعت اشتباكات عنيفة، ترددت أصداؤها في أرجاء المدينة.

آثار الدمار الذي طال البنى التحتية الرئيسية في مخيم جنين أواخر مايو الماضي (الشرق الأوسط)

في الأثناء، تقدمت أرتال من المركبات العسكرية الإسرائيلية، ترافقها جرافات ثقيلة، وتحوم فوقها طائرات مسيرة، نحو من مداخل المدينة، التي لطالما مثلت معقلاً رئيسياً للعمل الفلسطيني المسلح في الضفة الغربية طيلة عقود مضت، تزامناً مع إعلان المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي عن البدء في عملية عسكرية موسعة في جنين بهدف القضاء على مقاتلين فلسطينيين.

لم يحمل بيان الجيش الإسرائيلي تفاصيل حول العملية الجديدة، إذ لم يعلن الجيش هدفاً واضحاً للعملية ولم يضع سقفاً زمنياً محدداً لها أسوة بمرات سابقة. مثّلت العملية وحجم القوات المشاركة فيها - الذي قدّرت بأكثر من ألف جندي، وكذلك تحركاتها وتمركزاتها على الأرض، واحتلالها عدداً من المنازل والبنايات، ناهيك عن فرضها حصاراً محكماً على المخيم - تطوراً في استراتيجية الجيش الإسرائيلي في جنين ومدن شمال الضفة الغربية بشكل عام، وتحولاً في شكل العمليات من الاقتحامات الليلية والمطاردات الساخنة التي تمتد لساعات، إلى عمليات موسعة تمتد لأيام.

شوارع جنين... اشتباكات وانفجارات وسحب سوداء

كان فريق «الشرق الأوسط» ذاك الصباح قد وصل إلى مشارف جنين في مهمة معدة مسبقاً لرصد واقع المدينة بعد أشهر من الحرب الممتدة في غزة. تزامن وصولنا لمداخل المدينة مع بدء العملية العسكرية الإسرائيلية وتصاعد القتال فيها.

خلت الشوارع تماماً إلا من صوت الرصاص ودوي الانفجارات المتتالية التي تخلّفها العبوات الناسفة واستهدافات الجيش وضرباته. غطت سحابة سوداء سماء المدنية التي لم تفارقها الطائرات المسيرة. فيما أغلقت المحال أبوابها، ولاذ السكان إلى بيوتهم. أضحت الشوارع والأزقة والحارات ساحة حرب مفتوحة بين المقاتلين الفلسطينيين ووحدات الجيش المدعومة بالقناصة والمتحصنة في عربات مصفحة.

فلسطيني وسط مدينة جنين خلال اقتحام القوات الإسرائيلية أواخر مايو الماضي (الشرق الأوسط)

فرض الجيش حصاراً على المخيم، أو كما يسميه «عش الدبابير»، ومنع حركة الدخول أو الخروج منه، وقطع إمدادات الكهرباء والاتصالات، حتى بات بقعة معزولة عن العالم الخارجي. مَنعت المركبات العسكرية دخول سيارات الإسعاف لإخلاء الإصابات أو الحالات المرضية، بل أطلقت النار عليها، كما منعت وصول الطواقم الصحافية للمنطقة، فيما شرعت الجرافات العسكرية في تجريف عدد من الشوارع والميادين وهدم بنى تحتية حيوية.

تواصلت العملية العسكرية الإسرائيلية 48 ساعة قبل انسحاب القوات منها، لنتمكن بعد ذلك من دخول المخيم وحاراته، ولتتكشف أمامنا آثار المعركة في المدينة ومخيمها.

ترك الرصاص بصمةً واضحةً على جدران المنازل والمتاجر بين الأزقة الضيقة، فيما تركت الحرائق علاماتها على بعض نوافذ البيوت والمساكن المتلاصقة في مساحة ضيقة لا تزيد عن 0.42 كيلومتر مربع، يسكنها نحو 12 ألف نسمة. بدا نصيب بعض البيوت الأخرى أكبر، إذ لحقها دمار كبير بعد أن قامت الوحدات الإسرائيلية بنسفها وتسويتها بالأرض. كذلك ألحقت الجرافات العسكرية دماراً بالشوارع والميادين والبنى التحتية التي طالتها أعمال تجريف لم تتوقف طيلة اليومين الماضيين.

الحاضنة الاجتماعية... هدف للعمليات العسكرية

كان الجيش الإسرائيلي صعّد من عملياته مؤخراً، التي تطول البنى التحتية الحيوية في المدينة والمخيم، إذ باتت هدفاً رئيسياً للاعتداءات الإسرائيلية، في مسعى، كما يرى السكان هنا، للضغط على الحاضنة الشعبية للكتائب المسلحة ومعاقبتها. ويرى جمال حويل، عضو «المجلس الثوري» لحركة «فتح» والمقاتل السابق إبّان معركة جنين عام 2002، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن إسرائيل تسعى عبر سياسات التدمير والتجريف لضرب الحاضنة وربط دعمها للعمل المسلح بمشاهد الدمار والخراب.

آثار الدمار الذي طال البيوت في مخيم جنين أواخر مايو الماضي (الشرق الأوسط)

يقول: «نحن ندرك من تجربة طويلة جداً منذ عام 2002 حين دخل الاحتلال إلى مخيم جنين في أكبر معركة بعد عام 1967، ودمّر 1200 بيت وقتل العشرات في المخيم، أن الاحتلال يركز على الانتصار على الوعي الفلسطيني. وبالتالي يركز على الحاضنة الاجتماعية حتى تصبح المعادلة أمامها، المقاومة تقابل الخراب»، مضيفاً: «لكن هذه الحاضنة الشعبية تدرك أن المقاومة هي من تحضر العزة والكرامة والحرية، رغم الدمار الذي يحدثه هذا العدو».

ضحايا جنين... الأعلى في الضفة الغربية

منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول)، كثّف الجيش الإسرائيلي من عملياته العسكرية في جنين ومدن الضفة الغربية. ونفذ الجيش أكثر من 70 اقتحاماً لجنين منذ اندلاع الحرب في غزة، قتل خلالها أكثر من 142 فلسطينياً، ما يمثل الحصيلة العليا لعدد الضحايا في الضفة الغربية، الذي تجاوز 540 قتيلاً، فيما بلغت أعداد الجرحى 5200، كما اعتقل الجيش أكثر من 8000 فلسطيني.

الطواقم الطبية تنقل إصابات خلال اقتحام الجيش الإسرائيلي لمدينة جنين في مايو الماضي (الشرق الأوسط)

كما دفع الجيش بالطيران الحربي لميدان حربه في جنين لأول مرة منذ الانتفاضة الثانية، إذ شنّ عدداً من الغارات على أهداف في المدينة ومخيمها، طالت عدداً من المقاتلين في «كتبة جنين» التابعة لـ«سرايا القدس» الجناح العسكري لـ«حركة الجهاد الإسلامي».

الضفة... جبهة خارج حسابات الهدنة

تظل جبهة الضفة الغربية ساحة غير مشمولة بحسابات ومفاوضات الهدنة وترتيبات وقف إطلاق النار المرتقبة في غزة، ما يثير مخاوف عميقة لدى الفلسطينيين بأن الفترة المقبلة قد تحمل مزيداً من فصول التصعيد. هذه المخاوف تعززها تصريحات الوزيرين في حكومة نتنياهو، بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، التي توعدا فيها بنقل مجريات الحرب في غزة إلى الضفة الغربية.

فور انتهاء معركة الساعات الثماني والأربعين الأخيرة، وانسحاب القوات الإسرائيلية، تحدثت «الشرق الأوسط» مع مقاتلي كتيبة جنين. قال لنا أحد قادتها إن هذه المعركة جاءت مختلفة عن سابقاتها، إذ شهدت «تكتيكاً عالياً ودقيقاً» من مقاتلي الكتيبة الذين باتوا يلجأون أكثر من السابق، في مواجهة القوات الإسرائيلية، للكمائن والعبوات الناسفة المزروعة، التي أظهرت تطوراً في فاعليتها، مقارنة بالمراحل السابقة. الأمر الذي أثار قلقاً عميقاً لدى الدوائر العسكرية والأمنية الإسرائيلية، وصعّد من وتيرة المداهمات والاستهدافات للبنية التحتية للكتائب المسلحة ومعامل العبوات والمتفجرات.

مسلحون من "كتيبة جنين" خلال تشييع جثامين ضحايا العملية العسكرية الإسرائيلية في مايو الماضي (الشرق الأوسط)

وأضاف أن الكتيبة لم تتلقَّ خسائر في صفوفها خلال هذه الجولة، مشيراً إلى أن «جميع الشهداء الذين سقطوا كانوا من المدنيين، ولم يفلح المحتل في قتل أو إصابة أي من عناصر الكتيبة»، ما يعكس تحولاً في عمل المقاتلين على الأرض خلال الاقتحامات الإسرائيلية وتكيفاً مع معطيات القتال، الذي يعتمد فيه الجيش على الوحدات الخاصة والقناصة، وكذلك على الغطاء الجوي.

وأشار الشاب إلى أن الحرب الدائرة في المخيم امتدادٌ للحرب في غزة ولعملية «طوفان الأقصى»، موضحاً أن المواجهة مع الجيش الإسرائيلي ارتفعت وتيرتها منذ 7 أكتوبر. ويضيف أن وحدات من الجيش كانت قاتلت في غزة، باتت تقاتل اليوم في جنين: «هذا باعترافهم وشهادات جنودهم بأن بعض قوات الجيش التي كانت تقاتل في غزة، واكتسبت خبرة هناك، تم استدعاؤها للدخول لمخيم جنين. والفرق بين ما قبل 7 أكتوبر وبعده هو عدد القوات التي تدخل إلى المخيم، ناهيك عن تصاعد ضربات الطيران والقصف وأعداد الآليات».

عمليات الجيش... من «جزّ العشب» إلى «الحسم الشامل»

تكاد العمليات التي تمتد لأيام تكون جولات «استطلاعية» لعمليات أوسع وأطول أمداً، تهدف من خلالها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية إلى بسط سيطرتها الأمنية بشكل أوسع على الضفة الغربية، وتضييق الخناق على الفصائل المسلحة التي تنشط في المدن والبلدات والمخيمات. وشرعت القوات الإسرائيلية مؤخراً في تصعيد مداهماتها وضرباتها على البنى التحتية للكتائب، وكذلك على بعض مصادر تمويلها. كما شنَّ الجيش سلسلةً من المداهمات لمحال الصرافة وتحويل الأموال، ونفّذ اعتقالات بحقّ بعض العاملين فيها، وزاد من وتيرة استهدافاته لمعامل تصنيع العبوات الناسفة. وتواصل جرافاته إزالة «الخطوط الدفاعية» على مداخل المخيمات من سواتر ترابية وأحجار إسمنتية لتأمين دخول وحدات الجيش لمناطق أعمق داخل المخيم.

دوريات إسرائيلية في شوارع جنين مايو الماضي (الشرق الأوسط)

وتعكس مجريات العمليات الإسرائيلية تبدلاً في سياسة «جز العشب» التي أطلقها الجيش الإسرائيلي قبل عامين بهدف ملاحقة المجموعات المسلحة واغتيال أو اعتقال قادتها وعناصرها، إلى التوجه اليوم نحو استراتيجية تحمل مؤشرات بالمضي لـ«الحسم الشامل».

كانت الضفة الغربية شهدت أكثر من 460 عملية إطلاق نار واشتباك منذ بداية العام الحالي، استهدفت قوات الجيش والمستوطنين، وأوقعت 13 قتيلاً وعشرات الإصابات.

مخيم نور شمس... محاكاة للتدمير في غزة

بات السكان في مخيم نور شمس للاجئين في مدينة طولكرم، شمال الضفة الغربية، يطلقون عليه اسم «غزة الصغرى»، إذ يشهد المخيم الواقع شرق المدينة تصعيداً عسكرياً إسرائيلياً، ارتفعت وتيرتُه مع اندلاع الحرب في غزة، كثّفت خلاله إسرائيل من هجماتها عليه خلال الشهور الماضية، مخلفة دماراً كبيراً في أحيائه وأزقته الضيقة.

وما أن وصلنا مدخل المخيم حتى بدأت تتكشف مشاهد الدمار. لحق الدمار والخراب بواجهات البيوت والمحال التجارية المطلة على الشارع الرئيسي المقابل للمخيم، والواصل بين مدينتي طولكرم ونابلس. داخل المخيم، سلكنا طريقاً ترابية وعرة خلّفتها أعمال التجريف نحو حارة المنشية وسط المخيم. بدت بيوت الحارة وبناياتها أثراً بعد عين. حفرت الجرافات الإسرائيلية في قلب المخيم بقعة ترابية واسعة تكسوها أكوام من الركام وجدران البيوت المهدمة، فاقتلعت هنا مربعات سكنية كاملة، وهجَّرت سكانها، في استدعاء لسياسة التدمير الواسع في غزة.

تقول نهاية الجندي، إحدى سكان المخيم وعضو لجنة الخدمات الشعبية، لـ«الشرق الأوسط»، بينما وقفت وسط بقعة ترابية فارغة على أنقاض بيوت حارة المنشيّة، التي سوّتها الجرافات الإسرائيلية بالأرض، وأحالت مجمعات سكنية كانت تأوي 40 أسرة إلى ركام، إن حال مخيم نور شمس «شبيه بحال غزة، وأطلق عليه اسم غزة الصغرى، وذلك بسبب تدمير مجمعات سكنية كاملة».

وتضيف الجندي: «الفرق بيننا وبين غزة هو وجود جثث تحت الأنقاض. نخشى أن يتم تدمير البيوت هنا على رؤوس ساكنيها. فنحن أمام نفس الحال ونفس الوجع ونفس الفقدان، ونفس المأساة ونفس التدمير وتفجير البنيان... هذه غزة رقم 2».

آثار الدمار الذي طال البيوت والمتاجر في مخيم جنين (الشرق الأوسط)

في أبريل (نيسان) الماضي، في عملية عسكرية امتدت 3 أيام، حاصرت القوات الإسرائيلية المخيم وقطعت عنه إمدادات المياه والكهرباء والاتصالات ، وشرعت الجرافات العسكرية من طراز «D-9» و«D-10» في قضم بيوت حارة المنشية المتراصة وتسويتها بالأرض، بينما كان بعض سكانها داخل بيوتهم، فشقّت شارعاً واسعاً لدخول الآليات العسكرية والجنود فوق أنقاض البيوت.

وتلاحق إسرائيل «كتيبة طولكرم» التي تنشط في المخيم، وتضم عناصر من «سرايا القدس» الجناح العسكري لحركة «الجهاد الإسلامي»، وكذلك «كتائب القسام» الجناح العسكري لحركة «حماس»، وكذلك «كتائب شهداء الأقصى» التابعة لحركة «فتح».

وتصاعدت في الآونة الأخيرة أعمال التجريف التي ترافق الاجتياحات الإسرائيلية، التي يقول الجيش عنها إن هدفها إبطال العبوات المزروعة على جنبات الطرق والأزقة وهدم التحصينات البدائية للكتائب الفلسطينية، بيد أن حجم الدمار والخراب التي تخلّفه أعمال التجريف التي تطول البنى التحتية الحيوية والمنشآت المدنية من بيوت ومدارس وغيرها، تعكس سياسة عقاب جماعي تطول سكان المخيمات.

تشير الأرقام الرسمية الفلسطينية وأرقام وكالة غوث وتشغيل اللاجئين «أونروا» إلى أن نحو 2000 بيت في المخيم لحقَ بها دمار كليّ أو جزئي، ما يمثل نحو نصف عدد البيوت في المخيم. واضطر سكان البيوت المدمرة، ولا سيما تلك التي سوّتها الجرافات بالأرض، إلى النزوح خارج المخيم واللجوء لمساكن مؤقتة لحين إعادة إعمار بيوتهم، وهو ما يبدو الأفق أمامه غير واضح المعالم، في ضوء التحديات المالية التي تواجه «أونروا»، وكذلك السلطة الفلسطينية، في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية وأعمال الهدم والتجريف التي طالت سابقاً بيوتاً جرى ترميمها وإصلاحها، ما يجعل مسار إعادة الإعمار معقداً وشائكاً ورهناً بتطورات الأوضاع على الأرض.

شبح التهجير يقفز للواجهة

تدفع هذه التطورات في المخيمات بشبح التهجير إلى الواجهة، إذ تخشى أوساط فلسطينية واسعة من اتساع رقعة العمليات العسكرية والإسرائيلية وتصاعد وتيرة الهدم والتدمير والتجريف للبيوت والمنشآت، ما قد يخلق مشاهد من النزوح القسري، ويمثل شروعاً فعلياً بتنفيذ سياسة اقتلاع المخيمات وإفراغها من السكان. يترافق ذلك مع سياسات توسيع الاستيطان في الضفة وتسريع مخططات الضم، كما يتوافق مع «خطة الحسم» الذي وضعها وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش، إذ يدعم كثير من الشواهد الملموسة على الأرض هذه المخاوف من تصاعد حدة الهجمات الإسرائيلية في المخيمات، وخلق واقع جديد فيها لصالح مشاريع الاستيطان والتوسع.

وتشير الأرقام الفلسطينية إلى أن عدد المنشآت التي تم هدمها في الضفة الغربية منذ عام 2023 تجاوز 1100 منشأة، ما أسفر عن تشريد أكثر من 4300 شخص، وهو ما يمثل زيادة بنحو 5 أضعاف، مقارنة بعام 2022 الذي بلغ فيه عدد المهجرين 700 شخص.

أبو رامي من سكان حارة المنشية بمخيم نور شمس يتفقد منزله الذي هدمته الجرافات الإسرائيلية في مايو الماضي. (الشرق الأوسط)

ويروى أبو رامي، من سكان حارة المنشيّة المدمرة، لـ«الشرق الأوسط»، اللحظات الصعبة التي عاشها هو وعائلته حين تقدمت الجرافات الإسرائيلية نحو بيته الذي تسكنه 3 عائلات وشرعت بعمليات الهدم والتجريف، بينما كان السكان بالداخل. يقول: «لو بقينا داخل البيت لسقطت جدرانه علينا. دخلت الجرافات وشرعت بهدم هذا الجزء من البناية التي تسكنها 3 عائلات»، مشيراً بيده نحو غرف البيت الذي قضمته الجرافات وأحالته خراباً.

نزح الرجل الستيني مع عائلته وأبنائه خارج المخيم لحين تأمين عودتهم. يتحسر على ما حلّ ببيته وحارته، قائلاً: «نرجو الله أن تنفرج الأمور، وألا نبقى مشتتين هنا وهناك... فبعد خسارة البيت، ما قيمة حياتنا؟»


مقالات ذات صلة

«اتفاق غزة»... تحركات جديدة من الوسطاء لكسر الجمود

المشرق العربي فلسطينية تعد وجبة في مخيم النصيرات للاجئين شمال دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

«اتفاق غزة»... تحركات جديدة من الوسطاء لكسر الجمود

تحركات جديدة بشأن مسار اتفاق وقف إطلاق في قطاع غزة، الذي زاد تعثره منذ اندلاع حرب إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا فلسطيني يحمل جثمان أحد أقربائه قتل في غارة جوية إسرائيلية بمدينة غزة (أ.ف.ب)

«سلاح حماس»... تحرك لـ«مجلس السلام» بغزة في توقيت مربك

حراك جديد لدفع اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وسط تصاعد حرب إيران، مع تسريبات إعلامية بأن «مجلس السلام» قدم مقترحاً لحركة «حماس» لنزع سلاحها.

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا مقر وزارة الخارجية المصرية (الهيئة العامة للاستعلامات)

مصر قلقة إزاء «المنحى التصاعدي» لأعمال العنف في الضفة

أعربت مصر عن بالغ قلقها إزاء «المنحى التصاعدي» لأعمال العنف التي ينفذها المستوطنون في الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق 
«صوت هند رجب» قد تتأخر حظوظه (مايم فيلمز)

الهند تمنع عرض فيلم «صوت هند رجب» كونه «مسيئاً» إلى علاقتها مع إسرائيل

منعت الهند عرضَ فيلم «صوت هند رجب» الذي يتناول مقتل طفلة فلسطينية تبلغ 5 سنوات برصاص القوات الإسرائيلية في غزة.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
المشرق العربي فلسطينية تبكي لدى زيارة قبور أقاربها في خان يونس جنوب قطاع غزة... الجمعة (إ.ب.أ)

آثار الحرب تخيّم على أجواء عيدَي الفطر والأم في قطاع غزة

ظلَّت آثار الحرب حاضرةً وخيَّمت على أجواء العيد في قطاع غزة، خصوصاً بعد أن شدَّدت إسرائيل مجدداً من إجراءاتها على إدخال البضائع؛ بحجة الظروف الأمنية.

«الشرق الأوسط» (غزة)

القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)

دخل قرار الحكومة اللبنانية القاضي بحظر النشاط العسكري والأمني لـ«حزب الله» مرحلة التطبيق العملي، عبر قيام القضاء العسكري بفتح ملفات قضائية بحق عناصر ضُبطوا وهم ينقلون أسلحة غير مرخصة وصواريخ باتجاه الجنوب. ويعكس هذا المسار تحوّلاً قضائياً في مقاربة الدولة لملف السلاح غير الشرعي، بعد تعثر الأسبوع الماضي أدى إلى الإفراج عن موقوفين بكفالات رمزية، ما انعكس على العلاقة بين الأجهزة القضائية.

وفي خطوة اعتبرت مؤشراً على بدء مرحلة مختلفة، ادعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، الاثنين، على أربعة عناصر من الحزب، بعد توقيفهم أثناء نقل أسلحة وصواريخ، وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول القاضية غادة أبو علوان لاستجوابهم واتخاذ الإجراءات المناسبة بحقهم.

هامش قضائي واسع

في الشكل، قد تبدو هذه الإجراءات روتينية ضمن صلاحيات النيابة العامة العسكرية، إلا أن مضمونها يعكس تبدلاً في أسلوب التعامل القضائي مع ملفات ترتبط بـ«حزب الله». فالقضاء الذي كان يتحرك بحذر شديد في قضايا تمسّ الحزب أو حلفاءه، يبدو اليوم أمام هامش أوسع، في ظل القرار السياسي الذي صنّف النشاط العسكري والأمني للحزب خارج إطار الشرعية القانونية.

ادعاء مفوض الحكومة على عناصر «حزب الله» الأربعة استناداً إلى المادة 72 من قانون الأسلحة التي تعاقب على نقل وحيازة الأسلحة غير المرخصة، يبدو مفهوماً في بعده القانوني. إلا أن اللافت في الادعاء كان توجيه اتهام أشد خطورة لاثنين من الموقوفين استناداً إلى المادة 288 من قانون العقوبات، وهي مادة جنائية تعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة كل من يقوم بأعمال من شأنها تعريض لبنان لخطر أعمال عدائية أو الإضرار بعلاقاته مع دولة أجنبية.

لبناني يرفع علم «حزب الله» في بلدة النبي شيت في شرق لبنان حيث قام الجيش الإسرائيلي بإنزال وأمطر البلدة بقصف كثيف موقعاً عشرات القتلى والجرحى (أ.ف.ب)

وتنصّ المادة 288 من قانون العقوبات على «المعاقبة بالاعتقال المؤقت لكل من يخرق التدابير التي اتخذتها الدولة للمحافظة على حيادها في الحرب، أو يقدم على أعمال أو كتابات أو خطب غير مجازة من الحكومة من شأنها تعريض البلاد لخطر أعمال عدائية أو تعريض اللبنانيين لأعمال ثأرية». ويعطي إدراج هذه المادة في الادعاء بعداً سيادياً للملف، إذ يضع القضية في إطار «الجرائم التي تمس أمن الدولة»، وليس فقط ضمن إطار حيازة السلاح غير المرخص.

نقل صواريخ

وفي تبرير لاتهام عنصرين للحزب بجناية، يؤكد مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط» أن اثنين من الموقوفين الأربعة «أوقفا في بلدة كفرحونة في جبل لبنان، بعدما ضبطت بحوزتهما 21 صاروخاً في طريقها إلى الجنوب، في خطوة اعتُبرت مخالفة صريحة لقرارات الحكومة والقوانين المرعية الإجراء».

ويشير المصدر إلى أن القاضي كلود غانم «اعتمد هذه المرة مقاربة مختلفة في مسار الملاحقة، إذ ادعى على الموقوفين الأربعة وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول طالباً استجوابهم وإصدار مذكرات توقيف وجاهية بحقهم، استناداً إلى مواد الادعاء»، لافتاً إلى أن هذه الآلية القضائية «ستؤدي عملياً إلى إطالة مسار الإجراءات، ما يعني إبقاء المدعى عليهم قيد التوقيف إلى حين استكمال التحقيقات».

ويأتي هذا المسار مختلفاً عمّا حصل في ملف سابق شمل عنصرين من الحزب، حيث جرى الادعاء عليهما وإحالتهما مباشرة إلى المحكمة العسكرية، حيث اكتفت الأخيرة بتغريم كل منهما مبلغ 10 دولارات أميركية وإطلاق سراحهما فوراً، في إجراء أثار انتقادات واسعة.

توسيع دائرة التحقيقات

بحسب المصدر القضائي، فإن الهدف من إحالة الملف إلى التحقيق الاستنطاقي «هو توسيع دائرة التحقيقات لكشف ملابسات نقل الصواريخ والأسلحة، ومعرفة ما إذا كان الموقوفون يتحركون بقرار مستقلّ، أو بتكليف مباشر من الجهة الحزبية التي ينتمون إليها»، في إشارة إلى «حزب الله».

وتندرج هذه القضية في سياق سلسلة عمليات نفذتها الأجهزة الأمنية خلال الأسبوعين الماضيين، أسفرت عن توقيف عناصر من الحزب أثناء تنقلهم بأسلحة فردية أو رشاشات أو أثناء نقل عتاد عسكري بين مناطق مختلفة. غير أن التطور الأبرز في الملف الأخير يتمثل في طبيعة السلاح المضبوط، أي الصواريخ.

وترى مصادر حقوقية متابعة للملف أن تكثيف إحالة هذه القضايا إلى القضاء العسكري «يعكس بداية مرحلة مختلفة في علاقة الدولة مع سلاح (حزب الله)، خصوصاً بعد القرار الحكومي الذي وضع إطاراً قانونياً واضحاً لحظر نشاطه العسكري والأمني خارج مؤسسات الدولة». وتؤكد المصادر لـ«الشرق الأوسط»، أن القضاء العسكري «وضع نفسه أمام اختبار حقيقي لمدى قدرته على تطبيق قرارات الدولة وملاحقة المخالفين لها»، مشيرة إلى أن التحقيقات الاستنطاقية التي تجريها القاضية غادة أبو علوان «ستشكل مؤشراً مبكراً على المسار الذي ستسلكه الدولة في التعامل مع ملف السلاح غير الشرعي في المرحلة المقبلة».


من «نكتة سياسية» إلى قرار مصيري... هل حان وقت مغادرة أميركا؟

مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
TT

من «نكتة سياسية» إلى قرار مصيري... هل حان وقت مغادرة أميركا؟

مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)

منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، تحوّل سؤال «هل حان وقت المغادرة؟» من نكتة سياسية تُقال بعد كل انتخابات، إلى حديث جاد يتكرر في غرف الأخبار، وعلى منصات التواصل، وحتى في مكاتب الاستشارات الضريبية وشركات الهجرة.

لم يعد سؤال «هل نغادر؟» مجرّد انفعال انتخابي عابر أو تهديد يُطلقه نجوم الشاشة ثم يُطوى. صار السؤال جزءاً من أحاديث يومية في أوساط واسعة: عائلات تُقلّب خرائط مدارس أكثر أمناً وتبحث عن مجتمع أقل توتراً، نساء شابات يقرأن معارك الحقوق والثقافة بوصفها مؤشراً على مستقبل أكثر ضيقاً، أكاديميون يتعاملون مع العلاقة المتدهورة بين الدولة والجامعة باعتبارها اختباراً لاستقلال المعرفة، وأثرياء يتحدثون عن الضرائب والبيئة السياسية بلغة إدارة مخاطر، ويفكرون في «خطة ب» هادئة لا تنفي علاقتهم بالاقتصاد الأميركي، بقدر ما تؤمّن لهم مخرجاً من تقلبات السياسة والضرائب.

في هذا المناخ المتشنّج، تحوّلت «الهجرة المعاكسة» إلى عبارة تختصر مزاجاً أكثر مما تصف حركة سكانية كبرى. فالضجيج كبير، لكن الدقة تقتضي التفريق بين رغبة في الرحيل تُقاس بالاستطلاعات، وبين خطوات قانونية فعلية للحصول على إقامة أو تأشيرة، وبين حقيقة ديمغرافية تُقاس بصافي الهجرة وتدفّقات الداخلين والخارجين. المفارقة أن أهم ما تُظهره الأرقام في العام الأول من الولاية الثانية لا يبدو «نزوحاً أميركياً جماعياً» بقدر ما يبدو تراجعاً في الداخلين إلى الولايات المتحدة، أي في الهجرة إليها، مع آثار اقتصادية وديمغرافية ملموسة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مؤشراً بيده خلال لقائه عائلات فقدت أفراداً منها في جرائم ارتكبها أشخاص دخلوا البلاد بطريقة غير شرعية (رويترز)

مزاج الرحيل

اللافت في موجة الحديث الأخيرة أنها لم تعد حكراً على فئة واحدة أو سبب واحد. في مرحلة سابقة، كان الانقسام السياسي هو محرك الخطاب: «إذا انتصر خصمي فسأغادر». أما اليوم، فالسردية أكثر تركيباً: الناس لا تتحدث عن الرئيس وحده، بل عن مزيج من الاستقطاب، والإحساس بتراجع «الحد الأدنى من الاتفاق» داخل المجتمع، وارتفاع تكلفة العيش، وتراجع الثقة بالمؤسسات، والقلق من العنف المسلح، وصولاً إلى شعور متزايد لدى بعض الشرائح بأن البلد صار مساحة «مفاوضة يومية» على الحقوق والهوية واللغة. هذا ما يفسر لماذا باتت فكرة الرحيل تخرج من إطار «الرمز السياسي» إلى إطار «الخيار الحياتي».

أحد المؤشرات على ذلك هو نشوء خدمات جديدة تُحوّل القلق إلى خطة. في تقرير لمجلة «فوربس» عن شركة ناشئة تساعد الأميركيين على الانتقال، لا يقدّم الأمر بوصفه موجة هروب جماعية، بل بوصفه صناعة تُرشد الناس إلى مسارات قابلة للتطبيق، وتحديداً نحو بعض البلدان الأوروبية، عبر دعم إداري وقانوني وترتيبات معيشية. الفكرة هنا ليست أن الجميع سيغادر، بل أن عدداً متزايداً يريد أن يعرف: ما الذي يمكن فعله واقعياً؟ وما التكلفة؟ وما المسار القانوني؟

وعلى مستوى المزاج العام، جاءت أرقام «غالوب» لتكسر حاجز «الانطباع». الاستطلاع المنشور في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 أظهر أن نحو واحد من كل خمسة أميركيين يقولون إنهم يرغبون في مغادرة الولايات المتحدة بشكل دائم إذا أتيحت الفرصة، وأن الدفعة الأكبر تأتي من النساء الأصغر سناً: 40 في المائة من النساء بين 15 و44 عاماً عبّرن عن رغبة في الانتقال الدائم إلى الخارج، مقابل 19 في المائة من الرجال في الفئة العمرية نفسها، مع مقارنة لافتة بأن النسبة لدى الشابات كانت أقل بكثير قبل عقد. وتنبّه «غالوب» إلى نقطة منهجية حاسمة: الاستطلاع يقيس «الرغبة» لا «الخطة» ولا «التنفيذ»، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن أزمة ثقة عميقة لدى جيل كامل، وعن فجوة جندرية في الرضا عن المسار الأميركي.

هنا يظهر جانب من «الهجرة المعاكسة» لا يحتاج إلى «طائرة»: انسحاب نفسي من فكرة المستقبل الأميركي لدى فئات ترى أن معارك الداخل، على الأمان والحقوق والتعليم، لم تعد هامشية، بل باتت تحدد شكل الحياة اليومية. وهذا الانسحاب النفسي، حتى لو لم يتحول إلى انتقال فعلي لدى الأغلبية، يترك أثراً سياسياً واقتصادياً طويل المدى: من أين يخطط الناس لبناء حياتهم؟ وأين يريدون تربية أطفالهم؟ وأي مجتمع يثقون به؟

مارة يعبرون الطريق في تايمز سكوير بمدينة نيويورك (شاترستوك)

الأرقام الصلبة عن أميركا

حين تُذكر «الهجرة المعاكسة» في النقاش العام، يسهل الانزلاق إلى صورة درامية: أميركيون يرحلون بالملايين. لكن ما تقوله البيانات الأحدث هو أن القصة الديمغرافية الأهم في 2025–2026 ترتبط بانخفاض الهجرة إلى الولايات المتحدة، وتراجع صافي الهجرة الدولية بصورة حادة مقارنة بالعام السابق.

في يناير (كانون الثاني) 2026، نشر مكتب الإحصاء الأميركي تدوينة تحليلية عن تقديرات السكان تُظهر أن صافي الهجرة الدولية بلغ ذروة عند 2.7 مليون في 2024 ثم انخفض إلى 1.3 مليون في 2025، مع توقعات بأن يتراجع أكثر إذا استمرت الاتجاهات. ويضيف مكتب الإحصاء نقطة قد تُستخدم في غير محلها: الانخفاض الكبير نتج من تراجع الهجرة إلى الداخل وارتفاع الهجرة إلى الخارج معاً، لكن ذلك لا يعني تلقائياً «هروب مواطنين» بقدر ما يعكس تغيّرات أوسع في تدفقات السكان، بما فيها تشدد السياسات وتبدل سلوك الهجرة عموماً.

وفي قراءة أكثر تفصيلاً، تشير ورقة محدثة من معهد «بروكينغز» (يناير 2026) إلى أن صافي الهجرة في 2025 كان على الأرجح قريباً من الصفر أو سلبياً للمرة الأولى منذ نصف قرن على الأقل، ضمن نطاق تقديري بين 295 ألفاً و10 آلاف، مع توقعات بأن يبقى ضعيفاً في 2026. الورقة نفسها تعترف بتزايد عدم اليقين بسبب تراجع الشفافية في بعض البيانات، لكنها تؤكد الاتجاه العام: التغيير الأكبر هو في ميزان الداخلين والخارجين ككل، لا في «رحيل الأميركيين» وحده.

أهمية هذا التفصيل أن «الهجرة المعاكسة» تُطرح أحياناً كدليل على تراجع جاذبية أميركا، بينما الأثر الاقتصادي المباشر لتراجع صافي الهجرة يظهر غالباً عبر قنوات أخرى: نقص اليد العاملة في قطاعات محددة، وتباطؤ في نمو السكان في ولايات كبرى، وضغط على النمو والاستهلاك. وفي تحليل نشرته مؤسسة «بارونز» استناداً إلى نمذجة اقتصادية، أشار إلى أن تباطؤ نمو السكان بين 2024 و2025 يمكن أن يرتبط بخسائر اقتصادية كبيرة، مع ربط واضح بين التراجع الحاد في صافي الهجرة الدولية وبين خسارة وظائف وعائدات اقتصادية، حتى مع وجود نقاش بين الباحثين حول حجم الأثر النهائي.

بهذا المعنى، فإن العام الأول من الولاية الثانية لا يمكن اختزاله في «الناس تغادر»، بل في «أميركا تقلل الداخلين»، وهو تحوّل يغيّر تركيبة سوق العمل والجامعات والابتكار، ويعيد رسم علاقة الولايات المتحدة بالعالم ليس فقط عبر التجارة والأمن، بل عبر البشر أنفسهم.

متظاهرون ضد «أيس» بمدينة روتشستر في ولاية نيويورك (غيتي)

الجامعات العريقة في خط النار

إذا كان ملف الضرائب والأمان المجتمعي يُغذي رغبة الرحيل لدى العائلات والأفراد، فإن ملف الجامعات يفتح باباً مختلفاً: باب «هجرة العقول» وتآكل القوة الناعمة. فمنذ الاحتجاجات الواسعة في الجامعات الأميركية على خلفية حرب غزة، اتخذت المواجهة بين الإدارة الفيدرالية وبعض المؤسسات الأكاديمية الكبرى طابعاً أكثر خشونة، امتزج فيه الأمن الجامعي بالتمويل الفيدرالي وبالتحقيقات وبالخطاب السياسي حول «معاداة السامية» وحدود الاحتجاج.

في مارس (آذار) 2025، حذّر المجلس الأميركي للتعليم من قرار إلغاء 400 مليون دولار من منح وعقود فيدرالية لجامعة كولومبيا، واعتبرته سابقة خطرة تقوض الأبحاث وتلتف على العمليات القانونية المعتادة، في إشارة إلى أن التمويل بات يُستخدم كأداة ضغط سياسية يمكن أن تمتد آثارها إلى مجالات علمية وطبية لا علاقة مباشرة لها بالسجال السياسي.

ثم جاء يوليو (تموز) 2025 ليؤكد أن نموذج «العصا والجزرة» ليس نظرياً، حين توصلت جامعة كولومبيا إلى اتفاق مع الحكومة لإعادة التمويل البحثي، تضمن دفع أكثر من 220 مليون دولار، بينما قالت «رويترز» إن البيت الأبيض رأى في الاتفاق نموذجاً يمكن تكراره، في حين حذّر منتقدون من أن ذلك قد يفتح الباب لتدخلات أوسع في الحوكمة الجامعية.

أهمية هذه المعركة في سياق «الهجرة المعاكسة» أنها تمس أحد أعمدة الجاذبية الأميركية التاريخية: الجامعة بوصفها مصنعاً للنخب العالمية وحاضنة للبحث والابتكار. حين تتحول الجامعة إلى ساحة صدام مالي - سياسي، وحين يشعر الأكاديمي أو الطالب أن الحرم الجامعي بات تحت ضغط دائم، يرتفع احتمال التفكير في بيئات أخرى أقل تقلباً، حتى لو لم تكن أكثر بريقاً. وفي حالات كثيرة، لا تكون النتيجة «هجرة فورية»، بل تراجع تدريجي في قدرة الولايات المتحدة على اجتذاب أفضل الباحثين والطلاب الأجانب، وهو ما يلتقي مع ملف التأشيرات والتنافس التكنولوجي.

والأمر لا يقف عند كولومبيا. هذا الشهر رفعت وزارة العدل الأميركية دعوى ضد جامعة «هارفارد» تتهمها بعدم الامتثال لتحقيق فيدرالي بشأن سجلات القبول. وتقول الوزارة إن الدعوى تهدف إلى إجبار الجامعة على تسليم وثائق تتعلق بأي اعتبار للعرق في القبول، من دون اتهامها بتمييز فعلي. وحظيت القضية بتغطية إعلامية واسعة، ما يعكس اتساع نطاق المواجهة إلى ملفات القبول والحوكمة وسياسات التنوع، بالتوازي مع ملفات الاحتجاجات.

هنا يتشكل لدى جزء من الرأي العام الأكاديمي شعور بأن «المعركة» لم تعد حادثاً مرتبطاً بغزة وحدها، بل جزءاً من مواجهة أوسع مع المؤسسات التي تُوصف تقليدياً بأنها «نخبوية». وفي مثل هذه الأجواء، يصبح التفكير في الانتقال أو على الأقل في «تدويل» المسار المهني خياراً عقلانياً لدى بعض الأكاديميين، لا لأن أميركا فقدت ميزاتها العلمية، بل لأن تكلفة عدم اليقين ارتفعت، ولأن السياسة دخلت بحدة إلى التمويل والقبول والحوكمة.

تلامذة ترافقهم الشرطة لدخول مدرستهم بعد حادثة إطلاق نار أودت بحياة زملائهم في ولاية كاليفورنيا (أ.ب)

أوروبا تلتقط حرب التنافس مع الصين

الخط الأكثر حساسية في قصة «الهجرة المعاكسة» لا يتعلق بمن يغادر من الأميركيين، بل بمن لا يأتي إلى الولايات المتحدة، خصوصاً في مجال التعليم العالي والتكنولوجيا. فالتنافس التكنولوجي مع الصين لا يدور حول المصانع وحدها، بل حول المختبرات، والمهارات، والطلاب، والباحثين. وفي هذا السياق، يصبح ملف الطلاب الأجانب جزءاً من «حرب مواهب» عالمية، حيث تسعى الدول إلى اجتذاب العقول أو منع خصومها من الوصول إلى المعرفة.

على مستوى البيانات، أظهر تقرير معهد التعليم الدولي أن إجمالي الطلاب الدوليين في الولايات المتحدة تراجع 1 في المائة في العام الأكاديمي 2025-2026، لكن الأهم كان في «النبض المستقبلي»: انخفاض بنسبة 17 في المائة في أعداد الطلاب الدوليين الجدد. كما قالت غالبية كبيرة من المؤسسات المشاركة إن مخاوف التأشيرات كانت العائق الأول أمام الطلاب. هذه الأرقام لا تعني انهياراً فورياً، لكنها تضيء على اتجاه قد يصبح مؤلماً إذا استمر؛ لأن «الجدد» هم من يحددون ما سيكون عليه الحضور الدولي بعد سنتين أو ثلاث.

مسافر ينتظر القطار في مدينة نيويورك (أ.ف.ب)

في الوقت نفسه، اتخذت واشنطن خطوات أكثر صرامة تجاه الطلاب الصينيين. في مايو (أيار) 2025، قالت الخارجية الأميركية إنها ستعمل على «إلغاء التأشيرات بشكل هجومي» لفئات من الطلاب الصينيين، خصوصاً من لديهم صلات بالحزب الشيوعي أو يدرسون في «مجالات حرجة»، مع تشديد التدقيق على طلبات مستقبلية. وغطّت تقارير إعلامية هذه السياسة في سياق تحذير من «استغلال» الجامعات وسرقة أبحاث، بينما أشارت أخرى إلى أن الخطوة أثارت قلقاً واسعاً في الجامعات وبين الطلاب، في وقت تعتمد فيه مؤسسات كثيرة على الرسوم التي يدفعها طلاب دوليون.

هنا تتشابك خيوط القصة: تشدد التأشيرات والتنافس مع الصين يقللان من تدفق طلاب وباحثين، ومعارك الإدارة مع الجامعات على خلفية احتجاجات غزة تزيد شعور عدم اليقين داخل الحرم، فتجد دول أخرى فرصة لتقديم نفسها كبدائل «أهدأ» أو «أوضح قواعد». وليس صدفة أن تبرز وجهات أوروبية بعينها كهولندا وبريطانيا والبرتغال في خطاب الانتقال الأميركي، لا سيما أن بعضها يجمع بين جودة حياة وإمكانية قانونية قابلة للتطبيق.

في هولندا مثلاً، نقلت تقارير إعلامية محلية، استناداً إلى بيانات دائرة الهجرة، أن نحو 7 آلاف أميركي تقدموا خلال 2025 بطلبات تتعلق بتصاريح عمل أو دراسة أو لمّ شمل، وهو أعلى مستوى منذ عقد على الأقل، مع ارتفاع لافت في استخدام مسار «معاهدة الصداقة الهولندية - الأميركية» الذي يتيح للأميركي تأسيس نشاط تجاري برأسمال متواضع نسبياً. هذه ليست أرقاماً ضخمة قياساً بحجم الولايات المتحدة، لكنها كافية لإظهار أن «الخطة ب» تتحول إلى سلوك عند شريحة محددة قادرة على الحركة.

وفي المملكة المتحدة، لا يظهر المؤشر في سجلات الهجرة فقط، بل في سوق العقار. شركة «رايت موف» البريطانية قالت إن الاستفسارات من الولايات المتحدة حول منازل معروضة للبيع في بريطانيا ارتفعت 19 في المائة عن العام السابق، وهو أعلى مستوى منذ 2017، مع ملاحظة أن جزءاً كبيراً من الطلب يتركز على وحدات صغيرة، بما يوحي بأن الأمر غالباً استثمار أو منزل ثانٍ أكثر من كونه انتقالاً نهائياً لعائلات كبيرة.

أما البرتغال، فتبقى جذابة كنموذج «جودة حياة» وتكاليف أدنى نسبياً لبعض الفئات. لكنّها تقدم في الوقت نفسه درساً على أن أوروبا ليست بوفيهاً مفتوحاً. ونقلت وكالة «رويترز» في يونيو (حزيران) 2025 أن الحكومة البرتغالية اتجهت إلى تشديد قواعد التجنيس ولمّ الشمل ورفع مدة الإقامة المطلوبة لمعظم الأجانب قبل طلب الجنسية، تحت ضغط سياسي داخلي متصاعد حول الهجرة؛ أي أن من يراهن على استقرار طويل الأمد يجد أن القواعد يمكن أن تتغير بسرعة، وأن «الوجهة» ليست وعداً ثابتاً.

أحد المحاربين القدامى يحمل لافتة كُتب عليها «المهاجرون يجعلوننا عظماء» رداً على إجراءات «أيس» في البلاد (رويترز)

ما الواقعي وما المبالغ؟

بهذا المعنى، لا تعني الوجهات الأوروبية أن أميركا فقدت هيمنتها. العكس: كثير من حركة «الهجرة المعاكسة» لدى الأثرياء والمهنيين تعكس منطق إدارة المخاطر داخل اقتصاد عالمي تقوده الولايات المتحدة. فالأميركي الذي يشتري منزلاً في لندن أو يفتح باب إقامة في أمستردام لا يقطع علاقته بالهيمنة الأميركية، بل يستخدم مزاياها: الدخل، ورأس المال، والعمل عن بعد، لبناء خيار إضافي خارج المجال السياسي الداخلي. إنها مفارقة «الهيمنة»: القوة التي تمنح فرصاً هائلة هي نفسها التي تجعل السياسة داخلها أكثر صخباً وتأثيراً في حياة الفرد، فتدفع بعضه إلى توزيع حياته على أكثر من جغرافيا.

في النهاية، تبدو «الهجرة المعاكسة» أقل اتساعاً مما يوحي به ضجيجها، لكنها أكثر دلالة مما يريد البعض الاعتراف به. ليست موجة نزوح جماعي، بل تيار نوعي يقوم على ثلاث طبقات: رغبة متزايدة في الرحيل لدى فئات محددة، وخطوات عملية لبناء مخارج قانونية ومالية، وتحوّل ديمغرافي أكبر يتمثل في تراجع الداخلين إلى الولايات المتحدة. وبين هذه الطبقات تتشكل صورة بلد يزداد نفوذاً في الخارج، لكنه يخوض في الداخل معارك متزامنة على الهوية والأمان والمعرفة، وهي معارك تكفي وحدها لإنتاج سؤال الرحيل، حتى إن بقي، في معظم الأحيان، «خطة ب» أكثر منه قراراً نهائياً.


حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.

*صحافي وأكاديمي لبناني