في العهد السعودي... استتب الأمن فتضاعف الحجاج وازدحم المسجد الحرام

الملك عبد العزيز شكّل لجنة لمتطلبات الحرم المكي وأمر بإنشاء مصنع لكسوة الكعبة

الملك عبد العزيز يلقي كلمة في حفل استقبال وفود الحج في 10 - 12 - 1357هـ الموافق 1938م وبجانبه الملك سلمان بن عبد العزيز حينما كان طفلاً
الملك عبد العزيز يلقي كلمة في حفل استقبال وفود الحج في 10 - 12 - 1357هـ الموافق 1938م وبجانبه الملك سلمان بن عبد العزيز حينما كان طفلاً
TT

في العهد السعودي... استتب الأمن فتضاعف الحجاج وازدحم المسجد الحرام

الملك عبد العزيز يلقي كلمة في حفل استقبال وفود الحج في 10 - 12 - 1357هـ الموافق 1938م وبجانبه الملك سلمان بن عبد العزيز حينما كان طفلاً
الملك عبد العزيز يلقي كلمة في حفل استقبال وفود الحج في 10 - 12 - 1357هـ الموافق 1938م وبجانبه الملك سلمان بن عبد العزيز حينما كان طفلاً

فور ضم المؤسس الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن - رحمه الله - مكة المكرمة في العام 1343هـ -1924م، إلى حكمه جعل خدمة المسجد الحرام على رأس أولوياته، وأكد اهتمامه «بأقدس بلاد الله، مسطع النور، ومهبط الوحي، ومنشأ الهدى»، كما شرع في عمل ما يتطلبه الحرم من إصلاحات وترميمات عاجلة، فتم في العام 1344هـ - 1925م، ترميم عموم المسجد الحرام، وإصلاح كل ما يقتضي إصلاحه، ومن ذلك: ترميم جدران المسجد وأرضه وأعمدته، وإصلاح المماشي وحاشية المطاف، وطلاء مقام إبراهيم، وإصلاح الأبواب وصيانة القباب وغيرها من الأعمال. وفي العام 1345هـ - 1927م زاد عدد الحجاج زيادة كبيرة بسبب استتباب الأمن واستقرار الأوضاع.

الملك عبد العزيز ممتطياً جواده أثناء خروجه من المسجد الحرام بعد نحو شهرين من ضم مكة المكرمة تحت رايته وذلك عام 1343هـ - 1924م التقطها المصور شفيق محمود بشرف وتعدّ من نوادر الصور

نصب الخيام والسرادقات لاستيعاب الحجاج

وبسبب زيادة عدد الحجاج ازدحم المسجد الحرام بالمصلين؛ مما أدى إلى عدم استيعاب الأروقة تلك الأعداد الكبيرة، خصوصاً في أوقات النهار، فأمر الملك عبد العزيز بنصب الخيام والسرادقات والصواوين في حصاوي المسجد الحرام التي تلي المطاف ليستظل بها المصلون وحجاج بيت الله الحرام، فاستوعبت أكثر من عشرة آلاف حاج، وكانت حلولاً مؤقتة لضيق الوقت ودخول موسم الحج، كما أمر برصف المسعى وكان شارعاً خارج المسجد الحرام، وتم رصفه ولأول مرة في تاريخه بالحجر الصوان المربع، وتؤكد المصادر أنه كان أول شارع يرصف في مكة على الإطلاق. كما شكّل إدارة خاصة بمسمى مجلس إدارة الحرم للقيام بإدارة شؤون المسجد الحرام والإشراف على خدماته.

العهد السعودي والاهتمام بالمسجد الحرام

صدرت أوامر الملك عبد العزيز عام 1346هـ - 1927م بإجراء عمارة عموم المسجد الحرام داخلياً وخارجياً على نفقته الخاصة، حيث رُممت أرضيات الأروقة من جهاته الأربع مع زيادتي «دار الندوة» و«باب إبراهيم»، ورسم أيضاً بلاط أبواب المسجد الحرام وجدرانه داخلياً وخارجياً، وكذلك الدَّرَج المؤدية إلى أبواب المسجد الحرام، ونُظفت قباب الأروقة باطناً وظاهراً، كما طُليت العقود والأعمدة، وصُبغت بألوان مختلفة بحسب ألوانها الأصلية التي تناسب الحجر الشميسي الذي بُنيت منه، والذي له ألوان مختلفة، منها الأسود والأصفر البرتقالي والأحمر العنابي والرمادي، كما تم تنظيف الأعمدة الرخام وإزالة ما علق فيها من غبار وأتربة حتى عادت إلى لونها الأصلي الناصع البياض، كما رُمّم أسفل جدران المسجد الحرام والأعمدة المبنية بالحجر الصوان وأبواب المسجد الحرام وبطون القبب والطواجن بالرخام الأبيض المائل للون الأزرق بعد أن أضيفت إليه زهرة النيل الزرقاء ليزداد رونقاً وجمالاً، واستمر العمل في ترميم وإصلاح المسجد الحرام عاماً كاملاً، وصُرف على هذه الإصلاحات ما يقارب (2000 جنيه ذهب) تبرع بها الملك عبد العزيز. كما أمر بعمل مظلات ثابتة على دائرة الحصوة مما يلي الأروقة من الجهات الأربع ليستظل تحتها المصلون ولتكون بديلاً للخيام، وجدد سبيل زمزم القديم، وأمر أن يُعمل سبيلان جديدان لسقيا قاصدي المسجد الحرام.

دار خاصة لصناعة كسوة الكعبة

صورة تبين كسوة الكعبة في عهد الملك عبد العزيز

وفي عام 1346هـ -1928م أمر الملك عبد العزيز بإنشاء دار خاصة لصناعة كسوة الكعبة في حي أجياد، حيث كانت كسوة الكعبة تأتي من مصر لقرون عدة في العصرين المملوكي والعثماني، واستمر ذلك حتى دخلت مكة في حكم الملك عبد العزيز عام 1343هـ -1925م، ولتأخر وصول الكسوة في تلك السنة بسبب الأوضاع السياسية، أمر الملك عبد العزيز بصناعة كسوة الكعبة في الأحساء، ولم تكن تلك المرة الأولى التي تُكسى فيها الكعبة من الأحساء؛ ففي عهد الإمام سعود بن عبد العزيز في الدولة السعودية الأولى كانت كسوة الكعبة تصنع في الأحساء، وفي عام 1347هـ - 1929م أمر بإضاءة عموم المسجد الحرام بالكهرباء وزيادة عدد مصابيحه حتى بلغت ألف مصباح كهربائي.

الملك عبد العزيز يلقي كلمة في حفل استقبال وفود الحج في 10 - 12 - 1357هـ الموافق 1938م وبجانبه الملك سلمان بن عبد العزيز حينما كان طفلاً

لجنة لعمارة وإصلاح المسجد الحرام

في عام 1354هـ - 1935م أصدر الملك عبد العزيز أوامره بتشكيل لجنة برئاسة الشيخ عبد الله بن عبد القادر الشيبي، نائب رئيس مجلس الشورى، وعَهِد إلى هذه اللجنة إجراء الكشف المستمر على عموم ما يلزم المسجد الحرام من عمارة وإصلاح وحصر ما يتطلبه ذلك، وبعد إجراء الكشف اللازم قررت اللجنة ما يلي:

أولاً: إصلاح الأرضية المفروشة بالحجر الصوّان الواقعة حول صحن المطاف وداخل الحصاوي والمماشي، ورصفها من جديد رصفاً جيداً متقناً باستخدام الإسمنت والنورة والحصحاص.

ثانياً: إصلاح أرضية أروقة المسجد الحرام، وتجديد الطبطاب القديم وحشو الفراغات بالنورة بصفة متقنة.

ثالثاً: إزالة الجص الموجود على جميع جدران المسجد الحرام وإصلاحها بالإسمنت والنورة لمنع تسرب الرطوبة، وكذلك إصلاح العقد الموالي لباب الصفا.

رابعاً: ترخيم عموم المسجد الحرام من داخله وخارجه والأبواب، وبيت زمزم، وترميم الشقوق الموجودة في بعض قباب المسجد الحرام .

خامساً: تجديد الأصبغة الموجودة بعموم أبواب المسجد الحرام، بما فيها الجدار الواقع خارج المسجد من باب بازان إلى باب العباس، وتحديد الأصبغة التي بداخل أروقة المسجد الحرام مع الأعمدة المثمنة المبنية بالحجر الشميسي كما كانت عليه في السابق بالألوان المختلفة، الأحمر العنابي، والأسود، والأصفر، والبرتقالي، والرمادي.

سادساً: إصلاح عموم أبواب المسجد الحرام بالخشب الجاوي القوي، وصبغ واجهة هذه الأبواب بالأصباغ المناسبة، وقدّر لذلك مبلغ (12483 ريالاً عربياً سعودياً)، وعرض هذا الأمر على الملك عبد العزيز، الذي أصدر موافقته على إجراء هذا التعمير، وتبرع بنصف المبلغ المقدر لهذه الإصلاحات والترميمات، والنصف الآخر قامت مديرية الأوقاف بصرفه من صندوقها. وشدّد الملك عبد العزيز على أن يكون مباشرة العمل سريعة وتحت مراقبة وإشراف اللجنة المتقدم ذكرها. واستمرت عناية الملك عبد العزيز بعمارة وخدمة المسجد الحرام؛ ففي عام 1363هـ - 1944م أمر بصناعة باب جديد للكعبة المشرفة بدلاً من بابها القديم، وكلف بصنعه شيخ الصاغة في مكة محمود يوسف بدر، وتم تركيبه في 15 ذي الحجة 1366هـ - 31 أكتوبر (تشرين الأول) 1947م، وفي العام نفسه تم استكمال بناء سقيفة المسعى وتجديد الجزء القديم منها.

كما تم تركيب مكبرات الصوت لأول مرة في المسجد الحرام يوم الجمعة 17 ذي الحجة 1366هـ – 31 أكتوبر 1947م.

صورة التقت عام 1930م تبين اكتظاظ المصلين والحجاج في المسجد الحرام بعد استتباب الأمن في عهد الملك عبد العزيز (غيتي)

عودة التوسعات للمسجد الحرام بعد توقف ألف عام

وفي عام 1368هـ - 1949م، صدر بيان عن عزم الملك عبدالعزيز توسعة الحرمين الشريفين بدءاً بالمسجد النبوي في المدينة المنورة، وتم البدء في توسعة المسجد النبوي في شهر شوال عام 1370هـ – يوليو (تموز) 1951م، وكلف المدير العام للعمائر والإنشاءات الحكومية محمد بن لادن، التنفيذ. وذكر الدكتور بدر كريم أن المعلم محمد بن لادن قال له في مقابلة إذاعية لاحقة: «إن الملك عبد العزيز كلفه أن يبدأ في وضع التصاميم اللازمة لتوسعة المسجد الحرام».

لقد كانت توسعة الحرمين وبناؤهما بالشكل الذي يعكس مكانتهما والطراز الذي يمثل هويتهما ويلائم ما يتطلع إليه قاصدوهما، وما يشعر به المسلمون تجاههما، أحد الأماني العظيمة للملك المؤسس - رحمه الله -، والتي حققها أبناؤه الملوك من بعده.

أول هيئة فنية وهندسية لتصاميم الحرم

ويذكر الدكتور منصور الدعجاني في دراسته التاريخية المعنونة «أروقة المسجد الحرام بمكة المكرمة»، أنه تم تكوين هيئة فنية وهندسية لعمل التصاميم والمخططات اللازمة لهذا المشروع الإسلامي العملاق قبل البدء في التوسعة؛ وذلك لما رأه الملك عبد العزيز من تزايد أعداد الحجاج عاماً بعد آخر، بسبب استتباب الأمن في العهد السعودي وتطور وسائل النقل مما سهل السفر، وتحسن الظروف الاجتماعية والاقتصادية، واستقلال بعض الدول الإسلامية، كل هذه الأسباب وغيرها أسهمت في مضاعفة عدد الحجاج القادمين من الخارج أربعة أضعاف في غضون عشرين عاماً، واستمرت في الازدياد، حيث بلغت في عام 1370ه – 1951م نحو 100 ألف حاج، ووصلت إلى أكثر من 200 ألف حاج في عام 1374ه – 1955م، هذا عدا حجاج الداخل. كما أن المنازل والأسواق كانت قد أحاطت بالمسجد وفصلت بينه وبين المسعى الذي كان طريقاً ضيقة تقوم على جانبيها الدُّور والمحال التجارية، إضافة إلى وجود عدد من الأبنية التي تعيق الحركة داخل صحن المطاف، وهي مباني المقامات الحنفي والحنبلي والمالكي، ومبنى المقام الشافعي وبئر زمزم ومظلة المؤذنين، ومبنى مقام إبراهيم، وعقد باب بني شيبة، والمنبر، وكان المسجد الذي لا تتجاوز طاقته القصوى 50 ألف مصلٍ، يزدحم بالمصلين خاصة في مواسم الحج؛ الأمر الذي يتطلب توسعته لاستيعاب تلك الأعداد الكبيرة من قاصديه.

ويضيف الدعجاني: شرع الفنيون والمهندسون في عمل الدراسات والمخططات اللازمة لذلك، وبُدئ في تحديد المساحات التي سيقام عليها المشروع، وأعداد الدور والمتاجر التي تحتاج إلى إزالة لصالح المشروع، وتقدير التكاليف والتي تشمل نزع الملكية والبناء، وبينما كانت هذه الأعمال تجري وافت المنية الملك عبد العزيز قبل الشروع في التوسعة، حيث توفي - رحمه الله - في الطائف في اليوم الثاني من شهر ربيع الأول 1373هـ - الموافق التاسع من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1953م.

الملك عبد العزيز مؤدياً فريضة الحج يرافقه ولي عهده (الأمير) الملك سعود وذلك في حج عام 1353هـ - 1935م

الملك سعود ومتابعة مشروع توسعة المسجد الحرام

وفي بداية عهد الملك سعود، أنهت اللجان الفنية والهندسية الدراسات والمخططات والتصاميم الأولية لمشروع توسعة المسجد الحرام، وتم حصر العقارات التي سيتم نزع ملكيتها لصالح المشروع، وصدر بيان رسمي يعلن البدء في مشروع التوسعة في شهر محرم 1375ه - أغسطس (آب) 1955م، وأصدر الملك سعود أمراً بتشكيل لجنة عليا للإشراف على المشروع، برئاسة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء وقتذاك (الأمير) الملك فيصل، يتبعها لجنة لمراقبة التنفيذ ولجنة لتثمين العقارات. وأنشئ مكتب بمسمى مكتب «مشروع صاحب الجلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود لتوسعة المسجد الحرام وتجديد عمارته» للإشراف على التنفيذ والتنسيق ومتابعة الأعمال المرتبطة بالمشروع، وكان من أهداف التوسعة السعودية التالي:

1- رفع الطاقة الاستيعابية للمطاف بإزالة المباني الموجودة في صحن المطاف.

2- رفع الطاقة الاستيعابية للمصلين بزيادة المساحات التي تؤدى فيها الصلاة.

3- رفع الطاقة الاستيعابية للمسعى ببنائه ودمجه ضمن مباني المسجد الحرام.

4- تحسين الأحوال لتأدية شعائر الطواف والسعي والصلاة بيسر وسلامة.

5- وضع الحلول الجذرية لمعالجة الأخطار التي كانت تهدد سلامة المسجد وقاصديه كالحرائق والسيول من خلال: استخدام مواد البناء غير القابلة للاشتعال وأنظمة مكافحة الحريق، وعمل مجاري تصريف السيول.

6- توفير الخدمات المتكاملة من طرق وميادين لتسهيل الوصول إلى المسجد، إضافة إلى توفير المياه والصرف والتهوية والإنارة ودورات المياه لراحة قاصديه.

رؤية شاملة لمشروع التوسعة العاشرة

منذ بدايات «مشروع جلالة الملك عبد العزيز لتوسعة المسجد الحرام وتجديد عمارته» كانت هناك رؤية شاملة لكل ما يتعلق بالمشروع من النواحي التخطيطية والفنية والهندسية ومراعاة للهوية العمرانية والجوانب الصحية والأمنية والسلامة، وإذا أدركنا أن المساجد التي أسست خارج الجزيرة العربية في العراق والشام ومصر وغيرها كانت قد بُنيت وفق نموذج بناء الحرمين الشريفين (الأروقة والفناء المكشوف) كما يشير إلى ذلك الدكتور حسن الباشا في دراسته «أثر عمارة عثمان بن عفان في المسجد الحرام في تخطيط المساجد وفي العمارة الإسلامية»، ومؤسس نظام الأروقة في المساجد وفق النموذج المكي هو الخليفة عثمان بن عفان - رضي الله عنه -؛ خلصنا إلى أننا أمام عمارة عربية مكية متفردة ليست بعيدة عن معمار «دار الندوة» التي توحي المعلومات المتعلقة بها أنها تقوم على الأروقة كما أورد ذلك الدكتور يحيى بن جنيد في بحثه المعنون «جدلية الرواق: أزمنة العمارة المكية للمسجد الحرام». وفي تقديري أن هناك جانبين لم يستوفيا حقهما من البحث والتوثيق والدراسة في تاريخ الحرمين الشريفين، وهما الجانب العمراني وما يتعلق بأثر عمارة المسجد الحرام والمسجد النبوي في العمارة الإسلامية، والجانب التعليمي كون الحرمين الشريفين أقدم الجامعات الإسلامية، ولعلني أعود في بحث مستقل إلى هذين الجانبين. أما ما يتعلق بفرادة تصميم عمارة المسجد الحرام وأصلها المكي والرؤية السعودية حول ذلك، فيشير تقرير توثيقي عن مشروع التوسعة السعودية الأولى أصدرته وزارة المالية والاقتصاد الوطني (الجهة المشرفة على المشروع) وأعدّه اتحاد المهندسين الاستشاريين في باكستان (استشاري المشروع)، وأنقل بعض ما جاء فيه هنا بتصرف، إلى أن «فرادة الأسلوب المعماري الذي تم إنجازه في التوسعة السعودية وتميز طابعه من حيث النسق والجمع بين الأساليب الإسلامية المختلفة والطراز التاريخي التليد، فهو على الشكل الذي صُمّم وأنجز به، منعدم النظير في العالم الإسلامي. وكان طبيعياً أن تأتي هذه المهمة الفريدة، مهمة عمارة المسجد الحرام، بطابع فريد. وجدير بنا للمزيد من تفهم هذا الأسلوب الفريد أن نستعرض بإيجاز المظاهر التي يشترك بها مبنى الحرم في التوسعة السعودية الأولى مع المساجد الكبرى في العالم الاسلامي، ثم نوضح بالمقارنة ذلك التناسق الفريد الذي تجلى عنه البناء بطابعه الذي تم عليه».

مخطط للحرم المكي الشريف والمسجد الحرام وذلك في عهد الملك عبد العزيز عام 1931م (غيتي)

التصميم والإبداع المعماري في التوسعة

إن الأروقة ذات الأعمدة في بناء الحرم الجديد تحاكي بوضوح الطراز العربي العريق في بناء المساجد (الذي انطلق من الحرمين الشريفين) إلى المسجد الكبير في الكوفة ومساجد العراق والشام، ثم مساجد مصر وشمال أفريقية والأندلس. ومن حيث الخطة والتصميم، نجد أن الشكل المُثمّن الأضلاع يحاكي قبة الصخرة في القدس، ولكننا لا نلبث هنا حتى ندرك الفرق الشاسع بين بنيان الحرم المكي والمساجد الأخرى، نجد أول ما نجد أن جميع المساجد يتوخى في بنائها توجيه المؤمنين في صلاتهم نحو مكة المكرمة والكعبة المشرّفة؛ وبذا ينصبّ تصميمها على شكل هندسي قائم الزوايا، قياساً على وجهة المحراب. أما الحرم المكي فيستوجب بناؤه الإحاطة بالكعبة المشرفة والدوران حولها من جميع جوانبها. وبذا يكون كل حيز في المبنى منبعثاً من المركز، من الكعبة المشرفة.

إن الشكل المُثمّن في التصميم يسهّل أداء هذه الغاية رمزاً وعملاً. ومع ذلك، فهو يختلف في صورته الثمانية عن كثير من الأبنية المثمنة الشكل، كقبة الصخرة مثلاً، وعن الأبنية المربعة أو المستطيلة الشكل كمسجد الكوفة.

ثم إننا لو أمعنا النظر في الأروقة ذات الأعمدة لوجدناها تختلف عن مثيلاتها من المباني التاريخية؛ ذلك أنها مقسمة أقساماً منفصلة عن بعضها بعضاً، منها ما هو خاص بالصلاة ومنها ما هو خاص بمرور المصلين مما يلطف الشعور بالجزء، الذي يستوعبه الشكل في الأبنية الأخرى، زد إلى ذلك تصميم البناء على طابقين بسقوف عالية مما يوضح الفارق بجلاء، كما أن المآذن السبع التي تعلو جنبات المسجد تفوق في عددها مآذن المساجد الأخرى، فضلاً عما تسبغه من الجلال الذي يتسم به هذا المكان المقدس.

الأروقة التاريخية وترميم الكعبة المشرّفة

والميزة الأخيرة التي أضفت على البنيان حلته الفريدة هي طابعه المتكامل، فاستبقاء «الأروقة التاريخية» التي يرجع عهدها إلى أربعمائة سنة خلت (بُنيت عام 984هـ - 1576م)، وضمها في نسق مع البنيان الجديد إنما هو انجاز معماري يضاهي في تصوره وواقعه أعظم الإنجازات في تاريخ الفن المعماري. وهكذا تجلى الحرم المكي بأسلوبه النهائي وحلته الفريدة عن حس بالأزل لا يعرف الماضي ولا الحاضر ولا المستقبل؛ لأن الباعث من جميع معالمه صادر من الكعبة المشرفة.

لقد مرّ المشروع بمراحل متعددة كما واجه تحديات فنية، وكانت هذه التوسعة التي بدأت في عهد الملك سعود هي العاشرة في تاريخ المسجد الحرام، وهي عمارة لم يشهد الحرم المكي لها مثيلاً وذلك من حيث المساحة، ومواد البناء المستخدمة، والجوانب المعمارية، وفخامة البناء، والإنجاز المحكم. ومر المشروع الذي أُسند تنفيذه إلى مدير الأبنية والإنشاءات المعلم محمد بن لادن بمراحل متعددة؛ إذ كلف بن لادن المهندس المعماري فهمي مؤمن (مصمم مشروع عمارة المسجد النبوي) تصميم مشروع عمارة الحرم المكي، فجاء تصميمه الابتدائي مبنى مستديراً بصفوف دائرية حول الكعبة، وكُلّف المهندس المعماري محمد طاهر الجويني عمل تصميم بديل، وكانت فكرته البديلة أن يجعل المسجد مربع الشكل مع مربعات متمركزة حول الصحن، وكان التصميمان المبدئيان يتضمنان إزالة كامل المباني والأروقة القديمة في الحرم. وتم اعتماد الفكرة البديلة وبدأ التنفيذ على ذلك الأساس. وضع الملك سعود حجر الأساس للتوسعة السعودية الأولى للمسجد الحرام يوم الخميس 23 شعبان 1375ه – 24 مارس (آذار) 1956م، وكان العمل قد بدأ في النصف الخارجي من المبنى الجديد وتركت العمارة القديمة لتأدية الصلوات فيها ريثما يتم الانتهاء من المبنى الجديد وشملت المرحلة الأولى (1375ه - 1955م إلى 1381ه - 1961م) إزالة المباني المحيطة بالحرم من الجهة الجنوبية، وتحويل الطرق والشوارع، والبدء في بناء الأروقة الجنوبية بأدوارها المتعددة (القبو والدور الأرضي والدور الأول)، كما شملت جميع أعمال الخرسانة في المسعى، ومجرى السيل المغطى، وباب الملك عبد العزيز، وباب العمرة، كما تم تشطيب أماكن مختلفة من تلك المباني، وتركيب الأبواب والشبابيك وتوسعة المطاف، وذلك بإزالة مباني المقامات الحنفي والحنبلي والمالكي، مع الإبقاء على المقام الشافعي لكونه فوق بيت بئر زمزم، والذي أزيل في عام 1383هـ - 1963م، وتم عمل قبو لبئر زمزم في الجهة الشرقية من المطاف، كما تم خلال هذه المرحلة وفي العام 1377ه – 1958م ترميم الكعبة المشرفة، وشمل ذلك إزالة أخشاب السقف العلوي وإعادة بنائه، وتجديد السقف الخشبي الداخلي، وترميم الجدران الداخلية وإصلاح رخامها.

* غداً في الحلقة الثالثة... لماذا رفض الملك فيصل مقترح الهيئة الإستشارية الهندسية الإسلامية العالمية بهدم الأروقة، وما هو القرار التاريخي الذي أصدره وأصبح تحدياً أمام المهندسين.


مقالات ذات صلة

السعودية: بدء حجز الباقات لحجاج الداخل

الخليج إتاحة استعراض الباقات واختيار الأنسب منها لحجاج الداخل (تصوير: بشير صالح)

السعودية: بدء حجز الباقات لحجاج الداخل

أعلنت السعودية، الأربعاء، بدء مرحلة حجز باقات الحج للراغبين في أداء الفريضة من المواطنين والمقيمين ممن لديهم إقامة سارية، لموسم هذا العام، إلكترونياً.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
الخليج وزارة الحج والعمرة السعودية أكدت أن حقوق ضيوف الرحمن أولوية قصوى وأن جودة الخدمات المقدمة تمثل خطاً أحمر لا يُسمح بتجاوزه (واس)

السعودية: إيقاف «شركتَي عمرة» لمخالفة التزامات السكن للمعتمرين

أعلنت وزارة الحج والعمرة السعودية، السبت، إيقاف شركتَي عمرة، بعد رصد مخالفة تمثلت في عدم الالتزام بتوفير خدمات السكن للمعتمرين وفق البرامج التعاقدية المعتمدة.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
الخليج مكة المكرمة (الشرق الأوسط)

السعودية: «الحج والعمرة» توقف التعاقد مع 1800 وكالة سفر خارجية لقصور الأداء

أعلنت وزارة الحج والعمرة السعودية إيقاف التعاقدات القائمة مع 1800 وكالة سفر خارجية تعمل في مجال العمرة، من أصل نحو 5800 وكالة، لقصور الأداء.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
رياضة سعودية يتضمن برنامج رحلة المشاعر المقدسة زيارات ميدانية إلى المشاعر المقدسة (الشرق الأوسط)

«رحلة المشاعر المقدسة»... مبادرة سعودية لتعريف الشباب بمنظومة خدمة ضيوف الرحمن

انطلق الثلاثاء برنامج «رحلة المشاعر المقدسة» في مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة الذي تنظمه وزارة الرياضة ويستمر حتى 29 يناير الجاري

عبد الله الزهراني (جدة)
شمال افريقيا معتمرون مصريون يتأهبون لرحلة جوية لأداء المناسك (وزارة السياحة المصرية)

ملاحقة مصرية مستمرة لـ«شركات الحج الوهمية»

تلاحق الداخلية المصرية «شركات الحج والعمرة الوهمية» في حين أكدت وزارة السياحة على أهمية الالتزام الكامل بحصول حجاج السياحة على «شهادة الاستطاعة الصحية»

وليد عبد الرحمن (القاهرة )

«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

لعل أسوأ السيناريوهات التي كان يتم تخيلها في كواليس صنع القرار حدثت. باغتيال المرشد السابق علي خامنئي، استخدمت واشنطن وتل أبيب أسلوب «الصدمة والرعب» نفسه الذي اتبعته إسرائيل في السنتين الأخيرتين، والذي برهنت التجربة أنه يحقق نجاحاً خارقاً قبل فقدان الزخم مع نهاية الحملة العسكرية.

لكن هذه المرة كسر الرئيس دونالد ترمب المحظور وفتح صندوق باندورا المنطقة على حرب بحجج غير متماسكة ونهاية غير واضحة، وفرض معركة ردع متبادل مع النظام الإيراني الذي خسر صورته في الردع الإقليمي. هذا التوسّع في نفوذ المشروعين في الشرق الأوسط، الذي تراوح بين الصدام والتعايش، وصل إلى مفترق طرق.

المشروع الخامنئي، الذي حكم أربع عواصم عربية لعقود، وتعرّض لنكسات متتالية في العقد الأخير بعد بلوغه ذروته التوسعية بعد «الربيع العربي»، أرهق موارده المحدودة وفتح أعين أميركا عليه كما شهية إسرائيل لمقارعته.

استحالة إدارة هذا التعايش أدت إلى صدام محتوم لم تتعامل الإدارة الأميركية الحالية معه بصبر القوى العظمى الاستراتيجي.

في تدخل عسكري هو الأول من نوعه منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، شاب حرب ترمب على إيران عدم وضوح النهاية. خطاب الرئيس مزج منذ بداية الحرب بين أهداف استراتيجية متقلبة وجداول زمنية مرنة للضغط على النظام الإيراني، لكن مع الوقت فقدت إدارته السيطرة الإعلامية والنفسية على الحرب، كما ظلت مترددة في الذهاب بعيداً في خيارات التصعيد العسكري. أدى عدم تمكن واشنطن من تقويض النظام الإيراني سريعاً إلى قناعة بأن الإبقاء على الإيقاع الإسرائيلي يعني توسيع التورط الأميركي.

حضر قائد «الحرس الثوري» الإيراني حسين سلامي (يسار) برفقة قائد «البحرية» الأدميرال علي رضا تنكسيري حفل الكشف عن قاعدة صواريخ تحت الأرض في مكان غير مُعلَن بجنوب إيران (د.ب.أ)

من يتخذ القرار في إيران؟

في المقابل، هناك عدم وضوح حول مَن يتخذ القرارات في طهران التي يبدو أنها تدفع أثمان تبعات اغتيال قاسم سليماني عام 2020 مروراً بإسماعيل هنية وصولاً إلى حسن نصر الله. والآن ستلحق نفسها بسياسة ردعية بعد اغتيال خامنئي الذي كان يحترف اللعب على حافة الهاوية لموازنة الدينامية بين المحافظين والإصلاحيين، بين «الحرس الثوري» والفريق التفاوضي.

يأتي المرشد الجديد مجتبى خامنئي، ليس فقط ليكرّس إشكالية التوريث في الداخل، بل ليعزّز دور المؤسسة الأمنية على حساب الدينية. وهناك تساؤلات لم تتضح بعد حول معالم انتقال السلطة الجديدة في طهران ومن يدين بالولاء لها ومراكز القرار فيها.

هل تتشكل سلطة جماعية ومتنازع عليها في طهران أم يحكِم مجتبى قبضته على مفاصل الدولة؟ في حال طبعاً لم يتعرض لاغتيال. شرعية مجتبى مرتبطة باستمرار الحرب التي يحتاج إليها في المدى المنظور لتكريس موقعه الجديد؛ لأن ما يترتب على انتهاء الحرب، ليس فقط مواجهة التساؤلات حول شرعيته مرشداً، بل حسم قرار كيفية التعامل مع واشنطن على المدى المتوسط لكسر الحصار الجوي على إيران وتوفير الوقت والموارد لترميم ما دمرته الحرب والعقوبات.

لوحة دعائية ضخمة عليها صور لصواريخ إيرانية في طهران (رويترز)

توازن يشابه الردع

اعتقدت واشنطن أن تكلفة الردع الإيراني منخفضة بما يكفي للتدخل العسكري ضدها، وبالتالي خلصت وإسرائيل إلى أن فرصتهما في تحقيق أهدافهما بالوسائل العسكرية أكبر منها بالوسائل الدبلوماسية، وكان ذلك سوء تقدير في حسابات الردع. دمرت أميركا القدرات العسكرية التقليدية للنظام الإيراني، لكنها لا يبدو أنها نجحت في وقف قدرته على إطلاق الصواريخ الباليستية وتقييد الملاحة الدولية في مضيق هرمز الذي أخذته طهران رهينة كردع اقتصادي في «استراتيجية عقابية» كلاسيكية ربطت بين استهداف النظام وإلحاق الضرر بالاقتصاد العالمي. التكلفة جاءت كأكبر اضطراب في الإمدادات في العالم منذ أزمة الطاقة في السبعينات؛ ما أجبر إدارة ترمب على رفع العقوبات مؤقتاً عن النفط الإيراني في محاولة لتخفيف أزمة الطاقة.

استراتيجية الردع الإيرانية مرت في ثلاث مراحل خلال هذه الحرب. الهدف الرئيسي في المرحلة الأولى كان بقاء النظام بما يعنيه منع الانهيار والتفكك الداخلي، وتفادي انتفاضة شعبية. في ظل فراغ منصب المرشد، أطلقت المنظومة الأمنية في طهران العنان لجنون ردعي غير مسبوق، وعندما تداخلت الرسائل الأميركية مع فكرة تغيير النظام تعاملت طهران مع الحرب على أنها مسألة وجودية، على الرغم من إدراكها أنها لا تستطيع كسب حرب تقليدية مع واشنطن.

إيرانيات يتنزهن بحديقة بارديسان في طهران الخميس (رويترز)

في المرحلة الثانية، كانت الاستراتيجية الإيرانية تسعى لزيادة تكلفة الحرب على واشنطن كما على الاقتصاد العالمي. «مصداقية الردع» هي النقطة الأساس حالياً. لأن إيران، ستظهر بمظهر المنهزم استراتيجياً فيما لو تلقت ضربات على مستوى اغتيال خامنئي من دون رد فعل منها، فبذلك تُخاطر بانهيار «الردع الإقليمي»، وفقدان المصداقية لدى الوكلاء، ورد فعل عنيف داخلياً. استخدمت كل من واشنطن وطهران في الأسبوع الأخير ما سماه توماس شيلينغ «دبلوماسية العنف»، أي التهديد العسكري المستمر وسيلةَ ضغطٍ.

الحافز الإيراني الآخر في المرحلة الثانية هو الحفاظ على تماسك النظام الداخلي عبر استمرار حرب خارجية تمنع الانقسامات بحيث يكتسب المتشددون داخل المؤسسات الأمنية نفوذاً إضافياً.

الأسبوع الأخير كان حاسماً في معركة مضيق هرمز والبنى التحتية للطاقة؛ فوصلت المواجهة والتهديدات إلى لحظة الذروة، فكان قرار خفض التصعيد حين امتنع الخصمان عن شن هجوم شامل بعد اقتناع ضمني بقدرة بعضهما بعضاً على إلحاق خسائر انتقامية لا يمكن تحملها في إطار الرد الانتقامي. وبعدما علق الجانبان في دوامة من الإنذارات والردود الانتقامية برزت بوادر خيارات عقلانية، أقرَّت بضرورة فتح شكل من أشكال قنوات الاتصال مع رسم مسبق لخطوط حمراء واضحة.

أمسك ترمب بزمام مبادرة إعلان انطلاق التفاوض؛ ما أربك ليس إيران فحسب، بل فاجأ إسرائيل أيضاً. المناورة انتقلت من الميدان إلى التفاوض، وبالتالي من يصرخ أولاً يفرض شروط انتهاء الحرب.

عمال إنقاذ يعملون على إزالة ركام مبنى دُمّر بغارة إسرائيلية على طهران (رويترز)

وساطة عبر 3 مسارات

في هذا السياق، كانت مصادر دبلوماسية عربية لـ«الشرق الأوسط» أكدت أن هناك وساطة متقدمة و«اتصالات قوية» تقودها كل من باكستان ومصر وتركيا عبر ثلاثة مسارات داخل النظام الإيراني، هي «الحرس الثوري» والخارجية الإيرانية ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف. تستخدم كل من هذه الدول الثلاث قنواتها الخاصة. وتشير المصادر إلى أنه حالياً ليس هناك غير هذه الدول من قد يرغب في القيام بوساطة، سيما وأنها لم تتعرض لهجمات صاروخية إيرانية. كذلك، تؤكد المصادر وجود عروض أميركية متقدمة، ومسعى لإيجاد نوع من الحل الوسط قدر الإمكان. لكن التحدي أن الأميركيين يضغطون في عامل الوقت ويستعجلون الاتفاق، في حين الإيرانيون يرون أن الوقت لا يكفي، خصوصاً أن حركتهم وتواصلهم فيما بينهم صعبان لتفادي رصدهم من الإسرائيليين.

لوحة إعلانية في طهران تحمل صور قائد «الحرس الثوري» السابق عباس نيلفوروشان وأمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله وزعيم «حماس» السابق إسماعيل هنية (أرشيفية - رويترز)

وكلاء إيران والمواجهة الكبرى

الشق الثاني في الردع هو أذرع إيران الإقليمية. كان هناك شيء من الرومانسية في الحديث عن فكرة الجبهات المفتوحة والمتزامنة لوكلاء النظام الإيراني؛ هي فكرة تقوم على أساس أن الهجوم على أحد أطراف المحور يعدّ هجوماً على الكل. لكن هذا الدفاع الجماعي تحقق جزئياً ومرة واحدة فقط بعد عملية «طوفان الأقصى» عام 2023 قبل أن يتعرض المحور بمجمله لضربات متتالية. في الحرب الأولى بين إيران وإسرائيل عام 2025 وقفت أذرع إيران على الحياد، لكنها دخلت عنوة على خط الحرب الدائرة حالياً بعد اغتيال خامنئي.

تعرض المحور إلى إغتيالات مستهدفة متتالية من إسرائيل وأميركا أدت إلى اهتزاز ركائزه، وجاءت العقوبات الأميركية على النظام الإيراني منذ 2019 لتقلّص موارده، كما واجه تحديات في خطوط الإمداد من إيران عبر العراق وسوريا إلى لبنان.

والآن، تدخل أذرع إيران الإقليمية في مرحلة جديدة قد تحدّد مصيرها ووظيفتها في السنوات المقبلة، في معركة تخوضها طهران هذه المرة في الصفوف الأمامية بعدما تقلصت مروحة وكلائها بعد تطورات سوريا وغزة. ويبدو واضحاً أن الاستراتيجية الإيرانية تقوم على توسيع الساحات وليس بالضرورة وحدتها، على أن يكون القرار المركزي في طهران بشكل غير مسبوق. فللمرة الأولى ينسق «الحرس الثوري» عمليات وإطلاق صواريخ متزامنة مع «حزب الله» و«الحشد الشعبي»، أي التركيز على قيادة الردع بالاعتماد على ما تبقى من الوكلاء في لبنان والعراق.

«حزب الله» يقاتل بترسانة مستنفدة وهيكلية في طور إعادة التنظيم وبيئة شعبية منهكة، في حين «الحشد الشعبي» الذي تفادى لسنوات المواجهة المباشرة مع الجيش الأميركي، كسر المحظور أيضاً في استهداف القوات والمصالح الأميركية في بغداد وأربيل ودول الجوار؛ ما يغير معادلة الردع الأميركي وقد يعزز النفوذ الإيراني في العراق إذا استمرت الدينامية الحالية للحرب حتى انتهائها.

لكن «الحشد الشعبي» منقسم بين خلايا مدفوعة آيديولوجياً تواصل شن الهجمات باسم طهران، وأصحاب نفوذ في الدولة العراقية الذين يرون بشكل متزايد أن المواجهة تضرّ بمصالحهم، والنتيجة هي رادع منقسم: بعض الفصائل تقاتل، وأخرى تنسحب؛ ما يضعف مصداقية التهديد ككل.

صورة للأمين العام الأسبق لـ«حزب الله» حسن نصر الله بين أنقاض مبنى لـ«القرض الحسن» دمرته غارة إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)

ساحات قتال محلية

كل هذه التطورات تنعكس توتراً أمنياً وسياسياً بين واشنطن وطهران في لبنان والعراق. الأزمة السياسية في لبنان تتفاعل، لكنها لم تخرج عن السيطرة بعد. الصراع الأميركي - الإيراني أكثر حدة في العراق وانتقل إلى المؤسسات الأمنية، لكن الميليشيات المدعومة إيرانياً تستمر بأنشطتها العسكرية، في حين سمحت الحكومة العراقية لقوات الحشد الشعبي بالرد على أي استهدافات.

الوضع مغاير تماماً في قطاع غزة واليمن.

إدارة ترمب تمكنت من تحييد جبهة غزة نسبياً، وبالتالي حسابات حركة «حماس» مغايرة في هذه المرحلة مع تجميد قدرات جناحها العسكري، في ظل السيطرة الأميركية - الإسرائيلية المحكمة على القطاع والانقسامات الداخلية على قيادة الحركة والمرشحة إلى الزيادة حسب كيفية انتهاء هذه الحرب.

من جهة أخرى، اتخذ الحوثيون موقف الحياد النسبي بما يتناسب مع التحولات في الداخل اليمني التي تستدعي التريث. كما يحتفظ النظام الإيراني بالحوثيين ورقةً احتياطية للتهديد المطلق على البحر الأحمر.

ماذا بعد الحرب؟

السؤال الرئيسي اليوم هو عما: إذا كانت طهران ستصر على شمل «حزب الله» في أي مفاوضات لإنهاء الحرب، أم ستتفرغ إسرائيل للحزب وتفرض أمراً واقعاً جنوب الليطاني؟ هذا سيكون أول اختبار لعلاقة النظام الإيراني الجديد مع أذرعه الإقليمية، لا سيما في لبنان والعراق.

فإذا أوقفت أميركا الحرب مع إيران، هل تبقى العصا الإسرائيلية مرفوعة ضد النظام الإيراني لاستخدام الضرورة؟ مهما كان السيناريو النووي الأميركي - الإيراني، حتى الآن يبقى وكلاء طهران تحت الضغوط الأميركية - الإسرائيلية، لكن من دون القدرة على فرض الاستسلام الكلي. هذه الضبابية ستؤدي إلى تقلص تدريجي لوكلاء النظام الإيراني، لكن قد لا تفتح الباب أمام التسويات الكاملة في المدى المنظور. لا المواجهة بين إيران وإسرائيل ولا الهدنة بينهما ستعالج الأزمات المحلية في بلدان هذه الجبهات، ولا المعارك المفتوحة بين إسرائيل ووكلاء إيران الذين يستعدون لمرحلة جديدة.

يقول كارل فون كلوزفيتز: «الحرب ليست سوى استمرار للسياسة بوسائل أخرى». الخروج من الردع إلى التفاوض في حسابات بقاء النظام كانت عبر مؤشرات بدأت تخرج من طهران بعدما هيمن المتشددون في «الحرس الثوري» بشكل مطلق على الاستراتيجية في أول أسبوعين من الحرب.

من ملامح هذه المؤشرات مواقف شخصيات تتمتع بعلاقات واسعة في الأوساط الدينية والسياسية والأمنية، معتدلون ضمن الهياكل المتشددة، محافظون لكن براغماتيين، قادرون على التواصل مع كل من المتشددين والتكنوقراط، وهم مفاوضون استراتيجيون ذوو خبرة في الدبلوماسية.

هؤلاء تسعى واشنطن للتواصل معهم وتحاول إسرائيل اغتيالهم مثلما فعلت مع علي لاريجاني. التحوّل الكبير الآن ليس بين واشنطن وطهران، بل في بداية افتراق المصالح الأميركية - الإسرائيلية في هذه الحرب. ترمب فاجأ تل أبيب بقرار وقف زخم الحرب ودرس احتمالات خفض التصعيد، كما أرسل أكثر الأصوات رفضاً للحرب داخل إدارته لإيصال هذه الرسالة إلى بنيامين نتنياهو، وهو نائب الرئيس جي دي فانس. انتقل الطرفان من الحرب إلى التفاوض بالنار عبر رفع استعراضي لسقف المفاوضات وتحديد متبادل لهويات المفاوض في الطرف الآخر بحيث واشنطن تفضل قاليباف وطهران تفضل جي دي فانس. هذه بداية لاستكشاف النوايا وإعادة بناء الثقة على وقع حرب مستعرة.

تُعرض لافتات تحمل صورة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي بأحد شوارع طهران وسط الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران (رويترز)

ميزان الربح والخسارة

مفهوم الانتصار نسبي للطرفين؛ فمجرد البقاء على الطاولة ينظر إليه النظام الإيراني على أنه انتصار رغم الخسارات الكبيرة. بعد الحديث عن تغيير النظام في الأيام الأولى، حتى الطرف الإسرائيلي بدأ يتراجع عن هذا الخطاب بإيعاز أميركي بعدما أطلقت طهران العنان لجنونها وأصبحت المنظومة الأمنية تتصرف كميليشيا تستنزف أميركا ومصالحها، في حين إدارة ترمب تقود حرباً عسكرية تقليدية. ترمب الذي كان لا يمكن التنبؤ بأفعاله اعتمد «الحذر الاستراتيجي» في الرد، في حين النظام الإيراني المتردد في الردع أصبح خارج السيطرة. السرديات تغيرت. التركيز أصبح على من يسيطر على مضيق هرمز لا على تغيير النظام الإيراني. ترمب يفاوض بالنار والنظام الإيراني يردع بالبقاء. الجمود الدبلوماسي في «النووي» ينعكس الآن جموداً عسكرياً في الميدان، والخيار يتراوح بين إيجاد حلول عقلانية أو الانتقال إلى خيارات أكثر دراماتيكية. الطرفان يريدان إنهاء الحرب، لكن بشروط تساعدهما على تسويق وقف إطلاق النار داخلياً.

على الضفة الأخرى، من مصلحة موسكو وبكين عدم انتصار ترمب وسيطرته على كل منابع الطاقة وطرق الإمداد الرئيسية، وإيران جزء من هذا النزاع الدولي الأشمل على الموارد والنفوذ. إذا لم يستكمل ترمب المهمة، تخسر واشنطن بعضاً من صورتها بوصفها شرطي العالم وضامن الملاحة الدولية. ترمب لمّح إلى أنه في حال كان هناك اتفاق مع طهران سيدير مضيق هرمز مع المرشد الإيراني الجديد، ما يشبه سيناريو التنافس الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة في بحر الصين الجنوبي.

لكن نصف تدخل عسكري أميركي مع تردد في التورط وهشاشة في تحمّل التبعات الاقتصادية يعطي الأفضلية للنظام الإيراني في المدى المنظور ويعزز سطوته الداخلية، مع تبعات طويلة الأمد على استعادة القوة والزخم ما لم يحدّه اتفاق واضح مع الغرب.


كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
TT

كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)

يقول المؤرخون إن الطاغية الكوبي فلوخنسيو باتيستا الذي هرب إلى الولايات المتحدة بعدما أطاحته الثورة مطلع عام 1959، لم يندم في حياته سوى على قرار واحد وهو العفو عن فيديل كاسترو بعد سنتين من اعتقاله عام 1953 لمشاركته في الهجوم الذي تعرّضت له ثكنة «مونكادا» العسكرية على يد مجموعة من الثوار.

قبل ذلك الهجوم كان فيديل، المتخرج حديثاً من كلية الحقوق في جامعة هافانا، تقدّم بشكوى ضد باتيستا لانتهاكه أحكام الدستور. لكن المحكمة رفضت الشكوى، ما دفع فيديل إلى القول إن ذلك الرفض يعطي شرعية للكفاح المسلح كسبيل وحيد لقلب النظام، وشارك مع مجموعة من رفاقه في التخطيط لسلسلة من الهجمات على عدد من الثكنات العسكرية، تمهيداً للدعوة إلى تمرد شعبي على النظام الذي كانت تدعمه وتموّله الإدارة الأميركية.

مؤيدون للتدخل العسكري الأميركي في كوبا يرفعون لافتة كتب عليها «كوبا التالية. فلنكمل المهمة» في فلوريدا في 24 مارس 2026 (أ ف ب)

بعد فشل تلك الهجمات ألقي القبض على فيديل وأودع السجن ليخرج منه بعد عامين بموجب عفو عام أعلنه باتيستا تحت وطأة الضغط الشعبي، وانتقل لفترة وجيزة إلى الولايات المتحدة حيث أوشك أن ينخرط كلاعب محترف في أحد نوادي البيسبول، لكنه ما لبث أن توجه إلى المكسيك حيث باشر بالتخطيط مع رفاق له لاجتياح عسكري ضد نظام باتيستا. وبعد حصوله على التمويل اللازم من مصادر متنوعة، عاد إلى كوبا على متن اليخت «غرامّا» برفقة 82 من الثوّار المسلحين، بالتنسيق مع مجموعة أخرى في الداخل كانت تخطط للسيطرة على سانتياغو، ثاني المدن الكوبية.

لكن الإنزال البحري فشل، ولم ينجُ من الثوار سوى فيديل وعدد ضئيل من رفاقه، بينهم شقيقه راؤول وتشي غيفارا، وانتقلوا إلى سييرا مايسترا حيث أعادوا تنظيم صفوفهم، وبدأت حرب العصابات ضد النظام، التي برز خلالها تشي غيفارا، خصوصاً في معركة «سانتا كلارا» الشهيرة، إلى أن سقط باتيستا وفرّ من كوبا بعدما انقلب عليه عدد من كبار ضبّاط القوات المسلحة.

بعد سقوط باتيستا، دخل فيديل إلى هافانا فجر اليوم الثامن من عام 1959 دخول الفاتح الذي سينقذ كوبا من «عفن الفساد والتخلف والتبعية المفرطة للولايات المتحدة»، التي كانت حوّلت «لؤلؤة الكاريبي» إلى مرتع لعصابات الإجرام والدعارة والمخدرات وزعماء المافيا مثل لوكي لوتشيانو ورفاقه، حتى قال عنها آرثر شليسنغر مستشار الرئيس الأميركي الأسبق جون كيندي: «كنت شغوفاً إلى حد بعيد بهافانا، لكني شعرت بصدمة كبيرة عندما رأيت هذه المدينة الرائعة وقد تحولت إلى كازينو واسع وماخور لرجال الأعمال الأميركيين الذين كانوا يتجولون في شوارعها برفقة فتيات في الرابعة عشرة من العمر، ويرمون قطع النقود في أقنية الصرف لمجرد مشاهدة الرجال يركضون لالتقاطها. وكان لا بد أن أسأل نفسي السؤال التالي: هل يمكن أن ينظر أهل الجزيرة إلينا إلا بعيون النقمة والحقد؟».

فيدل كاسترو... حاول الأميركيون إطاحته في إنزال خليج الخنازير وبسيجار وقلم مسمومين وببدلة غوص ملوثة ببكتيريا السل (أرشيف نيويورك تايمز)

الصعود إلى السلطة

منذ تسلّمه السلطة في ذلك العام، حتى رحيله خريف عام 2016 بعدما نكث بكل الوعود التي كان قد قطعها في بداية الثورة مثل إجراء انتخابات حرة والتناوب على الحكم، كان فيديل كاسترو قد ترك بصماته العميقة على حياة ثلاثة أجيال من الكوبيين، وألهم عشرات الحركات التحررية في أميركا اللاتينية والعالم، ووضع قطبي الحرب الباردة على شفا أول صدام نووي في التاريخ بعد أزمة الصواريخ الشهيرة التي أشعلت المواجهة السياسية بين واشنطن وموسكو.

حكم كاسترو بلاده بقبضة من حديد، متفرداً في السلطة والقرار، ومستنداً إلى قدرة خطابية نادرة، ورمزية ثورية عالية كانت محط إعجاب اليساريين والحركات الثورية في العالم. وفي عهده، حققت الثورة الكوبية إنجازات مبهرة في مجالات التعليم والصحة والأمن والبحوث، لكنها وقعت أيضاً في فخ الاعتماد المفرط على الاتحاد السوفياتي عندما تعرّضت لحصار أميركي خانق لا يزال مستمراً إلى اليوم، وفشلت في تطوير قطاعاتها الإنتاجية وتنويعها، وتخلّت عن كل الوعود بضمان الحريات الفكرية والسياسية، وتحوّلت أجهزتها الأمنية إلى أدوات ترهيب وقمع تنكّل بالأصوات المعارضة التي تطالب بالمحاسبة.

صور الزعيم الكوبي فيديل كاسترو والرئيس الفنزويلي الأسبق هوغو شافيز عند مدخل مبنى في هافانا (أ ب)

وعندما انطفأ «الكوماندانتي» أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 بعد نصف قرن تقريباً من الحكم المطلق، أي تماماً في الذكرى السنوية الستين لانطلاق الثورة، كان أرسى دعائم نموذج اقتصادي اشتراكي هزيل الإنتاج، وضرب بسيف ستالين كل منافسيه وأعدائه الذين جرّدهم من المال والحرية، وكانت هوية الجزيرة قد ذابت كلياً في صورته ولحيته الشهيرة، وسبابته التي اعتاد أن يرفعها خلال خطبه الطويلة مفاخراً ومتحدياً.

رحل فيديل من غير أن يترجّل يوماً عن صهوة أحلامه «الدون كيشوتية»، محاطاً بهتافات ودموع الذين رفعوه فوق مراتب الشك والمساءلة، وأيضاً بصمت ولعنات الضحايا الذين سقطوا بالآلاف على «طريق الثورة».

شارع في وسط هافانا - كوبا (أ.ف.ب)

آليات صمود «دون كيشوتي»

عاد المراقبون لطرح السؤال نفسه الذي كانوا بدأوا يطرحونه عند مغارب القرن الماضي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانقطاع الشريان الأبهر الذي كان يمدّ كاسترو بالدعم السياسي والدبلوماسي والمساعدات الحيوية: كيف استطاع النظام أن يصمد طوال تلك الفترة من غير حليفه التاريخي وتحت وطأة الحصار الأميركي؟

كثرت التحليلات السياسية والاقتصادية للإجابة عن هذا السؤال، وتوافقت على مجموعة من الأسباب، أبرزها: أولاً، الطبيعة المحلية الصرفة للثورة التي توفرت كل عناصرها ونضجت في كوبا، ولم تفرضها الدبابات السوفياتية، ما أعطى نظام كاسترو هامشاً واسعاً من الاستقلالية في التحرك الدبلوماسي إزاء موسكو التي كانت تحتاج إليه في الحرب الباردة بقدر ما كان هو يحتاج إليها.

يضاف إلى ذلك أن صيرورة الثروة، بخاصة النصر الذي حققه الثوار على قوات النظام المتفوقة بالعدة والعديد، أضفى عليها مسحة روائية وشبه سينمائية كما كان يقول غابرييل غارسيّا ماركيز. ثانياً، شخصية كاسترو التي لا قرين لها في التاريخ الأميركي اللاتيني، التي تجاوزت شخصيات أخرى تاريخية في المنطقة مثل سيمون بوليفار في فنزويلا أو أميليانو زاباتا في المكسيك. ثالثاً، فشل المحاولات العديدة التي قامت بها الولايات المتحدة لإسقاط النظام، بما في ذلك عشرات المخططات لاغتيال كاسترو كما اعترفت وكالة الاستخبارات الأميركية، والحصار الاقتصادي الخانق الذي ضربته عليها منذ بدايتها. ورابعاً، المساعدات الاقتصادية الضخمة التي قدمها الاتحاد السوفياتي للنظام في العقود الثلاثة الأولى من عمر الثورة وحتى نهاية الحرب الباردة.

عامل نظافة يكنس طريقاً في وسط العاصمة الكوبية هافانا بعد ليلة كاملة من انقطاع الكهرباء التام في الجزيرة (أ.ف.ب)

في سبعينات وثمانينات القرن الماضي لعبت الثورة الكوبية دوراً كبيراً ساعد على ظهور الحركات التحررية في أميركا اللاتينية وبعض دول العالم الثالث، ومدّها بالخبرات العسكرية والمساعدات الاجتماعية في مجالات التعليم والصحة، ما زاد في وهجها وأضفى عليها هالة شبه أسطورية من حيث قدرتها على الصمود. وقد برع النظام الكاستري في بناء هوية وطنية قوية انطلاقاً من وعي قومي كان ضعيفاً وملتبساً، ونجح بنسبة عالية جداً، خلافاً لما حصل في الولايات المتحدة، في صهر روافد الهجرة الأفريقية ضمن هذه الهوية التي تألق في وصفها شاعر كوبا الكبير خوسيه مارتي الذي اقتبس باراك أوباما من إحدى قصائده عبارة «فلنزرع وردة بيضاء»، لافتتاح خطبته الشهيرة في زيارته التاريخية إلى الجزيرة لتطبيع العلاقات ربيع عام 2016، أي قبل أشهر من وفاة فيديل.

درّاجان يعبران بجدارية للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو وخلفه راوول كاسترو والرئيس الحالي ميغيل دياز كانل في وسط هافانا (أ ب)

تغذية العداء لأميركا

كما نجح كاسترو أيضاً في توظيف المشاعر المناهضة للولايات المتحدة حتى أصبحت عنصراً أساسياً من مكوّنات الهوية الوطنية في كوبا، وبعض البلدان الأخرى في المنطقة، وهو ما كانت فشلت في تحقيقه معظم الدول الأميركية اللاتينية، إما بسبب من بعدها الجغرافي، أو لقربها، مثل المكسيك التي تتوفر فيها كل العوامل التي من شأنها أن تؤجج المشاعر المناهضة للجارة الشمالية بعد الهزائم العسكرية التي أصابتها والأراضي الشاسعة التي اقتطعتها منها الولايات المتحدة. ومع الصورة السلبية التي شاعت عن الولايات المتحدة في مطالع هذا القرن، استمرت المشاعر المناهضة لها مشتعلة في أميركا اللاتينية، ساعد على تأجيجها هوغو تشافيز، ناهلاً من مشارب كاسترو، رغم أنه بقي دون المستوى الذي بلغه الزعيم الكوبي.

من العوامل الأخرى التي ساعدت على صمود الثورة الكوبية، براعة فيديل في قراءة التاريخ السياسي والفكري لكوبا وأميركا اللاتينية برمتها، وما كان له من قدرة على ملء الفراغ الذي عجز عنه بوليفار، إذ لعب دور الأب المؤسس لحركات التحرر في المنطقة، والمشخّص لآفاتها، والمنظّر الذي كان يقدّم الحلول والعلاجات استناداً إلى الإنجازات الاجتماعية الباهرة التي حققتها ثورتها في أصعب الظروف. وكان شعبوياً بقدر ما كان مثقفّاً، استقطب حوله كوكبة من كبار رموز الأدب الأميركي اللاتيني كان أبرزهم صديقه الشخصي المقرّب غابرييل غارسيا ماركيز، رغم أن العديد منهم ابتعد عنه في السنوات الأخيرة من حكمه مثل الراحل فارغاس يوسا. ولم يكن مستغرباً أن معظم خصومه في المنفى كانوا لا يترددون في التنويه بقدرته الفائقة على استغلال مواطن الضعف عند أعدائه.

مواطنون كوبيون يترقبون وصول الباخرة «ماغورو» المبحرة من المكسيك والمحمَّلة بالمساعدات الغذائية في 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)

إنجازات دونها حبة «باراسيتامول»

كان كاسترو يفاخر دوماً بالإنجازات التي حققتها ثورته التي أرسلت آلاف الأطباء لمساعدة عشرات البلدان في أفريقيا وأميركا اللاتينية في القضاء على أمراض كثيرة متوطنة، ويتباهى كيف أن مئات الأميركيين والأوروبيين كانوا يسافرون إلى كوبا للمعالجة على يد أخصائيين كوبيين، وكيف أن نظام التعليم في الجزيرة كان يضاهي أفضل النظم في العالم، وكيف أن أطفال كوبا وحدهم في أميركا اللاتينية لا يعانون من نقص التغذية، وكيف كانت كوبا تصنّف بين المراكز العشرة الأولى في الألعاب الأولمبية. لكن الوجه الآخر لهذه العملة البرّاقة، كان أن الدولة التي حققت كل تلك الإنجازات الصعبة بقي اقتصادها هزيلاً ويعتمد بشكل أساسي على المساعدات الخارجية، وفشلت في تحقيق معدلات النمو التي كانت تحققها البلدان المجاورة. والسبب في ذلك، كما اعترف النظام لاحقاً، هو أن تلك الإنجازات لم تترافق مع الارتفاع المناسب في معدلات الاستثمار الصناعي والزراعي والتكنولوجي وفي البنى التحتية، فضلاً عن فشل النظام في توظيف الإنجازات التعليمية لتنشيط عجلة الإنتاج وتحويل الاستثمارات الاجتماعية إلى محرّك لزيادة الإنتاجية، حتى في المرحلة التي كانت لا تزال الاتفاقات قائمة مع الاتحاد السوفياتي.

صور للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو معروضة في إحدى مدارس هافانا (أ.ب)

لكن بعد عشر سنوات على رحيل «الكوماندانتي»، لم يعد العالم يتساءل كيف تمكنت الثورة الكوبية من الصمود كل هذا الوقت في الظروف الصعبة التي نعرفها، بل متى سينهار نهائياً هذا النظام كالثمرة الجافة من شجرة التاريخ؟ وما الذي بقي من كاسترو وأسطورته؟

شوارع هافانا تضجّ بالفراغ والعتمة منذ أشهر، فيما سكانها يجرّون أنفسهم كل يوم وراء سراب الرزق المجبول بعقود من العذاب والشحّ في كل شيء، والشعارات التي بهتت من كثرة ما اجترّها النظام لتبرير فشله في الحفاظ على منجزات كان العالم يوماً يحسده عليها، مصرّاً على قمع كل الحريات التي وعدت بها تلك الثورة التي أضاءت دروب الملايين وأصبحت اليوم جسماً متهالكاً ينتظر من يوقّع شهادة وفاته أمام الجار الأميركي الذي يُحكم آخر فصول الحصار على الجزيرة المتمردة. حياة الكوبيين اليومية باتت أشبه بجلجلة من الحواجز والتعقيدات التي لا نهاية لها، بحثاً عن الطعام، أو سعياً وراء وسيلة نقل، أو معلومات لمعرفة ماذا سيحصل في اليوم التالي. النظام لا يفصح عما إذا كان يتفاوض أو لا مع الإدارة الأميركية، ولا أحد يعرف متى سيعود التيار الكهربائي، أو إذا كانت الجزيرة ستغرق في كارثة إنسانية إذا لم تصل شحنات الوقود الموعودة، أو إذا كانت البلاد على شفا تغيير للنظام، أو إصلاحه تدريجياً بفعل الضغط الأميركي، أو إذا كانت كوبا هي التالية بعد فنزويلا وإيران.

مواطنون كوبيون ينتظرون دورهم لتعبة مياه الشفة في هافانا خلال انقطاع تام للكهرباء في كافة أنحاء البلاد (أ ف ب)

لم يعد في كوبا شيء من الذي كان تشي غيفارا يتغنّى به، أو من الذي كان غارسيّا مركز يمتدحه في مقالاته، ولا مما كان يفاخر به أمام العالم فيديل كاسترو الذي لم يتبقّ منه ومن إرثه الثوري سوى شذرات أسطورة لن يحكم التاريخ بالبراءة عليها بعد أن ذابت فيها الثورة، وإنجازاتها، وأحلامها.

وقبل أن تغادر الجزيرة التي اخترت يوماً أن تكون أطروحتك حول ثورتها وقائدها الملهم، يعترضك كهل في طريق العودة إلى الفندق ليسألك إن كنت تحمل أقراص «باراسيتامول» لمداواة آلام الركب... تلك هي نهاية الفيلم الكوبي الرومانسي الطويل.


القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)

دخل قرار الحكومة اللبنانية القاضي بحظر النشاط العسكري والأمني لـ«حزب الله» مرحلة التطبيق العملي، عبر قيام القضاء العسكري بفتح ملفات قضائية بحق عناصر ضُبطوا وهم ينقلون أسلحة غير مرخصة وصواريخ باتجاه الجنوب. ويعكس هذا المسار تحوّلاً قضائياً في مقاربة الدولة لملف السلاح غير الشرعي، بعد تعثر الأسبوع الماضي أدى إلى الإفراج عن موقوفين بكفالات رمزية، ما انعكس على العلاقة بين الأجهزة القضائية.

وفي خطوة اعتبرت مؤشراً على بدء مرحلة مختلفة، ادعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، الاثنين، على أربعة عناصر من الحزب، بعد توقيفهم أثناء نقل أسلحة وصواريخ، وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول القاضية غادة أبو علوان لاستجوابهم واتخاذ الإجراءات المناسبة بحقهم.

هامش قضائي واسع

في الشكل، قد تبدو هذه الإجراءات روتينية ضمن صلاحيات النيابة العامة العسكرية، إلا أن مضمونها يعكس تبدلاً في أسلوب التعامل القضائي مع ملفات ترتبط بـ«حزب الله». فالقضاء الذي كان يتحرك بحذر شديد في قضايا تمسّ الحزب أو حلفاءه، يبدو اليوم أمام هامش أوسع، في ظل القرار السياسي الذي صنّف النشاط العسكري والأمني للحزب خارج إطار الشرعية القانونية.

ادعاء مفوض الحكومة على عناصر «حزب الله» الأربعة استناداً إلى المادة 72 من قانون الأسلحة التي تعاقب على نقل وحيازة الأسلحة غير المرخصة، يبدو مفهوماً في بعده القانوني. إلا أن اللافت في الادعاء كان توجيه اتهام أشد خطورة لاثنين من الموقوفين استناداً إلى المادة 288 من قانون العقوبات، وهي مادة جنائية تعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة كل من يقوم بأعمال من شأنها تعريض لبنان لخطر أعمال عدائية أو الإضرار بعلاقاته مع دولة أجنبية.

لبناني يرفع علم «حزب الله» في بلدة النبي شيت في شرق لبنان حيث قام الجيش الإسرائيلي بإنزال وأمطر البلدة بقصف كثيف موقعاً عشرات القتلى والجرحى (أ.ف.ب)

وتنصّ المادة 288 من قانون العقوبات على «المعاقبة بالاعتقال المؤقت لكل من يخرق التدابير التي اتخذتها الدولة للمحافظة على حيادها في الحرب، أو يقدم على أعمال أو كتابات أو خطب غير مجازة من الحكومة من شأنها تعريض البلاد لخطر أعمال عدائية أو تعريض اللبنانيين لأعمال ثأرية». ويعطي إدراج هذه المادة في الادعاء بعداً سيادياً للملف، إذ يضع القضية في إطار «الجرائم التي تمس أمن الدولة»، وليس فقط ضمن إطار حيازة السلاح غير المرخص.

نقل صواريخ

وفي تبرير لاتهام عنصرين للحزب بجناية، يؤكد مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط» أن اثنين من الموقوفين الأربعة «أوقفا في بلدة كفرحونة في جبل لبنان، بعدما ضبطت بحوزتهما 21 صاروخاً في طريقها إلى الجنوب، في خطوة اعتُبرت مخالفة صريحة لقرارات الحكومة والقوانين المرعية الإجراء».

ويشير المصدر إلى أن القاضي كلود غانم «اعتمد هذه المرة مقاربة مختلفة في مسار الملاحقة، إذ ادعى على الموقوفين الأربعة وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول طالباً استجوابهم وإصدار مذكرات توقيف وجاهية بحقهم، استناداً إلى مواد الادعاء»، لافتاً إلى أن هذه الآلية القضائية «ستؤدي عملياً إلى إطالة مسار الإجراءات، ما يعني إبقاء المدعى عليهم قيد التوقيف إلى حين استكمال التحقيقات».

ويأتي هذا المسار مختلفاً عمّا حصل في ملف سابق شمل عنصرين من الحزب، حيث جرى الادعاء عليهما وإحالتهما مباشرة إلى المحكمة العسكرية، حيث اكتفت الأخيرة بتغريم كل منهما مبلغ 10 دولارات أميركية وإطلاق سراحهما فوراً، في إجراء أثار انتقادات واسعة.

توسيع دائرة التحقيقات

بحسب المصدر القضائي، فإن الهدف من إحالة الملف إلى التحقيق الاستنطاقي «هو توسيع دائرة التحقيقات لكشف ملابسات نقل الصواريخ والأسلحة، ومعرفة ما إذا كان الموقوفون يتحركون بقرار مستقلّ، أو بتكليف مباشر من الجهة الحزبية التي ينتمون إليها»، في إشارة إلى «حزب الله».

وتندرج هذه القضية في سياق سلسلة عمليات نفذتها الأجهزة الأمنية خلال الأسبوعين الماضيين، أسفرت عن توقيف عناصر من الحزب أثناء تنقلهم بأسلحة فردية أو رشاشات أو أثناء نقل عتاد عسكري بين مناطق مختلفة. غير أن التطور الأبرز في الملف الأخير يتمثل في طبيعة السلاح المضبوط، أي الصواريخ.

وترى مصادر حقوقية متابعة للملف أن تكثيف إحالة هذه القضايا إلى القضاء العسكري «يعكس بداية مرحلة مختلفة في علاقة الدولة مع سلاح (حزب الله)، خصوصاً بعد القرار الحكومي الذي وضع إطاراً قانونياً واضحاً لحظر نشاطه العسكري والأمني خارج مؤسسات الدولة». وتؤكد المصادر لـ«الشرق الأوسط»، أن القضاء العسكري «وضع نفسه أمام اختبار حقيقي لمدى قدرته على تطبيق قرارات الدولة وملاحقة المخالفين لها»، مشيرة إلى أن التحقيقات الاستنطاقية التي تجريها القاضية غادة أبو علوان «ستشكل مؤشراً مبكراً على المسار الذي ستسلكه الدولة في التعامل مع ملف السلاح غير الشرعي في المرحلة المقبلة».