هل أزفت ساعة نهاية «البحبوحة» الأوروبية؟

الغضب الشعبي يتراكم على امتداد القارة على وقع الأوضاع الاقتصادية المتردية

TT

هل أزفت ساعة نهاية «البحبوحة» الأوروبية؟


حرق سيارات في أحد شوارع باريس يونيو الماضي (أ.ب)
حرق سيارات في أحد شوارع باريس يونيو الماضي (أ.ب)

منذ عقود والعالم ينظر إلى بلدان الاتحاد الأوروبي كواحة رخاء وأمان واستقرار، وكمصدر لفرص عمل كريمة وبناء مستقبل افضل في منأى عن الحروب والاضطرابات والأزمات المتوطنة التي أغرقت مواطني غالبية الدول النامية في حال من اليأس وانسداد الأفق؛ ما دفع بكثيرين منهم إلى ركوب كل المخاطر للوصول إلى الأرض الأوروبية الموعودة. لكن منذ سنوات، ثمة عواصف تعتمل في سماء المشهد الأوروبي وتعكّر صفاء البحيرة التي بدأت تتقاطع في مياهها تيارات الغضب والقلق التي ولّدها تعاقب الأزمات الاقتصادية والتغييرات الهيكلية التي باتت تهدد نظام الرفاه الذي يشكّل إحدى الركائز الأساسية للمشروع الأوروبي. بعد شتاء حافل بالاحتجاجات الحاشدة في المملكة المتحدة، والنمسا، وألمانيا والجمهورية التشيكية، شهدت أوروبا ربيعاً غاضباً، خاصة فرنسا التي ترفض القبول بأن ساعة «نهاية البحبوحة» قد أزفت، حسب تعبير إيمانويل ماكرون، في حين تشعر غالبية الأوروبيين بأن ركائز دولة الرفاه تتقوّض بسرعة، وتتدهور خدمات أساسية مثل الصحة والتعليم الرسمي، في الوقت الذي أصبح المسكن ترفاً، والطبقة الوسطى على شفا الانهيار. كل ذلك تسبب في إضرابات عامة لم تشهدها أوروبا منذ سنوات كثيرة، كتلك التي عاشتها المملكة المتحدة أو الإضراب الذي شلّ قطاع النقل في ألمانيا مطلع الربيع الفائت، أو الاحتجاجات الحاشدة في عدد من المدن البرتغالية ضد ارتفاع تكاليف الإسكان، وعشرات المظاهرات ضد التضخم الجامح في معظم الدول الأوروبية.

ساحات حرب

مطلع الربيع الفائت تحولت شوارع باريس إلى ساحات حرب متنقلة بين قوات الأمن والمتظاهرين احتجاجاً على مشروع الرئيس إيمانويل ماكرون لتعديل نظام التقاعد الذي يشكّل أحد أعمدة دولة الرفاه بالنسبة للفرنسيين. وترافد في تلك الاحتجاجات أنصار الأحزاب المعارضة، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، تعبيراً أيضاً عن السخط المتفشي في أوساط المجتمع الفرنسي الذي تتراكم عليه الازمات منذ سنوات، وانضمّت إليهم عناصر احترفت ركوب هذه الفرص لممارسة العنف ضد الممتلكات العامة ورموز الدولة.

إنه السخط المتنامي نفسه الذي أضرم نار الإضرابات في المملكة المتحدة والبرتغال وألمانيا واليونان. تختلف الشرارات التي تطلقه باختلاف البلدان، لكن سببه الأساسي واحد، هو السأم من حياة ترتفع تكاليفها وتزداد تعقيداً.

تكلفة المعيشة هي اليوم الهاجس الرئيسي الذي يقضّ مضاجع غالبية الأوروبيين الذين يراقبون بعجز وإحباط منذ سنوات كيف تتضاءل قدرتهم الشرائية أمام الارتفاع المطرد في الأسعار بسبب تداعيات الثورة الرقمية والتحوّل نحو الاقتصاد البيئي وازدياد عدد المسنين، ومؤخراً الحرب الدائرة في أوكرانيا وما نجم عنها من مضاعفات في سوق الطاقة والسلع الغذائية. في هذا السياق، كان لا بد من التساؤل: هل إن ما شهدته فرنسا، ولا تزال، هو نذير لما ينتظر البلدان الأوروبية الأخرى؟

محركات الموسم الاحتجاجي

الموسم الاحتجاجي الذي يجتاح أوروبا منذ أشهر وتتصاعد وتيرة العنف الذي يرافقه، ليست محركاته مقصورة على الأزمات الاقتصادية وما تولّده من صعوبة العيش لنسبة متزايدة من السكان، بل هو أيضاً نتيجة حتمية لسنوات من الاستياء المتراكم والاغتراب الذاتي، خاصة عند الشباب المتحدرين من أصول غير أوروبية كما هو الحال في فرنسا وألمانيا وبلجيكا وهولندا، حيث أخفقت سياسات الاندماج في معالجة أزمة الانتماء والهوية التي يعانون منها. يضاف إلى ذلك، أن الغضب الشعبي الذي يعبر الحدود الآيديولوجية هو فرصة ذهبية لا تفوّتها الأحزاب المتطرفة، على يمين المشهد السياسي ويساره، لتوسيع دائرة نفوذها، ولا النقابات التي انحسرت قواعد مؤيديها في العقود المنصرمة.

تحرك احتجاجي في ألمانيا يوليو الماضي (أ.ف.ب)

إلى جانب كل ذلك، يتميّز جيل القرن الواحد والعشرين بنزعة انفرادية حادة، تجعله ينأى عن الانخراط في الجمعيات والتنظيمات الحزبية والنقابية حيث يتم اتخاذ القرارات بالتوافق، ويجنح بالتالي إلى عدّ كل نزاع أزمة هوية تستهدفه شخصياً ولا يتردد في الانفجار من غير مراعاة لتباين الأدوار والمهام في المجتمع، ويرفض استيعاب فكرة أنه من المستحيل أن يعيش مثلما عاش جيل آبائه.

الغضب الشعبي يتراكم على امتداد القارة الأوروبية، وهو إلى ازدياد على وقع الأوضاع الاقتصادية المتردية، وينتظر من يستغلّه عند أول شرارة احتجاجية. وفرنسا هي اليوم المرآة التي تنعكس على صفحتها الأزمة الاجتماعية المتنامية في أوروبا. أزمة الصراع بين التكنوقراط والذين خسروا معركة العولمة ويطالبون بعالم لم يعد موجوداً، ويقعون في قبضة الأحزاب الشعبوية المتطرفة.

فرنسا... «بلد الاحتجاجات»

ولا ننسى أنه إذا كانت فرنسا «بلد الاحتجاجات» بامتياز، فهي أيضاً نموذج سياسي بالنسبة للكثير من الأوروبيين، ومشكلاتها هي نفسها التي تعانيها اليوم معظم الدول الأوروبية التي يترقّب مواطنوها أدنى شرارة للاندفاع في مسيرات الغضب والاحتجاج التي يكثر الذين يصطادون في مياهها. ومن نافل القول تأكيد أن الحراك الاجتماعي حصل دوماً بغض النظر عن الجهة الحاكمة في فرنسا أكانت من اليمين أم اليسار؛ ما يعني أن الداء لا لون سياسياً له، بل هو كامن ومتجذر.

ويقول فرنسوا دوبيه، أستاذ العلوم السوسيولوجية في جامعة بوردو (جنوب غرب فرنسا): إنه منذ أحداث الشغب في ضواحي مدينة ليون «شهدنا عشرات عدة» من أنواع الحراك كافة. والخيط الجامع بينها «أن ساكني الضواحي والأحياء الشعبية يشعرون بالتهميش إن بسبب أصولهم أو ثقافاتهم أو دياناتهم». والثابت أيضاً، أن الجمعيات والحركات الاجتماعية المنبثقة عنهم وكذلك الأحزاب «لم تنجح في ترجمة النقمة والغضب إلى مطالب واضحة أو أن تفضي إلى مسار سياسي» بحيث إن الشعور العام هو الفراغ. وحدها أحداث «غينغيت» أفضت إلى شيء سياسي هو «المسيرة من أجل المساواة ورفض العنصرية» التي انطلقت من لوين ووصلت إلى باريس وكان لها وقع كبير على المجتمع.

ويلحظ الباحث الأكاديمي وجود «نمطية» محددة في تسلسل الأحداث التي تنطلق بعد سقوط جريح أو قتيل من هذه الضواحي أو الأحياء على أيدي رجال الأمن ما يثير حنقاً وحالة هياج تترجم فورياً بأعمال عنف تستهدف الإنشاءات العامة والمدارس والبلدية والمراكز الاجتماعية، ويتطور العنف إلى اشتباكات مع رجال الأمن وعمليات كرّ وفرّ، ثم يعقبها استهداف المحال التجارية وبعض السرقات. وينتج منها توقيف المئات من المتظاهرين ومن المشاغبين وتتبعها المحاكمات... وهكذا دواليك. أما ردود الفعل العامة فتنقسم تقليدياً، وفق الباحث، بين التنديد بعنف رجال الأمن وأجواء العنصرية المسيطرة بما فيها التعامل التمييزي مع شباب الضواحي الذين يقوى لديهم الشعور بالاستهداف معطوفاً على الفقر والبطالة والشعور بالتهميش. وبالمقابل، ثمة من يدين تكاثر الحضور الأجنبي والهجرات والتهديد الذي يلحق بتركيبة المجتمع وثقافته وعدم التلاؤم بين ثقافة المنشأ والثقافة الفرنسية وصعوبة الاندماج بما يحمله من تغيير في البنية المجتمعية وتهديد للهوية الفرنسية والسير نحو «أسلمة» البلاد وتحقق نظرية «الإحلال»، أي أن تأخذ موجات الهجرات القادمة من أفريقيا ومن بلدان المغرب مكان الفرنسيين. ويذهب كثيرون لإدانة تصرفات سكان الضواحي والأحياء الفقيرة المتسمة بـ«التوحش»، لا، بل إن الرئيس ماكرون لم يتردد سابقاً في التنديد بما سماه «الانفصالية الإسلاموية»، أي تبني ثقافات وتصرفات منقطعة عما هو فرنسي الطابع، في حين يتحدث آخرون عن مساحات خارجة عن الدولة الفرنسية، حيث لا تدخلها القوى الأمنية وتخضع عملياً لمهربي وتجار المخدرات. وما بين الطرفين، تجد الحكومات المتعاقبة نفسها عاجزة أكانت من اليمين أم اليسار.

أخطاء سنوات البحبوحة

حقيقة الأمر، كما يرى كثير من الباحثين، أن ما يحصل من «ثورات» اجتماعية منذ عقود عدة ليس سوى نتيجة تراكمات وأخطاء ارتكبت سابقاً. ومن بين الأخطاء، أن سنوات البحبوحة دفعت الشركات الفرنسية والأوروبية بشكل عام إلى استجلاب اليد العاملة رخيصة التكلفة وبأعداد كبيرة للعمل في المصانع والمزارع وملء فراغات المهن الصعبة أو التي يرفضها الفرنسي، وذلك زمن القفزة الاقتصادية ووضعتها في مجمعات في ضواحي المدن. وقد تحولت لاحقاً إلى «غيتوات» بطابع أجنبي يغلب عليها الفقر والجهل والبطالة وتجارة المخدرات والعنف والتهميش. وتبين الإحصائيات الحالية، أن نسبة البطالة في الضواحي والأحياء الشعبية تصل إلى 18 في المائة بينما معدلها العام لا يزيد على 7 في المائة.

حقائق

18% نسبة البطالة

في الأحياء الفقيرة في فرنسا

ويبلغ عدد هذه الأحياء التي تصنفها الحكومة بأن لها «الأولوية» في عملية الإنماء 1514 حياً. ومن الناحية السكانية، ثمة 22 في المائة من سكانها من الأجانب. واللافت، أن نسبة البطالة فيها للشباب دون سن الثلاثين تصل إلى 30.4 في المائة. ومن الناحية الجغرافية، تتوزع الضواحي الساخنة على جوار المدن الكبرى (باريس، وليون، ومرسيليا، وليل غرونوبل). والثابت، أنه إذا كانت سنوات البحبوحة لم تعرف «حراكاً» مطلبياً من هذه الضواحي فلأن المهاجرين الذين جيء بهم من الخارج كانوا في غالبيتهم من الأميين وهمّهم الوحيد كسب لقمة العيش ليس إلا وكانوا إما لا يشعرون بالمعاملة التمييزية أو أنهم كانوا يقبلونها. لذا؛ فإن الحراك بدأ مع الجيل الثاني وتوسع مع الجيل الثالث وكلاهما أكثر إحساساً بالتهميش والمعاملة التمييزية من آبائهم.

وخلال الأيام الماضية، كثرت الشهادات التي تبين أن العنصرية متفشية لدى الكثير من أفراد الشرطة الفرنسية. ويعيد الباحث إيمانويل بلانشار ذلك إلى التاريخ الاستعماري لفرنسا والرؤية الدونية لمن كانوا مستعمرين، ودليله على ذلك ما حصل مع الجزائريين والقمع الذي تعرّضوا له وعلى سبيل المثال ما حصل للمتظاهرين منهم يوم 17 أكتوبر (تشرين الأول) 1961، حيث تعرّضوا للقمع الشديد وسقط منهم الكثير من القتلى. ومما هو معروف أن كثيرين فضّلوا أن يرموا أنفسهم في نهر السين بدلاً من أن يقعوا بأيدي الشرطة. ودلّت تصريحات وبيانات صادرة عن نقابات الشرطة في الأيام الأخيرة على عنصرية كامنة، عادّة أن أفرادها في «حالة حرب مع مفسدين».

ليس من العدل بمكان رمي المسؤولية على جهة واحدة أكانت الدولة أم أجهزتها وتناسي مسؤولية الطرف الآخر. ورغم ما سبق، يمكن تأكيد أن أفضل حماية للمواطن أو للمهاجر في فرنسا أو في غيرها من الديمقراطيات عنوانها احترام القوانين، ومنها قوانين السير. وليس سراً أن نسبة الأجانب في السجون الفرنسية مرتفعة قياساً لنسبتهم السكانية داخل المجتمع الفرنسي. وتبين إحصائيات وزارة العدل لشهر أكتوبر عام 2021، أن 17198 أجنبياً كانوا في السجون، ما نسبته 24.5 في المائة من إجمالي السجناء، بينما نسبة الأجانب في فرنسا لا تتعدى 7 في المائة. وواضح أيضاً أنه يتعين على الأجانب التأقلم مع المجتمع الفرنسي وليس العكس، وأن الأعمال المخلّة بالأمن على أنواعها تسيء بالدرجة الأولى إلى سكان الضواحي والأحياء الفقيرة التي يتزايد تهميشها فيما الحرائق التي أضرمت أصابت بداية هذه المناطق والأحياء.

بريطانيا... فوضى غير مسبوقة

وقد تكون بريطانيا على رأس لائحة الدول الأوروبية المنزلقة في منحدر شديد زادت حدته منذ خروجها من الاتحاد الأوروبي. ومع ذلك؛ فإن أزمات المملكة المتحدة أقدم من «بريكست»، رغم أن الخبراء الاقتصاديين يتفقون على أنه من دون شك سرّع في انحدارها هذا.

 

جماهير غفيرة خلف سيارة تقلّ والدة نائل في مظاهرة نهاية يونيو الماضي (أ.ب)

وربما الأشهر الماضية كانت دليلاً على مدى تردي حالة البلاد وإشارة إلى مدى تراجع الكثير من الخدمات الأساسية فيها. فعلى وقع أزمة تضخم هي الأقسى منذ 40 عاماً، لفت الإضرابات بريطانيا وخرجت خدمات أساسية في قطاعات التنقل والتعليم والاستشفاء، عن الخدمة لأيام متتالية، لم تنته بعد وتحذر بالعودة في الأسابيع المقبلة. هؤلاء المضربون جميعهم، من أساتذة وأطباء وعمال سكك الحديد والبريد والمطارات وغيرهم، كلهم يطالبون برفع أجورهم لكي تتماشى مع نسبة التخضم التي ترتفع بشكل صاروخي.

ويقول ماريانو آغيرّي، الباحث في مركز «تشاتهام هاوس»: «إن حزب المحافظين البريطاني يدفع البلاد نحو الانهيار، في حين تكبّد بريطانيا سياسات (رئيس الوزراء السابق) بوريس جونسون والخروج من الاتحاد الأوروبي خسائر فادحة، والاقتصاد أشبه بسفينة توشك على الغرق في بحر اجتماعي شديد الهيجان».

وعشيّة مرور مائة يوم على وصول ريشي سوناك إلى داونينغ ستريت، أعلن عمال السكك الحديدية وموظفو قطاع التعليم، بما فيه الجامعات، أكبر إضراب في بريطانيا منذ 12 عاماً للمطالبة برفع الأجور وإلغاء التشريعات التي تلزم بتأمين الحد الأدنى من الخدمات. وفي أبريل (نيسان) الفائت، أضرب موظفو الأمن في المطارات عشرة أيام متتالية؛ مما تسبب في حال من الفوضى غير المسبوقة خلال عطلة عيد الفصح، في الوقت الذي هددت فيه قطاعات أخرى بموجة من الإضرابات إذا لم تحصل على ما يعوّض التضخم الذي زاد عن 11 في المائة منذ بداية هذا العام.

 

حقائق

330 ألف عامل

خسرتهم بريطانيا نتيجة خروجها من الاتحاد الأوروبي

وكان لخروج بريطانيا من التكتل الأوروبي أثراً مباشراً على العمالة، وأدى بحسب دراسة «معهد الإصلاحات الأوروبية» صدرت مطلع العام الحالي، إلى خسارة بريطانيا لقرابة 330 ألف عامل، معظمهم في قطاعات لا تتطلب مهارات عالية، مثل قطاعات البيع والنقل والخدمات في المطاعم والفنادق. وتحركت الحكومة في المقابل لتسهيل العمالة من خارج الاتحاد الأوروبي، خاصة من الهند، لملء الوظائف الشاغرة، ولكن في قطاعات تحتاج إلى مهارات عالية مثل النظام الحصي والتعليم وتكنولوجيا المعلومات والخدمات.

ألمانيا... أشهر حبلى

ورغم أن «بريكست» أبرز أزمة نقص العمالة في بريطانيا وفاقمها، فإن ألمانيا تعاني مثلها نقصاً كبيراً في العمالة يهدد كذلك سير الخدمات الرئيسية، خاصة في القطاع الصحي والتعليم. والسبب الرئيسي في نقص العمالة زيادة أعداد المتقاعدين مقابل عدم تدريب مختصين بشكل كافٍ في المهن التي تعاني من النقص.

ففي ألمانيا تعاقبت إضرابات قطاعات أساسية، مثل السكك الحديدية والنقل الجوي والمواصلات العامة، دائماً لطلب زيادة في الأجور تعوّض التضخم وارتفاع أسعار السلع الأساسية، رغم أن الحكومة تطبق تدابير للتخفيف من آثار أزمة الطاقة منذ بداية الحرب في أوكرانيا. لكن إذا كانت ألمانيا لم تشهد حتى الآن نفس الفوضى التي عرفتها فرنسا والمملكة المتحدة والبرتغال؛ لأن المجتمع الألماني أكثر تنظيماً وقدرة على التكيّف مع الصعاب، ولأن التعاضد بين النقابات الألمانية الموزعة حسب القطاعات أقلّ منه بين الفرنسية الأكثر تطرفاً، فإن الأشهر المقبلة قد تكون حبلى بسلسلة من الإضرابات والاحتجاجات ما لم تسارع الحكومة إلى اتخاذ إجراءات لتصحيح الأجور بعد أن اقتربت نسبة التضخم من 8 في المائة.

فنقص الأطباء، مثلاً، بات يشكل قلقاً كبيراً للحكومة الحالية دفعت بوزير الصحة كارل لاوترباخ إلى الدعوة لخلق 5 آلاف مقعد إضافي في الجامعات لتعليم وتدريب أطباء في وقت تشير توقعات معهد روبرت بوش إلى أن 11 ألف وظيفة طبيب عائلة ستكون شاغرة بحلول عام 2035، خاصة في المناطق النائية البعيدة عن المدن الكبيرة. وبشكل عام، فإن واحدة من كل 6 مهن تعاني نقصاً في المهارات، ويشكو العاملون فيها من عدم قدرتهم على توظيف المهارات التي يبحثون عنها. وبحسب دراسة لوزارة العمل الفيدرالية، فإن 200 مهنة من أصل 1200 تعاني نقصاً في المهارات، وهو رقم ارتفع عن العام الذي سبق حين كان عدد المهن التي تنقصها مهارات 148. وأشارت الوزارة أيضاً إلى إمكانية انضمام 157 مهنة إضافية إلى لائحة المهن التي تعاني نقصاً في العثور على مهارات لملء الوظائف الشاغرة. ومن بين هذه المهن التمريض والتعليم والبناء وتكنولوجيا السيارات والمهندسين والصيادلة والمختصون بتكنولوجيا المعلومات، إضافة إلى سائقي الشاحنات والباصات والعاملين في قطاع الخدمات، مثل الفنادق والمطاعم والصناعات المعدنية.

 

وتحاول الحكومة التي يقودها الاشتراكيون ملء هذه الثغرات بجذب مهاجرين من خارج دول الاتحاد الأوروبي؛ إذ يشير متخصصون إلى أن ألمانيا بحاجة لـ٤٠٠ ألف مهاجر ماهر سنوياً للتعويض عن المجتمع الهرِم والعمالة الناقصة. وجال المستشار الألماني أولاف شولتز على الهند وغانا مطلع العام للإعلان عن نية حكومته تسهيل دخول العاملين الماهرين من الدولتين خاصة العاملين في مجال تكونولوجيا المعلومات، في حين يبحث وزير العمل في البرازيل عن مهارات لملء آلاف الوظائف الشاغرة في مجال التمريض ورعاية المسنين.

وقبل أسبوعين مررت ألمانيا قانون هجرة حديثاً وغير مسبوق يسهّل إجراءات الدخول للكفاءات من خارج الاتحاد الأوروبي ويخفض متطلبات اللغة الألمانية المطلوبة كشرط مسبق للحصول على التأشيرة. ويسمح القانون الجديد كذلك للباحثين عن العمل بالدخول إلى ألمانيا والمكوث لغاية عام بحثاً عن عمل، بشرط أن يكونوا من حملة شهادة جامعية أو خضعوا لتدريب في مهنة من المهن التي تعاني نقصاً في الموظفين في ألمانيا. ولا يشترط القانون الجديد معرفة اللغة الألمانية، بل يخير المتقدم بالألمانية او الإنجليزية، إضافة إلى شروط أخرى. وبعد الحرب الروسية في أوكرانيا، استفاد مرة جديدة من أزمة اللاجئين الأوكران ومن ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم ومهاجمة الحكومة، خاصة لجهة خططها المتعلقة بالطاقة. ومررت الحكومة باقتراح من حزب الخضر المشارك فيها، قانوناً يمنع على مالكي الأبنية شراء سخانات تعمل فقط على الغاز، وإجبارهم بدءاً من عام 2024 على أن تكون السخانات الجديدة التي يتم تركيبها، تعمل بنسبة 60 في المائة بالطاقة المتجددة. وأثار القانون سخطاً كبيراً للتكلفة العالية التي تواجه أصحاب البيوت من دون تعويضات واضحة من الحكومة. واستفاد «البديل لألمانيا» من السخط ليهاجم الحكومة ويكسب أصواتاً إضافية. ورغم أن وصول «البديل لألمانيا» إلى السلطة على المستوى الفيدرالي مستبعدة لرفض كل الأحزاب الكبيرة العمل معه، فهو بدأ يحقق نجاحات تاريخية في بلديات صغيرة بشرق ألمانيا. والأسبوع الماضي انتخبت أول بلدة ألمانية في ولاية ساكوميا أنهالت رئيس بلدية من «البديل لألمانيا». وتستعد الولايات الثلاث الشرقية العام المقبل لإجراء انتخابات محلية تشير الاستطلاعات إلى أن الحزب المتطرف سيفوز بها.

قد تكون ألمانيا بدأت تتقبل أنها باتت مجتمع لاجئين من الناحية القانونية، ولكن الكثيرين يقولون بأنه من دون تغيير العقلية تجاه المهاجرين والغرباء والألمان من أصول مهاجرة، فإن القوانين المحدثة لن تنفع بجلب المهارات التي تحتاج إليها البلاد إلى دولة لا ترحب بهم وتميز ضدهم ولا تعدّهم متساوين.

الفقر والتهميش وشرارة أخطاء الشرطة

جماهير غفيرة خلف سيارة تقلّ والدة نائل في مظاهرة نهاية يونيو الماضي (أ.ب)

ليست المرة الأولى التي تعيش فيها فرنسا حالة من الاضطرابات الاجتماعية - الاقتصادية التي تفضي إلى أعمال عنف واسعة واشتباكات وسرقة ونهب وانقسامات آيديولوجية وسياسية حادة، في حين تجد السلطات نفسها عاجزة عن إطفائها إلا عن طريق اللجوء إلى القوى الأمنية، وأحياناً إلى فرض حالة الطوارئ ومنع التجول. وإذا كان الفقر والتهميش والمعاملات التمييزية تشكل الوقود الذي يغذي الاحتجاجات، فإن اخطاء الشرطة تشكل عادة الشرارة التي تشعله.

كذلك، ليست المرة الأولى التي يخرج فيها الشباب في ضواحي المدن والأحياء الشعبية لمواجهة رجال الشرطة بعد حادث كالذي أفضى إلى موت الشاب القاصر نائل مرزوق صبيحة يوم الثلاثاء 27 يونيو (حزيران) الماضي، على يد شرطي دراج أطلق النار عليه من مسافة قريبة بعد ملاحقة خطرة في شوارع مدينة نانتير الواقعة على مدخل باريس الغربي. الشرطي البالغ من العمر 38 عاماً والقابع حالياً في الحبس الاحتياطي، عدّ أن تصرف سائق السيارة المسروقة يشكل تهديداً له ما يعطيه الحق بإطلاق النار عليه، وهو ما فعله. السيناريو ليس جديداً، لا، بل هو مكتوب سلفاً وعشرات الأحداث المشابهة حصلت في العقود الأربعة الأخيرة. لكن الجديد فيها هذه المرة أن رواية الشرطي وزميله دحضهما تسجيل فيديو أظهر أن لا الشرطي ولا زميله كانا مهددين، وأن روايتهما الأصلية كانت مفبركة؛ ما ضاعف من غضب الشارع. وتفيد أرقام وزارة الداخلية، بأن 15 شخصاً قُتلوا منذ عام 2022 على أيدي الشرطة في حوادث تدقيق مروري شبيهة بما حصل مع نائل مرزوق. والسبب الرئيسي أن قانوناً صدر في عام 2017 وسّع دائرة الظروف التي تتيح لرجل الشرطة إطلاق النار.

يطول سرد وتفصيل تسلسل الأحداث التي عرفتها فرنسا في العقود الأربعة الماضية. والمتعارف عليه أن نقطة الانطلاق يمكن ردّها إلى نهاية السبعينات، وتحديداً لعام 1979، حيث شهدت ضاحية فول - فولين، اللصيقة لمدينة ليون (وسط فرنسا) أول أحداث أمنية عندما عمدت الشرطة إلى توقيف مراهق عمره 17 عاماً، اسمه حكيم، جزائري الأصل، بتهمة سرقة سيارة. وعندما شعر الأخير أن الشرطة على وشك القبض عليه، لم يتردد في جزّ أحد شرايين ذراعه ما لم يمنع الشرطة من سوقه مكبلاً؛ الأمر الذي أثار غضب سكان الحي الذين هاجموها بما توفر.

الغلطة الكبرى

هذا كان أول الغيث وتبعته في المنطقة نفسها أحداث مشابهة صيف عام 1981 في الحي المعروف باسم «غينغيت». أسابيع من الاشتباكات التي تمددت إلى مدينتي فينيسيو وفيلوربان القريبتين من ليون مع الشرطة بما يصاحبها من سيارات محروقة ومتاجر وممتلكات. والجديد فيها أنها الأولى من نوعها التي تلقى تغطية إعلامية واسعة من كافة الوسائل الإعلامية بما فيها التلفزة التي لعبت وقتها الدور الذي تلعبه حاليا وسائل التواصل الاجتماعي ما زاد من وقعها على المجتمع ولفت الأنظار لأوضاع الضواحي والأحياء الشعبية التي تحتضن نسبة مرتفعة من الأجانب المهاجرين.

إذا كانت الحكومات المتعاقبة منذ أربعين عاماً قد فضلت التعامل الأمني مع الأحداث، إلا أنها في الوقت نفسه سعت لتحسين أوضاع الضواحي من خلال خطط متنوعة منها عمليات تجديد الإنشاءات العامة والعمل لتوفير الخدمات وزيادة المدارس والمراكز الرياضية والمكتبات... إلا أن القبضة البوليسية لم تتراخ واستمر سكان الضواحي، خصوصاً الشباب منهم، في الشكوى من تعاطي الشرطة معهم ومن تعرّضهم للمتاعب والملاحقات التي ينسبونها لكونهم أجانب أو أفارقة أو مغاربة... بالطبع، لم تعرف موجات العنف السابقة بما فيها ما حصل في عام 2005 المدى الذي وصلت إليه الموجة الأخيرة التي طالت 500 مدينة على مجمل التراب الفرنسي. إلا أن عناصر الشبه بينها كثيرة وعميقة، وبالتالي انكب كثيرون من علماء الاجتماع على دراسة جذورها مسبباتها وكشف دقائقها وطرح خطط للتخلص منها. ومن جانبها، لم تبق الحكومات المتعاقبة يميناً ويساراً مكتوفة الأيدي. وثمة من ينتقد في فرنسا «السخاء الزائد» للدولة مع هذه الضواحي والأحياء. ولكن في أي حال، فإن النتائج لم تكن بمستوى الآمال، والدليل على ذلك ما حصل في الأيام الأخيرة. وهناك من يرى أن «الغلطة الكبرى جاءت في التركيز على البنيان المادي من دون السعي لتغيير الذهنيات والعقليات وهدم الصور النمطية»، بمعنى أن السياسات المتبعة «لم تنجح في خفض الرؤى والمعاملات التمييزية على أسس إثنية أو دينية أو اجتماعية» ولم تنجح في إعادة خلط السكان بحيث بقيت الأحياء الصعبة فقيرة وأكثر هشاشة وبقيت مراكز اجتذاب للمهاجرين.

 


مقالات ذات صلة

الاتحاد الأوروبي يقترح تعديلات على سوق الكربون للحد من تقلبات الأسعار

الاقتصاد دخان وأبخرة تتصاعد من محطة «بيلشاتو» للطاقة في بولندا (رويترز)

الاتحاد الأوروبي يقترح تعديلات على سوق الكربون للحد من تقلبات الأسعار

اقترحت المفوضية الأوروبية تعديلات على نظام الاتحاد الأوروبي لتداول الانبعاثات، في محاولة لتجنب تقلبات أسعار الكربون، بعد ضغوط من حكومات من بينها إيطاليا.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد خطوط أنابيب الغاز بمحطة ضغط أتامانسكايا التابعة لمشروع «قوة سيبيريا» التابع لـ«غازبروم» بمنطقة أمور الروسية (رويترز)

صادرات الغاز الروسي عبر الأنابيب لأوروبا تقفز 22 % في مارس

ارتفع متوسط إمدادات الغاز الطبيعي اليومية التي تصدرها شركة «غازبروم» الروسية العملاقة للطاقة إلى أوروبا عبر خط أنابيب «ترك ستريم» 22 في المائة.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

مصر تؤكد صمود اقتصادها رغم تداعيات التصعيد العسكري في المنطقة

قال وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، إن «الاقتصاد المصري نجح خلال فترات سابقة في تجاوز أزمات وتحديات إقليمية عديدة».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
الاقتصاد مقر تخزين الغاز الأكبر في أوروبا بمدينة ريدين الألمانية (رويترز)

أوروبا تتأهب لاضطراب طويل الأمد بأسواق الطاقة

قال مفوض الطاقة بالاتحاد الأوروبي، قبيل انعقاد اجتماع طارئ، الثلاثاء، إن على حكومات التكتل الاستعداد «لاضطراب طويل الأمد» بأسواق الطاقة نتيجة حرب إيران.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا عَلم الاتحاد الأوروبي مرفرفاً خارج مقرّ المفوضية الأوروبية في بروكسل (أرشيفية - رويترز)

مسؤولون محليون في فرنسا يزيلون عَلم الاتحاد الأوروبي عن واجهات بلدياتهم

أزال عدد من رؤساء البلديات المنتمين إلى حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف عَلم الاتحاد الأوروبي عن واجهات بلدياتهم، في خطوة حظيت بدعم قياديين في الحزب...

«الشرق الأوسط» (باريس)

مدارس الحوثيين في اليمن... معسكرات تجنيد مبكّر

تلامذة يمنيون في الطابور الصباحي في إحدى مدارس صنعاء (إ.ب.أ)
تلامذة يمنيون في الطابور الصباحي في إحدى مدارس صنعاء (إ.ب.أ)
TT

مدارس الحوثيين في اليمن... معسكرات تجنيد مبكّر

تلامذة يمنيون في الطابور الصباحي في إحدى مدارس صنعاء (إ.ب.أ)
تلامذة يمنيون في الطابور الصباحي في إحدى مدارس صنعاء (إ.ب.أ)

منذ صعودها عام 2014 في اليمن، عمدت جماعة الحوثي «أنصار الله» إلى ترسيخ أقدامها في البنية التعليمية وإحداث تغيير واسع شمل المناهج الدراسية وأسماء المدارس واعتماد أنشطة موجهة واستحداث نظم تعليمية خاصة، بحيث تحوّل التعليم ساحة صراع على الهوية وتشكيل للوعي، ومكاناً لاستقطاب الناشئة لتجنيدهم.

وبينما عمدت الجماعة إلى إهمال المدارس الحكومية ومحاربتها بكل ما أوتيت من قوة، شرعت في إنشاء نظام يعتمد على فكرة تحويل المدرسة أو المؤسسة التعليمية إلى معسكرات، واعتماد مؤسسات جديدة تحمل اسم «مدارس شهيد القرآن»، منظومةً بديلة.

سطو وتمدد

ترافق ذلك بالسطو على الكثير من أبنية المدارس الحكومية وتحويل أسمائها إلى الاسم الجديد، كمدرسة كمران في إب مثلاً التي تحولت إلى مدرسة «شهيد القرآن»، إلى جانب استبدال بأسماء مدارس أخرى أسماء قيادات ورموز مرتبطة بالجماعة، في خطوة عدّها تربويون محاولة لإحلال هوية تعليمية جديدة محل التعليم الرسمي.

ولم يقتصر الأمر على المدارس الحكومية، بل امتد أيضاً إلى عدد من المساجد المهمة كالجامع الكبير في ذمار وما يعرف بالمدرسة الشمسية، وكذلك جامع الفردوس في حي سعوان بالعاصمة صنعاء، وغيرها من الجوامع التي تحولت إلى مراكز حوثية تحت الاسم نفسه: «مدرسة شهيد القرآن».

تلاميذ في باحة مدرسة مدمرة في صنعاء وكانت الأمم المتحدة حذرت من أن أكثر من مليوني طفل يمني وأكثر من 170 ألف أستاذ باتوا خارج التعليم (غيتي)

في ظرف ثلاث سنوات فقط، أصبحت هناك وفرة من المدارس تحت هذا العنوان على امتداد المحافظات والمديريات الخاضعة لسيطرة الجماعة. تلك المدارس هي من الانتشار والتوسع بحيث لم تعد مقتصرة على المدن وعواصم المحافظات فحسب، خصوصاً أنها تعتمد مشروعاً تعبوياً مغلقاً. فيعيش الطلاب في بيئة داخلية توفر لهم السكن والمعيشة والمستلزمات، وفي الوقت نفسه تغرس فيهم هوية فكرية مرتبطة بالجماعة، وهو ما يتجلى في انتقاء هذا المصطلح «شهيد القرآن» المرتبط بمؤسس الجماعة حسين بدر الدين الحوثي.

من خبر عابر إلى ظاهرة مقلقة

في 3 مارس (آذار) 2024، أعلنت سلطات الحوثيين عن تخرج ثلاثة آلاف طالب من شبكة مدارس «شهيد القرآن» الداخلية.

قد يبدو الخبر للوهلة الأولى عادياً، لكن إذا ما تم الأخذ بعين الاعتبار مسألة أن هذا العدد (ثلاثة آلاف طالب) هو نتاج سنتين فقط من العمل المغلق للجماعة داخل تلك المدارس، فإنه سيبدو كبيراً جداً مقارنة بالمدة الوجيزة التي لا تتعدى ثلاث سنوات من مشروع تأسيس المدارس الذي بدأت ملامحه تتضح في عام 2022.

وتتحدث وسائل إعلام الجماعة عن أن تأسيس هذه المدارس بدأ عام 2022، بمدرسة واحدة في العاصمة، ثم مدرسة في كل محافظة، قبل أن تنتشر بوقت قياسي خصوصاً في العاصمة صنعاء.

وبحسب بعض المعطيات، فإن التجربة استلهمت من «حزب الله» اللبناني ومنظومته التعليمية في لبنان، وإن كانت جماعة الحوثي لا ينقصها هذه الأفكار لتأسيس مدارسها الخاصة كسلطة مطلقة تعمل على عقول الناشئة. ويمكن العثور في خطابات مؤسسها حسين الحوثي على أفكار تتضمن مشروعاً تعليمياً، كما أن تصريحات عدد من مسؤولي الجماعة تؤكد أن هذه المدارس «تُعد جزءاً من مشروع الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي، وتهدف إلى تخريج أجيال واعية بالقرآن وقادرة على مواجهة التحديات الثقافية».

هياكل إدارية غير معلنة

اتخذت الجماعة الاسم الرسمي لمدارسها (مدارس شهيد القرآن الثانوية للعلوم الشرعية)، دون الإفصاح عن المزيد من المعلومات حول قرار الإنشاء والجهة الناظمة. ورغم الغموض المتعمد في عدم ذكر أي تفاصيل، يمكن للمتابع أن يستشف قدراً لا بأس به من المعلومات المغلوطة التي تمنح تصوراً واضحاً عن تلك المنشآت.

فعلى سبيل المثال، يشير أحد الإعلانات الذي ورد في صفحة الإدارة التعليمية لمديرية السبعين على «فيسبوك» عن «قرار جمهوري» بإنشاء تلك المدارس. ولكن عند مقاطعة المعلومة مع مصادر أخرى وما إذا كان هناك قرار جمهوري فعلاً، يتبين أن لا معلومات دقيقة.

أيضاً هناك أخبار أن لهذه المدارس مجالس إدارة، وورد ذلك في الخبر الذي تداولته وسائل إعلام الجماعة عن تدشين مدارس شهيد القرآن بمحافظة حجة من قبل وزير التربية والتعليم حينها يحيى بدر الدين الحوثي وعضو مجلس إدارة مدارس شهيد القرآن ثائر الرازحي.

طفل يمني يعبر الشارع قرب آلية عسكرية (إ.ب.أ)

وبالمثل يمكن العثور على معلومات تتعلق بتلك المدارس في الإعلان الذي أوردته ثانوية العلوم الشرعية التابعة لجامعة دار العلوم الشرعية عن فتح باب التسجيل لطلاب المرحلة الأساسية. فثانوية العلوم الشرعية هذه هي نفسها مدرسة شهيد القرآن.

أيضاً هناك «الإدارة العامة للمدارس الثانوية للعلوم الشرعية»، التي يبدو أنها إدارة مستجدة في وزارة التربية ويديرها القيادي في الجماعة محمد الطوقي ولها علاقة بتلك المدارس، حيث ستكون هذه الإدارة حاضرة في عدد من الفعاليات الخاصة بمدارس شهيد القرآن. ومع ذلك لا يمكن الجزم بأنها فعلاً تتبع تلك الإدارة، حيث قد يبدو الأمر شكلياً هنا وهناك.

وفوق كل ذلك يأتي اسم «التعبئة العامة»، وهي جهاز استحدثته الجماعة، وظيفته الأساسية تعبئة المجتمع واستقطاب الشباب والموظفين، وتنظيم دورات عسكرية وآيديولوجية، ويتبع مباشرة قيادة الجماعة، ويعمل بالتنسيق مع وزارة الأوقاف والجهات الدينية. هذا الجهاز حاضر بقوة أيضاً في المدارس، حيث عادة ما تتم الإشارة إلى حضور مسؤول التعبئة في هذه الفعالية أو ذلك التدشين. وذلك نمط معتمد لدى كل من «حزب الله» اللبناني والفصائل الموالية لإيران في العراق كما أنه نموذج عملت عليه إيران نفسها داخلياً لسنوات طويلة.

لا رقابة رسمية

يقول أحد أعضاء الهيئة التدريسية، ويعمل في إحدى مديريات محافظة صنعاء، وتحدث لـ«الشرق الأوسط» مفضلاً عدم الكشف عن اسمه، إن مدارس شهيد القرآن لا تخضع لأي رقابة تربوية أو إشراف مؤسسي رسمي، كما لا تُنشر مناهجها أو برامجها التعليمية للعلن، ما يجعل طبيعة المحتوى محاطة بالغموض وغير قابلة للتقييم.

وبحسبه، فإن إدارة هذه المدارس مرتبطة بمكاتب أنصار الله الثقافية والتربوية، وليست خاضعة للرقابة التعليمية التقليدية.

كذلك تتلقى مدارس «شهيد القرآن» دعماً مباشراً من جماعة الحوثيين «أنصار الله» عبر مكاتبها الثقافية والتربوية. أما المصادر المحتملة لذلك الدعم فهو موارد الجماعة (جبايات، دعم داخلي)، ومساهمات إجبارية من شخصيات أو مؤسسات مرتبطة بها.

وبينما لا توجد بيانات شفافة عن حجم التمويل أو مصادره، يشير الخطاب الإعلامي إلى أن تمويل هذه المدارس يأتي من صندوق الزكاة ومن الهيئة العامة للتعبئة، ما يعكس طبيعة ارتباطها المباشر بالمؤسسات العقائدية والمالية للجماعة.

طفلان يبيعان الحلوى خلال تظاهرة مؤيدة لإيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

شروط القبول والاستقطاب

مع بداية كل عام دراسي، وتحديداً من بداية السنة الهجرية التي اعتمدتها الجماعة موسماً دراسياً ضاربة عرض الحائط بشيء اسمه الموسم الدراسي الشتوي المعتمد عالمياً، يتم الإعلان عن فتح باب الالتحاق للطلاب الذين أنهوا المرحلة الأساسية، بشرط أن تتراوح أعمارهم بين 15 و17 عاماً، وأن يجتازوا مقابلات شخصية واختبارات قبول دقيقة تتضمن معايير تتعلق بالالتزام العقائدي، والاستعداد للتفرغ الكامل لعامين كاملين دون انقطاع.

وتعدّ المميزات المعروضة للطلاب إحدى أهم أدوات الاستقطاب: تكفّل كامل بالمعيشة، سكن داخلي، وجبات، ملابس، رسوم دراسية مجانية، إلى جانب برامج وأنشطة يومية مكثفة تُعرّف بأنها «عقائدية وإيمانية». وتضم مرافق سكن طلابي متكامل، مطابخ، فصولاً دراسية، جامعاً، وقاعات مخصّصة للمحاضرات والبرامج الدينية المكثّفة.

في الوقت الحالي تعمل مدارس «شهيد القرآن» أساساً على مستوى التعليم الثانوي (ثلاث سنوات)، وليس على مرحلتي الابتدائي أو الإعدادي، لكنها مشروع يتوسع تدريجياً وقد أعلنت الجماعة نيتها أن يشمل لاحقاً مراحل دراسية أخرى.

ويمنح الطلاب المتخرجون في تلك المدارس شهادات اعتراف مباشر من «الأكاديمية العليا للقرآن الكريم وعلومه» (وهي مؤسسة تابعة أيضاً للجماعة) ويمكن أن يلتحقوا في تخصّصات تشمل: الإعلام، الإدارة، الدراسات الإسلامية، الشريعة والقانون، إضافة إلى قبول خريجيها في الجامعات الحكومية والأهلية، وفي الكليات العسكرية والأمنية التابعة للجماعة.

أطفال يمنيون في صنعاء (غيتي)

برنامج صارم وترغيب للأساتذة

على الرغم من غياب المعلومات التفصيلية وعدم وجود برنامج مُعلن يوضح آلية التعليم داخل مدارس شهيد القرآن، فإن تصريحات مديري بعض الفروع تكشف ملامح يومٍ دراسي مُنهك يمتد من ساعات الفجر الأولى وحتى المساء.

يقول أحمد الكرشمي، المشرف الثقافي في مدرسة شهيد القرآن في بني الحارث – صنعاء، إن اليوم يبدأ عند الساعة الرابعة فجراً، حيث يتجمع الطلاب لأداء طقوس الاستغفار وصلاة الفجر جماعة، ثم يجلسون في حلقات لقراءة القرآن الكريم حتى السادسة صباحاً. بعدها يتناولون الإفطار ويصطفّون لحضور الإذاعة المدرسية قبل بدء الحصص الدراسية الروتينية حتى الساعة الواحدة والنصف ظهراً.

وبعد فترة راحة قصيرة حتى الثالثة عصراً، يبدأ البرنامج العقائدي المكثّف الذي يشمل دراسة «الملزمة الأسبوعية» لملازم حسين بدر الدين الحوثي، وحضور المحاضرات الدينية اليومية، إضافة إلى مشاهدة أفلام وبرامج وثائقية تُنتجها الجماعة كجزء من عملية «التثقيف الإيماني» المستمر. ويمتد هذا الإيقاع الصارم لسنتين كاملتين داخل بيئة مغلقة ومعزولة عن الأسر، باستثناء الإجازات الطويلة، في إطار منظومة تعليمية تهدف إلى إعادة تشكيل وعي الطلاب وترسيخ الولاء العقائدي.

لا يتوقف الاستقطاب عند الطلاب؛ ففي وقت يفقد فيه المعلمون الحكوميون رواتبهم وفرص عملهم، يلجأ العديد منهم إلى العمل في مدارس شهيد القرآن بعدّها الجهة الوحيدة التي تلتزم بصرف الرواتب. وبعد قبولهم، يخضع المعلمون لبرامج تثقيفية عقائدية تشمل دورات في «التنشئة التعبوية» لضمان توافقهم مع توجهات الجماعة قبل السماح لهم بالتدريس.

أنشطة وبرامج غير صفية

تكشف الأنشطة التي تُنفَّذ داخل مدارس شهيد القرآن عن منظومة تعبئة طقسية ورمزية متكاملة، تتجاوز التعليم الديني التقليدي إلى بناء ارتباط مباشر بين الطلاب وقيادات الجماعة ورموزها العقائدية. إذ تُنظّم المدارس رحلات دورية لزيارة قبر حسين بدر الدين الحوثي في مران، وضريح صالح الصماد في الحديدة، ومواقع أخرى مرتبطة بقيادات قُتلت في الحرب، وتُقدَّم هذه الزيارات للطلاب بوصفها «محطات إيمانية» تُعزز الولاء وتربطهم بتاريخ الجماعة.

كما تحيي المدارس سنوياً مناسبات عقائدية مثل «يوم الشهيد» وذكرى مقتل حسين بدر الدين الحوثي، عبر فعاليات خطابية ومسيرات وعروض مسرحية يجسّد فيها الطلاب مشاهد قتالية باستخدام أسلحة غير حقيقية، في محاكاة درامية لمعركة الجماعة، وبهدف ترسيخ فكرة «الجهاد» والولاية في وعي الطلاب.

بحسب مدير مدرسة «شهيد القرآن» في أمانة العاصمة عبد الله سمينة، فَإنَّ «هذه المدرسة تطبق نموذجَ المدرسة الداخلية؛ وإلى جانب تعليمِها للمواد الدراسية المعتمدة من قبل وزارة التربية والتعليم كالرياضيات والفيزياء والكيمياء والأحياء واللغة الإنجليزية واللغة العربية تهتم أَيْـضاً بجوانبِ التنمية الروحية والإيمَـانية للطلاب».

ويقول أحد المعلمين السابقين الذين خرجوا من المدرسة، مفضلاً عدم ذكر اسمه، إن الأنشطة في المدارس ليست عشوائية، بل جزء من برنامج تعبوي متكامل.

وقال: «يتدرب الطلاب على الخطابة، والظهور أمام الكاميرا، ويشاركون في تمثيل مشاهد قتالية، ويخضعون لأنشطة أمنية مثل لعبة (كشف الجاسوس)... كل شيء في المدرسة كان يهدف لتشكيل الولاء قبل التعليم».

عناصر من الحوثيين يستعرضون في مدينة الحديدة الساحلية على البحر الأحمر (أرشيفية - رويترز)

من الفصل إلى العرض العسكري

للتدريبات العسكرية حصة وازنة إذ يتم من خلالها تعريف الطلاب على أنواع الأسلحة، كما يحدث أن تنظم مدرسة ما عرضاً عسكرياً لطلابها، كما فعلت مدرسة شهيد القرآن للعلوم الشرعية بمحافظة ريمة بتاريخ 12 فبراير (شباط) 2025.

وتمتد التعبئة إلى الفضاء البصري للمدرسة نفسها، حيث تمتلئ الفصول والساحات بصور قيادات الجماعة وشعاراتها وعبارات طائفية مرتبطة بالهوية الإيمانية، ما يجعل الطالب محاطاً بشكل دائم بالرموز والرسائل التي تسعى الجماعة إلى غرسها في وعيه. ويشير المعلم ذاته إلى أن «المدرسة ليست مؤسسة تعليمية، بل مكان لتشكيل الطالب فكرياً وروحياً».

طلاب ينسحبون تحت الضغط

صادق (اسم مستعار)، أحد طلاب تلك المدارس في محافظة صنعاء، اضطر لترك الدراسة بطلب من والده المغترب بعد معرفته بأن التعليم في منطقته أصبح «عقائدياً بالكامل». تحدّث إلينا صادق عبر تسجيلات خاصة عن بعض ما يجري داخل مدرسته، موضحاً أن اليوم الدراسي لم يعد قائماً على ست حصص كما يفترض، بل لا تُدرّس سوى ثلاث حصص، بينما تُخصَّص الساعات المتبقية لبرامج تتضمن «محاضرات تثقيفية» داخل مسجد مستحدث في المدرسة، تستمر بين ساعة وثلاث ساعات يومياً.

يقول صادق: «بعد المحاضرة يسألنا المشرف عن مضمونها، وإذا لم يعرف أحد الطلاب الإجابة يضربه ضرباً شديداً... كثير من الطلاب توقفوا عن الحضور».

ويضيف أن أغلب الدروس التي تُقدّم للطلاب تتمحور حول «الهوية الإيمانية، الصبر، الجهاد، الولاية»، مؤكداً وجود تسرّب كبير للطلاب بسبب الضغط النفسي والبرامج المفروضة.

تظاهرة شبيبة تابعة للحوثيين تأييداً لإيران وحزب الله في العاصمة صنعاء (أ ف ب)

أجيال برؤى متناقضة

وجود هذه المدارس يخلق ازدواجية بين التعليم الرسمي (المعترف به وطنياً ودولياً) والتعليم الموازي، ما يضع الطلاب في موقع هش إذا تغيرت الظروف السياسية.

ينقل الإعلام الرسمي التابع للجماعة تصريحات ملقنة لطلاب منخرطين في تلك المدارس، وهي تصريحات تكشف مدى التعبئة التي تجعل من المدارس الأخرى متهمة في نظرهم بأنها لا تقدم علماً ولا وعياً حقيقيين. هذه التعبئة مقصودة وتأتي في سياق القضاء تماماً على التعليم الرسمي.

كأن يقول أحدهم مثلاً إن «المدارس الأخرى تبني جيلاً غير متماسك وغير واعٍ ومعرض للخطر والاستهداف».

هذا التكوين العقائدي يجعل الطلاب الخريجين أقرب إلى كوادر آيديولوجية، لا مجرد طلاب علم، وهو ما يثير جدلاً حول مستقبلهم الأكاديمي والمهني، وهو ثمن طويل الأمد سيترتب على اليمن كله.

فالتعليم الذي يفترض أن يكون فضاءً للتفكير والنقد وبناء المستقبل، جرى اختزاله بمنصة تعبئة، تُقصي الآخر وتعيد هندسة وعي الأجيال على مقاس مشروع عقائدي، ستكون كلفته باهظة على البلد ومستقبله.


«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

لعل أسوأ السيناريوهات التي كان يتم تخيلها في كواليس صنع القرار حدثت. باغتيال المرشد السابق علي خامنئي، استخدمت واشنطن وتل أبيب أسلوب «الصدمة والرعب» نفسه الذي اتبعته إسرائيل في السنتين الأخيرتين، والذي برهنت التجربة أنه يحقق نجاحاً خارقاً قبل فقدان الزخم مع نهاية الحملة العسكرية.

لكن هذه المرة كسر الرئيس دونالد ترمب المحظور وفتح صندوق باندورا المنطقة على حرب بحجج غير متماسكة ونهاية غير واضحة، وفرض معركة ردع متبادل مع النظام الإيراني الذي خسر صورته في الردع الإقليمي. هذا التوسّع في نفوذ المشروعين في الشرق الأوسط، الذي تراوح بين الصدام والتعايش، وصل إلى مفترق طرق.

المشروع الخامنئي، الذي حكم أربع عواصم عربية لعقود، وتعرّض لنكسات متتالية في العقد الأخير بعد بلوغه ذروته التوسعية بعد «الربيع العربي»، أرهق موارده المحدودة وفتح أعين أميركا عليه كما شهية إسرائيل لمقارعته.

استحالة إدارة هذا التعايش أدت إلى صدام محتوم لم تتعامل الإدارة الأميركية الحالية معه بصبر القوى العظمى الاستراتيجي.

في تدخل عسكري هو الأول من نوعه منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، شاب حرب ترمب على إيران عدم وضوح النهاية. خطاب الرئيس مزج منذ بداية الحرب بين أهداف استراتيجية متقلبة وجداول زمنية مرنة للضغط على النظام الإيراني، لكن مع الوقت فقدت إدارته السيطرة الإعلامية والنفسية على الحرب، كما ظلت مترددة في الذهاب بعيداً في خيارات التصعيد العسكري. أدى عدم تمكن واشنطن من تقويض النظام الإيراني سريعاً إلى قناعة بأن الإبقاء على الإيقاع الإسرائيلي يعني توسيع التورط الأميركي.

حضر قائد «الحرس الثوري» الإيراني حسين سلامي (يسار) برفقة قائد «البحرية» الأدميرال علي رضا تنكسيري حفل الكشف عن قاعدة صواريخ تحت الأرض في مكان غير مُعلَن بجنوب إيران (د.ب.أ)

من يتخذ القرار في إيران؟

في المقابل، هناك عدم وضوح حول مَن يتخذ القرارات في طهران التي يبدو أنها تدفع أثمان تبعات اغتيال قاسم سليماني عام 2020 مروراً بإسماعيل هنية وصولاً إلى حسن نصر الله. والآن ستلحق نفسها بسياسة ردعية بعد اغتيال خامنئي الذي كان يحترف اللعب على حافة الهاوية لموازنة الدينامية بين المحافظين والإصلاحيين، بين «الحرس الثوري» والفريق التفاوضي.

يأتي المرشد الجديد مجتبى خامنئي، ليس فقط ليكرّس إشكالية التوريث في الداخل، بل ليعزّز دور المؤسسة الأمنية على حساب الدينية. وهناك تساؤلات لم تتضح بعد حول معالم انتقال السلطة الجديدة في طهران ومن يدين بالولاء لها ومراكز القرار فيها.

هل تتشكل سلطة جماعية ومتنازع عليها في طهران أم يحكِم مجتبى قبضته على مفاصل الدولة؟ في حال طبعاً لم يتعرض لاغتيال. شرعية مجتبى مرتبطة باستمرار الحرب التي يحتاج إليها في المدى المنظور لتكريس موقعه الجديد؛ لأن ما يترتب على انتهاء الحرب، ليس فقط مواجهة التساؤلات حول شرعيته مرشداً، بل حسم قرار كيفية التعامل مع واشنطن على المدى المتوسط لكسر الحصار الجوي على إيران وتوفير الوقت والموارد لترميم ما دمرته الحرب والعقوبات.

لوحة دعائية ضخمة عليها صور لصواريخ إيرانية في طهران (رويترز)

توازن يشابه الردع

اعتقدت واشنطن أن تكلفة الردع الإيراني منخفضة بما يكفي للتدخل العسكري ضدها، وبالتالي خلصت وإسرائيل إلى أن فرصتهما في تحقيق أهدافهما بالوسائل العسكرية أكبر منها بالوسائل الدبلوماسية، وكان ذلك سوء تقدير في حسابات الردع. دمرت أميركا القدرات العسكرية التقليدية للنظام الإيراني، لكنها لا يبدو أنها نجحت في وقف قدرته على إطلاق الصواريخ الباليستية وتقييد الملاحة الدولية في مضيق هرمز الذي أخذته طهران رهينة كردع اقتصادي في «استراتيجية عقابية» كلاسيكية ربطت بين استهداف النظام وإلحاق الضرر بالاقتصاد العالمي. التكلفة جاءت كأكبر اضطراب في الإمدادات في العالم منذ أزمة الطاقة في السبعينات؛ ما أجبر إدارة ترمب على رفع العقوبات مؤقتاً عن النفط الإيراني في محاولة لتخفيف أزمة الطاقة.

استراتيجية الردع الإيرانية مرت في ثلاث مراحل خلال هذه الحرب. الهدف الرئيسي في المرحلة الأولى كان بقاء النظام بما يعنيه منع الانهيار والتفكك الداخلي، وتفادي انتفاضة شعبية. في ظل فراغ منصب المرشد، أطلقت المنظومة الأمنية في طهران العنان لجنون ردعي غير مسبوق، وعندما تداخلت الرسائل الأميركية مع فكرة تغيير النظام تعاملت طهران مع الحرب على أنها مسألة وجودية، على الرغم من إدراكها أنها لا تستطيع كسب حرب تقليدية مع واشنطن.

إيرانيات يتنزهن بحديقة بارديسان في طهران الخميس (رويترز)

في المرحلة الثانية، كانت الاستراتيجية الإيرانية تسعى لزيادة تكلفة الحرب على واشنطن كما على الاقتصاد العالمي. «مصداقية الردع» هي النقطة الأساس حالياً. لأن إيران، ستظهر بمظهر المنهزم استراتيجياً فيما لو تلقت ضربات على مستوى اغتيال خامنئي من دون رد فعل منها، فبذلك تُخاطر بانهيار «الردع الإقليمي»، وفقدان المصداقية لدى الوكلاء، ورد فعل عنيف داخلياً. استخدمت كل من واشنطن وطهران في الأسبوع الأخير ما سماه توماس شيلينغ «دبلوماسية العنف»، أي التهديد العسكري المستمر وسيلةَ ضغطٍ.

الحافز الإيراني الآخر في المرحلة الثانية هو الحفاظ على تماسك النظام الداخلي عبر استمرار حرب خارجية تمنع الانقسامات بحيث يكتسب المتشددون داخل المؤسسات الأمنية نفوذاً إضافياً.

الأسبوع الأخير كان حاسماً في معركة مضيق هرمز والبنى التحتية للطاقة؛ فوصلت المواجهة والتهديدات إلى لحظة الذروة، فكان قرار خفض التصعيد حين امتنع الخصمان عن شن هجوم شامل بعد اقتناع ضمني بقدرة بعضهما بعضاً على إلحاق خسائر انتقامية لا يمكن تحملها في إطار الرد الانتقامي. وبعدما علق الجانبان في دوامة من الإنذارات والردود الانتقامية برزت بوادر خيارات عقلانية، أقرَّت بضرورة فتح شكل من أشكال قنوات الاتصال مع رسم مسبق لخطوط حمراء واضحة.

أمسك ترمب بزمام مبادرة إعلان انطلاق التفاوض؛ ما أربك ليس إيران فحسب، بل فاجأ إسرائيل أيضاً. المناورة انتقلت من الميدان إلى التفاوض، وبالتالي من يصرخ أولاً يفرض شروط انتهاء الحرب.

عمال إنقاذ يعملون على إزالة ركام مبنى دُمّر بغارة إسرائيلية على طهران (رويترز)

وساطة عبر 3 مسارات

في هذا السياق، كانت مصادر دبلوماسية عربية لـ«الشرق الأوسط» أكدت أن هناك وساطة متقدمة و«اتصالات قوية» تقودها كل من باكستان ومصر وتركيا عبر ثلاثة مسارات داخل النظام الإيراني، هي «الحرس الثوري» والخارجية الإيرانية ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف. تستخدم كل من هذه الدول الثلاث قنواتها الخاصة. وتشير المصادر إلى أنه حالياً ليس هناك غير هذه الدول من قد يرغب في القيام بوساطة، سيما وأنها لم تتعرض لهجمات صاروخية إيرانية. كذلك، تؤكد المصادر وجود عروض أميركية متقدمة، ومسعى لإيجاد نوع من الحل الوسط قدر الإمكان. لكن التحدي أن الأميركيين يضغطون في عامل الوقت ويستعجلون الاتفاق، في حين الإيرانيون يرون أن الوقت لا يكفي، خصوصاً أن حركتهم وتواصلهم فيما بينهم صعبان لتفادي رصدهم من الإسرائيليين.

لوحة إعلانية في طهران تحمل صور قائد «الحرس الثوري» السابق عباس نيلفوروشان وأمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله وزعيم «حماس» السابق إسماعيل هنية (أرشيفية - رويترز)

وكلاء إيران والمواجهة الكبرى

الشق الثاني في الردع هو أذرع إيران الإقليمية. كان هناك شيء من الرومانسية في الحديث عن فكرة الجبهات المفتوحة والمتزامنة لوكلاء النظام الإيراني؛ هي فكرة تقوم على أساس أن الهجوم على أحد أطراف المحور يعدّ هجوماً على الكل. لكن هذا الدفاع الجماعي تحقق جزئياً ومرة واحدة فقط بعد عملية «طوفان الأقصى» عام 2023 قبل أن يتعرض المحور بمجمله لضربات متتالية. في الحرب الأولى بين إيران وإسرائيل عام 2025 وقفت أذرع إيران على الحياد، لكنها دخلت عنوة على خط الحرب الدائرة حالياً بعد اغتيال خامنئي.

تعرض المحور إلى إغتيالات مستهدفة متتالية من إسرائيل وأميركا أدت إلى اهتزاز ركائزه، وجاءت العقوبات الأميركية على النظام الإيراني منذ 2019 لتقلّص موارده، كما واجه تحديات في خطوط الإمداد من إيران عبر العراق وسوريا إلى لبنان.

والآن، تدخل أذرع إيران الإقليمية في مرحلة جديدة قد تحدّد مصيرها ووظيفتها في السنوات المقبلة، في معركة تخوضها طهران هذه المرة في الصفوف الأمامية بعدما تقلصت مروحة وكلائها بعد تطورات سوريا وغزة. ويبدو واضحاً أن الاستراتيجية الإيرانية تقوم على توسيع الساحات وليس بالضرورة وحدتها، على أن يكون القرار المركزي في طهران بشكل غير مسبوق. فللمرة الأولى ينسق «الحرس الثوري» عمليات وإطلاق صواريخ متزامنة مع «حزب الله» و«الحشد الشعبي»، أي التركيز على قيادة الردع بالاعتماد على ما تبقى من الوكلاء في لبنان والعراق.

«حزب الله» يقاتل بترسانة مستنفدة وهيكلية في طور إعادة التنظيم وبيئة شعبية منهكة، في حين «الحشد الشعبي» الذي تفادى لسنوات المواجهة المباشرة مع الجيش الأميركي، كسر المحظور أيضاً في استهداف القوات والمصالح الأميركية في بغداد وأربيل ودول الجوار؛ ما يغير معادلة الردع الأميركي وقد يعزز النفوذ الإيراني في العراق إذا استمرت الدينامية الحالية للحرب حتى انتهائها.

لكن «الحشد الشعبي» منقسم بين خلايا مدفوعة آيديولوجياً تواصل شن الهجمات باسم طهران، وأصحاب نفوذ في الدولة العراقية الذين يرون بشكل متزايد أن المواجهة تضرّ بمصالحهم، والنتيجة هي رادع منقسم: بعض الفصائل تقاتل، وأخرى تنسحب؛ ما يضعف مصداقية التهديد ككل.

صورة للأمين العام الأسبق لـ«حزب الله» حسن نصر الله بين أنقاض مبنى لـ«القرض الحسن» دمرته غارة إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)

ساحات قتال محلية

كل هذه التطورات تنعكس توتراً أمنياً وسياسياً بين واشنطن وطهران في لبنان والعراق. الأزمة السياسية في لبنان تتفاعل، لكنها لم تخرج عن السيطرة بعد. الصراع الأميركي - الإيراني أكثر حدة في العراق وانتقل إلى المؤسسات الأمنية، لكن الميليشيات المدعومة إيرانياً تستمر بأنشطتها العسكرية، في حين سمحت الحكومة العراقية لقوات الحشد الشعبي بالرد على أي استهدافات.

الوضع مغاير تماماً في قطاع غزة واليمن.

إدارة ترمب تمكنت من تحييد جبهة غزة نسبياً، وبالتالي حسابات حركة «حماس» مغايرة في هذه المرحلة مع تجميد قدرات جناحها العسكري، في ظل السيطرة الأميركية - الإسرائيلية المحكمة على القطاع والانقسامات الداخلية على قيادة الحركة والمرشحة إلى الزيادة حسب كيفية انتهاء هذه الحرب.

من جهة أخرى، اتخذ الحوثيون موقف الحياد النسبي بما يتناسب مع التحولات في الداخل اليمني التي تستدعي التريث. كما يحتفظ النظام الإيراني بالحوثيين ورقةً احتياطية للتهديد المطلق على البحر الأحمر.

ماذا بعد الحرب؟

السؤال الرئيسي اليوم هو عما: إذا كانت طهران ستصر على شمل «حزب الله» في أي مفاوضات لإنهاء الحرب، أم ستتفرغ إسرائيل للحزب وتفرض أمراً واقعاً جنوب الليطاني؟ هذا سيكون أول اختبار لعلاقة النظام الإيراني الجديد مع أذرعه الإقليمية، لا سيما في لبنان والعراق.

فإذا أوقفت أميركا الحرب مع إيران، هل تبقى العصا الإسرائيلية مرفوعة ضد النظام الإيراني لاستخدام الضرورة؟ مهما كان السيناريو النووي الأميركي - الإيراني، حتى الآن يبقى وكلاء طهران تحت الضغوط الأميركية - الإسرائيلية، لكن من دون القدرة على فرض الاستسلام الكلي. هذه الضبابية ستؤدي إلى تقلص تدريجي لوكلاء النظام الإيراني، لكن قد لا تفتح الباب أمام التسويات الكاملة في المدى المنظور. لا المواجهة بين إيران وإسرائيل ولا الهدنة بينهما ستعالج الأزمات المحلية في بلدان هذه الجبهات، ولا المعارك المفتوحة بين إسرائيل ووكلاء إيران الذين يستعدون لمرحلة جديدة.

يقول كارل فون كلوزفيتز: «الحرب ليست سوى استمرار للسياسة بوسائل أخرى». الخروج من الردع إلى التفاوض في حسابات بقاء النظام كانت عبر مؤشرات بدأت تخرج من طهران بعدما هيمن المتشددون في «الحرس الثوري» بشكل مطلق على الاستراتيجية في أول أسبوعين من الحرب.

من ملامح هذه المؤشرات مواقف شخصيات تتمتع بعلاقات واسعة في الأوساط الدينية والسياسية والأمنية، معتدلون ضمن الهياكل المتشددة، محافظون لكن براغماتيين، قادرون على التواصل مع كل من المتشددين والتكنوقراط، وهم مفاوضون استراتيجيون ذوو خبرة في الدبلوماسية.

هؤلاء تسعى واشنطن للتواصل معهم وتحاول إسرائيل اغتيالهم مثلما فعلت مع علي لاريجاني. التحوّل الكبير الآن ليس بين واشنطن وطهران، بل في بداية افتراق المصالح الأميركية - الإسرائيلية في هذه الحرب. ترمب فاجأ تل أبيب بقرار وقف زخم الحرب ودرس احتمالات خفض التصعيد، كما أرسل أكثر الأصوات رفضاً للحرب داخل إدارته لإيصال هذه الرسالة إلى بنيامين نتنياهو، وهو نائب الرئيس جي دي فانس. انتقل الطرفان من الحرب إلى التفاوض بالنار عبر رفع استعراضي لسقف المفاوضات وتحديد متبادل لهويات المفاوض في الطرف الآخر بحيث واشنطن تفضل قاليباف وطهران تفضل جي دي فانس. هذه بداية لاستكشاف النوايا وإعادة بناء الثقة على وقع حرب مستعرة.

تُعرض لافتات تحمل صورة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي بأحد شوارع طهران وسط الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران (رويترز)

ميزان الربح والخسارة

مفهوم الانتصار نسبي للطرفين؛ فمجرد البقاء على الطاولة ينظر إليه النظام الإيراني على أنه انتصار رغم الخسارات الكبيرة. بعد الحديث عن تغيير النظام في الأيام الأولى، حتى الطرف الإسرائيلي بدأ يتراجع عن هذا الخطاب بإيعاز أميركي بعدما أطلقت طهران العنان لجنونها وأصبحت المنظومة الأمنية تتصرف كميليشيا تستنزف أميركا ومصالحها، في حين إدارة ترمب تقود حرباً عسكرية تقليدية. ترمب الذي كان لا يمكن التنبؤ بأفعاله اعتمد «الحذر الاستراتيجي» في الرد، في حين النظام الإيراني المتردد في الردع أصبح خارج السيطرة. السرديات تغيرت. التركيز أصبح على من يسيطر على مضيق هرمز لا على تغيير النظام الإيراني. ترمب يفاوض بالنار والنظام الإيراني يردع بالبقاء. الجمود الدبلوماسي في «النووي» ينعكس الآن جموداً عسكرياً في الميدان، والخيار يتراوح بين إيجاد حلول عقلانية أو الانتقال إلى خيارات أكثر دراماتيكية. الطرفان يريدان إنهاء الحرب، لكن بشروط تساعدهما على تسويق وقف إطلاق النار داخلياً.

على الضفة الأخرى، من مصلحة موسكو وبكين عدم انتصار ترمب وسيطرته على كل منابع الطاقة وطرق الإمداد الرئيسية، وإيران جزء من هذا النزاع الدولي الأشمل على الموارد والنفوذ. إذا لم يستكمل ترمب المهمة، تخسر واشنطن بعضاً من صورتها بوصفها شرطي العالم وضامن الملاحة الدولية. ترمب لمّح إلى أنه في حال كان هناك اتفاق مع طهران سيدير مضيق هرمز مع المرشد الإيراني الجديد، ما يشبه سيناريو التنافس الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة في بحر الصين الجنوبي.

لكن نصف تدخل عسكري أميركي مع تردد في التورط وهشاشة في تحمّل التبعات الاقتصادية يعطي الأفضلية للنظام الإيراني في المدى المنظور ويعزز سطوته الداخلية، مع تبعات طويلة الأمد على استعادة القوة والزخم ما لم يحدّه اتفاق واضح مع الغرب.


كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
TT

كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)

يقول المؤرخون إن الطاغية الكوبي فلوخنسيو باتيستا الذي هرب إلى الولايات المتحدة بعدما أطاحته الثورة مطلع عام 1959، لم يندم في حياته سوى على قرار واحد وهو العفو عن فيديل كاسترو بعد سنتين من اعتقاله عام 1953 لمشاركته في الهجوم الذي تعرّضت له ثكنة «مونكادا» العسكرية على يد مجموعة من الثوار.

قبل ذلك الهجوم كان فيديل، المتخرج حديثاً من كلية الحقوق في جامعة هافانا، تقدّم بشكوى ضد باتيستا لانتهاكه أحكام الدستور. لكن المحكمة رفضت الشكوى، ما دفع فيديل إلى القول إن ذلك الرفض يعطي شرعية للكفاح المسلح كسبيل وحيد لقلب النظام، وشارك مع مجموعة من رفاقه في التخطيط لسلسلة من الهجمات على عدد من الثكنات العسكرية، تمهيداً للدعوة إلى تمرد شعبي على النظام الذي كانت تدعمه وتموّله الإدارة الأميركية.

مؤيدون للتدخل العسكري الأميركي في كوبا يرفعون لافتة كتب عليها «كوبا التالية. فلنكمل المهمة» في فلوريدا في 24 مارس 2026 (أ ف ب)

بعد فشل تلك الهجمات ألقي القبض على فيديل وأودع السجن ليخرج منه بعد عامين بموجب عفو عام أعلنه باتيستا تحت وطأة الضغط الشعبي، وانتقل لفترة وجيزة إلى الولايات المتحدة حيث أوشك أن ينخرط كلاعب محترف في أحد نوادي البيسبول، لكنه ما لبث أن توجه إلى المكسيك حيث باشر بالتخطيط مع رفاق له لاجتياح عسكري ضد نظام باتيستا. وبعد حصوله على التمويل اللازم من مصادر متنوعة، عاد إلى كوبا على متن اليخت «غرامّا» برفقة 82 من الثوّار المسلحين، بالتنسيق مع مجموعة أخرى في الداخل كانت تخطط للسيطرة على سانتياغو، ثاني المدن الكوبية.

لكن الإنزال البحري فشل، ولم ينجُ من الثوار سوى فيديل وعدد ضئيل من رفاقه، بينهم شقيقه راؤول وتشي غيفارا، وانتقلوا إلى سييرا مايسترا حيث أعادوا تنظيم صفوفهم، وبدأت حرب العصابات ضد النظام، التي برز خلالها تشي غيفارا، خصوصاً في معركة «سانتا كلارا» الشهيرة، إلى أن سقط باتيستا وفرّ من كوبا بعدما انقلب عليه عدد من كبار ضبّاط القوات المسلحة.

بعد سقوط باتيستا، دخل فيديل إلى هافانا فجر اليوم الثامن من عام 1959 دخول الفاتح الذي سينقذ كوبا من «عفن الفساد والتخلف والتبعية المفرطة للولايات المتحدة»، التي كانت حوّلت «لؤلؤة الكاريبي» إلى مرتع لعصابات الإجرام والدعارة والمخدرات وزعماء المافيا مثل لوكي لوتشيانو ورفاقه، حتى قال عنها آرثر شليسنغر مستشار الرئيس الأميركي الأسبق جون كيندي: «كنت شغوفاً إلى حد بعيد بهافانا، لكني شعرت بصدمة كبيرة عندما رأيت هذه المدينة الرائعة وقد تحولت إلى كازينو واسع وماخور لرجال الأعمال الأميركيين الذين كانوا يتجولون في شوارعها برفقة فتيات في الرابعة عشرة من العمر، ويرمون قطع النقود في أقنية الصرف لمجرد مشاهدة الرجال يركضون لالتقاطها. وكان لا بد أن أسأل نفسي السؤال التالي: هل يمكن أن ينظر أهل الجزيرة إلينا إلا بعيون النقمة والحقد؟».

فيدل كاسترو... حاول الأميركيون إطاحته في إنزال خليج الخنازير وبسيجار وقلم مسمومين وببدلة غوص ملوثة ببكتيريا السل (أرشيف نيويورك تايمز)

الصعود إلى السلطة

منذ تسلّمه السلطة في ذلك العام، حتى رحيله خريف عام 2016 بعدما نكث بكل الوعود التي كان قد قطعها في بداية الثورة مثل إجراء انتخابات حرة والتناوب على الحكم، كان فيديل كاسترو قد ترك بصماته العميقة على حياة ثلاثة أجيال من الكوبيين، وألهم عشرات الحركات التحررية في أميركا اللاتينية والعالم، ووضع قطبي الحرب الباردة على شفا أول صدام نووي في التاريخ بعد أزمة الصواريخ الشهيرة التي أشعلت المواجهة السياسية بين واشنطن وموسكو.

حكم كاسترو بلاده بقبضة من حديد، متفرداً في السلطة والقرار، ومستنداً إلى قدرة خطابية نادرة، ورمزية ثورية عالية كانت محط إعجاب اليساريين والحركات الثورية في العالم. وفي عهده، حققت الثورة الكوبية إنجازات مبهرة في مجالات التعليم والصحة والأمن والبحوث، لكنها وقعت أيضاً في فخ الاعتماد المفرط على الاتحاد السوفياتي عندما تعرّضت لحصار أميركي خانق لا يزال مستمراً إلى اليوم، وفشلت في تطوير قطاعاتها الإنتاجية وتنويعها، وتخلّت عن كل الوعود بضمان الحريات الفكرية والسياسية، وتحوّلت أجهزتها الأمنية إلى أدوات ترهيب وقمع تنكّل بالأصوات المعارضة التي تطالب بالمحاسبة.

صور الزعيم الكوبي فيديل كاسترو والرئيس الفنزويلي الأسبق هوغو شافيز عند مدخل مبنى في هافانا (أ ب)

وعندما انطفأ «الكوماندانتي» أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 بعد نصف قرن تقريباً من الحكم المطلق، أي تماماً في الذكرى السنوية الستين لانطلاق الثورة، كان أرسى دعائم نموذج اقتصادي اشتراكي هزيل الإنتاج، وضرب بسيف ستالين كل منافسيه وأعدائه الذين جرّدهم من المال والحرية، وكانت هوية الجزيرة قد ذابت كلياً في صورته ولحيته الشهيرة، وسبابته التي اعتاد أن يرفعها خلال خطبه الطويلة مفاخراً ومتحدياً.

رحل فيديل من غير أن يترجّل يوماً عن صهوة أحلامه «الدون كيشوتية»، محاطاً بهتافات ودموع الذين رفعوه فوق مراتب الشك والمساءلة، وأيضاً بصمت ولعنات الضحايا الذين سقطوا بالآلاف على «طريق الثورة».

شارع في وسط هافانا - كوبا (أ.ف.ب)

آليات صمود «دون كيشوتي»

عاد المراقبون لطرح السؤال نفسه الذي كانوا بدأوا يطرحونه عند مغارب القرن الماضي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانقطاع الشريان الأبهر الذي كان يمدّ كاسترو بالدعم السياسي والدبلوماسي والمساعدات الحيوية: كيف استطاع النظام أن يصمد طوال تلك الفترة من غير حليفه التاريخي وتحت وطأة الحصار الأميركي؟

كثرت التحليلات السياسية والاقتصادية للإجابة عن هذا السؤال، وتوافقت على مجموعة من الأسباب، أبرزها: أولاً، الطبيعة المحلية الصرفة للثورة التي توفرت كل عناصرها ونضجت في كوبا، ولم تفرضها الدبابات السوفياتية، ما أعطى نظام كاسترو هامشاً واسعاً من الاستقلالية في التحرك الدبلوماسي إزاء موسكو التي كانت تحتاج إليه في الحرب الباردة بقدر ما كان هو يحتاج إليها.

يضاف إلى ذلك أن صيرورة الثروة، بخاصة النصر الذي حققه الثوار على قوات النظام المتفوقة بالعدة والعديد، أضفى عليها مسحة روائية وشبه سينمائية كما كان يقول غابرييل غارسيّا ماركيز. ثانياً، شخصية كاسترو التي لا قرين لها في التاريخ الأميركي اللاتيني، التي تجاوزت شخصيات أخرى تاريخية في المنطقة مثل سيمون بوليفار في فنزويلا أو أميليانو زاباتا في المكسيك. ثالثاً، فشل المحاولات العديدة التي قامت بها الولايات المتحدة لإسقاط النظام، بما في ذلك عشرات المخططات لاغتيال كاسترو كما اعترفت وكالة الاستخبارات الأميركية، والحصار الاقتصادي الخانق الذي ضربته عليها منذ بدايتها. ورابعاً، المساعدات الاقتصادية الضخمة التي قدمها الاتحاد السوفياتي للنظام في العقود الثلاثة الأولى من عمر الثورة وحتى نهاية الحرب الباردة.

عامل نظافة يكنس طريقاً في وسط العاصمة الكوبية هافانا بعد ليلة كاملة من انقطاع الكهرباء التام في الجزيرة (أ.ف.ب)

في سبعينات وثمانينات القرن الماضي لعبت الثورة الكوبية دوراً كبيراً ساعد على ظهور الحركات التحررية في أميركا اللاتينية وبعض دول العالم الثالث، ومدّها بالخبرات العسكرية والمساعدات الاجتماعية في مجالات التعليم والصحة، ما زاد في وهجها وأضفى عليها هالة شبه أسطورية من حيث قدرتها على الصمود. وقد برع النظام الكاستري في بناء هوية وطنية قوية انطلاقاً من وعي قومي كان ضعيفاً وملتبساً، ونجح بنسبة عالية جداً، خلافاً لما حصل في الولايات المتحدة، في صهر روافد الهجرة الأفريقية ضمن هذه الهوية التي تألق في وصفها شاعر كوبا الكبير خوسيه مارتي الذي اقتبس باراك أوباما من إحدى قصائده عبارة «فلنزرع وردة بيضاء»، لافتتاح خطبته الشهيرة في زيارته التاريخية إلى الجزيرة لتطبيع العلاقات ربيع عام 2016، أي قبل أشهر من وفاة فيديل.

درّاجان يعبران بجدارية للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو وخلفه راوول كاسترو والرئيس الحالي ميغيل دياز كانل في وسط هافانا (أ ب)

تغذية العداء لأميركا

كما نجح كاسترو أيضاً في توظيف المشاعر المناهضة للولايات المتحدة حتى أصبحت عنصراً أساسياً من مكوّنات الهوية الوطنية في كوبا، وبعض البلدان الأخرى في المنطقة، وهو ما كانت فشلت في تحقيقه معظم الدول الأميركية اللاتينية، إما بسبب من بعدها الجغرافي، أو لقربها، مثل المكسيك التي تتوفر فيها كل العوامل التي من شأنها أن تؤجج المشاعر المناهضة للجارة الشمالية بعد الهزائم العسكرية التي أصابتها والأراضي الشاسعة التي اقتطعتها منها الولايات المتحدة. ومع الصورة السلبية التي شاعت عن الولايات المتحدة في مطالع هذا القرن، استمرت المشاعر المناهضة لها مشتعلة في أميركا اللاتينية، ساعد على تأجيجها هوغو تشافيز، ناهلاً من مشارب كاسترو، رغم أنه بقي دون المستوى الذي بلغه الزعيم الكوبي.

من العوامل الأخرى التي ساعدت على صمود الثورة الكوبية، براعة فيديل في قراءة التاريخ السياسي والفكري لكوبا وأميركا اللاتينية برمتها، وما كان له من قدرة على ملء الفراغ الذي عجز عنه بوليفار، إذ لعب دور الأب المؤسس لحركات التحرر في المنطقة، والمشخّص لآفاتها، والمنظّر الذي كان يقدّم الحلول والعلاجات استناداً إلى الإنجازات الاجتماعية الباهرة التي حققتها ثورتها في أصعب الظروف. وكان شعبوياً بقدر ما كان مثقفّاً، استقطب حوله كوكبة من كبار رموز الأدب الأميركي اللاتيني كان أبرزهم صديقه الشخصي المقرّب غابرييل غارسيا ماركيز، رغم أن العديد منهم ابتعد عنه في السنوات الأخيرة من حكمه مثل الراحل فارغاس يوسا. ولم يكن مستغرباً أن معظم خصومه في المنفى كانوا لا يترددون في التنويه بقدرته الفائقة على استغلال مواطن الضعف عند أعدائه.

مواطنون كوبيون يترقبون وصول الباخرة «ماغورو» المبحرة من المكسيك والمحمَّلة بالمساعدات الغذائية في 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)

إنجازات دونها حبة «باراسيتامول»

كان كاسترو يفاخر دوماً بالإنجازات التي حققتها ثورته التي أرسلت آلاف الأطباء لمساعدة عشرات البلدان في أفريقيا وأميركا اللاتينية في القضاء على أمراض كثيرة متوطنة، ويتباهى كيف أن مئات الأميركيين والأوروبيين كانوا يسافرون إلى كوبا للمعالجة على يد أخصائيين كوبيين، وكيف أن نظام التعليم في الجزيرة كان يضاهي أفضل النظم في العالم، وكيف أن أطفال كوبا وحدهم في أميركا اللاتينية لا يعانون من نقص التغذية، وكيف كانت كوبا تصنّف بين المراكز العشرة الأولى في الألعاب الأولمبية. لكن الوجه الآخر لهذه العملة البرّاقة، كان أن الدولة التي حققت كل تلك الإنجازات الصعبة بقي اقتصادها هزيلاً ويعتمد بشكل أساسي على المساعدات الخارجية، وفشلت في تحقيق معدلات النمو التي كانت تحققها البلدان المجاورة. والسبب في ذلك، كما اعترف النظام لاحقاً، هو أن تلك الإنجازات لم تترافق مع الارتفاع المناسب في معدلات الاستثمار الصناعي والزراعي والتكنولوجي وفي البنى التحتية، فضلاً عن فشل النظام في توظيف الإنجازات التعليمية لتنشيط عجلة الإنتاج وتحويل الاستثمارات الاجتماعية إلى محرّك لزيادة الإنتاجية، حتى في المرحلة التي كانت لا تزال الاتفاقات قائمة مع الاتحاد السوفياتي.

صور للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو معروضة في إحدى مدارس هافانا (أ.ب)

لكن بعد عشر سنوات على رحيل «الكوماندانتي»، لم يعد العالم يتساءل كيف تمكنت الثورة الكوبية من الصمود كل هذا الوقت في الظروف الصعبة التي نعرفها، بل متى سينهار نهائياً هذا النظام كالثمرة الجافة من شجرة التاريخ؟ وما الذي بقي من كاسترو وأسطورته؟

شوارع هافانا تضجّ بالفراغ والعتمة منذ أشهر، فيما سكانها يجرّون أنفسهم كل يوم وراء سراب الرزق المجبول بعقود من العذاب والشحّ في كل شيء، والشعارات التي بهتت من كثرة ما اجترّها النظام لتبرير فشله في الحفاظ على منجزات كان العالم يوماً يحسده عليها، مصرّاً على قمع كل الحريات التي وعدت بها تلك الثورة التي أضاءت دروب الملايين وأصبحت اليوم جسماً متهالكاً ينتظر من يوقّع شهادة وفاته أمام الجار الأميركي الذي يُحكم آخر فصول الحصار على الجزيرة المتمردة. حياة الكوبيين اليومية باتت أشبه بجلجلة من الحواجز والتعقيدات التي لا نهاية لها، بحثاً عن الطعام، أو سعياً وراء وسيلة نقل، أو معلومات لمعرفة ماذا سيحصل في اليوم التالي. النظام لا يفصح عما إذا كان يتفاوض أو لا مع الإدارة الأميركية، ولا أحد يعرف متى سيعود التيار الكهربائي، أو إذا كانت الجزيرة ستغرق في كارثة إنسانية إذا لم تصل شحنات الوقود الموعودة، أو إذا كانت البلاد على شفا تغيير للنظام، أو إصلاحه تدريجياً بفعل الضغط الأميركي، أو إذا كانت كوبا هي التالية بعد فنزويلا وإيران.

مواطنون كوبيون ينتظرون دورهم لتعبة مياه الشفة في هافانا خلال انقطاع تام للكهرباء في كافة أنحاء البلاد (أ ف ب)

لم يعد في كوبا شيء من الذي كان تشي غيفارا يتغنّى به، أو من الذي كان غارسيّا مركز يمتدحه في مقالاته، ولا مما كان يفاخر به أمام العالم فيديل كاسترو الذي لم يتبقّ منه ومن إرثه الثوري سوى شذرات أسطورة لن يحكم التاريخ بالبراءة عليها بعد أن ذابت فيها الثورة، وإنجازاتها، وأحلامها.

وقبل أن تغادر الجزيرة التي اخترت يوماً أن تكون أطروحتك حول ثورتها وقائدها الملهم، يعترضك كهل في طريق العودة إلى الفندق ليسألك إن كنت تحمل أقراص «باراسيتامول» لمداواة آلام الركب... تلك هي نهاية الفيلم الكوبي الرومانسي الطويل.