في العهد السعودي... استتب الأمن فتضاعف الحجاج وازدحم المسجد الحرام

الملك عبد العزيز شكّل لجنة لمتطلبات الحرم المكي وأمر بإنشاء مصنع لكسوة الكعبة

الملك عبد العزيز يلقي كلمة في حفل استقبال وفود الحج في 10 - 12 - 1357هـ الموافق 1938م وبجانبه الملك سلمان بن عبد العزيز حينما كان طفلاً
الملك عبد العزيز يلقي كلمة في حفل استقبال وفود الحج في 10 - 12 - 1357هـ الموافق 1938م وبجانبه الملك سلمان بن عبد العزيز حينما كان طفلاً
TT

في العهد السعودي... استتب الأمن فتضاعف الحجاج وازدحم المسجد الحرام

الملك عبد العزيز يلقي كلمة في حفل استقبال وفود الحج في 10 - 12 - 1357هـ الموافق 1938م وبجانبه الملك سلمان بن عبد العزيز حينما كان طفلاً
الملك عبد العزيز يلقي كلمة في حفل استقبال وفود الحج في 10 - 12 - 1357هـ الموافق 1938م وبجانبه الملك سلمان بن عبد العزيز حينما كان طفلاً

فور ضم المؤسس الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن - رحمه الله - مكة المكرمة في العام 1343هـ -1924م، إلى حكمه جعل خدمة المسجد الحرام على رأس أولوياته، وأكد اهتمامه «بأقدس بلاد الله، مسطع النور، ومهبط الوحي، ومنشأ الهدى»، كما شرع في عمل ما يتطلبه الحرم من إصلاحات وترميمات عاجلة، فتم في العام 1344هـ - 1925م، ترميم عموم المسجد الحرام، وإصلاح كل ما يقتضي إصلاحه، ومن ذلك: ترميم جدران المسجد وأرضه وأعمدته، وإصلاح المماشي وحاشية المطاف، وطلاء مقام إبراهيم، وإصلاح الأبواب وصيانة القباب وغيرها من الأعمال. وفي العام 1345هـ - 1927م زاد عدد الحجاج زيادة كبيرة بسبب استتباب الأمن واستقرار الأوضاع.

الملك عبد العزيز ممتطياً جواده أثناء خروجه من المسجد الحرام بعد نحو شهرين من ضم مكة المكرمة تحت رايته وذلك عام 1343هـ - 1924م التقطها المصور شفيق محمود بشرف وتعدّ من نوادر الصور

نصب الخيام والسرادقات لاستيعاب الحجاج

وبسبب زيادة عدد الحجاج ازدحم المسجد الحرام بالمصلين؛ مما أدى إلى عدم استيعاب الأروقة تلك الأعداد الكبيرة، خصوصاً في أوقات النهار، فأمر الملك عبد العزيز بنصب الخيام والسرادقات والصواوين في حصاوي المسجد الحرام التي تلي المطاف ليستظل بها المصلون وحجاج بيت الله الحرام، فاستوعبت أكثر من عشرة آلاف حاج، وكانت حلولاً مؤقتة لضيق الوقت ودخول موسم الحج، كما أمر برصف المسعى وكان شارعاً خارج المسجد الحرام، وتم رصفه ولأول مرة في تاريخه بالحجر الصوان المربع، وتؤكد المصادر أنه كان أول شارع يرصف في مكة على الإطلاق. كما شكّل إدارة خاصة بمسمى مجلس إدارة الحرم للقيام بإدارة شؤون المسجد الحرام والإشراف على خدماته.

العهد السعودي والاهتمام بالمسجد الحرام

صدرت أوامر الملك عبد العزيز عام 1346هـ - 1927م بإجراء عمارة عموم المسجد الحرام داخلياً وخارجياً على نفقته الخاصة، حيث رُممت أرضيات الأروقة من جهاته الأربع مع زيادتي «دار الندوة» و«باب إبراهيم»، ورسم أيضاً بلاط أبواب المسجد الحرام وجدرانه داخلياً وخارجياً، وكذلك الدَّرَج المؤدية إلى أبواب المسجد الحرام، ونُظفت قباب الأروقة باطناً وظاهراً، كما طُليت العقود والأعمدة، وصُبغت بألوان مختلفة بحسب ألوانها الأصلية التي تناسب الحجر الشميسي الذي بُنيت منه، والذي له ألوان مختلفة، منها الأسود والأصفر البرتقالي والأحمر العنابي والرمادي، كما تم تنظيف الأعمدة الرخام وإزالة ما علق فيها من غبار وأتربة حتى عادت إلى لونها الأصلي الناصع البياض، كما رُمّم أسفل جدران المسجد الحرام والأعمدة المبنية بالحجر الصوان وأبواب المسجد الحرام وبطون القبب والطواجن بالرخام الأبيض المائل للون الأزرق بعد أن أضيفت إليه زهرة النيل الزرقاء ليزداد رونقاً وجمالاً، واستمر العمل في ترميم وإصلاح المسجد الحرام عاماً كاملاً، وصُرف على هذه الإصلاحات ما يقارب (2000 جنيه ذهب) تبرع بها الملك عبد العزيز. كما أمر بعمل مظلات ثابتة على دائرة الحصوة مما يلي الأروقة من الجهات الأربع ليستظل تحتها المصلون ولتكون بديلاً للخيام، وجدد سبيل زمزم القديم، وأمر أن يُعمل سبيلان جديدان لسقيا قاصدي المسجد الحرام.

دار خاصة لصناعة كسوة الكعبة

صورة تبين كسوة الكعبة في عهد الملك عبد العزيز

وفي عام 1346هـ -1928م أمر الملك عبد العزيز بإنشاء دار خاصة لصناعة كسوة الكعبة في حي أجياد، حيث كانت كسوة الكعبة تأتي من مصر لقرون عدة في العصرين المملوكي والعثماني، واستمر ذلك حتى دخلت مكة في حكم الملك عبد العزيز عام 1343هـ -1925م، ولتأخر وصول الكسوة في تلك السنة بسبب الأوضاع السياسية، أمر الملك عبد العزيز بصناعة كسوة الكعبة في الأحساء، ولم تكن تلك المرة الأولى التي تُكسى فيها الكعبة من الأحساء؛ ففي عهد الإمام سعود بن عبد العزيز في الدولة السعودية الأولى كانت كسوة الكعبة تصنع في الأحساء، وفي عام 1347هـ - 1929م أمر بإضاءة عموم المسجد الحرام بالكهرباء وزيادة عدد مصابيحه حتى بلغت ألف مصباح كهربائي.

الملك عبد العزيز يلقي كلمة في حفل استقبال وفود الحج في 10 - 12 - 1357هـ الموافق 1938م وبجانبه الملك سلمان بن عبد العزيز حينما كان طفلاً

لجنة لعمارة وإصلاح المسجد الحرام

في عام 1354هـ - 1935م أصدر الملك عبد العزيز أوامره بتشكيل لجنة برئاسة الشيخ عبد الله بن عبد القادر الشيبي، نائب رئيس مجلس الشورى، وعَهِد إلى هذه اللجنة إجراء الكشف المستمر على عموم ما يلزم المسجد الحرام من عمارة وإصلاح وحصر ما يتطلبه ذلك، وبعد إجراء الكشف اللازم قررت اللجنة ما يلي:

أولاً: إصلاح الأرضية المفروشة بالحجر الصوّان الواقعة حول صحن المطاف وداخل الحصاوي والمماشي، ورصفها من جديد رصفاً جيداً متقناً باستخدام الإسمنت والنورة والحصحاص.

ثانياً: إصلاح أرضية أروقة المسجد الحرام، وتجديد الطبطاب القديم وحشو الفراغات بالنورة بصفة متقنة.

ثالثاً: إزالة الجص الموجود على جميع جدران المسجد الحرام وإصلاحها بالإسمنت والنورة لمنع تسرب الرطوبة، وكذلك إصلاح العقد الموالي لباب الصفا.

رابعاً: ترخيم عموم المسجد الحرام من داخله وخارجه والأبواب، وبيت زمزم، وترميم الشقوق الموجودة في بعض قباب المسجد الحرام .

خامساً: تجديد الأصبغة الموجودة بعموم أبواب المسجد الحرام، بما فيها الجدار الواقع خارج المسجد من باب بازان إلى باب العباس، وتحديد الأصبغة التي بداخل أروقة المسجد الحرام مع الأعمدة المثمنة المبنية بالحجر الشميسي كما كانت عليه في السابق بالألوان المختلفة، الأحمر العنابي، والأسود، والأصفر، والبرتقالي، والرمادي.

سادساً: إصلاح عموم أبواب المسجد الحرام بالخشب الجاوي القوي، وصبغ واجهة هذه الأبواب بالأصباغ المناسبة، وقدّر لذلك مبلغ (12483 ريالاً عربياً سعودياً)، وعرض هذا الأمر على الملك عبد العزيز، الذي أصدر موافقته على إجراء هذا التعمير، وتبرع بنصف المبلغ المقدر لهذه الإصلاحات والترميمات، والنصف الآخر قامت مديرية الأوقاف بصرفه من صندوقها. وشدّد الملك عبد العزيز على أن يكون مباشرة العمل سريعة وتحت مراقبة وإشراف اللجنة المتقدم ذكرها. واستمرت عناية الملك عبد العزيز بعمارة وخدمة المسجد الحرام؛ ففي عام 1363هـ - 1944م أمر بصناعة باب جديد للكعبة المشرفة بدلاً من بابها القديم، وكلف بصنعه شيخ الصاغة في مكة محمود يوسف بدر، وتم تركيبه في 15 ذي الحجة 1366هـ - 31 أكتوبر (تشرين الأول) 1947م، وفي العام نفسه تم استكمال بناء سقيفة المسعى وتجديد الجزء القديم منها.

كما تم تركيب مكبرات الصوت لأول مرة في المسجد الحرام يوم الجمعة 17 ذي الحجة 1366هـ – 31 أكتوبر 1947م.

صورة التقت عام 1930م تبين اكتظاظ المصلين والحجاج في المسجد الحرام بعد استتباب الأمن في عهد الملك عبد العزيز (غيتي)

عودة التوسعات للمسجد الحرام بعد توقف ألف عام

وفي عام 1368هـ - 1949م، صدر بيان عن عزم الملك عبدالعزيز توسعة الحرمين الشريفين بدءاً بالمسجد النبوي في المدينة المنورة، وتم البدء في توسعة المسجد النبوي في شهر شوال عام 1370هـ – يوليو (تموز) 1951م، وكلف المدير العام للعمائر والإنشاءات الحكومية محمد بن لادن، التنفيذ. وذكر الدكتور بدر كريم أن المعلم محمد بن لادن قال له في مقابلة إذاعية لاحقة: «إن الملك عبد العزيز كلفه أن يبدأ في وضع التصاميم اللازمة لتوسعة المسجد الحرام».

لقد كانت توسعة الحرمين وبناؤهما بالشكل الذي يعكس مكانتهما والطراز الذي يمثل هويتهما ويلائم ما يتطلع إليه قاصدوهما، وما يشعر به المسلمون تجاههما، أحد الأماني العظيمة للملك المؤسس - رحمه الله -، والتي حققها أبناؤه الملوك من بعده.

أول هيئة فنية وهندسية لتصاميم الحرم

ويذكر الدكتور منصور الدعجاني في دراسته التاريخية المعنونة «أروقة المسجد الحرام بمكة المكرمة»، أنه تم تكوين هيئة فنية وهندسية لعمل التصاميم والمخططات اللازمة لهذا المشروع الإسلامي العملاق قبل البدء في التوسعة؛ وذلك لما رأه الملك عبد العزيز من تزايد أعداد الحجاج عاماً بعد آخر، بسبب استتباب الأمن في العهد السعودي وتطور وسائل النقل مما سهل السفر، وتحسن الظروف الاجتماعية والاقتصادية، واستقلال بعض الدول الإسلامية، كل هذه الأسباب وغيرها أسهمت في مضاعفة عدد الحجاج القادمين من الخارج أربعة أضعاف في غضون عشرين عاماً، واستمرت في الازدياد، حيث بلغت في عام 1370ه – 1951م نحو 100 ألف حاج، ووصلت إلى أكثر من 200 ألف حاج في عام 1374ه – 1955م، هذا عدا حجاج الداخل. كما أن المنازل والأسواق كانت قد أحاطت بالمسجد وفصلت بينه وبين المسعى الذي كان طريقاً ضيقة تقوم على جانبيها الدُّور والمحال التجارية، إضافة إلى وجود عدد من الأبنية التي تعيق الحركة داخل صحن المطاف، وهي مباني المقامات الحنفي والحنبلي والمالكي، ومبنى المقام الشافعي وبئر زمزم ومظلة المؤذنين، ومبنى مقام إبراهيم، وعقد باب بني شيبة، والمنبر، وكان المسجد الذي لا تتجاوز طاقته القصوى 50 ألف مصلٍ، يزدحم بالمصلين خاصة في مواسم الحج؛ الأمر الذي يتطلب توسعته لاستيعاب تلك الأعداد الكبيرة من قاصديه.

ويضيف الدعجاني: شرع الفنيون والمهندسون في عمل الدراسات والمخططات اللازمة لذلك، وبُدئ في تحديد المساحات التي سيقام عليها المشروع، وأعداد الدور والمتاجر التي تحتاج إلى إزالة لصالح المشروع، وتقدير التكاليف والتي تشمل نزع الملكية والبناء، وبينما كانت هذه الأعمال تجري وافت المنية الملك عبد العزيز قبل الشروع في التوسعة، حيث توفي - رحمه الله - في الطائف في اليوم الثاني من شهر ربيع الأول 1373هـ - الموافق التاسع من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1953م.

الملك عبد العزيز مؤدياً فريضة الحج يرافقه ولي عهده (الأمير) الملك سعود وذلك في حج عام 1353هـ - 1935م

الملك سعود ومتابعة مشروع توسعة المسجد الحرام

وفي بداية عهد الملك سعود، أنهت اللجان الفنية والهندسية الدراسات والمخططات والتصاميم الأولية لمشروع توسعة المسجد الحرام، وتم حصر العقارات التي سيتم نزع ملكيتها لصالح المشروع، وصدر بيان رسمي يعلن البدء في مشروع التوسعة في شهر محرم 1375ه - أغسطس (آب) 1955م، وأصدر الملك سعود أمراً بتشكيل لجنة عليا للإشراف على المشروع، برئاسة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء وقتذاك (الأمير) الملك فيصل، يتبعها لجنة لمراقبة التنفيذ ولجنة لتثمين العقارات. وأنشئ مكتب بمسمى مكتب «مشروع صاحب الجلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود لتوسعة المسجد الحرام وتجديد عمارته» للإشراف على التنفيذ والتنسيق ومتابعة الأعمال المرتبطة بالمشروع، وكان من أهداف التوسعة السعودية التالي:

1- رفع الطاقة الاستيعابية للمطاف بإزالة المباني الموجودة في صحن المطاف.

2- رفع الطاقة الاستيعابية للمصلين بزيادة المساحات التي تؤدى فيها الصلاة.

3- رفع الطاقة الاستيعابية للمسعى ببنائه ودمجه ضمن مباني المسجد الحرام.

4- تحسين الأحوال لتأدية شعائر الطواف والسعي والصلاة بيسر وسلامة.

5- وضع الحلول الجذرية لمعالجة الأخطار التي كانت تهدد سلامة المسجد وقاصديه كالحرائق والسيول من خلال: استخدام مواد البناء غير القابلة للاشتعال وأنظمة مكافحة الحريق، وعمل مجاري تصريف السيول.

6- توفير الخدمات المتكاملة من طرق وميادين لتسهيل الوصول إلى المسجد، إضافة إلى توفير المياه والصرف والتهوية والإنارة ودورات المياه لراحة قاصديه.

رؤية شاملة لمشروع التوسعة العاشرة

منذ بدايات «مشروع جلالة الملك عبد العزيز لتوسعة المسجد الحرام وتجديد عمارته» كانت هناك رؤية شاملة لكل ما يتعلق بالمشروع من النواحي التخطيطية والفنية والهندسية ومراعاة للهوية العمرانية والجوانب الصحية والأمنية والسلامة، وإذا أدركنا أن المساجد التي أسست خارج الجزيرة العربية في العراق والشام ومصر وغيرها كانت قد بُنيت وفق نموذج بناء الحرمين الشريفين (الأروقة والفناء المكشوف) كما يشير إلى ذلك الدكتور حسن الباشا في دراسته «أثر عمارة عثمان بن عفان في المسجد الحرام في تخطيط المساجد وفي العمارة الإسلامية»، ومؤسس نظام الأروقة في المساجد وفق النموذج المكي هو الخليفة عثمان بن عفان - رضي الله عنه -؛ خلصنا إلى أننا أمام عمارة عربية مكية متفردة ليست بعيدة عن معمار «دار الندوة» التي توحي المعلومات المتعلقة بها أنها تقوم على الأروقة كما أورد ذلك الدكتور يحيى بن جنيد في بحثه المعنون «جدلية الرواق: أزمنة العمارة المكية للمسجد الحرام». وفي تقديري أن هناك جانبين لم يستوفيا حقهما من البحث والتوثيق والدراسة في تاريخ الحرمين الشريفين، وهما الجانب العمراني وما يتعلق بأثر عمارة المسجد الحرام والمسجد النبوي في العمارة الإسلامية، والجانب التعليمي كون الحرمين الشريفين أقدم الجامعات الإسلامية، ولعلني أعود في بحث مستقل إلى هذين الجانبين. أما ما يتعلق بفرادة تصميم عمارة المسجد الحرام وأصلها المكي والرؤية السعودية حول ذلك، فيشير تقرير توثيقي عن مشروع التوسعة السعودية الأولى أصدرته وزارة المالية والاقتصاد الوطني (الجهة المشرفة على المشروع) وأعدّه اتحاد المهندسين الاستشاريين في باكستان (استشاري المشروع)، وأنقل بعض ما جاء فيه هنا بتصرف، إلى أن «فرادة الأسلوب المعماري الذي تم إنجازه في التوسعة السعودية وتميز طابعه من حيث النسق والجمع بين الأساليب الإسلامية المختلفة والطراز التاريخي التليد، فهو على الشكل الذي صُمّم وأنجز به، منعدم النظير في العالم الإسلامي. وكان طبيعياً أن تأتي هذه المهمة الفريدة، مهمة عمارة المسجد الحرام، بطابع فريد. وجدير بنا للمزيد من تفهم هذا الأسلوب الفريد أن نستعرض بإيجاز المظاهر التي يشترك بها مبنى الحرم في التوسعة السعودية الأولى مع المساجد الكبرى في العالم الاسلامي، ثم نوضح بالمقارنة ذلك التناسق الفريد الذي تجلى عنه البناء بطابعه الذي تم عليه».

مخطط للحرم المكي الشريف والمسجد الحرام وذلك في عهد الملك عبد العزيز عام 1931م (غيتي)

التصميم والإبداع المعماري في التوسعة

إن الأروقة ذات الأعمدة في بناء الحرم الجديد تحاكي بوضوح الطراز العربي العريق في بناء المساجد (الذي انطلق من الحرمين الشريفين) إلى المسجد الكبير في الكوفة ومساجد العراق والشام، ثم مساجد مصر وشمال أفريقية والأندلس. ومن حيث الخطة والتصميم، نجد أن الشكل المُثمّن الأضلاع يحاكي قبة الصخرة في القدس، ولكننا لا نلبث هنا حتى ندرك الفرق الشاسع بين بنيان الحرم المكي والمساجد الأخرى، نجد أول ما نجد أن جميع المساجد يتوخى في بنائها توجيه المؤمنين في صلاتهم نحو مكة المكرمة والكعبة المشرّفة؛ وبذا ينصبّ تصميمها على شكل هندسي قائم الزوايا، قياساً على وجهة المحراب. أما الحرم المكي فيستوجب بناؤه الإحاطة بالكعبة المشرفة والدوران حولها من جميع جوانبها. وبذا يكون كل حيز في المبنى منبعثاً من المركز، من الكعبة المشرفة.

إن الشكل المُثمّن في التصميم يسهّل أداء هذه الغاية رمزاً وعملاً. ومع ذلك، فهو يختلف في صورته الثمانية عن كثير من الأبنية المثمنة الشكل، كقبة الصخرة مثلاً، وعن الأبنية المربعة أو المستطيلة الشكل كمسجد الكوفة.

ثم إننا لو أمعنا النظر في الأروقة ذات الأعمدة لوجدناها تختلف عن مثيلاتها من المباني التاريخية؛ ذلك أنها مقسمة أقساماً منفصلة عن بعضها بعضاً، منها ما هو خاص بالصلاة ومنها ما هو خاص بمرور المصلين مما يلطف الشعور بالجزء، الذي يستوعبه الشكل في الأبنية الأخرى، زد إلى ذلك تصميم البناء على طابقين بسقوف عالية مما يوضح الفارق بجلاء، كما أن المآذن السبع التي تعلو جنبات المسجد تفوق في عددها مآذن المساجد الأخرى، فضلاً عما تسبغه من الجلال الذي يتسم به هذا المكان المقدس.

الأروقة التاريخية وترميم الكعبة المشرّفة

والميزة الأخيرة التي أضفت على البنيان حلته الفريدة هي طابعه المتكامل، فاستبقاء «الأروقة التاريخية» التي يرجع عهدها إلى أربعمائة سنة خلت (بُنيت عام 984هـ - 1576م)، وضمها في نسق مع البنيان الجديد إنما هو انجاز معماري يضاهي في تصوره وواقعه أعظم الإنجازات في تاريخ الفن المعماري. وهكذا تجلى الحرم المكي بأسلوبه النهائي وحلته الفريدة عن حس بالأزل لا يعرف الماضي ولا الحاضر ولا المستقبل؛ لأن الباعث من جميع معالمه صادر من الكعبة المشرفة.

لقد مرّ المشروع بمراحل متعددة كما واجه تحديات فنية، وكانت هذه التوسعة التي بدأت في عهد الملك سعود هي العاشرة في تاريخ المسجد الحرام، وهي عمارة لم يشهد الحرم المكي لها مثيلاً وذلك من حيث المساحة، ومواد البناء المستخدمة، والجوانب المعمارية، وفخامة البناء، والإنجاز المحكم. ومر المشروع الذي أُسند تنفيذه إلى مدير الأبنية والإنشاءات المعلم محمد بن لادن بمراحل متعددة؛ إذ كلف بن لادن المهندس المعماري فهمي مؤمن (مصمم مشروع عمارة المسجد النبوي) تصميم مشروع عمارة الحرم المكي، فجاء تصميمه الابتدائي مبنى مستديراً بصفوف دائرية حول الكعبة، وكُلّف المهندس المعماري محمد طاهر الجويني عمل تصميم بديل، وكانت فكرته البديلة أن يجعل المسجد مربع الشكل مع مربعات متمركزة حول الصحن، وكان التصميمان المبدئيان يتضمنان إزالة كامل المباني والأروقة القديمة في الحرم. وتم اعتماد الفكرة البديلة وبدأ التنفيذ على ذلك الأساس. وضع الملك سعود حجر الأساس للتوسعة السعودية الأولى للمسجد الحرام يوم الخميس 23 شعبان 1375ه – 24 مارس (آذار) 1956م، وكان العمل قد بدأ في النصف الخارجي من المبنى الجديد وتركت العمارة القديمة لتأدية الصلوات فيها ريثما يتم الانتهاء من المبنى الجديد وشملت المرحلة الأولى (1375ه - 1955م إلى 1381ه - 1961م) إزالة المباني المحيطة بالحرم من الجهة الجنوبية، وتحويل الطرق والشوارع، والبدء في بناء الأروقة الجنوبية بأدوارها المتعددة (القبو والدور الأرضي والدور الأول)، كما شملت جميع أعمال الخرسانة في المسعى، ومجرى السيل المغطى، وباب الملك عبد العزيز، وباب العمرة، كما تم تشطيب أماكن مختلفة من تلك المباني، وتركيب الأبواب والشبابيك وتوسعة المطاف، وذلك بإزالة مباني المقامات الحنفي والحنبلي والمالكي، مع الإبقاء على المقام الشافعي لكونه فوق بيت بئر زمزم، والذي أزيل في عام 1383هـ - 1963م، وتم عمل قبو لبئر زمزم في الجهة الشرقية من المطاف، كما تم خلال هذه المرحلة وفي العام 1377ه – 1958م ترميم الكعبة المشرفة، وشمل ذلك إزالة أخشاب السقف العلوي وإعادة بنائه، وتجديد السقف الخشبي الداخلي، وترميم الجدران الداخلية وإصلاح رخامها.

* غداً في الحلقة الثالثة... لماذا رفض الملك فيصل مقترح الهيئة الإستشارية الهندسية الإسلامية العالمية بهدم الأروقة، وما هو القرار التاريخي الذي أصدره وأصبح تحدياً أمام المهندسين.


مقالات ذات صلة

«رشقات» إيران وإسرائيل أغلقت الممرات الجوية السورية وأربكت عودة الحجاج

المشرق العربي مزارعان سوريان بجانب صاروخ إيراني سقط بأرض زراعية في نجها بريف دمشق بعد أن اعترضته أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية يوم 8 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

«رشقات» إيران وإسرائيل أغلقت الممرات الجوية السورية وأربكت عودة الحجاج

أعلنت إدارة الحج والعمرة بوزارة الأوقاف السورية إعادة جدولة رحلتين مخصصتين لعودة الحجاج، الاثنين، وتحديد وجهتهما إلى «مطار الملكة علياء الدولي» في الأردن...

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
الخليج تتيح البوابات الإلكترونية في المطارات إنهاء إجراءات مغادرة ضيوف الرحمن «ذاتياً» (واس)

السعودية تتيح للحجاج إنهاء إجراءات مغادرتهم لبلدانهم «ذاتياً»

تتيح تقنية البوابات الإلكترونية (E-gates) في المطارات، إنهاء إجراءات مغادرة ضيوف الرحمن «ذاتياً» من خلال مطابقة البيانات الحيوية في ثوانٍ معدودة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان (واس)

خادم الحرمين: الجهود المتميزة أسهمت في نجاح «الحج» رغم ظروف المنطقة

أعرب خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، عن سروره بحرص وتفاني الجميع في نيل شرف خدمة ضيوف الرحمن.

«الشرق الأوسط» (جدة)
خاص حجاج إيرانيون خلال أداء مناسك الحج هذا العام (السفارة الإيرانية) p-circle

خاص عنايتي لـ«الشرق الأوسط»: بدء عودة 30 ألف حاج إيراني من السعودية جواً

قال السفير الإيراني لدى السعودية الدكتور علي رضا عنايتي إن نحو 30 ألف حاج وحاجة من إيران أدوا مناسك الحج هذا العام، وحظوا بحفاوة الاستقبال وكرم الضيافة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الخليج فهد الجلاجل خلال اطمئنانه على صحة أحد الحجاج ضمن جولاته لمتابعة أعمال المستشفيات والمراكز الصحية في المشاعر المقدسة (الصحة السعودية)

إشادة أممية بنجاح السعودية في حماية الصحة العالمية خلال موسم الحج

أشادت منظمات دولية وعالمية، بالجاهزية الصحية المتقدمة التي وفرتها السعودية لضيوف الرحمن خلال أدائهم مناسك الحج ونجاحها الاستثنائي بإدارة أكبر التجمعات البشرية.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)

هل غيّرت مسيّرات «حزب الله» قواعد الاشتباك مع إسرائيل؟

قذيفة إسرائيلية مضيئة أطلقها الجيش الإسرائيلي فوق بلدة أرنون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
قذيفة إسرائيلية مضيئة أطلقها الجيش الإسرائيلي فوق بلدة أرنون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

هل غيّرت مسيّرات «حزب الله» قواعد الاشتباك مع إسرائيل؟

قذيفة إسرائيلية مضيئة أطلقها الجيش الإسرائيلي فوق بلدة أرنون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
قذيفة إسرائيلية مضيئة أطلقها الجيش الإسرائيلي فوق بلدة أرنون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

حطمت «حرب الإسناد» التي خاضها «حزب الله» اللبناني دعماً لحركة «حماس»، أواخر عام 2023، نظرية «الردع» التي تمسك بها الحزب المدعوم من إيران لنحو عقدين من الزمن، وروّج لها في مواجهة عدوه التقليدي، إسرائيل، التي ساهمت بدورها في بناء هذه «الفرضية» التي ثبت في العام التالي أنها كانت خاطئة تماماً، ثم أتت الجولة الجديدة من الحرب في عام 2026، بمثابة الفرصة للطرفين لتثبيت قواعد جديدة للحرب.

إسرائيل... هدوء ومكر

لم تندفع الدولة العبرية إلى الحرب مع «حزب الله» مباشرة، بعد إطلاقه موجة من الهجمات «الاستعراضية»، التي بدأت بصواريخ استهدفت أطراف مواقع جيشها في مزارع شبعا. في المقابل، كانت تأخذ المواجهة نحو بُعد آخر، بهدوء لافت وكثير من المكر. هذا المكر تبدى في مساعٍ دبلوماسية قامت بها تل أبيب عبر واشنطن، لإقناع الحزب بفك المسار اللبناني عن الفلسطيني، حتى إن الموفد الأميركي، آموس هوكستين، بادر قادة لبنانيين، في يوليو (تموز) 2024، بالقول إنه مستعد لأن يمنح أمين عام الحزب، حسن نصر الله، انتصاراً، إذا ما أوقف الحزب عملياته.

رفض نصر الله العرض الأميركي فوراً.

قال لمن أبلغوه به إن المطلوب أولاً وقف الحرب في غزة، وبعدها... لكل حادث حديث.

صورة تجمع نصر الله وصفي الدين في المدينة الرياضية ببيروت خلال تشييعهما في شهر فبراير الماضي (رويترز)

لم يكن هذا الخطأ الأول في التقدير من قبل الحزب؛ فمعالم الحرب الجديدة التي تدور في قرى الحدود اللبنانية سريعاً ما كشفت تفوقاً تكنولوجياً وعسكرياً لصالح إسرائيل. وكان مسؤول كبير في الحزب أفصح عن أن مقاتليه في السابق كانوا يطلقون الصاروخ ويجمعون أغراضهم بهدوء بعد إبلاغ القيادة بنجاح الإطلاق، ثم يغادرون الموقع قبل وصول الطائرات الإسرائيلية.

أما في المواجهة الجديدة، فهامش الضربة يتراوح بين 5 و20 ثانية فقط. وبالتالي، يضيف المسؤول أن المقاتلين كانوا يحفرون الأرض ويقفزون فيها فور إطلاق الصاروخ على أمل النجاة، فبات كل إطلاق بمثابة «عملية استشهادية».

لاحقاً، أتت الإشارة التالية على التفوق الإسرائيلي بشكل أوضح؛ فالإسرائيليون نفذوا اغتيالات دقيقة لقيادات الحزب العسكرية، توَّجوها بغارة أطاحت بمعظم قادة «الرضوان»، فرقة النخبة لدى الحزب، قبل أن يقتلوا قائده العسكري، ثم يطلقون الحرب بعملية «البيجر» التي أخرجت الآلاف من عناصر الحزب من الخدمة بكبسة زر، ليغتالوا نصر الله بغارة عنيفة في ضاحية بيروت الجنوبية، ثم يغتالوا خليفته هاشم صفي الدين.

انفجار أجهزة البايجر أدّى إلى تصاعد الحرب (أ.ف.ب)

أدوات القتال

تشير أدوات القتال التي يتبعها الطرفان إلى أنهما استعدَّا لمعركة طويلة، تقوم على حرب استنزاف، ولا تحسم المعركة، بحسب ما تقول مصادر ميدانية؛ فمنذ الأسبوع الأول لاتفاق وقف إطلاق النار، تراجع «حزب الله» عن استخدام الصواريخ، وخفف من كثافة المسيرات الانتحارية التي يطلقها، كما تراجع عن استخدام الصواريخ الموجهة التي غالباً ما كان يطلقها لاستهداف المدرعات والدبابات لسهولة كشف مُطلِقها، وأدخل المحلقات الانقضاضية (FPV)، التي يجري تسييرها وتطييرها على مسافة تتراوح بين 10 و15 كيلومتراً في الجنوب، عبر تقنية الألياف الضوئية التي توصل المسيرة بجهاز التحكم، عبر سلك دقيق مربوط بين قاعدة التحكم مع الرامي وجسم المحلّقة الحامل للقذيفة، وذلك يتخطى التشويش الإلكتروني.

الجيش الإسرائيلي يطلق قذائف موجهة باتجاه جنوب لبنان من موقع بالجليل الأعلى شمال إسرائيل مارس الماضي (أ.ف.ب)

«حزب الله» 2026... «حرب المحلقات»

حاول «حزب الله» استعادة زمام المبادرة في الفصل الجديد من المواجهة الذي اندلع في مارس (آذار) الماضي، بالتحديد في موعد الحرب، لتتزامن مع الحرب على إيران. إسرائيل بعثت برسالة تقول إنها غير معنية بحرب مع لبنان، ما دام الحزب لا يتدخل. طمأن الحزب المسؤولين في بيروت بأنه لن يبادر إلى الحرب، لكنه فاجأ الجميع بصواريخ أُطلِقت باتجاه الشمال الإسرائيلي، لكن رد الفعل الإسرائيلي أتاه عنيفاً وشرساً.

خلافاً للصورة الأولى التي ظهر بها الحزب؛ بإطلاقه ستة صواريخ بدائية، كان في المواجهة التي اندلعت بعدها أكثر تنظيماً وقوة، كاشفاً عن أسرار لم يُبَح بها خلال 15 شهراً من توقف القتال. بلغت عملياته اليومية ضد الإسرائيليين نحو 100 عملية يومياً، كما قدم أسلحة جديدة نوعية إلى ساحة المعركة. استراتيجية القتال على الأرض اختلفت، ولم يعد يعتمد الدفاع الثابت، ولم يحاول إيقاف التقدم الإسرائيلي، بل سعى لإلحاق القدر الأكبر من الأذى بالقوى المتقدمة.

جنديان إسرائيليان يشغلان طائرة مسيرة (الجيش الإسرائيلي)

تراجع الصواريخ وصعود المسيّرات

لم تعد الصواريخ وحدها تختصر مشهد المواجهة الدائرة بين إسرائيل و«حزب الله»؛ فبعد أشهر من القتال المتواصل الذي اندلع في ربيع 2026، برز تحول لافت في طبيعة العمليات العسكرية، تمثل في صعود المسيّرات الهجومية والانتحارية إلى واجهة المعركة، لتصبح أحد أبرز العوامل المؤثرة في مسار العمليات على جانبي الحدود.

فعلى مدى سنوات، ارتبطت صورة «حزب الله» العسكرية بترسانته الصاروخية الكبيرة التي شكَّلت مصدر القلق الرئيسي لإسرائيل. لكن الحرب الحالية أظهرت أن الحزب لم يعد يعتمد حصراً على الصواريخ، بل انتقل إلى توظيف واسع النطاق للمسيّرات بمختلف أنواعها. وبحسب تقديرات إسرائيلية، فإن نسبة كبيرة من الهجمات التي نفذها الحزب خلال الأسابيع الأخيرة اعتمدت على المسيّرات الهجومية والانتحارية، في وقت تراجعت فيه أهمية الصواريخ التقليدية نسبياً مقارنة بالمراحل السابقة من الصراع.

ويرى باحثون إسرائيليون أن هذا التحول يعكس تأثراً واضحاً بالتجارب العسكرية الحديثة، لا سيما الحرب في أوكرانيا؛ حيث أثبتت المسيّرات الصغيرة منخفضة التكلفة قدرتها على إلحاق خسائر كبيرة بقوات تمتلك تفوقاً جوياً وتقنياً.

صورة ملتقطة من فيديو وزّعه «حزب الله» يظهر مسيرة انتحارية تتجه إلى هدف إسرائيلي على الحدود مع لبنان (متداول)

وبحسب التقارير الإسرائيلية والأبحاث العسكرية المنشورة منذ اندلاع الحرب الحالية في مارس 2026، فإن السلاح الأبرز لدى «حزب الله» لم يعد الصواريخ وحدها، بل المسيّرات الهجومية والانتحارية التي أصبحت تشكل التهديد الرئيسي للقوات الإسرائيلية في جنوب لبنان. أبرز هذه الأسلحة كان المسيّرات الانتحارية «FPV» التي تعمل بكابل رفيع من الألياف الضوئية جعلها عصية على التشويش الإلكتروني، كما أن حجمها الصغير وتحليقها المنخفض المتعرج يشكل تحدياً إضافياً لرادارات إسرائيل وأنظمة دفاعها الجوي.

تحمل هذه المسيرات في المقابل، حشوات صغيرة الحجم لا تتجاوز الخمسة كيلوغرامات. ويقول مصدر أمني لبناني لـ«الشرق الأوسط» إن الحزب اعتمد ثلاثة أنواع من الحشوات المتفجرة، تبعاً للهدف المقصود. وما إذا كان الهدف دبابة، أو آلية عادية، أو أفراداً. ويقول ضباط إسرائيليون سابقون إن التهديد الذي تمثله هذه المسيّرات لا يقتصر على إصابة أهداف عسكرية ثابتة، بل يشمل أيضاً ملاحقة القوات المتحركة واستهداف الدبابات والآليات ومراكز القيادة الميدانية، ما يجعلها عاملاً ضاغطاً على الوحدات البرية المنتشرة داخل جنوب لبنان. ولا توجد أرقام رسمية نهائية بشأن عدد المسيّرات الانتحارية التي استخدمها الحزب منذ بداية الحرب، إلا أن تقديرات إسرائيلية غير رسمية تتحدث عن مئات عمليات الإطلاق، وربما أكثر من ألف عملية خلال الأشهر الأخيرة.

مراسم تشييع جندي إسرائيلي قُتل بنيران «حزب الله» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وقالت إسرائيل أخيراً إن «حزب الله» أطلق ما يزيد على 120 محلقة من هذا النوع، كما بث الحزب عشرات المقاطع التي تظهر استهداف المحلقة لآليات ومدرعات وأجهزة إلكترونية وأفراد في الميدان. وقالت إسرائيل إن عمليات حزب الله أسفرت عن مقتل 20 جندياً، وإصابة العشرات منذ تاريخ انخراط الحزب بالقتال في 2 مارس الماضي.

إضافة إلى ذلك، أعلن «حزب الله» عن تفجير عبوات ناسفة بآليات إسرائيلية في العمق، كما أعلن عن التصدي لمحاولات توغل إسرائيلي بالأسلحة الرشاشة المتوسطة والخفيفة، إضافة إلى القذائف الصاروخية، أي «آر بي جي».

صواريخ مضادة للدروع

الصواريخ المضادة للدروع لا تزال تشكل العمود الفقري للقتال البري للحزب، وقد استخدمت ضد الدبابات والآليات والتحصينات الإسرائيلية. ومن أبرز الأنظمة التي تشير إليها المصادر الإسرائيلية الصواريخ من عائلة: «الماسّ» المشتقة من «سبايك» الإسرائيلي، التي نسختها إيران بعد سيطرة مقاتلي الحزب على صاروخ إسرائيلي في حرب عام 2006 وفقاً لأسلوب الهندسة العكسية، إضافةً إلى منظومات كورنيت الروسية وغيرها.

أما السلاح الثالث، فهو الصواريخ والقذائف القصيرة والمتوسطة المدى التي استخدمت بكثافة لاستهداف المواقع العسكرية والتجمعات والقواعد في الجليل وشمال إسرائيل. لكن نسبة استخدامها تراجعت مقارنة بالمسيّرات خلال مراحل عديدة من حرب 2026.

قذيفة إسرائيلية مضيئة أطلقها الجيش الإسرائيلي فوق بلدة أرنون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

مسيّرات استطلاعية وهجومية

تحل في المرتبة الرابعة المسيرات الاستطلاعية والهجومية، وهي ليست كلها انتحارية؛ فبعضها يُستخدم للاستطلاع وتصحيح النيران وتحديد الأهداف. وبعضها يحمل ذخائر صغيرة ويعود إلى قاعدته بعد المهمة.

وتحدثت مصادر إسرائيلية عن استخدام محدود لصواريخ مضادة للطائرات ونيران دفاع جوي ضد الطائرات الإسرائيلية.

لكنها ليست السلاح الحاسم في المعركة الحالية مقارنةً بالمسيّرات والصواريخ المضادة للدروع.

تطوير أساليب القتال لا أدواته فقط

طوَّرت إسرائيل أساليب القتال التي كانت تعتمد على الزج بالمدرعات بتغطية جوية، للتخفيف من الخسائر، والتحرك بخفة أكبر. وتقول مصادر أمنية لبنانية إن الجيش الإسرائيلي اعتمد أسلوب المجموعات الخاصة الصغيرة التي تتحرك على الطرقات غير المعبَّدة لتجنب العبوات والاستهداف، ثم تتراجع مع أول بوادر مقاومة ليتدخل الطيران الحربي، مستهدفاً مصادر النار المعادية.

صورة تجمع لقطات من الفضاء لقرية يارون الحدودية مع إسرائيل قبل وبعد تدميرها (أ.ف.ب)

وبالنسبة لإسرائيل، وإلى جانب الغارات الجوية الثقيلة التي تنفذها المقاتلات الحربية، والصواريخ التي تطلقها المسيرات، غالباً ما تكون للاستهدافات الدقيقة ولملاحقة الأفراد على متن السيارات والدراجات النارية، أدخل الجيش الإسرائيلي سلاحين إلى المعركة، ظهر أولهما، وهو المحلقات الانقضاضية أيضاً، في مقاطع فيديو لاستهداف دراجات نارية أو أفراد في الميدان. كما يستخدم بكثافة قذائف المدفعية الموجهة من عيار 155 ملم وعيار 240 ملم، بحسب ما تقول مصادر ميدانية في جنوب لبنان، وذلك لاستهداف قرى بعيدة عن الحدود. وتضيف المصادر أن القذائف التي تطلقها المدفعية: «موجهة بالليزر، مما يمنحها الدقة، فضلاً عن أن أعيرتها تدفعها إلى مسافات أطول تصل إلى 30 كيلومتراً داخل الحدود».

جندية فرنسية من قوات حفظ السلام «يونيفيل» على تلة تطل على كفركلا وهي قرية حدودية لبنانية مع إسرائيل جنوب لبنان يوم 20 أغسطس 2025 (أ.ب)

وبحسب ما أعلنته إسرائيل وما رصدته مراكز أبحاث عسكرية خلال حرب 2026، فإن الطائرات من دون طيار كانت أكثر الأسلحة والأنظمة التي استخدمها الجيش الإسرائيلي في لبنان، والتي تمتلك الدولة العبرية منها شبكة فعالة تغطي الميدان والخطوط الخلفية، وفي مقدمتها طائرات «هيرمس 900» و«هيرمس 450» كما مسيّرات استطلاع صغيرة من عائلة «Skylark». وقد استخدمت للاستطلاع، تحديد الأهداف، توجيه النيران، وتنفيذ ضربات دقيقة ضد أهداف متحركة وثابتة.

ذخائر دقيقة وصواريخ موجهة

واستعملت إسرائيل أيضا صواريخ بعيدة المدى من عائلة «Spike NLOS»، كما استخدمت ذخائر جوية موجهة تُطلق من الطائرات والمسيّرات ضد مراكز القيادة ومنصات الإطلاق.

وتحل الدبابات والقوات المدرعة في صلب العمليات البرية داخل جنوب لبنان، كما تعرض عدد منها لهجمات بالمسيّرات والصواريخ المضادة للدروع، بالإضافة إلى المدفعية والصواريخ الأرضية وراجمات صواريخ بعيدة المدى. ومدفعية ذاتية الحركة لقصف أهداف داخل العمق اللبناني. كما استخدمت صواريخ أرض - أرض دقيقة ضد أهداف محددة مسبقاً.

جندية إسرائيلية تشغّل طائرات مسيّرة (موقع الجيش الإسرائيلي)

أنظمة الدفاع الجوّي

وتمتلك إسرائيل أنظمة دفاع جوي مهمة، أبرزها منظومة القبة الحديدية و«مقلاع داود» ومنظومة «آرو». لكن التقارير الإسرائيلية نفسها أقرَّت بأن هذه الأنظمة واجهت صعوبة أمام المسيّرات الانتحارية الصغيرة التي استخدمها «حزب الله»، خصوصاً المسيّرات الموجهة بالألياف الضوئية.

وأعلنت وسائل إعلام إسرائيلية، في وقت سابق، أن الجيش أدخل مدفع «روعم» إلى الخدمة في جنوب لبنان، وهو منظومة مدفعية من عيار 155 ملم صُنع في إسرائيل، ويمتاز بسهولة التحرك لأنه مدفوع بعجلات، مع تلقيم آلي للقذائف، ويشغله طاقم من ثلاثة أفراد بدلاً من سبعة، مع مدى رمي قد يصل إلى 40 كيلومتراً؛ وتقنيات قيادة وسيطرة متقدمة.

قلعة الشقيف ذات الموقع الاستراتيجي وقد لحقها دمار جراء القصف الإسرائيلي عليها في مايو الماضي (أ.ب)

قواعد الاشتباك

حاول «حزب الله» منذ دخول الهدنة حيز التنفيذ، فرض قواعد اشتباك تحصر مساحة القتال في المنطقة المحتلة، عبر تحييده للمستوطنات والبلدات الإسرائيلية في الشمال، لكن الجيش الإسرائيلي كان يوسع ساحة القتال تدريجياً إلى تخوم صيدا، عبر الغارات الجوية والقصف المتواصل.

ويرى العميد المتقاعد سعيد قزح، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «حزب الله» يحاول، منذ وقف إطلاق النار، فرض معادلة ميدانية جديدة مع إسرائيل، تقوم على مبدأ «أن تضرب إسرائيل فيُرد عليها، إلا أن تل أبيب لا تزال ترفض الاعتراف بهذه المعادلة أو التعامل معها باعتبارها قواعد اشتباك متبادلة».

ويوضح قزح أن توصيف ما يجري بـ«قواعد اشتباك» ليس دقيقاً بالكامل «لأن هذا المصطلح يُستخدم عادة بين جيشين نظاميين أو ضمن إطار عسكري واضح»، مضيفاً أن الحزب «يحاول عملياً تكريس قواعد لعبة جديدة، مفادها أن أي استهداف إسرائيلي سيقابله رد، سواء عبر استهداف مواقع إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية المحتلة أو عبر إطلاق صواريخ باتجاه الداخل الإسرائيلي».

وأشار إلى أن «(حزب الله) نفّذ خلال الفترة الماضية عمليات ضد مواقع إسرائيلية داخل المنطقة الحدودية، بعضها تم بواسطة المسيّرات، وبعضها الآخر عبر محاولات تسلل أو عمليات مباشرة»، لافتاً إلى أن «إطلاق الصواريخ نحو الداخل الإسرائيلي تراجع في الأيام الأخيرة، كما أن جزءاً كبيراً منها جرى اعتراضه بسبب محدودية الأعداد المستخدمة».

عائلة نازحة في طريق عودتها إلى الجنوب محملة بالأغراض وعلى السيارة صورة مجتبى خامنئي (د.ب.أ)

ويرى قزح أن الحزب «يسعى من خلال هذه العمليات إلى تثبيت مشروعية استمرار سلاحه، تحت عنوان مقاومة الاحتلال داخل الأراضي اللبنانية»، لكنه أضاف أن الحزب «يتجنَّب في الوقت نفسه الدخول في نقاش الأسباب التي أوصلت الأمور إلى هذا المستوى من التصعيد والاحتلال».

وعن مدى نجاح الحزب في فرض هذه المعادلة، يقول قزح إن «المؤشرات الحالية تدل على أن إسرائيل هي التي لا تزال تفرض قواعد اللعبة الميدانية»، موضحاً أن الجيش الإسرائيلي «لا يكتفي بالتحرك داخل المنطقة العازلة أو ما يُعرف بـ(الخط الأصفر)، بل يواصل تنفيذ عمليات وتجريف واستهدافات تمتد إلى قرى تقع شمال هذا الخط؛ ما يعني أنه يرفض عملياً مبدأ التوازن الذي يحاول الحزب فرضه».


المسيّرات مقابل الغارات... كيف تبدّلت معادلة الردع بين إسرائيل و«حزب الله»؟

كرة نار تتصاعد من مبنى في مدينة صور جنوب لبنان عقب غارة إسرائيلية (أ.ف.ب)
كرة نار تتصاعد من مبنى في مدينة صور جنوب لبنان عقب غارة إسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

المسيّرات مقابل الغارات... كيف تبدّلت معادلة الردع بين إسرائيل و«حزب الله»؟

كرة نار تتصاعد من مبنى في مدينة صور جنوب لبنان عقب غارة إسرائيلية (أ.ف.ب)
كرة نار تتصاعد من مبنى في مدينة صور جنوب لبنان عقب غارة إسرائيلية (أ.ف.ب)

تتقدّم إسرائيل بالنار والإنذارات والتوغلات المحدودة، فيما يردّ «حزب الله» بالمسيّرات والاشتباكات المباشرة في محاور متقدمة شمال الليطاني. لكن خلف هذا التصعيد المتبادل، تبدو معادلة الردع التي حكمت الحدود طوال السنوات التي أعقبت حرب 2006 أمام اختبار غير مسبوق، مع اتساع رقعة العمليات ووصولها إلى مناطق كانت تُعد حتى وقت قريب خارج دائرة الخطر المباشر.

فالغارات التي باتت تلامس الزهراني، والاشتباكات الدائرة في محيط زوطر الشرقية، والتقدّم الإسرائيلي التدريجي نحو تخوم النبطية، كلها مؤشرات، وفق تقديرات عسكرية لبنانية، على أن المواجهة دخلت مرحلة مختلفة، لم تعد فيها المسيّرات قادرة وحدها على فرض توازن ردع، فيما تعتمد إسرائيل سياسة ضغط ميداني متصاعد هدفها تغيير الوقائع على الأرض قبل أي تسوية أو تفاوض محتمل.

المسيّرات لا تصنع ردعاً

في السياق، اعتبر رئيس «مركز الشرق الأوسط للدراسات» العميد الركن المتقاعد د. هشام جابر أن المسيّرات التي يستخدمها «حزب الله» لا تحقق ردعاً فعلياً في مواجهة التوسع المستمر في الغارات والعمليات الإسرائيلية، قائلاً: «المسيّرات لا تشكّل ردعاً. قد تُربك إسرائيل وتكبّدها خسائر، لكنها لا تمنعها من متابعة عملياتها العسكرية».

ورأى جابر أن استمرار إسرائيل في الغارات والتوغلات البرية يعني أن معادلة الردع لم تعد قائمة، مضيفاً: «لو كان الردع موجوداً لما كانت إسرائيل تواصل عملياتها بهذا الشكل. ما نراه اليوم أن إسرائيل تغيّر تكتيكاتها وتتابع تقدّمها رغم الخسائر التي تتكبدها في الجنوب».

تصاعُد الدخان من بلدات جنوب لبنان بعد غارات إسرائيلية كما بدا من مدينة النبطية (رويترز)

كما ربط أيضاً بين هذا المسار الميداني وتراجع الردع الذي كان قائماً بعد حرب عام 2006، معتبراً أن «الردع الذي استمر من 2006 إلى 2023 كان فعلياً موجوداً»، لكنه رأى أن دخول «حزب الله» في حرب استنزاف منذ فتح جبهة الإسناد المرتبطة بغزة أدى إلى سقوط هذه المعادلة. وقال: «منذ دخول (حزب الله) في حرب الإسناد عام 2023، اكتشفت إسرائيل الحقيقة العسكرية للحزب، ومنذ تلك اللحظة بدأ الردع يزول». وحذر جابر من أن الهدف الإسرائيلي لا يقتصر على زوطر أو محيطها، بل قد يتوسع وصولاً إلى جنوب الزهراني، قائلاً: «أخشى ما أخشاه أن نكون أمام مرحلة لا تكتفي بجنوب الليطاني، بل تمتد إلى جنوب الزهراني».

سياسة تفريغ واستنزاف طويل

وأشار جابر إلى أن سياسة الإنذارات والإخلاءات التي تعتمدها إسرائيل تهدف إلى تفريغ المناطق من سكانها، موضحاً: «كلما أخلت إسرائيل منطقة من سكانها، باتت قادرة على ضرب أي حركة داخلها. عندها يصبح أي شخص يتحرك بسيارة أو دراجة هدفاً محتملاً».

وأضاف: «أخشى ما أخشاه أن يكون جنوب لبنان قد دخل فعلاً في حرب استنزاف طويلة، لأن المؤشرات الميدانية الحالية لا توحي بوجود أفق سريع لوقف هذا التصعيد أو العودة إلى قواعد الاشتباك السابقة».

وفي قراءته للمشهد الميداني والسياسي، رأى جابر «أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لن يوقف الحرب على لبنان في الوقت الراهن مهما تكبّد من خسائر»، لافتاً إلى أن إسرائيل «لم تحقق حتى الآن أياً من أهدافها العسكرية أو السياسية المعلنة».

وأضاف أن «تل أبيب لم تتمكن من نزع سلاح (حزب الله)، كما لم تستطع فرض الشروط التي تريدها على لبنان».

وأشار جابر إلى أن المعطيات الحالية تدل على أن «الأمور لن تعود كما كانت في السابق»، معتبراً أن الحرب دخلت مرحلة مختلفة ستنعكس على واقع الجنوب اللبناني والتوازنات القائمة فيه.

وفيما يتعلق بـ«حزب الله»، رأى جابر أن الحزب أيضاً «لا يستطيع وقف الحرب في منتصفها، في ظل تعقيدات الميدان وتشابك الحسابات الإقليمية والدولية».

لا وجود لتوازن ردع

بدوره، رأى العميد المتقاعد خليل الحلو أن «المسيّرات التي يستخدمها (حزب الله) لا تنجح في فرض توازن ردع مقابل الغارات الإسرائيلية المكثفة»، مؤكداً أن «إسرائيل تُوقع أضراراً وخسائر أكبر بكثير مما تتلقاه».

رجل يتفقد الأضرار في موقع غارة إسرائيلية بمدينة صور جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وأوضح الحلو أن «المسيّرات المرتبطة بالألياف البصرية (FPV) تعاني من محدودية تقنية تتعلق بالمدى والحمولة»، قائلاً: «مدى هذه المسيّرات يتراوح عملياً بين 3 و15 كيلومتراً، وقد يصل إلى نحو 20 كيلومتراً كحد منطقي، لأن الكابل الذي يربط المسيّرة يضيف وزناً عليها ويؤثر على قدرتها التشغيلية». معتبراً «أن الحديث عن استخدامها لمسافات تصل إلى 60 كيلومتراً غير واقعي عسكرياً».

وأشار إلى أن «(حزب الله) يستخدم هذه المسيّرات لاستهداف القوات الإسرائيلية داخل المنطقة العازلة التي أنشأتها إسرائيل، والتي تمتد لنحو 10 كيلومترات، لكن ذلك لم يغيّر في الواقع الميداني».

وقال: «إذا نظرنا إلى الخريطة نرى أن الإسرائيليين باتوا قريبين جداً من النبطية، فيما تتوسع الغارات والإنذارات والإخلاءات حتى شمال الزهراني، وهذا بحد ذاته دليل على غياب توازن الردع».

وأضاف الحلو أن «(حزب الله) يحاول تحقيق إصابات وتأثير ميداني عبر المسيّرات، لكن ما يحصل على الأرض يُظهر أن إسرائيل تُنزل بالحزب وبلبنان أضراراً أكبر بكثير».


كيف دخلت طهران إلى الملف الفلسطيني؟

صورة نشرها موقع «نور نيوز» الإيراني للقاء سابق بين خامنئي والسنوار
صورة نشرها موقع «نور نيوز» الإيراني للقاء سابق بين خامنئي والسنوار
TT

كيف دخلت طهران إلى الملف الفلسطيني؟

صورة نشرها موقع «نور نيوز» الإيراني للقاء سابق بين خامنئي والسنوار
صورة نشرها موقع «نور نيوز» الإيراني للقاء سابق بين خامنئي والسنوار

تكفي قصة مثيرة لاستدراج الصحافي إلى البحث عن حاملها. ويزداد إلحاح البحث حين يكون الرجل حاملاً لقصتين مثيرتين. هذا ما حصل قبل سنوات طويلة. بدأت البحث عن أنيس النقاش. باكراً انتسب هذا الشاب اللبناني إلى «الكتيبة الطلابية» في حركة «فتح» وعمل لاحقاً تحت رعاية خليل الوزير «أبو جهاد» عضو اللجنة المركزية في الحركة.

شعرت بالفضول حين عرفت أن النقاش كان مساعد الفنزويلي الشهير كارلوس في عملية خطف وزراء «أوبك» في فيينا في 21 ديسمبر (كانون الأول) 1975. لم يسبق أن شهد العالم عملية من هذا النوع. تحول كارلوس نجماً عالمياً ما أثار غضب معلمه الذي أرسله في المهمة (وأقصد وديع حداد مسؤول «المجال الخارجي» في «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»). وراودني شعور أن التحدث إلى النقاش سيسهل أيضاً الوصول إلى كارلوس، وهذا ما حصل.

لم يكتف النقاش بدوره في عملية فيينا. حين اندلعت التظاهرات المعارضة في إيران في 1978 حصل من «أبو جهاد» على إذن بتدريب إيرانيين معارضين لنظام الشاه في مراكز أقامتها «فتح» في لبنان. سيذهب النقاش أبعد من ذلك. قال في الحوار الذي أجريته معه إن فكرة إنشاء «الحرس الثوري» ولدت في لقاء جمعه في شقة في بيروت بحفنة من الأشخاص، وأن الفكرة نقلت إلى قادة الثورة فتبنوها على قاعدة «عدم الوثوق بالجيوش النظامية».

بعد انتصار الثورة ذهب النقاش إلى طهران. ذات يوم وفي حلقة ضيقة ناقش المشاركون خطورة الدور الذي يمكن أن يلعبه شهبور بختيار آخر رئيس وزراء في عهد الشاه من منفاه. تحدث مشاركون عن احتمال لجوء جهات معادية للثورة إلى دعم بختيار لزعزعة النظام الجديد أو إطاحته. روى النقاش أن فكرة التخلص من بختيار طُرحت. وكشف أن محكمة كانت قضت بإعدامه وأن الخميني أقر حكم المحكمة من دون إعلان ذلك، ما جعل الحكم شبيها بفتوى تبيح القتل.

كان بختيار مقيماً في فرنسا ويحظى بحراسة وحماية. ولم تكن طهران في تلك الأيام استكملت إعداد فرق للعمليات الخارجية. يقول النقاش إنه تطوع للقيام بالمهمة مع فريق صغير. حصل النقاش على رقم مقر إقامة بختيار وزعم أنه صحافي يريد إجراء مقابلة وفوجئ بإعطائه موعداً. ذهب إلى العنوان وأجرى الحوار الصحافي واستطلع المكان ونقاط ضعف الحراسات.

رئيس الوزراء الإيراني الأسبق شابور بختيار يصل إلى وزارة الخارجية في باريس غداة محاولة اغتياله في 1980 (أ.ف.ب)

في 18 يوليو (تموز) 1980، توجه النقاش مع فريقه لاغتيال بختيار. حال الباب المصفح دون مقتل بختيار وأدت العملية إلى مقتل شرطيين وسيدة فرنسية وإصابة النقاش واعتقاله.

وفي عقد الثمانينات ستتداخل مطالبة إيران بالإفراج عن النقاش بإقدام «منظمات مجهولة» على خطف فرنسيين في لبنان بغرض مقايضتهم بالنقاش. وبعد عشر سنوات أمضاها في السجن ستبرم فرنسا صفقة يفرج بموجبها عن النقاش.

سألت النقاش يومها عمن كان يعرف في إيران بخطة الاغتيال، فأجاب: «أطلعت محسن رفيق دوست مسؤول الأركان الإداري في الحرس ومحسن رضائي عضو الأركان».

التداخل اللبناني - الفلسطيني - الإيراني سيظهر في حالات أخرى. فعماد مغنية المكنى «الحاج رضوان» الذي اتهم بالضلوع في هجمات ضد الإسرائيليين والأميركيين وجهات عربية مر لفترة في حراسة ياسر عرفات قبل أن ينتقل إلى «حزب الله»، صلب البرنامج الإيراني في لبنان والمنطقة. ويقول النقاش إنه تولى تدريب مغنية بناء على طلب الأخير.

كان النقاش يتحدث بانبهار وثقة عن المشروع الإيراني وكنت مهتماً بالاستماع إلى شهادة هذا الرجل. قال إن المنطقة ستشهد تغييرات كبرى وإن إيران الثورة تعتبر أن مسؤوليتها تبدأ بـ«تحرير الشرق الأوسط من الاحتلال الأميركي صريحاً كان أم مقنعاً». قال إن «قادة الحرس يعتقدون أن الخيط الأميركي هو الذي يضمن استقرار واستمرار كثير من أنظمة المنطقة، وأن قطع هذا الخيط سيغير ملامح المنطقة وتوازناتها».

سألته إن كان الجنرال قاسم سليماني من هؤلاء فأجاب بأنه في طليعتهم وهو يعمل على تقويض الحضور الأميركي في المنطقة. استوقفني قوله إن الثورة الإيرانية لم تخف رغبتها في طرد أميركا من إيران والمنطقة وإن «الرسالة الأولى كانت احتجاز الأميركيين في سفارة بلادهم في طهران. أما الرسالة الثانية فكانت تفجير مقر المارينز في بيروت، وساهم الحاج عماد (مغنية) في إيصال رسائل أخرى».

قال النقاش وقتها أيضاً إن برنامج الأنفاق والصواريخ والمسيّرات يرمي إلى «خفض القيمة الاستراتيجية لحلفاء أميركا في المنطقة بإظهار أن خرائطهم مهددة وأن التحالف مع أميركا لا يكفي لإنقاذها، بل هو السبب في تعرضها للأخطار». وأضاف: «إذا كانت إسرائيل حاملة طائرات أميركية فماذا يبقى من هيبتها حين يتبين أن كل شبر منها يمكن أن تصل إليه صواريخ محور المقاومة؟».

فلسطنيون في خان يونس أعلى مركبة عسكرية إسرائيلية تم الإستيلاء عليها ضمن عملية «طوفان الأقصى» (د.ب.أ)

وأشار إلى أن «شخصية حسن نصر الله أكسبته ثقة المرشد علي خامنئي وأعطته دور الشريك في رسم سياسات إيران حيال العرب، خصوصاً في الدول المتاخمة لفلسطين... نصر الله وسليماني هما الأقرب إلى قلب المرشد».

ولعل أهم ما سمعته من النقاش هو أن «الضربة الكبرى آتية مهما تأخرت. ستنهمر الصواريخ على إسرائيل من كل الجهات وسيندم عدد من الذين هاجروا إليها على قرارهم، وهذه الشكوك ستفتح الباب لنهاية هذا الكيان».

الكلام الذي سمعته من النقاش كان أكثر صراحة من الذي سمعته في مكاتب زعماء «الجهاد الإسلامي» و«حماس» و«حزب الله»، وإن كان يصب في الاتجاه نفسه. رمضان شلح الأمين العام لـ«الجهاد» كان واثقاً أن الضربة آتية، في حين كان خالد مشعل أكثر تحفظاً في الحديث عن الدور الإيراني. أما حسن نصر الله فلم يكن يشعر بالحاجة إلى إخفاء أن إيران هي مصدر تسليح «حزب الله» وتمويله وهي وسادته المضمونة.

إيران الثورة والهاجس الفلسطيني

كانت إيران الخميني تتطلع إلى الامساك بملفات عدة في المنطقة وكان الملف الفلسطيني هاجسها الأول.

لم يكن ياسر عرفات في وارد وضع القضية الفلسطينية في عهدة نظام الثورة الإيرانية. ولم يكن في وارد تسليم القرار الفلسطيني لأي قوة على وجه الأرض. من أجل إنقاذ استقلالية هذا القرار كان يحالف ويخاصم ويهاجر من عاصمة إلى أخرى هرباً من وطأة الذين يحاولون تحويل القضية الفلسطينية ورقة في مفاوضاتهم مع القوى الكبرى. معركته الطويلة مع الرئيس حافظ الأسد تندرج تحت هذا العنوان. وهو كان يردد: «فلسطين عندي قضية. أما عند الأسد فهي ورقة للاستخدام».

ياسر عرفات أول زائر رسمي لطهران بعد الثورة إلى جانب الخميني أمام حشد في جامعة طهران (غيتي)

لم يتأخر عرفات في إدراك أن الثورة الإيرانية تفتقر إلى «الواقعية والحسابات الدقيقة والكوابح»، على حد ما قال لبعض مساعديه. شعر أن أحلام بعض قادتها من قماشة الأوهام، خصوصاً لجهة إساءة تقدير قوة أميركا والاتحاد السوفياتي معاً. ولم يكن عرفات في وارد وضع «الثورة الفلسطينية» في عهدة «ثورة الخميني» لأنه شعر أن إيران الجديدة لن تتأخر في الاصطدام بجيرانها وبدول أبعد.

إطلالة عرفات من طهران بعد ستة أيام من انتصار ثورة الخميني كانت تاريخية، لكنها لن تدفع القائد الفلسطيني إلى مبايعة الخميني على غرار ما فعل آخرون. ابتعد عرفات عن التطابق. وحين احتجز الإيرانيون الأميركيين رهائن في سفارة بلادهم في طهران استكشف الزعيم الفلسطيني محاولات التوسط، لكن طهران لم توافق على دور له من هذا النوع. تماماً كما كان موقفها حين حاول التوسط بعد اندلاع الحرب مع العراق. ولهذا ستبحث إيران عن أصدقاء فلسطينيين آخرين وستقدم مساهمتها في تقويض سلطة عرفات.

لاحقاً كان المشهد أكبر من قدرة إيران الخمينية على الاحتمال. في 13 سبتمبر (أيلول) 1993 وقع اتفاق أوسلو وصافح ياسر عرفات رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين في حديقة البيت الأبيض وبرعاية الرئيس بيل كلينتون.

المصافحة التاريخية برعاية الرئيس الأميركي بيل كلينتون بين ياسر عرفات وإسحاق رابين بعد توقيع اتفاق «أوسلو» بواشنطن في سبتمبر 1993 (غيتي)

أطلق عرفات الزلزال الثاني وكان الرئيس أنور السادات أطلق الأول. كانت شرعية ياسر عرفات كاملة وصورته مرتبطة بالرصاصة الأولى التي أطلقتها «فتح» في منتصف الستينات معيدة إيقاظ القضية الفلسطينية.

شعرت إيران بتهديد جدي للجسر الذي كانت تراهن عليه لمخاطبة الشارع السني وتأليبه ضد «الشيطان الأكبر» وليس فقط ضد إسرائيل. ولهذا ضاعفت طهران رهانها على «الجهاد الإسلامي» و«حماس». افترقت حسابات عرفات عن حسابات أهل «الصمود والتصدي» وعن حسابات طهران أيضاً. بلغ الحقد على عرفات حد الرغبة العلنية في شطبه. كنت أحاور الأمين العام لـ«الجبهة الشعبية - القيادة العامة» أحمد جبريل في دمشق حين اتهم عرفات بالخيانة. سألته هل أرسلت أحداً لاغتياله فأجاب: «لا لكنني أفتح الإذاعة كل صباح آملاً أن تعلن ولادة إسلامبولي فلسطيني»، في إشارة إلى خالد الإسلامبولي الذي اغتال الرئيس المصري أنور السادات.

«عشت أكثر مما تصورت»

لم تستطع الثورة الإيرانية استدراج عرفات للإقامة تحت عباءتها لكنها لن تعدم فرصة العثور على حلفاء في وسط الإسلاميين الفلسطينيين. كان الدكتور فتحي الشقاقي الأمين العام لـ«الجهاد الإسلامي» في فلسطين أول من فتح النافذة. جاء جاهزاً إلى طهران التي احتاجت إلى جهود لإقناع «حماس» بالاندراج في برنامج الأنفاق والمسيّرات والصواريخ الذي هندسه قاسم سليماني.

كانوا حفنة طلاب في جامعة الزقازيق في مصر وكانوا يقيمون داخل تيار «الإخوان» أو على أطرافه. في 1978 راحت إيران تغلي بالتظاهرات والشعارات. تمنى أفراد المجموعة على الرجل الأبرز بينهم، أي الشقاقي، أن يعد عرضاً من عشر صفحات عن الثورة في إيران. استهوت المهمة الشقاقي فغاص في المراجع الإسلامية وتعاليم الخميني والفكر «الإخواني». عاد الشقاقي من بحثه باستنتاج قاطع مفاده أن الثورة في إيران ثورة إسلامية وليست شيعية. وهكذا بدلاً من ملخص من عشر صفحات طلبه رفاقه منه عاد الشقاقي بكتيب عنوانه «الخميني... الحل الإسلامي والبديل».

نزل الكتيب إلى الاسواق بعيد انتصار الثورة الإيرانية فاستدعى الأمن المصري الشقاقي وأدخله السجن. وسيدخل الشقاقي السجن المصري مرة أخرى، وفي 1981 سيغادر مصر سراً بعدما كان مطلوباً مجدداً. وسيعتقل الشقاقي هذه المرة في غزة في 1983 ومرة أخرى في 1986 قبل أن تبعده السلطات الإسرائيلية إلى خارج فلسطين في أول أغسطس (آب) 1988.

غاب عن بال أجهزة الأمن الإسرائيلية أن إبعاد الشقاقي من فلسطين سيمكنه من الذهاب أبعد في العلاقة مع إيران و«حزب الله» اللبناني. ولم تبخل طهران على الشقاقي بالاهتمام، فقد استقبله الخميني في 1988 وأبلغه التزاماً بدعم «الجهاد» تسليحاً وتمويلاً. وهكذا شكلت «الجهاد الإسلامي» أول اختراق إيراني فعلي للحالة الفلسطينية.

رئيس تحرير «الشرق الأوسط» غسان شربل خلال إحدى مقابلاته مع قائد «الجهاد الإسلامي» الراحل رمضان شلح في ديسمبر 2002 (الشرق الأوسط)

إثر مشهد عرفات ورابين حصل تواصل بين الشقاقي ورمضان عبد الله شلح الذي سيتولى قيادة التنظيم بعد مقتله. كان شلح في أميركا مرتدياً ثوب الأكاديمي وفهم من اتصال الشقاقي أن «الوقت قد حان». شرح لي العبارة بأنها تعبير عن قرار «بالذهاب أبعد في العمل الجهادي». وستدوي لاحقاً أصداء العمليات الانتحارية.

في 21 يناير (كانون الثاني) 1995 وجهت «الجهاد الإسلامي» بقيادة أمينها العام الشقاقي ضربة موجعة إلى إسرائيل. نفذت عملية انتحارية مزدوجة في بيت ليد قرب تل أبيب أسفرت عن مقتل 20 جندياً إسرائيلياً. ورداً على العملية تعهد رئيس الوزراء إسحق رابين بمعاقبة من يقف وراء العملية حتى وإن كان وراء الحدود. ولم يكن سراً أن رابين أمر باغتيال الشقاقي. بعد أيام فقط دخلت مكتب الشقاقي في شقة متواضعة في دمشق. سارع إلى القول: «أنا ما زلت شاباً ولم يحن وقتي بعد لسلسلة يتذكر. أمامنا الكثير من العمل».

سألت الشقاقي عن تهديدات رابين فأجاب: «على المستوى الشخصي لا تهمني هذه التهديدات. أنا اعتقدت بأنني عشت أكثر مما أتصور. دم الشهداء هو الذي ينجب المزيد من المقاتلين ويصعد المواجهة ضد الاحتلال. لذلك نحن لسنا قلقين من مثل هذه التهديدات. وأقول في النهاية ما قاله الإمام علي، كرم الله وجهه، حارس العمر الأجل».

سألت الشقاقي عن التمويل الإيراني للحركة فأجاب: «هناك مساعدة من أصدقاء من أكثر من جهة ولا داعي لتحديد الجهات». كررت السؤال فقال: «قبل نحو أربع سنوات أصدر مجلس الشورى الإيراني قراراً بنصرة الانتفاضة الفلسطينية وتقديم مساعدة إليها وإلى شهدائها».

استوقفتني عبارة «عشت أكثر مما تصورت»، ومثلها عبارة «حارس العمر الأجل». خالجني شعور أن الحوار الأول مع الشقاقي قد يكون الأخير. فإسرائيل لا تغفر لمن يستهدف جنودها ويد «الموساد» طويلة ورابين لن يفرط بصورته وأوسمته.

في 26 أكتوبر (تشرين الأول) 1995، سيتمكن رابين من تصفية حسابه مع الشقاقي. اصطاد «الموساد» الشقاقي في مالطا وخلال عودته من ليبيا التي دعته إلى مؤتمر وتمنت عليه تمديد إقامته. وقد سمعت لاحقاً من رمضان شلح أن الشقاقي اغتيل بسبب اختراق إسرائيلي للأجهزة الليبية أتاح لـ«الموساد» معرفة الاسم الذي يستخدمه، وهو إبراهيم الشاوش، الذي كان سراً مغلقاً بين الشقاقي وشلح.

«إذا عاش فسيكون خميني العرب»

في بيروت عرف الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله باغتيال الشقاقي فسارع إلى دمشق. التقى شلح «ونصحنا أن نختار أميناً عاماً كما فعل الحزب حين اغتالت إسرائيل أمينه العام عباس الموسوي وأن يعلن الاسم الجديد في بيان نعي الأمين العام السابق. وكانت حجة نصر الله المحافظة على معنويات بيئة المقاومة». لكن نصر الله «لم يتدخل في عملية الاختيار فهذه مسألة تخص (الجهاد)، وحلفاء الحركة يثقون بخياراتها».

حسن نصر الله إلى جانب علي خامنئي (مكتب المرشد الإيراني)

وروى شلح أن الشقاقي كان معجباً بنصر الله. يقول: «كنت في زيارة لبيروت في نهاية 1989، وكان الدكتور فتحي، رحمه الله، عائداً من احتفال لحزب الله خطب فيه نصر الله. كان الدكتور فتحي يتحدث عنه بانبهار شديد ولم يكن نصر الله يومها أميناً عاماً بل مسؤولاً في المقاومة. أبديت للشقاقي استغرابي لفرط إعجابه بنصر الله فقال وبحضور عدد من الإخوة إن هذا الرجل إذا قدر له أن يعيش فسيكون خميني العرب».

سألت شلح عن النموذج الذي استوحته الفصائل الفلسطينية حين بدأت تنفيذ عمليات انتحارية فأجاب أنها استوحت النموذج الذي بدأته المقاومة اللبنانية حين نفذ «أبو زينب» عملية تفجير مقر المارينز في بيروت.

«حماس» وطريق طهران

لكن رغم هذه الاختراقات في الملف الفلسطيني، لا مبالغة في القول إن النجاح الكبير الذي حققته إيران تمثل في اجتذابها حركة «حماس» إلى برنامجها الإقليمي مستفيدة من حاجة الحركة إلى التسليح والتمويل.

كانت إيران تبحث عن فرصة لبناء علاقة مع «حماس» وسترتكب إسرائيل خطأ يسهل مهمة طهران. في الشهر الأخير من عام 1992 وإثر قيام عناصر من «كتائب القسام» بخطف ضابط إسرائيلي وقتله، نفذت إسرائيل عملية إبعاد جماعي لناشطين فلسطينيين من غزة والضفة. شملت عملية الإبعاد نحو 415 شخصاً أكثريتهم الساحقة من «حماس» وبينهم أسماء ستتولى لاحقاً مناصب قيادية مثل عبد العزيز الرنتيسي وإسماعيل هنية.

رفضت السلطات اللبنانية بالتنسيق مع «حماس» استقبال المبعدين فأقاموا طويلاً في منطقة مرج الزهور الحدودية وحولوا خيامهم إلى أماكن للندوات والصلوات واستقبال المتضامنين.

مبعدو مرج الزهور بينهم إسماعيل هنية (المركز الوطني الفلسطيني للإعلام)

سارع «الحرس الثوري» الإيراني إلى التقاط الفرصة بالتعاون مع «حزب الله» وأمّن للمبعدين أغذية وأدوية وخياماً. وبعد بناء جسور التعارف تولى «الحرس» و«الحزب» تدريب عدد من المبعدين على صناعة المتفجرات والاتصالات الآمنة وتكتيكات قتالية.

في سبتمبر (أيلول) 1992 أعدت إيران استقبالاً لائقاً وعلى أرفع المستويات لوفد من المكتب السياسي لحركة «حماس» برئاسة موسى أبو مرزوق. رأى «الحرس الثوري» أن «حماس» تشكل فرصة لأن تمثيلها الشعبي أوسع بكثير من تمثيل «الجهاد». شابت العلاقة في البداية شكوك وحساسيات. لم تغب حساسيات سنية - شيعية عن ذهن أطراف في «حماس». وترددت «حماس» في البداية في قبول الدعم المالي خوفاً من أن يلزمها ذلك بالاندراج في البرنامج الإيراني الوافد من القاموس الشيعي. تراجعت الشكوك لاحقاً وانتظم الدعم الإيراني.

في 14 يونيو (حزيران) 2007 سيطرت «حماس» على قطاع غزة وطردت السلطة الفلسطينية منه. طرفان سيلتقطان الفرصة. إيران وتحديداً قائد «فيلق القدس» قاسم سليماني و«حزب الله» اللبناني بقيادة حسن نصر الله. استقلال غزة عن «سلطة أوسلو» فرصة لإدماج «حماس» في «وحدة الساحات» والرهان على إشراكها في «الضربة الكبرى» ساعة حدوثها.

ستمر علاقة «حماس» مع إيران باختبارات ليست بسيطة خصوصاً بعدما فضلت قيادة الحركة مغادرة سوريا على التجاوب مع ضغوط نظام الأسد الابن لاتخاذ موقف معاد للثورة. وحملت أوساط إيرانية وسورية في تلك المرحلة على رئيس المكتب السياسي لـ«حماس» خالد مشعل واتهمته بالسعي إلى الخروج من خط المقاومة الممانعة. خفضت إيران المساعدات لكنها لم تقطعها تماماً عن «كتائب القسام».

ظهر تباين آخر هو الدور الإيراني في اليمن وما قيل عن عمليات التشيع هناك. لكن حرص سليماني ونصر الله على الضلع الفلسطيني في «محور المقاومة» ساهم في عودة المياه إلى مجاريها. وكافأ سليماني الحركة ببرنامج تمويل وتسليح تضمن تصنيع أسلحة في قطاع غزة وعمليات تدريب مكثفة.

إيرانية تحمل ملصقاً يتصدره إسماعيل هنية خلال تشييعه في طهران وإلى جانبه قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس وفي طرفيه الأمين العام الراحل لـ«الجهاد الإسلامي» فتحي الشقاقي ومؤسس «حماس» الشيخ أحمد ياسين إضافة إلى القيادي الراحل في «حزب الله» عماد مغنية والعالم النووي الإيراني الراحل محسن فخري زاده (أ.ف.ب)

في 2012 انتخب يحيى السنوار الذي خرج قبل عام من السجن الإسرائيلي عضواً في القيادة السياسية في غزة. وبعد خمسة أعوام سيتولى رئاسة المكتب السياسي للحركة في القطاع. وفي العام نفسه (2017) تولى إسماعيل هنية رئاسة المكتب السياسي للحركة خلفاً لخالد مشعل الذي تولى هذا المنصب على مدى 21 عاماً. رجحت كفة الجناح العسكري خصوصاً في ضوء العلاقة التي ربطت السنوار بـ«كتائب القسام» وقائدها محمد الضيف.

«طوفان السنوار»

في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 سيحقق السنوار والضيف حلمهما. أطلقا ما سمياه «طوفان الأقصى». وفي اليوم التالي لم يجد زعيم «حزب الله» اللبناني خياراً غير التجاوب مع رسالة «قادة الطوفان» فانضم إلى «إسناد غزة». فوجئ العالم بهشاشة إسرائيل في الساعات الأولى خصوصاً بعدما تبين أن الهجوم أدى إلى سقوط أكثر من ألف قتيل إسرائيلي واحتجاز عدد من الرهائن.

لكن بعد ساعات من الضياع استيقظت آلة القتل الإسرائيلية لإطلاق حرب على جبهات متعددة. اعتبر بنيامين نتنياهو أن «الطوفان» يحمل بصمات إيرانية ولهذا كان الثأر شديداً من «حزب الله» اللبناني وصولاً إلى المرشد الإيراني نفسه.

غيرّ «طوفان السنوار» ملامح غزة ولبنان، وتسبب أيضاً في اقتلاع نظام بشار الأسد. وللمرة الأولى انهالت القذائف الأميركية على المنشآت النووية الإيرانية وسيطرت الطائرات الإسرائيلية على أجواء طهران فيما سقطت الصواريخ الإيرانية على أهداف في الدولة العبرية. تجمع الهدير الإيراني وتحول حرباً أقلقت المنطقة والاقتصاد العالمي ولا تزال ذيولها مفتوحة.