هل أزفت ساعة نهاية «البحبوحة» الأوروبية؟

الغضب الشعبي يتراكم على امتداد القارة على وقع الأوضاع الاقتصادية المتردية

TT

هل أزفت ساعة نهاية «البحبوحة» الأوروبية؟


حرق سيارات في أحد شوارع باريس يونيو الماضي (أ.ب)
حرق سيارات في أحد شوارع باريس يونيو الماضي (أ.ب)

منذ عقود والعالم ينظر إلى بلدان الاتحاد الأوروبي كواحة رخاء وأمان واستقرار، وكمصدر لفرص عمل كريمة وبناء مستقبل افضل في منأى عن الحروب والاضطرابات والأزمات المتوطنة التي أغرقت مواطني غالبية الدول النامية في حال من اليأس وانسداد الأفق؛ ما دفع بكثيرين منهم إلى ركوب كل المخاطر للوصول إلى الأرض الأوروبية الموعودة. لكن منذ سنوات، ثمة عواصف تعتمل في سماء المشهد الأوروبي وتعكّر صفاء البحيرة التي بدأت تتقاطع في مياهها تيارات الغضب والقلق التي ولّدها تعاقب الأزمات الاقتصادية والتغييرات الهيكلية التي باتت تهدد نظام الرفاه الذي يشكّل إحدى الركائز الأساسية للمشروع الأوروبي. بعد شتاء حافل بالاحتجاجات الحاشدة في المملكة المتحدة، والنمسا، وألمانيا والجمهورية التشيكية، شهدت أوروبا ربيعاً غاضباً، خاصة فرنسا التي ترفض القبول بأن ساعة «نهاية البحبوحة» قد أزفت، حسب تعبير إيمانويل ماكرون، في حين تشعر غالبية الأوروبيين بأن ركائز دولة الرفاه تتقوّض بسرعة، وتتدهور خدمات أساسية مثل الصحة والتعليم الرسمي، في الوقت الذي أصبح المسكن ترفاً، والطبقة الوسطى على شفا الانهيار. كل ذلك تسبب في إضرابات عامة لم تشهدها أوروبا منذ سنوات كثيرة، كتلك التي عاشتها المملكة المتحدة أو الإضراب الذي شلّ قطاع النقل في ألمانيا مطلع الربيع الفائت، أو الاحتجاجات الحاشدة في عدد من المدن البرتغالية ضد ارتفاع تكاليف الإسكان، وعشرات المظاهرات ضد التضخم الجامح في معظم الدول الأوروبية.

ساحات حرب

مطلع الربيع الفائت تحولت شوارع باريس إلى ساحات حرب متنقلة بين قوات الأمن والمتظاهرين احتجاجاً على مشروع الرئيس إيمانويل ماكرون لتعديل نظام التقاعد الذي يشكّل أحد أعمدة دولة الرفاه بالنسبة للفرنسيين. وترافد في تلك الاحتجاجات أنصار الأحزاب المعارضة، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، تعبيراً أيضاً عن السخط المتفشي في أوساط المجتمع الفرنسي الذي تتراكم عليه الازمات منذ سنوات، وانضمّت إليهم عناصر احترفت ركوب هذه الفرص لممارسة العنف ضد الممتلكات العامة ورموز الدولة.

إنه السخط المتنامي نفسه الذي أضرم نار الإضرابات في المملكة المتحدة والبرتغال وألمانيا واليونان. تختلف الشرارات التي تطلقه باختلاف البلدان، لكن سببه الأساسي واحد، هو السأم من حياة ترتفع تكاليفها وتزداد تعقيداً.

تكلفة المعيشة هي اليوم الهاجس الرئيسي الذي يقضّ مضاجع غالبية الأوروبيين الذين يراقبون بعجز وإحباط منذ سنوات كيف تتضاءل قدرتهم الشرائية أمام الارتفاع المطرد في الأسعار بسبب تداعيات الثورة الرقمية والتحوّل نحو الاقتصاد البيئي وازدياد عدد المسنين، ومؤخراً الحرب الدائرة في أوكرانيا وما نجم عنها من مضاعفات في سوق الطاقة والسلع الغذائية. في هذا السياق، كان لا بد من التساؤل: هل إن ما شهدته فرنسا، ولا تزال، هو نذير لما ينتظر البلدان الأوروبية الأخرى؟

محركات الموسم الاحتجاجي

الموسم الاحتجاجي الذي يجتاح أوروبا منذ أشهر وتتصاعد وتيرة العنف الذي يرافقه، ليست محركاته مقصورة على الأزمات الاقتصادية وما تولّده من صعوبة العيش لنسبة متزايدة من السكان، بل هو أيضاً نتيجة حتمية لسنوات من الاستياء المتراكم والاغتراب الذاتي، خاصة عند الشباب المتحدرين من أصول غير أوروبية كما هو الحال في فرنسا وألمانيا وبلجيكا وهولندا، حيث أخفقت سياسات الاندماج في معالجة أزمة الانتماء والهوية التي يعانون منها. يضاف إلى ذلك، أن الغضب الشعبي الذي يعبر الحدود الآيديولوجية هو فرصة ذهبية لا تفوّتها الأحزاب المتطرفة، على يمين المشهد السياسي ويساره، لتوسيع دائرة نفوذها، ولا النقابات التي انحسرت قواعد مؤيديها في العقود المنصرمة.

تحرك احتجاجي في ألمانيا يوليو الماضي (أ.ف.ب)

إلى جانب كل ذلك، يتميّز جيل القرن الواحد والعشرين بنزعة انفرادية حادة، تجعله ينأى عن الانخراط في الجمعيات والتنظيمات الحزبية والنقابية حيث يتم اتخاذ القرارات بالتوافق، ويجنح بالتالي إلى عدّ كل نزاع أزمة هوية تستهدفه شخصياً ولا يتردد في الانفجار من غير مراعاة لتباين الأدوار والمهام في المجتمع، ويرفض استيعاب فكرة أنه من المستحيل أن يعيش مثلما عاش جيل آبائه.

الغضب الشعبي يتراكم على امتداد القارة الأوروبية، وهو إلى ازدياد على وقع الأوضاع الاقتصادية المتردية، وينتظر من يستغلّه عند أول شرارة احتجاجية. وفرنسا هي اليوم المرآة التي تنعكس على صفحتها الأزمة الاجتماعية المتنامية في أوروبا. أزمة الصراع بين التكنوقراط والذين خسروا معركة العولمة ويطالبون بعالم لم يعد موجوداً، ويقعون في قبضة الأحزاب الشعبوية المتطرفة.

فرنسا... «بلد الاحتجاجات»

ولا ننسى أنه إذا كانت فرنسا «بلد الاحتجاجات» بامتياز، فهي أيضاً نموذج سياسي بالنسبة للكثير من الأوروبيين، ومشكلاتها هي نفسها التي تعانيها اليوم معظم الدول الأوروبية التي يترقّب مواطنوها أدنى شرارة للاندفاع في مسيرات الغضب والاحتجاج التي يكثر الذين يصطادون في مياهها. ومن نافل القول تأكيد أن الحراك الاجتماعي حصل دوماً بغض النظر عن الجهة الحاكمة في فرنسا أكانت من اليمين أم اليسار؛ ما يعني أن الداء لا لون سياسياً له، بل هو كامن ومتجذر.

ويقول فرنسوا دوبيه، أستاذ العلوم السوسيولوجية في جامعة بوردو (جنوب غرب فرنسا): إنه منذ أحداث الشغب في ضواحي مدينة ليون «شهدنا عشرات عدة» من أنواع الحراك كافة. والخيط الجامع بينها «أن ساكني الضواحي والأحياء الشعبية يشعرون بالتهميش إن بسبب أصولهم أو ثقافاتهم أو دياناتهم». والثابت أيضاً، أن الجمعيات والحركات الاجتماعية المنبثقة عنهم وكذلك الأحزاب «لم تنجح في ترجمة النقمة والغضب إلى مطالب واضحة أو أن تفضي إلى مسار سياسي» بحيث إن الشعور العام هو الفراغ. وحدها أحداث «غينغيت» أفضت إلى شيء سياسي هو «المسيرة من أجل المساواة ورفض العنصرية» التي انطلقت من لوين ووصلت إلى باريس وكان لها وقع كبير على المجتمع.

ويلحظ الباحث الأكاديمي وجود «نمطية» محددة في تسلسل الأحداث التي تنطلق بعد سقوط جريح أو قتيل من هذه الضواحي أو الأحياء على أيدي رجال الأمن ما يثير حنقاً وحالة هياج تترجم فورياً بأعمال عنف تستهدف الإنشاءات العامة والمدارس والبلدية والمراكز الاجتماعية، ويتطور العنف إلى اشتباكات مع رجال الأمن وعمليات كرّ وفرّ، ثم يعقبها استهداف المحال التجارية وبعض السرقات. وينتج منها توقيف المئات من المتظاهرين ومن المشاغبين وتتبعها المحاكمات... وهكذا دواليك. أما ردود الفعل العامة فتنقسم تقليدياً، وفق الباحث، بين التنديد بعنف رجال الأمن وأجواء العنصرية المسيطرة بما فيها التعامل التمييزي مع شباب الضواحي الذين يقوى لديهم الشعور بالاستهداف معطوفاً على الفقر والبطالة والشعور بالتهميش. وبالمقابل، ثمة من يدين تكاثر الحضور الأجنبي والهجرات والتهديد الذي يلحق بتركيبة المجتمع وثقافته وعدم التلاؤم بين ثقافة المنشأ والثقافة الفرنسية وصعوبة الاندماج بما يحمله من تغيير في البنية المجتمعية وتهديد للهوية الفرنسية والسير نحو «أسلمة» البلاد وتحقق نظرية «الإحلال»، أي أن تأخذ موجات الهجرات القادمة من أفريقيا ومن بلدان المغرب مكان الفرنسيين. ويذهب كثيرون لإدانة تصرفات سكان الضواحي والأحياء الفقيرة المتسمة بـ«التوحش»، لا، بل إن الرئيس ماكرون لم يتردد سابقاً في التنديد بما سماه «الانفصالية الإسلاموية»، أي تبني ثقافات وتصرفات منقطعة عما هو فرنسي الطابع، في حين يتحدث آخرون عن مساحات خارجة عن الدولة الفرنسية، حيث لا تدخلها القوى الأمنية وتخضع عملياً لمهربي وتجار المخدرات. وما بين الطرفين، تجد الحكومات المتعاقبة نفسها عاجزة أكانت من اليمين أم اليسار.

أخطاء سنوات البحبوحة

حقيقة الأمر، كما يرى كثير من الباحثين، أن ما يحصل من «ثورات» اجتماعية منذ عقود عدة ليس سوى نتيجة تراكمات وأخطاء ارتكبت سابقاً. ومن بين الأخطاء، أن سنوات البحبوحة دفعت الشركات الفرنسية والأوروبية بشكل عام إلى استجلاب اليد العاملة رخيصة التكلفة وبأعداد كبيرة للعمل في المصانع والمزارع وملء فراغات المهن الصعبة أو التي يرفضها الفرنسي، وذلك زمن القفزة الاقتصادية ووضعتها في مجمعات في ضواحي المدن. وقد تحولت لاحقاً إلى «غيتوات» بطابع أجنبي يغلب عليها الفقر والجهل والبطالة وتجارة المخدرات والعنف والتهميش. وتبين الإحصائيات الحالية، أن نسبة البطالة في الضواحي والأحياء الشعبية تصل إلى 18 في المائة بينما معدلها العام لا يزيد على 7 في المائة.

حقائق

18% نسبة البطالة

في الأحياء الفقيرة في فرنسا

ويبلغ عدد هذه الأحياء التي تصنفها الحكومة بأن لها «الأولوية» في عملية الإنماء 1514 حياً. ومن الناحية السكانية، ثمة 22 في المائة من سكانها من الأجانب. واللافت، أن نسبة البطالة فيها للشباب دون سن الثلاثين تصل إلى 30.4 في المائة. ومن الناحية الجغرافية، تتوزع الضواحي الساخنة على جوار المدن الكبرى (باريس، وليون، ومرسيليا، وليل غرونوبل). والثابت، أنه إذا كانت سنوات البحبوحة لم تعرف «حراكاً» مطلبياً من هذه الضواحي فلأن المهاجرين الذين جيء بهم من الخارج كانوا في غالبيتهم من الأميين وهمّهم الوحيد كسب لقمة العيش ليس إلا وكانوا إما لا يشعرون بالمعاملة التمييزية أو أنهم كانوا يقبلونها. لذا؛ فإن الحراك بدأ مع الجيل الثاني وتوسع مع الجيل الثالث وكلاهما أكثر إحساساً بالتهميش والمعاملة التمييزية من آبائهم.

وخلال الأيام الماضية، كثرت الشهادات التي تبين أن العنصرية متفشية لدى الكثير من أفراد الشرطة الفرنسية. ويعيد الباحث إيمانويل بلانشار ذلك إلى التاريخ الاستعماري لفرنسا والرؤية الدونية لمن كانوا مستعمرين، ودليله على ذلك ما حصل مع الجزائريين والقمع الذي تعرّضوا له وعلى سبيل المثال ما حصل للمتظاهرين منهم يوم 17 أكتوبر (تشرين الأول) 1961، حيث تعرّضوا للقمع الشديد وسقط منهم الكثير من القتلى. ومما هو معروف أن كثيرين فضّلوا أن يرموا أنفسهم في نهر السين بدلاً من أن يقعوا بأيدي الشرطة. ودلّت تصريحات وبيانات صادرة عن نقابات الشرطة في الأيام الأخيرة على عنصرية كامنة، عادّة أن أفرادها في «حالة حرب مع مفسدين».

ليس من العدل بمكان رمي المسؤولية على جهة واحدة أكانت الدولة أم أجهزتها وتناسي مسؤولية الطرف الآخر. ورغم ما سبق، يمكن تأكيد أن أفضل حماية للمواطن أو للمهاجر في فرنسا أو في غيرها من الديمقراطيات عنوانها احترام القوانين، ومنها قوانين السير. وليس سراً أن نسبة الأجانب في السجون الفرنسية مرتفعة قياساً لنسبتهم السكانية داخل المجتمع الفرنسي. وتبين إحصائيات وزارة العدل لشهر أكتوبر عام 2021، أن 17198 أجنبياً كانوا في السجون، ما نسبته 24.5 في المائة من إجمالي السجناء، بينما نسبة الأجانب في فرنسا لا تتعدى 7 في المائة. وواضح أيضاً أنه يتعين على الأجانب التأقلم مع المجتمع الفرنسي وليس العكس، وأن الأعمال المخلّة بالأمن على أنواعها تسيء بالدرجة الأولى إلى سكان الضواحي والأحياء الفقيرة التي يتزايد تهميشها فيما الحرائق التي أضرمت أصابت بداية هذه المناطق والأحياء.

بريطانيا... فوضى غير مسبوقة

وقد تكون بريطانيا على رأس لائحة الدول الأوروبية المنزلقة في منحدر شديد زادت حدته منذ خروجها من الاتحاد الأوروبي. ومع ذلك؛ فإن أزمات المملكة المتحدة أقدم من «بريكست»، رغم أن الخبراء الاقتصاديين يتفقون على أنه من دون شك سرّع في انحدارها هذا.

 

جماهير غفيرة خلف سيارة تقلّ والدة نائل في مظاهرة نهاية يونيو الماضي (أ.ب)

وربما الأشهر الماضية كانت دليلاً على مدى تردي حالة البلاد وإشارة إلى مدى تراجع الكثير من الخدمات الأساسية فيها. فعلى وقع أزمة تضخم هي الأقسى منذ 40 عاماً، لفت الإضرابات بريطانيا وخرجت خدمات أساسية في قطاعات التنقل والتعليم والاستشفاء، عن الخدمة لأيام متتالية، لم تنته بعد وتحذر بالعودة في الأسابيع المقبلة. هؤلاء المضربون جميعهم، من أساتذة وأطباء وعمال سكك الحديد والبريد والمطارات وغيرهم، كلهم يطالبون برفع أجورهم لكي تتماشى مع نسبة التخضم التي ترتفع بشكل صاروخي.

ويقول ماريانو آغيرّي، الباحث في مركز «تشاتهام هاوس»: «إن حزب المحافظين البريطاني يدفع البلاد نحو الانهيار، في حين تكبّد بريطانيا سياسات (رئيس الوزراء السابق) بوريس جونسون والخروج من الاتحاد الأوروبي خسائر فادحة، والاقتصاد أشبه بسفينة توشك على الغرق في بحر اجتماعي شديد الهيجان».

وعشيّة مرور مائة يوم على وصول ريشي سوناك إلى داونينغ ستريت، أعلن عمال السكك الحديدية وموظفو قطاع التعليم، بما فيه الجامعات، أكبر إضراب في بريطانيا منذ 12 عاماً للمطالبة برفع الأجور وإلغاء التشريعات التي تلزم بتأمين الحد الأدنى من الخدمات. وفي أبريل (نيسان) الفائت، أضرب موظفو الأمن في المطارات عشرة أيام متتالية؛ مما تسبب في حال من الفوضى غير المسبوقة خلال عطلة عيد الفصح، في الوقت الذي هددت فيه قطاعات أخرى بموجة من الإضرابات إذا لم تحصل على ما يعوّض التضخم الذي زاد عن 11 في المائة منذ بداية هذا العام.

 

حقائق

330 ألف عامل

خسرتهم بريطانيا نتيجة خروجها من الاتحاد الأوروبي

وكان لخروج بريطانيا من التكتل الأوروبي أثراً مباشراً على العمالة، وأدى بحسب دراسة «معهد الإصلاحات الأوروبية» صدرت مطلع العام الحالي، إلى خسارة بريطانيا لقرابة 330 ألف عامل، معظمهم في قطاعات لا تتطلب مهارات عالية، مثل قطاعات البيع والنقل والخدمات في المطاعم والفنادق. وتحركت الحكومة في المقابل لتسهيل العمالة من خارج الاتحاد الأوروبي، خاصة من الهند، لملء الوظائف الشاغرة، ولكن في قطاعات تحتاج إلى مهارات عالية مثل النظام الحصي والتعليم وتكنولوجيا المعلومات والخدمات.

ألمانيا... أشهر حبلى

ورغم أن «بريكست» أبرز أزمة نقص العمالة في بريطانيا وفاقمها، فإن ألمانيا تعاني مثلها نقصاً كبيراً في العمالة يهدد كذلك سير الخدمات الرئيسية، خاصة في القطاع الصحي والتعليم. والسبب الرئيسي في نقص العمالة زيادة أعداد المتقاعدين مقابل عدم تدريب مختصين بشكل كافٍ في المهن التي تعاني من النقص.

ففي ألمانيا تعاقبت إضرابات قطاعات أساسية، مثل السكك الحديدية والنقل الجوي والمواصلات العامة، دائماً لطلب زيادة في الأجور تعوّض التضخم وارتفاع أسعار السلع الأساسية، رغم أن الحكومة تطبق تدابير للتخفيف من آثار أزمة الطاقة منذ بداية الحرب في أوكرانيا. لكن إذا كانت ألمانيا لم تشهد حتى الآن نفس الفوضى التي عرفتها فرنسا والمملكة المتحدة والبرتغال؛ لأن المجتمع الألماني أكثر تنظيماً وقدرة على التكيّف مع الصعاب، ولأن التعاضد بين النقابات الألمانية الموزعة حسب القطاعات أقلّ منه بين الفرنسية الأكثر تطرفاً، فإن الأشهر المقبلة قد تكون حبلى بسلسلة من الإضرابات والاحتجاجات ما لم تسارع الحكومة إلى اتخاذ إجراءات لتصحيح الأجور بعد أن اقتربت نسبة التضخم من 8 في المائة.

فنقص الأطباء، مثلاً، بات يشكل قلقاً كبيراً للحكومة الحالية دفعت بوزير الصحة كارل لاوترباخ إلى الدعوة لخلق 5 آلاف مقعد إضافي في الجامعات لتعليم وتدريب أطباء في وقت تشير توقعات معهد روبرت بوش إلى أن 11 ألف وظيفة طبيب عائلة ستكون شاغرة بحلول عام 2035، خاصة في المناطق النائية البعيدة عن المدن الكبيرة. وبشكل عام، فإن واحدة من كل 6 مهن تعاني نقصاً في المهارات، ويشكو العاملون فيها من عدم قدرتهم على توظيف المهارات التي يبحثون عنها. وبحسب دراسة لوزارة العمل الفيدرالية، فإن 200 مهنة من أصل 1200 تعاني نقصاً في المهارات، وهو رقم ارتفع عن العام الذي سبق حين كان عدد المهن التي تنقصها مهارات 148. وأشارت الوزارة أيضاً إلى إمكانية انضمام 157 مهنة إضافية إلى لائحة المهن التي تعاني نقصاً في العثور على مهارات لملء الوظائف الشاغرة. ومن بين هذه المهن التمريض والتعليم والبناء وتكنولوجيا السيارات والمهندسين والصيادلة والمختصون بتكنولوجيا المعلومات، إضافة إلى سائقي الشاحنات والباصات والعاملين في قطاع الخدمات، مثل الفنادق والمطاعم والصناعات المعدنية.

 

وتحاول الحكومة التي يقودها الاشتراكيون ملء هذه الثغرات بجذب مهاجرين من خارج دول الاتحاد الأوروبي؛ إذ يشير متخصصون إلى أن ألمانيا بحاجة لـ٤٠٠ ألف مهاجر ماهر سنوياً للتعويض عن المجتمع الهرِم والعمالة الناقصة. وجال المستشار الألماني أولاف شولتز على الهند وغانا مطلع العام للإعلان عن نية حكومته تسهيل دخول العاملين الماهرين من الدولتين خاصة العاملين في مجال تكونولوجيا المعلومات، في حين يبحث وزير العمل في البرازيل عن مهارات لملء آلاف الوظائف الشاغرة في مجال التمريض ورعاية المسنين.

وقبل أسبوعين مررت ألمانيا قانون هجرة حديثاً وغير مسبوق يسهّل إجراءات الدخول للكفاءات من خارج الاتحاد الأوروبي ويخفض متطلبات اللغة الألمانية المطلوبة كشرط مسبق للحصول على التأشيرة. ويسمح القانون الجديد كذلك للباحثين عن العمل بالدخول إلى ألمانيا والمكوث لغاية عام بحثاً عن عمل، بشرط أن يكونوا من حملة شهادة جامعية أو خضعوا لتدريب في مهنة من المهن التي تعاني نقصاً في الموظفين في ألمانيا. ولا يشترط القانون الجديد معرفة اللغة الألمانية، بل يخير المتقدم بالألمانية او الإنجليزية، إضافة إلى شروط أخرى. وبعد الحرب الروسية في أوكرانيا، استفاد مرة جديدة من أزمة اللاجئين الأوكران ومن ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم ومهاجمة الحكومة، خاصة لجهة خططها المتعلقة بالطاقة. ومررت الحكومة باقتراح من حزب الخضر المشارك فيها، قانوناً يمنع على مالكي الأبنية شراء سخانات تعمل فقط على الغاز، وإجبارهم بدءاً من عام 2024 على أن تكون السخانات الجديدة التي يتم تركيبها، تعمل بنسبة 60 في المائة بالطاقة المتجددة. وأثار القانون سخطاً كبيراً للتكلفة العالية التي تواجه أصحاب البيوت من دون تعويضات واضحة من الحكومة. واستفاد «البديل لألمانيا» من السخط ليهاجم الحكومة ويكسب أصواتاً إضافية. ورغم أن وصول «البديل لألمانيا» إلى السلطة على المستوى الفيدرالي مستبعدة لرفض كل الأحزاب الكبيرة العمل معه، فهو بدأ يحقق نجاحات تاريخية في بلديات صغيرة بشرق ألمانيا. والأسبوع الماضي انتخبت أول بلدة ألمانية في ولاية ساكوميا أنهالت رئيس بلدية من «البديل لألمانيا». وتستعد الولايات الثلاث الشرقية العام المقبل لإجراء انتخابات محلية تشير الاستطلاعات إلى أن الحزب المتطرف سيفوز بها.

قد تكون ألمانيا بدأت تتقبل أنها باتت مجتمع لاجئين من الناحية القانونية، ولكن الكثيرين يقولون بأنه من دون تغيير العقلية تجاه المهاجرين والغرباء والألمان من أصول مهاجرة، فإن القوانين المحدثة لن تنفع بجلب المهارات التي تحتاج إليها البلاد إلى دولة لا ترحب بهم وتميز ضدهم ولا تعدّهم متساوين.

الفقر والتهميش وشرارة أخطاء الشرطة

جماهير غفيرة خلف سيارة تقلّ والدة نائل في مظاهرة نهاية يونيو الماضي (أ.ب)

ليست المرة الأولى التي تعيش فيها فرنسا حالة من الاضطرابات الاجتماعية - الاقتصادية التي تفضي إلى أعمال عنف واسعة واشتباكات وسرقة ونهب وانقسامات آيديولوجية وسياسية حادة، في حين تجد السلطات نفسها عاجزة عن إطفائها إلا عن طريق اللجوء إلى القوى الأمنية، وأحياناً إلى فرض حالة الطوارئ ومنع التجول. وإذا كان الفقر والتهميش والمعاملات التمييزية تشكل الوقود الذي يغذي الاحتجاجات، فإن اخطاء الشرطة تشكل عادة الشرارة التي تشعله.

كذلك، ليست المرة الأولى التي يخرج فيها الشباب في ضواحي المدن والأحياء الشعبية لمواجهة رجال الشرطة بعد حادث كالذي أفضى إلى موت الشاب القاصر نائل مرزوق صبيحة يوم الثلاثاء 27 يونيو (حزيران) الماضي، على يد شرطي دراج أطلق النار عليه من مسافة قريبة بعد ملاحقة خطرة في شوارع مدينة نانتير الواقعة على مدخل باريس الغربي. الشرطي البالغ من العمر 38 عاماً والقابع حالياً في الحبس الاحتياطي، عدّ أن تصرف سائق السيارة المسروقة يشكل تهديداً له ما يعطيه الحق بإطلاق النار عليه، وهو ما فعله. السيناريو ليس جديداً، لا، بل هو مكتوب سلفاً وعشرات الأحداث المشابهة حصلت في العقود الأربعة الأخيرة. لكن الجديد فيها هذه المرة أن رواية الشرطي وزميله دحضهما تسجيل فيديو أظهر أن لا الشرطي ولا زميله كانا مهددين، وأن روايتهما الأصلية كانت مفبركة؛ ما ضاعف من غضب الشارع. وتفيد أرقام وزارة الداخلية، بأن 15 شخصاً قُتلوا منذ عام 2022 على أيدي الشرطة في حوادث تدقيق مروري شبيهة بما حصل مع نائل مرزوق. والسبب الرئيسي أن قانوناً صدر في عام 2017 وسّع دائرة الظروف التي تتيح لرجل الشرطة إطلاق النار.

يطول سرد وتفصيل تسلسل الأحداث التي عرفتها فرنسا في العقود الأربعة الماضية. والمتعارف عليه أن نقطة الانطلاق يمكن ردّها إلى نهاية السبعينات، وتحديداً لعام 1979، حيث شهدت ضاحية فول - فولين، اللصيقة لمدينة ليون (وسط فرنسا) أول أحداث أمنية عندما عمدت الشرطة إلى توقيف مراهق عمره 17 عاماً، اسمه حكيم، جزائري الأصل، بتهمة سرقة سيارة. وعندما شعر الأخير أن الشرطة على وشك القبض عليه، لم يتردد في جزّ أحد شرايين ذراعه ما لم يمنع الشرطة من سوقه مكبلاً؛ الأمر الذي أثار غضب سكان الحي الذين هاجموها بما توفر.

الغلطة الكبرى

هذا كان أول الغيث وتبعته في المنطقة نفسها أحداث مشابهة صيف عام 1981 في الحي المعروف باسم «غينغيت». أسابيع من الاشتباكات التي تمددت إلى مدينتي فينيسيو وفيلوربان القريبتين من ليون مع الشرطة بما يصاحبها من سيارات محروقة ومتاجر وممتلكات. والجديد فيها أنها الأولى من نوعها التي تلقى تغطية إعلامية واسعة من كافة الوسائل الإعلامية بما فيها التلفزة التي لعبت وقتها الدور الذي تلعبه حاليا وسائل التواصل الاجتماعي ما زاد من وقعها على المجتمع ولفت الأنظار لأوضاع الضواحي والأحياء الشعبية التي تحتضن نسبة مرتفعة من الأجانب المهاجرين.

إذا كانت الحكومات المتعاقبة منذ أربعين عاماً قد فضلت التعامل الأمني مع الأحداث، إلا أنها في الوقت نفسه سعت لتحسين أوضاع الضواحي من خلال خطط متنوعة منها عمليات تجديد الإنشاءات العامة والعمل لتوفير الخدمات وزيادة المدارس والمراكز الرياضية والمكتبات... إلا أن القبضة البوليسية لم تتراخ واستمر سكان الضواحي، خصوصاً الشباب منهم، في الشكوى من تعاطي الشرطة معهم ومن تعرّضهم للمتاعب والملاحقات التي ينسبونها لكونهم أجانب أو أفارقة أو مغاربة... بالطبع، لم تعرف موجات العنف السابقة بما فيها ما حصل في عام 2005 المدى الذي وصلت إليه الموجة الأخيرة التي طالت 500 مدينة على مجمل التراب الفرنسي. إلا أن عناصر الشبه بينها كثيرة وعميقة، وبالتالي انكب كثيرون من علماء الاجتماع على دراسة جذورها مسبباتها وكشف دقائقها وطرح خطط للتخلص منها. ومن جانبها، لم تبق الحكومات المتعاقبة يميناً ويساراً مكتوفة الأيدي. وثمة من ينتقد في فرنسا «السخاء الزائد» للدولة مع هذه الضواحي والأحياء. ولكن في أي حال، فإن النتائج لم تكن بمستوى الآمال، والدليل على ذلك ما حصل في الأيام الأخيرة. وهناك من يرى أن «الغلطة الكبرى جاءت في التركيز على البنيان المادي من دون السعي لتغيير الذهنيات والعقليات وهدم الصور النمطية»، بمعنى أن السياسات المتبعة «لم تنجح في خفض الرؤى والمعاملات التمييزية على أسس إثنية أو دينية أو اجتماعية» ولم تنجح في إعادة خلط السكان بحيث بقيت الأحياء الصعبة فقيرة وأكثر هشاشة وبقيت مراكز اجتذاب للمهاجرين.

 


مقالات ذات صلة

هولندا تُوقف عمليات الترحيل إلى إيران وسط مخاوف أمنية

أوروبا أشخاص يسيرون في لاهاي بهولندا 3 نوفمبر 2025 (رويترز)

هولندا تُوقف عمليات الترحيل إلى إيران وسط مخاوف أمنية

قال وزير الهجرة الهولندي إن البلاد قررت الوقف الفوري، ولمدة ستة أشهر، لقرارات وعمليات الترحيل المتعلقة بطالبي اللجوء الإيرانيين بسبب الوضع الأمني في إيران.

«الشرق الأوسط» (أمستردام)
المشرق العربي أمطار غزيرة تغرق شوارع الحسكة شمال شرقي سوريا أمس (رويترز)

برلين تدعو الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز دعمه لسوريا واستقرارها

في ورقة موقف موجهة إلى المفوضية الأوروبية ودائرة الشؤون الخارجية، دعت الحكومة الألمانية إلى إمكانية الإعداد على المدى الطويل لاتفاق شراكة شامل مع سوريا

«الشرق الأوسط» ( بروكسل)
أوروبا وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو يتحدث في برلين (د.ب.أ)

فرنسا: الاتحاد الأوروبي سيرحّب ببريطانيا إذا عادت لسوقه الموحدة

قال وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو، اليوم الثلاثاء، إن الاتحاد ​الأوروبي سيستقبل بريطانيا «بأذرع مفتوحة» إذا قررت العودة إلى سوقه الموحدة.

«الشرق الأوسط» (بروكسل )
الاقتصاد مصفاة «سلوفانفت» التابعة لشركة «MOL» في براتيسلافا بالمجر (الموقع الإلكتروني لشركة MOL)

المجر وسلوفاكيا تُوقعان اتفاقية إنشاء خط أنابيب لنقل المنتجات النفطية

وقَّعت المجر وسلوفاكيا اتفاقية لإنشاء خط أنابيب يربط مصافي شركة «MOL» (إم أو إل) في البلدين لنقل المنتجات النفطية مثل البنزين والديزل.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
شؤون إقليمية ناقلة نفط تمر عبر مضيق هرمز (إ.ب.أ)

الاتحاد الأوروبي يدعو إلى حل دبلوماسي لإبقاء مضيق هرمز مفتوحاً

شددت مسؤولة السياسة الخارجية ​في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، اليوم (الثلاثاء)، على ضرورة إيجاد طرق دبلوماسية لإبقاء ‌مضيق هرمز ‌مفتوحاً.

«الشرق الأوسط» (بروكسل )

القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)

دخل قرار الحكومة اللبنانية القاضي بحظر النشاط العسكري والأمني لـ«حزب الله» مرحلة التطبيق العملي، عبر قيام القضاء العسكري بفتح ملفات قضائية بحق عناصر ضُبطوا وهم ينقلون أسلحة غير مرخصة وصواريخ باتجاه الجنوب. ويعكس هذا المسار تحوّلاً قضائياً في مقاربة الدولة لملف السلاح غير الشرعي، بعد تعثر الأسبوع الماضي أدى إلى الإفراج عن موقوفين بكفالات رمزية، ما انعكس على العلاقة بين الأجهزة القضائية.

وفي خطوة اعتبرت مؤشراً على بدء مرحلة مختلفة، ادعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، الاثنين، على أربعة عناصر من الحزب، بعد توقيفهم أثناء نقل أسلحة وصواريخ، وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول القاضية غادة أبو علوان لاستجوابهم واتخاذ الإجراءات المناسبة بحقهم.

هامش قضائي واسع

في الشكل، قد تبدو هذه الإجراءات روتينية ضمن صلاحيات النيابة العامة العسكرية، إلا أن مضمونها يعكس تبدلاً في أسلوب التعامل القضائي مع ملفات ترتبط بـ«حزب الله». فالقضاء الذي كان يتحرك بحذر شديد في قضايا تمسّ الحزب أو حلفاءه، يبدو اليوم أمام هامش أوسع، في ظل القرار السياسي الذي صنّف النشاط العسكري والأمني للحزب خارج إطار الشرعية القانونية.

ادعاء مفوض الحكومة على عناصر «حزب الله» الأربعة استناداً إلى المادة 72 من قانون الأسلحة التي تعاقب على نقل وحيازة الأسلحة غير المرخصة، يبدو مفهوماً في بعده القانوني. إلا أن اللافت في الادعاء كان توجيه اتهام أشد خطورة لاثنين من الموقوفين استناداً إلى المادة 288 من قانون العقوبات، وهي مادة جنائية تعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة كل من يقوم بأعمال من شأنها تعريض لبنان لخطر أعمال عدائية أو الإضرار بعلاقاته مع دولة أجنبية.

لبناني يرفع علم «حزب الله» في بلدة النبي شيت في شرق لبنان حيث قام الجيش الإسرائيلي بإنزال وأمطر البلدة بقصف كثيف موقعاً عشرات القتلى والجرحى (أ.ف.ب)

وتنصّ المادة 288 من قانون العقوبات على «المعاقبة بالاعتقال المؤقت لكل من يخرق التدابير التي اتخذتها الدولة للمحافظة على حيادها في الحرب، أو يقدم على أعمال أو كتابات أو خطب غير مجازة من الحكومة من شأنها تعريض البلاد لخطر أعمال عدائية أو تعريض اللبنانيين لأعمال ثأرية». ويعطي إدراج هذه المادة في الادعاء بعداً سيادياً للملف، إذ يضع القضية في إطار «الجرائم التي تمس أمن الدولة»، وليس فقط ضمن إطار حيازة السلاح غير المرخص.

نقل صواريخ

وفي تبرير لاتهام عنصرين للحزب بجناية، يؤكد مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط» أن اثنين من الموقوفين الأربعة «أوقفا في بلدة كفرحونة في جبل لبنان، بعدما ضبطت بحوزتهما 21 صاروخاً في طريقها إلى الجنوب، في خطوة اعتُبرت مخالفة صريحة لقرارات الحكومة والقوانين المرعية الإجراء».

ويشير المصدر إلى أن القاضي كلود غانم «اعتمد هذه المرة مقاربة مختلفة في مسار الملاحقة، إذ ادعى على الموقوفين الأربعة وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول طالباً استجوابهم وإصدار مذكرات توقيف وجاهية بحقهم، استناداً إلى مواد الادعاء»، لافتاً إلى أن هذه الآلية القضائية «ستؤدي عملياً إلى إطالة مسار الإجراءات، ما يعني إبقاء المدعى عليهم قيد التوقيف إلى حين استكمال التحقيقات».

ويأتي هذا المسار مختلفاً عمّا حصل في ملف سابق شمل عنصرين من الحزب، حيث جرى الادعاء عليهما وإحالتهما مباشرة إلى المحكمة العسكرية، حيث اكتفت الأخيرة بتغريم كل منهما مبلغ 10 دولارات أميركية وإطلاق سراحهما فوراً، في إجراء أثار انتقادات واسعة.

توسيع دائرة التحقيقات

بحسب المصدر القضائي، فإن الهدف من إحالة الملف إلى التحقيق الاستنطاقي «هو توسيع دائرة التحقيقات لكشف ملابسات نقل الصواريخ والأسلحة، ومعرفة ما إذا كان الموقوفون يتحركون بقرار مستقلّ، أو بتكليف مباشر من الجهة الحزبية التي ينتمون إليها»، في إشارة إلى «حزب الله».

وتندرج هذه القضية في سياق سلسلة عمليات نفذتها الأجهزة الأمنية خلال الأسبوعين الماضيين، أسفرت عن توقيف عناصر من الحزب أثناء تنقلهم بأسلحة فردية أو رشاشات أو أثناء نقل عتاد عسكري بين مناطق مختلفة. غير أن التطور الأبرز في الملف الأخير يتمثل في طبيعة السلاح المضبوط، أي الصواريخ.

وترى مصادر حقوقية متابعة للملف أن تكثيف إحالة هذه القضايا إلى القضاء العسكري «يعكس بداية مرحلة مختلفة في علاقة الدولة مع سلاح (حزب الله)، خصوصاً بعد القرار الحكومي الذي وضع إطاراً قانونياً واضحاً لحظر نشاطه العسكري والأمني خارج مؤسسات الدولة». وتؤكد المصادر لـ«الشرق الأوسط»، أن القضاء العسكري «وضع نفسه أمام اختبار حقيقي لمدى قدرته على تطبيق قرارات الدولة وملاحقة المخالفين لها»، مشيرة إلى أن التحقيقات الاستنطاقية التي تجريها القاضية غادة أبو علوان «ستشكل مؤشراً مبكراً على المسار الذي ستسلكه الدولة في التعامل مع ملف السلاح غير الشرعي في المرحلة المقبلة».


من «نكتة سياسية» إلى قرار مصيري... هل حان وقت مغادرة أميركا؟

مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
TT

من «نكتة سياسية» إلى قرار مصيري... هل حان وقت مغادرة أميركا؟

مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)

منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، تحوّل سؤال «هل حان وقت المغادرة؟» من نكتة سياسية تُقال بعد كل انتخابات، إلى حديث جاد يتكرر في غرف الأخبار، وعلى منصات التواصل، وحتى في مكاتب الاستشارات الضريبية وشركات الهجرة.

لم يعد سؤال «هل نغادر؟» مجرّد انفعال انتخابي عابر أو تهديد يُطلقه نجوم الشاشة ثم يُطوى. صار السؤال جزءاً من أحاديث يومية في أوساط واسعة: عائلات تُقلّب خرائط مدارس أكثر أمناً وتبحث عن مجتمع أقل توتراً، نساء شابات يقرأن معارك الحقوق والثقافة بوصفها مؤشراً على مستقبل أكثر ضيقاً، أكاديميون يتعاملون مع العلاقة المتدهورة بين الدولة والجامعة باعتبارها اختباراً لاستقلال المعرفة، وأثرياء يتحدثون عن الضرائب والبيئة السياسية بلغة إدارة مخاطر، ويفكرون في «خطة ب» هادئة لا تنفي علاقتهم بالاقتصاد الأميركي، بقدر ما تؤمّن لهم مخرجاً من تقلبات السياسة والضرائب.

في هذا المناخ المتشنّج، تحوّلت «الهجرة المعاكسة» إلى عبارة تختصر مزاجاً أكثر مما تصف حركة سكانية كبرى. فالضجيج كبير، لكن الدقة تقتضي التفريق بين رغبة في الرحيل تُقاس بالاستطلاعات، وبين خطوات قانونية فعلية للحصول على إقامة أو تأشيرة، وبين حقيقة ديمغرافية تُقاس بصافي الهجرة وتدفّقات الداخلين والخارجين. المفارقة أن أهم ما تُظهره الأرقام في العام الأول من الولاية الثانية لا يبدو «نزوحاً أميركياً جماعياً» بقدر ما يبدو تراجعاً في الداخلين إلى الولايات المتحدة، أي في الهجرة إليها، مع آثار اقتصادية وديمغرافية ملموسة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مؤشراً بيده خلال لقائه عائلات فقدت أفراداً منها في جرائم ارتكبها أشخاص دخلوا البلاد بطريقة غير شرعية (رويترز)

مزاج الرحيل

اللافت في موجة الحديث الأخيرة أنها لم تعد حكراً على فئة واحدة أو سبب واحد. في مرحلة سابقة، كان الانقسام السياسي هو محرك الخطاب: «إذا انتصر خصمي فسأغادر». أما اليوم، فالسردية أكثر تركيباً: الناس لا تتحدث عن الرئيس وحده، بل عن مزيج من الاستقطاب، والإحساس بتراجع «الحد الأدنى من الاتفاق» داخل المجتمع، وارتفاع تكلفة العيش، وتراجع الثقة بالمؤسسات، والقلق من العنف المسلح، وصولاً إلى شعور متزايد لدى بعض الشرائح بأن البلد صار مساحة «مفاوضة يومية» على الحقوق والهوية واللغة. هذا ما يفسر لماذا باتت فكرة الرحيل تخرج من إطار «الرمز السياسي» إلى إطار «الخيار الحياتي».

أحد المؤشرات على ذلك هو نشوء خدمات جديدة تُحوّل القلق إلى خطة. في تقرير لمجلة «فوربس» عن شركة ناشئة تساعد الأميركيين على الانتقال، لا يقدّم الأمر بوصفه موجة هروب جماعية، بل بوصفه صناعة تُرشد الناس إلى مسارات قابلة للتطبيق، وتحديداً نحو بعض البلدان الأوروبية، عبر دعم إداري وقانوني وترتيبات معيشية. الفكرة هنا ليست أن الجميع سيغادر، بل أن عدداً متزايداً يريد أن يعرف: ما الذي يمكن فعله واقعياً؟ وما التكلفة؟ وما المسار القانوني؟

وعلى مستوى المزاج العام، جاءت أرقام «غالوب» لتكسر حاجز «الانطباع». الاستطلاع المنشور في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 أظهر أن نحو واحد من كل خمسة أميركيين يقولون إنهم يرغبون في مغادرة الولايات المتحدة بشكل دائم إذا أتيحت الفرصة، وأن الدفعة الأكبر تأتي من النساء الأصغر سناً: 40 في المائة من النساء بين 15 و44 عاماً عبّرن عن رغبة في الانتقال الدائم إلى الخارج، مقابل 19 في المائة من الرجال في الفئة العمرية نفسها، مع مقارنة لافتة بأن النسبة لدى الشابات كانت أقل بكثير قبل عقد. وتنبّه «غالوب» إلى نقطة منهجية حاسمة: الاستطلاع يقيس «الرغبة» لا «الخطة» ولا «التنفيذ»، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن أزمة ثقة عميقة لدى جيل كامل، وعن فجوة جندرية في الرضا عن المسار الأميركي.

هنا يظهر جانب من «الهجرة المعاكسة» لا يحتاج إلى «طائرة»: انسحاب نفسي من فكرة المستقبل الأميركي لدى فئات ترى أن معارك الداخل، على الأمان والحقوق والتعليم، لم تعد هامشية، بل باتت تحدد شكل الحياة اليومية. وهذا الانسحاب النفسي، حتى لو لم يتحول إلى انتقال فعلي لدى الأغلبية، يترك أثراً سياسياً واقتصادياً طويل المدى: من أين يخطط الناس لبناء حياتهم؟ وأين يريدون تربية أطفالهم؟ وأي مجتمع يثقون به؟

مارة يعبرون الطريق في تايمز سكوير بمدينة نيويورك (شاترستوك)

الأرقام الصلبة عن أميركا

حين تُذكر «الهجرة المعاكسة» في النقاش العام، يسهل الانزلاق إلى صورة درامية: أميركيون يرحلون بالملايين. لكن ما تقوله البيانات الأحدث هو أن القصة الديمغرافية الأهم في 2025–2026 ترتبط بانخفاض الهجرة إلى الولايات المتحدة، وتراجع صافي الهجرة الدولية بصورة حادة مقارنة بالعام السابق.

في يناير (كانون الثاني) 2026، نشر مكتب الإحصاء الأميركي تدوينة تحليلية عن تقديرات السكان تُظهر أن صافي الهجرة الدولية بلغ ذروة عند 2.7 مليون في 2024 ثم انخفض إلى 1.3 مليون في 2025، مع توقعات بأن يتراجع أكثر إذا استمرت الاتجاهات. ويضيف مكتب الإحصاء نقطة قد تُستخدم في غير محلها: الانخفاض الكبير نتج من تراجع الهجرة إلى الداخل وارتفاع الهجرة إلى الخارج معاً، لكن ذلك لا يعني تلقائياً «هروب مواطنين» بقدر ما يعكس تغيّرات أوسع في تدفقات السكان، بما فيها تشدد السياسات وتبدل سلوك الهجرة عموماً.

وفي قراءة أكثر تفصيلاً، تشير ورقة محدثة من معهد «بروكينغز» (يناير 2026) إلى أن صافي الهجرة في 2025 كان على الأرجح قريباً من الصفر أو سلبياً للمرة الأولى منذ نصف قرن على الأقل، ضمن نطاق تقديري بين 295 ألفاً و10 آلاف، مع توقعات بأن يبقى ضعيفاً في 2026. الورقة نفسها تعترف بتزايد عدم اليقين بسبب تراجع الشفافية في بعض البيانات، لكنها تؤكد الاتجاه العام: التغيير الأكبر هو في ميزان الداخلين والخارجين ككل، لا في «رحيل الأميركيين» وحده.

أهمية هذا التفصيل أن «الهجرة المعاكسة» تُطرح أحياناً كدليل على تراجع جاذبية أميركا، بينما الأثر الاقتصادي المباشر لتراجع صافي الهجرة يظهر غالباً عبر قنوات أخرى: نقص اليد العاملة في قطاعات محددة، وتباطؤ في نمو السكان في ولايات كبرى، وضغط على النمو والاستهلاك. وفي تحليل نشرته مؤسسة «بارونز» استناداً إلى نمذجة اقتصادية، أشار إلى أن تباطؤ نمو السكان بين 2024 و2025 يمكن أن يرتبط بخسائر اقتصادية كبيرة، مع ربط واضح بين التراجع الحاد في صافي الهجرة الدولية وبين خسارة وظائف وعائدات اقتصادية، حتى مع وجود نقاش بين الباحثين حول حجم الأثر النهائي.

بهذا المعنى، فإن العام الأول من الولاية الثانية لا يمكن اختزاله في «الناس تغادر»، بل في «أميركا تقلل الداخلين»، وهو تحوّل يغيّر تركيبة سوق العمل والجامعات والابتكار، ويعيد رسم علاقة الولايات المتحدة بالعالم ليس فقط عبر التجارة والأمن، بل عبر البشر أنفسهم.

متظاهرون ضد «أيس» بمدينة روتشستر في ولاية نيويورك (غيتي)

الجامعات العريقة في خط النار

إذا كان ملف الضرائب والأمان المجتمعي يُغذي رغبة الرحيل لدى العائلات والأفراد، فإن ملف الجامعات يفتح باباً مختلفاً: باب «هجرة العقول» وتآكل القوة الناعمة. فمنذ الاحتجاجات الواسعة في الجامعات الأميركية على خلفية حرب غزة، اتخذت المواجهة بين الإدارة الفيدرالية وبعض المؤسسات الأكاديمية الكبرى طابعاً أكثر خشونة، امتزج فيه الأمن الجامعي بالتمويل الفيدرالي وبالتحقيقات وبالخطاب السياسي حول «معاداة السامية» وحدود الاحتجاج.

في مارس (آذار) 2025، حذّر المجلس الأميركي للتعليم من قرار إلغاء 400 مليون دولار من منح وعقود فيدرالية لجامعة كولومبيا، واعتبرته سابقة خطرة تقوض الأبحاث وتلتف على العمليات القانونية المعتادة، في إشارة إلى أن التمويل بات يُستخدم كأداة ضغط سياسية يمكن أن تمتد آثارها إلى مجالات علمية وطبية لا علاقة مباشرة لها بالسجال السياسي.

ثم جاء يوليو (تموز) 2025 ليؤكد أن نموذج «العصا والجزرة» ليس نظرياً، حين توصلت جامعة كولومبيا إلى اتفاق مع الحكومة لإعادة التمويل البحثي، تضمن دفع أكثر من 220 مليون دولار، بينما قالت «رويترز» إن البيت الأبيض رأى في الاتفاق نموذجاً يمكن تكراره، في حين حذّر منتقدون من أن ذلك قد يفتح الباب لتدخلات أوسع في الحوكمة الجامعية.

أهمية هذه المعركة في سياق «الهجرة المعاكسة» أنها تمس أحد أعمدة الجاذبية الأميركية التاريخية: الجامعة بوصفها مصنعاً للنخب العالمية وحاضنة للبحث والابتكار. حين تتحول الجامعة إلى ساحة صدام مالي - سياسي، وحين يشعر الأكاديمي أو الطالب أن الحرم الجامعي بات تحت ضغط دائم، يرتفع احتمال التفكير في بيئات أخرى أقل تقلباً، حتى لو لم تكن أكثر بريقاً. وفي حالات كثيرة، لا تكون النتيجة «هجرة فورية»، بل تراجع تدريجي في قدرة الولايات المتحدة على اجتذاب أفضل الباحثين والطلاب الأجانب، وهو ما يلتقي مع ملف التأشيرات والتنافس التكنولوجي.

والأمر لا يقف عند كولومبيا. هذا الشهر رفعت وزارة العدل الأميركية دعوى ضد جامعة «هارفارد» تتهمها بعدم الامتثال لتحقيق فيدرالي بشأن سجلات القبول. وتقول الوزارة إن الدعوى تهدف إلى إجبار الجامعة على تسليم وثائق تتعلق بأي اعتبار للعرق في القبول، من دون اتهامها بتمييز فعلي. وحظيت القضية بتغطية إعلامية واسعة، ما يعكس اتساع نطاق المواجهة إلى ملفات القبول والحوكمة وسياسات التنوع، بالتوازي مع ملفات الاحتجاجات.

هنا يتشكل لدى جزء من الرأي العام الأكاديمي شعور بأن «المعركة» لم تعد حادثاً مرتبطاً بغزة وحدها، بل جزءاً من مواجهة أوسع مع المؤسسات التي تُوصف تقليدياً بأنها «نخبوية». وفي مثل هذه الأجواء، يصبح التفكير في الانتقال أو على الأقل في «تدويل» المسار المهني خياراً عقلانياً لدى بعض الأكاديميين، لا لأن أميركا فقدت ميزاتها العلمية، بل لأن تكلفة عدم اليقين ارتفعت، ولأن السياسة دخلت بحدة إلى التمويل والقبول والحوكمة.

تلامذة ترافقهم الشرطة لدخول مدرستهم بعد حادثة إطلاق نار أودت بحياة زملائهم في ولاية كاليفورنيا (أ.ب)

أوروبا تلتقط حرب التنافس مع الصين

الخط الأكثر حساسية في قصة «الهجرة المعاكسة» لا يتعلق بمن يغادر من الأميركيين، بل بمن لا يأتي إلى الولايات المتحدة، خصوصاً في مجال التعليم العالي والتكنولوجيا. فالتنافس التكنولوجي مع الصين لا يدور حول المصانع وحدها، بل حول المختبرات، والمهارات، والطلاب، والباحثين. وفي هذا السياق، يصبح ملف الطلاب الأجانب جزءاً من «حرب مواهب» عالمية، حيث تسعى الدول إلى اجتذاب العقول أو منع خصومها من الوصول إلى المعرفة.

على مستوى البيانات، أظهر تقرير معهد التعليم الدولي أن إجمالي الطلاب الدوليين في الولايات المتحدة تراجع 1 في المائة في العام الأكاديمي 2025-2026، لكن الأهم كان في «النبض المستقبلي»: انخفاض بنسبة 17 في المائة في أعداد الطلاب الدوليين الجدد. كما قالت غالبية كبيرة من المؤسسات المشاركة إن مخاوف التأشيرات كانت العائق الأول أمام الطلاب. هذه الأرقام لا تعني انهياراً فورياً، لكنها تضيء على اتجاه قد يصبح مؤلماً إذا استمر؛ لأن «الجدد» هم من يحددون ما سيكون عليه الحضور الدولي بعد سنتين أو ثلاث.

مسافر ينتظر القطار في مدينة نيويورك (أ.ف.ب)

في الوقت نفسه، اتخذت واشنطن خطوات أكثر صرامة تجاه الطلاب الصينيين. في مايو (أيار) 2025، قالت الخارجية الأميركية إنها ستعمل على «إلغاء التأشيرات بشكل هجومي» لفئات من الطلاب الصينيين، خصوصاً من لديهم صلات بالحزب الشيوعي أو يدرسون في «مجالات حرجة»، مع تشديد التدقيق على طلبات مستقبلية. وغطّت تقارير إعلامية هذه السياسة في سياق تحذير من «استغلال» الجامعات وسرقة أبحاث، بينما أشارت أخرى إلى أن الخطوة أثارت قلقاً واسعاً في الجامعات وبين الطلاب، في وقت تعتمد فيه مؤسسات كثيرة على الرسوم التي يدفعها طلاب دوليون.

هنا تتشابك خيوط القصة: تشدد التأشيرات والتنافس مع الصين يقللان من تدفق طلاب وباحثين، ومعارك الإدارة مع الجامعات على خلفية احتجاجات غزة تزيد شعور عدم اليقين داخل الحرم، فتجد دول أخرى فرصة لتقديم نفسها كبدائل «أهدأ» أو «أوضح قواعد». وليس صدفة أن تبرز وجهات أوروبية بعينها كهولندا وبريطانيا والبرتغال في خطاب الانتقال الأميركي، لا سيما أن بعضها يجمع بين جودة حياة وإمكانية قانونية قابلة للتطبيق.

في هولندا مثلاً، نقلت تقارير إعلامية محلية، استناداً إلى بيانات دائرة الهجرة، أن نحو 7 آلاف أميركي تقدموا خلال 2025 بطلبات تتعلق بتصاريح عمل أو دراسة أو لمّ شمل، وهو أعلى مستوى منذ عقد على الأقل، مع ارتفاع لافت في استخدام مسار «معاهدة الصداقة الهولندية - الأميركية» الذي يتيح للأميركي تأسيس نشاط تجاري برأسمال متواضع نسبياً. هذه ليست أرقاماً ضخمة قياساً بحجم الولايات المتحدة، لكنها كافية لإظهار أن «الخطة ب» تتحول إلى سلوك عند شريحة محددة قادرة على الحركة.

وفي المملكة المتحدة، لا يظهر المؤشر في سجلات الهجرة فقط، بل في سوق العقار. شركة «رايت موف» البريطانية قالت إن الاستفسارات من الولايات المتحدة حول منازل معروضة للبيع في بريطانيا ارتفعت 19 في المائة عن العام السابق، وهو أعلى مستوى منذ 2017، مع ملاحظة أن جزءاً كبيراً من الطلب يتركز على وحدات صغيرة، بما يوحي بأن الأمر غالباً استثمار أو منزل ثانٍ أكثر من كونه انتقالاً نهائياً لعائلات كبيرة.

أما البرتغال، فتبقى جذابة كنموذج «جودة حياة» وتكاليف أدنى نسبياً لبعض الفئات. لكنّها تقدم في الوقت نفسه درساً على أن أوروبا ليست بوفيهاً مفتوحاً. ونقلت وكالة «رويترز» في يونيو (حزيران) 2025 أن الحكومة البرتغالية اتجهت إلى تشديد قواعد التجنيس ولمّ الشمل ورفع مدة الإقامة المطلوبة لمعظم الأجانب قبل طلب الجنسية، تحت ضغط سياسي داخلي متصاعد حول الهجرة؛ أي أن من يراهن على استقرار طويل الأمد يجد أن القواعد يمكن أن تتغير بسرعة، وأن «الوجهة» ليست وعداً ثابتاً.

أحد المحاربين القدامى يحمل لافتة كُتب عليها «المهاجرون يجعلوننا عظماء» رداً على إجراءات «أيس» في البلاد (رويترز)

ما الواقعي وما المبالغ؟

بهذا المعنى، لا تعني الوجهات الأوروبية أن أميركا فقدت هيمنتها. العكس: كثير من حركة «الهجرة المعاكسة» لدى الأثرياء والمهنيين تعكس منطق إدارة المخاطر داخل اقتصاد عالمي تقوده الولايات المتحدة. فالأميركي الذي يشتري منزلاً في لندن أو يفتح باب إقامة في أمستردام لا يقطع علاقته بالهيمنة الأميركية، بل يستخدم مزاياها: الدخل، ورأس المال، والعمل عن بعد، لبناء خيار إضافي خارج المجال السياسي الداخلي. إنها مفارقة «الهيمنة»: القوة التي تمنح فرصاً هائلة هي نفسها التي تجعل السياسة داخلها أكثر صخباً وتأثيراً في حياة الفرد، فتدفع بعضه إلى توزيع حياته على أكثر من جغرافيا.

في النهاية، تبدو «الهجرة المعاكسة» أقل اتساعاً مما يوحي به ضجيجها، لكنها أكثر دلالة مما يريد البعض الاعتراف به. ليست موجة نزوح جماعي، بل تيار نوعي يقوم على ثلاث طبقات: رغبة متزايدة في الرحيل لدى فئات محددة، وخطوات عملية لبناء مخارج قانونية ومالية، وتحوّل ديمغرافي أكبر يتمثل في تراجع الداخلين إلى الولايات المتحدة. وبين هذه الطبقات تتشكل صورة بلد يزداد نفوذاً في الخارج، لكنه يخوض في الداخل معارك متزامنة على الهوية والأمان والمعرفة، وهي معارك تكفي وحدها لإنتاج سؤال الرحيل، حتى إن بقي، في معظم الأحيان، «خطة ب» أكثر منه قراراً نهائياً.


حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.

*صحافي وأكاديمي لبناني