ما هو الذكاء الاصطناعي وكيف يعمل؟

يُستخدم في شتى المجالات بتكاليف منخفضة... وبمتناول الجميع

استخدامات متعددة لتقنيات الذكاء الصناعي في حياتنا اليومية
استخدامات متعددة لتقنيات الذكاء الصناعي في حياتنا اليومية
TT

ما هو الذكاء الاصطناعي وكيف يعمل؟

استخدامات متعددة لتقنيات الذكاء الصناعي في حياتنا اليومية
استخدامات متعددة لتقنيات الذكاء الصناعي في حياتنا اليومية

بدأت ثورة الذكاء الاصطناعي بالانتشار، وسمعنا عن الكثير من الشركات التي تضيف هذه التقنية إلى خدماتها وتقدم عناصر جديدة كان من الصعب تخيلها قبل بضع سنوات. ولكن ما الذكاء الاصطناعي؟ وما نظمه وما أحدث التطويرات في الأجهزة والبرامج الذكية؟

ماذا يعني الذكاء الاصطناعي؟

الذكاء الاصطناعي هو عملية محاكاة نظم الكومبيوترات لعمليات الذكاء البشري بهدف تحقيق أمر ما. وكثيراً ما تروّج الشركات لخدماتها على أنها ذكاء صناعي، ولكن حقيقة الأمر أن الكثير من تلك الخدمات تستخدم عنصراً من التقنية، مثل «تعلم الآلة». ويتطلب استخدام الذكاء الاصطناعي أساساً متقدماً من العتاد الصلب Hardware المتخصص، والبرمجيات المطورة خصيصاً لهذا الغرض. ولا توجد لغة برمجة متخصصة بهذه التقنية حتى الآن، ولكنّ عدداً من اللغات يقدم أدوات مفيدة لهذا الغرض، مثل Python وJava وR و«سي بلس بلس».

وتحتاج هذه النظم إلى تحليل كميات كبيرة جداً من بيانات التدريب وإيجاد روابط بين تلك البيانات واستخدامها لتوقع أمور مقبلة، مثل تحليل ملايين الصور لفهم ما الذي يميز الإنسان عن النبات عن الحيوان عن الجماد، وما الطبيعة؟ وما العائلة؟ وكيف يمكن تمييز الليل عن النهار والخيال عن الحقيقة؟ وأسلوب رسم فنان ما مقارنةً بآخر، وهكذا. وينطبق الأمر نفسه عند تحليل النصوص والموسيقى وعروض الفيديو، وغيرها، ليتكون لدينا نظم ذكاء صناعي مختلفة متخصصة في مجالات كثيرة، وفقاً للبيانات التي تم تحليلها.

مهارات برمجة الذكاء الاصطناعي

ويتم التركيز في برمجة الذكاء الاصطناعي على 4 مهارات، هي: التعلم والإدراك والتصحيح الذاتي والابتكار.

يركز جانب التعلم على الحصول على البيانات وإيجاد القوانين والروابط بينها وتحويلها إلى بيانات مفيدة. ويتم تقديم قوانين مختلفة على شكل خوارزميات Algorithm كثيرة (الخوارزمية هي نهج عمل برنامج ما لتحقيق الهدف المرغوب) حول كيفية إكمال مهمة محددة، مثل التعرف على وجود إنسان في صورة (يجب تحديد ما يصف شكل معظم البشر: العينان والفم والأنف والحاجبان والرقبة، وهكذا).

وبالنسبة إلى مهارة الإدراك، فإنها تركز على اختيار الخوارزمية الصحيحة بقوانينها المرتبطة لتحقيق الهدف المرغوب. أما التصحيح الذاتي، فتركز هذه المهارة على تعديل الخوارزميات وقوانينها بناءً على صحة المخرجات لإيجاد قوانين أكثر دقة من السابق، الأمر الذي ستنجم عنه نتائج صحيحة بنسبة أعلى في المرات المقبلة التي يعمل فيها ذلك النظام.

وتبقى المهارة الرابعة وهي الابتكار، التي تستخدم الشبكات العصبونية Neural Networks الرقمية والنظم المبنية على القوانين والبيانات الإحصائية وتقنيات أخرى بهدف إيجاد صور ونصوص وموسيقى وأفكار جديدة.

ولعلكم قد سمعتم عن بعض المفردات التقنية المتقاربة، مثل الذكاء الاصطناعي Artificial Intelligence، وتعلم الآلة Machine Learning، والتعلم العميق Deep Learning.

تحتاج هذه النظم إلى تحليل كميات كبيرة جداً من بيانات التدريب وإيجاد روابط بين تلك البيانات واستخدامها لتوقع أمور مقبلة، مثل تحليل ملايين الصور لفهم ما الذي يميز الإنسان عن النبات عن الحيوان عن الجماد، وما الطبيعة؟ وما العائلة؟ وكيف يمكن تمييز الليل عن النهار والخيال عن الحقيقة؟

وبينما يعرَّف الذكاء الاصطناعي بأنه محاكاة الآلات للذكاء البشري لتحقيق هدف ما، فإن تعلم الآلة يعرَّف بأنه رفع دقة البرامج والتطبيقات في توقع النتائج بناءً على البيانات السابقة من دون برمجتها بشكل مباشر على كيفية القيام بذلك، حيث تتم هذه العملية من دون تدخل المبرمجين، ذلك أن النظام سيتعرف على الروابط بين البيانات ويستخدمها في التوقع. أما التعلم العميق، فهو جزء متخصص من تعلم الآلة مبنيٌّ على فهمنا لتركيبة الدماغ البشري. وبسبب استخدام التعلم العميق لبنية الشبكات العصبونية الرقمية أخيراً، تم إيجاد تقنيات حديثة مفيدة جداً للبشر، مثل القيادة الذاتية للسيارات وChatGPT.

أنواع الذكاء الاصطناعي

ويمكن تقسيم الذكاء الاصطناعي إلى فئتين: الضعيف والقوي، بحيث يُعرّف الذكاء الاصطناعي الضعيف Weak AI، أو الذكاء الاصطناعي ضيق النطاق Narrow AI، على أنه نظام يتم تدريبه لإكمال مهمة محددة، كالروبوتات الاصطناعية والمساعدات الذكية الشخصية، مثل «سيري» من «أبل». أما الفئة الثانية فهي أكثر شمولاً ويطلق عليها مصطلح الذكاء العام الاصطناعي Artificial General Intelligence AGI، وهي عبارة عن نظام يستطيع محاكاة القدرات الإدراكية للدماغ البشري. ويستطيع هذا النظام تحليل البيانات الموجودة أمامه في مهمة جديدة كلياً عليه لم يسبق برمجته على كيفية إكمالها، وتطبيق معرفته السابقة في مجال ما على آخر لإيجاد حل صحيح ومن دون أي تدخل خارجي.

استخدامات الذكاء الاصطناعي

ولكن ما أهمية الذكاء الاصطناعي في حياتنا؟ في الواقع، استفدنا سابقاً من تقنيات الذكاء الاصطناعي المختلفة في الكثير من جوانب الحياة؛ من نظم الكشف عن التحايل المالي والضريبي، وأتمتة العمليات اليومية البسيطة، وفي مراكز خدمة العملاء، وزيادة المبيعات وضبط جودة المنتجات. وتستطيع هذه التقنيات في بعض المجالات التفوق على الإنسان، خصوصاً فيما يتعلق بالأمور المتكررة أو التي تحتاج إلى تفاصيل كثيرة، مثل تحليل كميات كبيرة من أوراق النماذج Form والتأكد من وجود بيانات صحيحة في حقول محددة.

ونظراً للقدرات الممتدة في إيجاد روابط بين البيانات الضخمة في أوقات قليلة، تستطيع هذه النظم تقديم معلومات غنية جداً لمديري الشركات لم يكن من الممكن لأي بشري إكمالها وإيجاد روابط بين الملايين من البيانات.

صورة تعبيرية صنعها الذكاء الاصطناعي من موقع www.picsart.com لدى استخدام كلمات مفتاحية حول الذكاء الاصطناعي والسعودية

كما يمكن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي الحديثة في تطوير عملية التعليم والتسويق وتصميم المنتجات. وأصبحت هذه التقنية محوراً لتقدم الكثير من شركات التقنية الضخمة اليوم، مثل «ألفابيت Alphabet» المالكة لـ«غوغل» و«مايكروسوفت» و«ميتا» المالكة لـ«فيسبوك»، وغيرها.

ويمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في أتمتة العمليات بهدف زيادة كمية وأنواع المهام المنوطة به، وتحليل الصور الطبية للمساعدة في التعرف على الأمراض المختلفة وفقاً لتاريخ مرضى سابقين وتطور مراحلهم، إلى جانب الاستخدامات العسكرية في المعارك الميدانية وتحليل نزعات تحرك المشاة والآليات وفقاً لعوامل البيئة والطقس والأعداد والوقت. كما يمكن استخدامه في برامج مكافحة الجرائم الرقمية والتعرف على الرسائل التصيّدية بناءً على نص الرسالة وعنوانها وعنوان الجهة المرسلة، أو ترجمة النصوص وتفريغ المحادثات الصوتية وتحويلها إلى نصوص، والتعرف على مشاعر الطرف الثاني في الرسائل الإلكترونية. ويتم استخدام هذه التقنيات حالياً في المجالات الاصطناعية ولتحريك عناصر ثقيلة جداً في مهمات المركبات الفضائية التي تستكشف الكواكب المختلفة، أو في المركبات ذاتية القيادة للتعرف على العقبات الموجودة أمام المركبة وتجاوزها من دون المخاطرة بحياة الركاب أو المشاة من حولها.

وأخيراً شهدنا انطلاق خدمات إيجاد المحتوى متعدد الوسائط بجودة عالية «الذكاء الاصطناعي التوليدي Generative AI»، مثل النصوص والصور والفيديوهات والموسيقى بشكل غير محدود وبقدرات إبداعية غير مسبوقة، وبتكلفة منخفضة جداً. ويمكن إيجاد نصوص مسرحية وصور واقعية وكتابة عدد كبير من رسائل بريد إلكتروني من دون ملاحظة الطرف الآخر أن المرسل ليس من البشر، والكثير غيرها من الخدمات الأخرى.

كما يمكن استخدام هذه التقنيات في القطاع المصرفي لتحليل ما إذا كان يمكن للبنك تقديم قرض لشخص ما أو تحديد السقف المالي لبطاقة ائتمانية أو الفرص الاستثمارية، أو للمساعدة في تداول الأسهم. وتستطيع هذه التقنيات المساهمة في التنبؤ بحدوث تأخير في الرحلات الدولية حسب الحالة الجوية، أو زيادة أمن الشحن البحري حسب حالة الطقس والتيارات المائية، والتنبؤ بنزعات الشراء والطلب بناءً على عوامل كثيرة جداً، إلى جانب تقديم المحامين للمشورة القانونية وفقاً لقضايا سابقة بعد تحليل تفاصيل ونتائج أحكام الكثير من القضايا والملفات السابقة.

تطويرات وآفاق واعدة

وتطورت استخدامات تقنيات الذكاء الاصطناعي بشكل كبير خلال الفترة السابقة، وتسارع ذلك التقدم بشكل ملحوظ. ويمكن العودة بالابتكارات النوعية لهذه التقنيات إلى عام 2012 خصوصاً شبكة «AlexNet» العصبونية التي رفعت من مستويات الأداء بشكل كبير بسبب اعتمادها على وحدات معالجة الرسومات فائقة الأداء لتحليل البيانات مقارنةً بالاعتماد على المعالجات التقليدية، وقدرة وحدات معالجة الرسومات على معالجة البيانات بالتوازي بكميات ضخمة وبسرعات كبيرة جداً.

وشكّل التعاون بين شركات البرمجة العملاقة، مثل «مايكروسوفت» و«غوغل» و«أوبين إيه آي OpenAI» من جهة، وشركات صناعة عتاد الكومبيوترات، مثل «إنفيديا Nvidia» المتخصصة في وحدات معالجة الرسومات فائقة الأداء، ومعالجات «إنتل» المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، من جهة أخرى نواة لتشكيل قفزات متسارعة في خدمات تقنيات الذكاء الاصطناعي كان من آخرها «تشات جي بي تي ChatGPT». ومن أحدث الابتكارات في أدوات وخدمات الذكاء الاصطناعي تطوير «غوغل» ما تُعرف بـ«المحولات Transformers»، وهي آلية فائقة الأداء ترفع من سرعة تحليل البيانات الضخمة باستخدام مجموعات كبيرة من الكومبيوترات العادية التي تحتوي على وحدات معالجة الرسومات، الأمر الذي خفض من تكاليف تأسيس تقنيات الذكاء الاصطناعي المتخصصة بشكل كبير.

وطوّرت شركة «إنفيديا» كفاءة معالجة البيانات بالتوازي Parallel Processing عبر نوى وحدات معالجة الرسومات GPU الخاصة بها بشكل كبير على مستوى الدارات الإلكترونية والبرمجيات في آن واحد، مما شكّل قفزة كبيرة سرّعت من تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب سهولة تكامل تلك التطويرات في مراكز البيانات، والعمل مع مراكز الحوسبة السحابية لتقديم الأجهزة المتقدمة كخدمة لمن يريد، دون الحاجة لبناء مراكز متخصصة لكل شركة، وهو أمر من شأنه خفض تكاليف تبني هذه التقنية بشكل غير مسبوق.

واستطاعت هذه الشركات تطوير «محولات» توليدية مسبقة التدريب Generative Pre - trained Transformers GPT ومشاركتها مع الشركات الأخرى التي ترغب في تخصيص تقنيات الذكاء الاصطناعي دون الحاجة لتدريب الذكاء الاصطناعي على كميات هائلة من البيانات وما يصاحب ذلك من وقت وتكاليف كبيرة. وتستطيع الشركات المتوسطة أو الصغيرة استخدام تلك النماذج العامة وتخصيصها حسب الحاجة لقاء بضع آلاف من الدولارات، مقارنةً بـ5 إلى 10 ملايين دولار للتدريب من نقطة الصفر. ويشكّل هذا الأمر قفزة كبيرة للشركات المتخصصة نحو مباشرة العمل وتقديم خدمات ثورية بسرعات كبيرة ومخاطر منخفضة.

ومن الأمثلة على خدمات الحوسبة السحابية للذكاء الاصطناعي AWS AI Services وGoogle Cloud AI وMicrosoft Azure AI Platform وOracle Cloud Infrastructure AI Services، والتي تزيل عبء بناء مركز بيانات متخصص بالذكاء الاصطناعي، وتقدمه كخدمة لقاء اشتراك شهري أو سنوي منخفض التكلفة. هذا، وتقدم OpenAI وNVidia خدمات متخصصة لمستخدميها، مثل نماذج ذكاء صناعي متخصصة بالصور والدردشة النصية والطب وحتى البرمجة.

وتقدم OpenAI نظام ChatGPT للمحادثة أو الدردشة الذي انتشرت شعبيته بشكل كبير بين المستخدمين في آخر بضعة أشهر، وهي الشركة نفسها التي استثمرت بها «مايكروسوفت» بقيمة 10 مليارات دولار، والتي ستضيف تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى متصفح «إيدج Edge» ومجموعة برامج «أوفيس» المكتبية وحتى نظام التشغيل «ويندوز» لتطوير تجربة الاستخدام بشكل مبهر جداً.

من جهتها كشفت «غوغل» عن نظام الذكاء الاصطناعي «بارد Bard» للدردشة المبنيّ على عائلة LaMDA للغات التطوير، والذي من المتوقع أن يساعد في أعمال ترجمة النصوص بين اللغات بدقة عالية جداً وكتابة المحتوى المبتكر والإجابة عن الأسئلة وكتابة النصوص البرمجية عبر أكثر من 20 لغة برمجة، وحتى إيجاد معادلات لجداول الحسابات لتحقيق هدف حسابي ما يريده المستخدم.

هذا، وكشفت «إنفيديا» عن نظام ذكاء صناعي يستطيع إيجاد فيديوهات واقعية للغاية بمجرد كتابة وصف لها، ليقوم النظام بتوليد تلك الفيديوهات بسرعة. ومن الممكن استخدام هذا النظام في شركات صناعة الفيديوهات أو حتى في استوديوهات المسلسلات والأفلام لإضافة العناصر الرقمية إلى المشاهد المختلفة، أو حتى استبدالها بأخرى بمجرد كتابة ذلك نصياً (مثل استبدال سيارة بأخرى أو وجه ممثل بآخر، وبسرعة ودقة كبيرتين).

أخلاقيات الاستخدام

مثلها مثل أي أداة في حياتنا، يمكن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي للمنفعة أو لإلحاق الأذى، وينبغي إيجاد ضوابط لاستخدامها بشكل يعود بالخير على الجميع. وكما ذكرنا سابقاً، تعتمد هذه النظم على تحليل البيانات السابقة، أي إن نتائجها مرتبطة بتلك البيانات، الأمر الذي يعني أنه سيوجد تحيز إن كانت البيانات غير شاملة لجميع العوامل المرتبطة بالمسألة التي يتم استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لحلها، وتجب مراقبة جودة تلك البيانات التأسيسية لضمان وجود مخرجات صحيحة ومفيدة. يضاف إلى ذلك أن هذه النظم تقدم النتيجة دون ذكر كيفية الوصول إليها، ذلك أنها توجِد ترابطاً بين أعداد كبيرة من العوامل المختلفة للبيانات التي تقوم بتحليلها.

هذا الأمر قد لا يكون مفيداً في الكثير من الاستخدامات اليومية، مثل عدم القدرة على توضيح أسباب اتهام شخص بتجاوز قانوني ما، إذ لا يكفي القول إن النظام قد توصل لتلك النتيجة دون ذكر أسباب مقنعة لذلك، أو رفض مصرف طلب حصول عميل ما على بطاقة ائتمانية، مثلاً. وشهدنا نظماً تستطيع إيجاد صور وفيديوهات ملفقة باستخدام أوجه وأصوات أشخاص حقيقيين DeepFake، الأمر الذي سيصعّب على المستخدمين التأكد من صحة تلك الصور والتسجيلات الصوتية والفيديوهات، وقد يوقِع الضحايا في مشكلات كبيرة.

ويوجد الكثير من القوانين التي تحدّ من نوعية البيانات التي يمكن للشركات استخدامها، مثل القانون العام لحماية البيانات General Data Protection Regulation (GDPR)، (لائحة الاتحاد الأوروبي التي تنص على كيفية التعامل مع البيانات الشخصية)، الأمر الذي سيشكل عقبة أمام القدرة على استخدام البيانات في تقنيات الذكاء الاصطناعي، وقد يشكّل في النهاية، إلى جانب قوانين دولية أخرى، عقبة أمام تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي وإيجاد بيانات تأسيسية شمولية وأكثر دقة للحصول على نتائج صحيحة. كما ستشكل مسائل حقوق الملكية الفكرية عقبة كبيرة أمام تقدم هذه التقنيات، حيث يمكن لتقنيات الذكاء الاصطناعي محاكاة أسلوب رسم أو كتابة شخص ما، أو يمكن إيجاد موسيقى مشابهة جداً لأسلوب فرقة أو مغنٍّ ما وبيع تلك النتائج وجني المال.

أمر آخر لافت للانتباه هو الاستخدامات الخبيثة لهذه التقنية، حيث يمكن لمجموعة من القراصنة استخدامها للتعرف على الثغرات الموجودة في موقع حكومي أو تابع لشركة ما واختراق ذلك الموقع والدخول إلى الأجهزة الخادمة وسرقة البيانات أو جعلها رهينة لقاء فدية مالية.

عقدت «مايكروسوفت» في 2019 شراكة مع «أوبن إيه آي» مطوّر «تشات جي بي تي» (أدوبي ستوك)

نظرة «مايكروسوفت» للذكاء الاصطناعي: نقلة نوعية... بضوابط

تحدثت «الشرق الأوسط» مع فريق عمل «مايكروسوفت» الذي أكد أن للذكاء الاصطناعي دوراً محورياً في حل التحديات الاقتصادية المعقدة، وإحداث نقلة نوعية للكثير من الأعمال، وتحسين أداء المؤسسات وتجربة العملاء، وتطوير إمكانات التنبؤ والتخطيط، وذلك للمساعدة في تحسين وتعزيز حياة فئات المجتمع كافة.
وأسهم الذكاء الاصطناعي في تمكين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والكبيرة في مختلف القطاعات على إيجاد حلول للتحديات الملحّة وابتكار طرق جديدة لتحسين سير أعمالها، ومنها الطاقة، حيث يرسم الذكاء الصناعي مستقبل هذا القطاع. وتسعى وزارة الطاقة في المملكة العربية السعودية إلى توظيف الذكاء الصناعي في إدارة استهلاك الطاقة والتنبؤ بها، لتلبية طلبات الاستهلاك، وكذلك لتحديد أنماط جمع مزيج الطاقة وإدارتها وتشغيلها بما يسهم في جعلها أكثر كفاءة وأماناً.وعقدت «مايكروسوفت» في عام 2019 شراكة مع «أوبين إيه آي OpenAI»، وهو مختبر الأبحاث الذي يقف خلف برامج الدردشة «تشات بوت» و«تشات جي بي تي ChatGPT»، وكذلك مُنشئ الصور «دال - إي 2 Dall - E2» الذي يُحول النصوص الوصفية إلى صور جديدة.
ونتج عن هذه الشراكة خدمة «أزور أوبن إيه آي سيرفيس Azure OpenAI Service» الجديدة التي توفر عدداً من نماذج الذكاء الاصطناعي، مثل إصدارات مطورة من متصفح «إيدج» ونظام البحث «بينغ» اللذين يعملان معاً مساعدين شخصيين مدعومين بالذكاء الاصطناعي. وتجاوز عدد المستخدمين لهذه التقنية 100 مليون مستخدم نشط يومياً على «بينغ» بحلول أوائل شهر مارس (آذار) الماضي. ونذكر كذلك أداة «بينغ إميج كرييتور Bing Image Creator» الجديدة التي تسمح لمستخدمي بحث «بينغ» الجديد المزوّد بتقنيات الذكاء الاصطناعي «Bing Chat» أو متصفح «إيدج» بإنشاء صور مبتكرة بمختلف أنواعها من خلال نصوص وصفية.وأطلقت الشركة المرشد المساعد «مايكروسوفت 365 كوبايلوت Microsoft 365 Copilot» الذكي لمستخدمي تطبيقات «مايكروسوفت 365» المكتبية بهدف مساعدة المستخدمين في إنتاج المحتوى، سواء كان رسائل بريد إلكتروني أم إنشاء الوثائق أم العروض التقديمية أم تلخيص المحتوى والرسائل وتحليل البيانات وجداول الحسابات، وغيرها. يضاف إلى ذلك «المرشد المساعد للنصوص البرمجية GitHub Copilot» الذي يتيح إمكانية كتابة النص البرمجي مباشرةً من خلال الأوامر الصوتية دون الحاجة إلى لوحة المفاتيح.
وأشار الفريق أيضاً إلى استفادة قطاع آخر من هذه التقنية هو الرعاية الصحية، حيث يمكن تشخيص الأمراض وفحص أعداد كبيرة من المرضى في وقت قصير بفضل الذكاء الاصطناعي. وأسهم الذكاء الاصطناعي في تحقيق تقدم ملحوظ على مستوى التشخيص المبكر واكتشاف الأمراض في أولى مراحلها، وربما قبل حدوثها أو انتشارها. ونذكر كذلك الخدمات المالية، حيث أحدث الذكاء الاصطناعي موجات تغيير واسعة في قطاع الخدمات المالية وتم استخدام روبوتات الدردشة «Chatbots» لخدمة العملاء.
كما أسهم الذكاء الاصطناعي في مساعدة المعلمين والمحاضرين من خلال تحريرهم من الأعمال المكتبية وتمكينهم من أتمتة العمليات اليدوية، مثل تصحيح الامتحانات وتقييم الواجبات. كما يضمن استخدام الذكاء الاصطناعي إمكانية الوصول إلى التعليم عالي الجودة لجميع الطلاب في أي وقت وفي أي مكان، ودون تكبد المزيد من النفقات.ويرى الفريق أن الحقبة التالية من الذكاء الاصطناعي (نماذج الذكاء الاصطناعي الكبيرة) ستساعد في مهام كثيرة، مثل تلخيص المحتوى وإدارة المستندات وتبسيط تدفقات المبيعات، ويمكن أن تمتد إلى مجالات كثيرة مثل تصميم جزيئات جديدة للأدوية أو إنشاء نصوص أو صور أو موسيقى أو محادثات أو رموز أو فيديوهات تحاكي إنتاج البشر. وتستخدم اليوم أكثر من 85% من شركات قائمة «Fortune 100» أدوات «مايكروسوفت» للذكاء الاصطناعي.
وترى «مايكروسوفت» أنه من المهم جداً أن يتم استخدام الذكاء الاصطناعي بطريقة أخلاقية ومسؤولة. ولذلك، فقد تم تصميم سياسات ولوائح «مايكروسوفت» في مجال الذكاء الاصطناعي بطريقة تراعي وتتماشى مع الأطر التنظيمية للاستخدام المسؤول والأخلاقي لتقنيات الذكاء الاصطناعي.
 

نظرة «غوغل» للذكاء الاصطناعي

يرى فريق «غوغل» أن مستقبل توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في الاستخدامات اليومية كبير، لأنها تجعلها أكثر فائدة حول العالم، سواء كانت لمساعدة الأطباء في التعرف على الأمراض بشكل أسرع أو السماح للمستخدمين بالوصول إلى المعلومات بلغاتهم الأم لإطلاق العنان لإبداعاتهم، وفتح فرص جديدة من شأنها تغيير حياة الملايين.
وفي اتصال لـ«الشرق الأوسط» مع فريق «غوغل»، أشار إلى أن هذه التقنية ستعالج التحديات المجتمعية التي تشمل الأزمة المناخية والتنبيه إلى الكوارث الطبيعية (مثل الفيضانات) والمساهمة في الوصول إلى اكتشافات علمية جديدة، وحتى رفع المستويات الصحية للمستخدمين.
ومن الأمثلة على استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في منتجات «غوغل» القدرة على البحث عن المعلومة باستخدام الصور أو صوت المستخدم، حيث تقوم النظم بتحليل الصوت والبحث عن أغنية مشابهة للحن الذي سجله المستخدم، أو تحليل صورة ما لإيجاد عناصر مشابهة لها. كما يمكن استخدام هذه الآليات إلى جانب كتابة النصوص إليها للبحث من خلال تطبيق «غوغل»، مثل كتابة «ملابس» وتصوير ورق الجدران أمام المستخدم، ليعثر محرك البحث على ملابس تحتوي على نمط مشابه لذلك الموجود في ورق الجدران الذي تم تصويره. كما تحلل تقنيات الذكاء الاصطناعي بيانات الخرائط وتقدم معلومات مفيدة للمستخدمين حول حالة الازدحام وساعات عمل المتاجر والسرعات المسموحة في الطرق المختلفة، وبشكل آلي. هذا، وتستطيع نظم الذكاء الاصطناعي تحليل محتوى الصور الموجودة في جهازه والسماح للمستخدم كتابة عبارة تصف عنصراً ما، لتعرض جميع الصور، التي تحتوي على ذلك العنصر.
إلا أن الفريق أشار إلى ضرورة استكشاف القدرات الكامنة لهذه التقنية ونتائجها الإيجابية والسلبية التي تتقاطع مع التجارب البشرية. ويجب التركيز على العوامل الأخلاقية للاستخدام، الأمر الذي كشفت عنه «غوغل» في مبادئ الذكاء الاصطناعي الخاصة بها، والاستخدامات المفصلة حول كيفية تطوير الذكاء الاصطناعي بمسؤولية، والعمليات الحكومية لتطبيقها، وهي جميعاً عوامل تُوَجِّه جهود «غوغل» في الذكاء الاصطناعي.
الجدير ذكره أن «غوغل» أطلقت نظام «بارد» Bard للذكاء الاصطناعي التوليدي Generative AI بشكل تجريبي للسماح للمستخدمين البحث عن المعلومات بطرق مبتكرة وغير تقليدية مقارنة بالبحث التقليدي. وترى الشركة أن الذكاء الاصطناعي هو تقنية أساسية وتحويلية ستقدم مزايا مساعدة عديدة للأفراد والمجتمعات من خلال قدرتها على تمكينهم وإلهامهم في جميع المجالات، ولديها القدرة في المساهمة لمعالجة أبرز التحديات التي تواجه البشرية. وتؤمن «غوغل» أنه يجب تقديم حلول صحيحة من خلال التعاون جماعياً بين الحكومات والباحثين والمطورين والأفراد والشركات والمنظمات والجهات المشرعة بهدف الحصول على ثقة العموم.


مقالات ذات صلة

دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

تكنولوجيا تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)

دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

دراسة تظهر أن الذكاء الاصطناعي يؤثر في الآراء عبر طريقة عرض المعلومات حتى عندما تكون الحقائق صحيحة وغير مضللة.

نسيم رمضان (لندن)
علوم لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

تراجع ثقة الأميركيين بعد انتشار القصص الوهمية في وسائل الاتصال الاجتماعي

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا رئيس شركة «أبل» تيم كوك خلال أحد المؤتمرات السنوية للشركة (إ.ب.أ)

«أبل» في عامها الخمسين… قصة شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية

مسيرة «أبل» خلال 50 عاماً تعكس قدرة استثنائية على الابتكار وإعادة الابتكار، من مرآب صغير إلى شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية.

نسيم رمضان (لندن)
علوم نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

«قمم خبراء» تتحدث عن الأخلاقيات... لكن المعاناة تبقى خارج النقاش

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
الاقتصاد شعار شركة «سيمنز» في هذه الصورة التوضيحية (رويترز)

«سيمنز» الألمانية: الحرب تفرمل رغبة العملاء في الاستثمار بمشاريع جديدة

قالت شركة «سيمنز» الألمانية يوم الاثنين إن الحرب الإيرانية أدَّت إلى إحجام العملاء عن الاستثمار في مشروعات جديدة نتيجة ارتفاع أسعار المواد الخام والطاقة.

«الشرق الأوسط» (بكين )

كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
TT

كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)

يقول المؤرخون إن الطاغية الكوبي فلوخنسيو باتيستا الذي هرب إلى الولايات المتحدة بعدما أطاحته الثورة مطلع عام 1959، لم يندم في حياته سوى على قرار واحد وهو العفو عن فيديل كاسترو بعد سنتين من اعتقاله عام 1953 لمشاركته في الهجوم الذي تعرّضت له ثكنة «مونكادا» العسكرية على يد مجموعة من الثوار.

قبل ذلك الهجوم كان فيديل، المتخرج حديثاً من كلية الحقوق في جامعة هافانا، تقدّم بشكوى ضد باتيستا لانتهاكه أحكام الدستور. لكن المحكمة رفضت الشكوى، ما دفع فيديل إلى القول إن ذلك الرفض يعطي شرعية للكفاح المسلح كسبيل وحيد لقلب النظام، وشارك مع مجموعة من رفاقه في التخطيط لسلسلة من الهجمات على عدد من الثكنات العسكرية، تمهيداً للدعوة إلى تمرد شعبي على النظام الذي كانت تدعمه وتموّله الإدارة الأميركية.

مؤيدون للتدخل العسكري الأميركي في كوبا يرفعون لافتة كتب عليها «كوبا التالية. فلنكمل المهمة» في فلوريدا في 24 مارس 2026 (أ ف ب)

بعد فشل تلك الهجمات ألقي القبض على فيديل وأودع السجن ليخرج منه بعد عامين بموجب عفو عام أعلنه باتيستا تحت وطأة الضغط الشعبي، وانتقل لفترة وجيزة إلى الولايات المتحدة حيث أوشك أن ينخرط كلاعب محترف في أحد نوادي البيسبول، لكنه ما لبث أن توجه إلى المكسيك حيث باشر بالتخطيط مع رفاق له لاجتياح عسكري ضد نظام باتيستا. وبعد حصوله على التمويل اللازم من مصادر متنوعة، عاد إلى كوبا على متن اليخت «غرامّا» برفقة 82 من الثوّار المسلحين، بالتنسيق مع مجموعة أخرى في الداخل كانت تخطط للسيطرة على سانتياغو، ثاني المدن الكوبية.

لكن الإنزال البحري فشل، ولم ينجُ من الثوار سوى فيديل وعدد ضئيل من رفاقه، بينهم شقيقه راؤول وتشي غيفارا، وانتقلوا إلى سييرا مايسترا حيث أعادوا تنظيم صفوفهم، وبدأت حرب العصابات ضد النظام، التي برز خلالها تشي غيفارا، خصوصاً في معركة «سانتا كلارا» الشهيرة، إلى أن سقط باتيستا وفرّ من كوبا بعدما انقلب عليه عدد من كبار ضبّاط القوات المسلحة.

بعد سقوط باتيستا، دخل فيديل إلى هافانا فجر اليوم الثامن من عام 1959 دخول الفاتح الذي سينقذ كوبا من «عفن الفساد والتخلف والتبعية المفرطة للولايات المتحدة»، التي كانت حوّلت «لؤلؤة الكاريبي» إلى مرتع لعصابات الإجرام والدعارة والمخدرات وزعماء المافيا مثل لوكي لوتشيانو ورفاقه، حتى قال عنها آرثر شليسنغر مستشار الرئيس الأميركي الأسبق جون كيندي: «كنت شغوفاً إلى حد بعيد بهافانا، لكني شعرت بصدمة كبيرة عندما رأيت هذه المدينة الرائعة وقد تحولت إلى كازينو واسع وماخور لرجال الأعمال الأميركيين الذين كانوا يتجولون في شوارعها برفقة فتيات في الرابعة عشرة من العمر، ويرمون قطع النقود في أقنية الصرف لمجرد مشاهدة الرجال يركضون لالتقاطها. وكان لا بد أن أسأل نفسي السؤال التالي: هل يمكن أن ينظر أهل الجزيرة إلينا إلا بعيون النقمة والحقد؟».

فيدل كاسترو... حاول الأميركيون إطاحته في إنزال خليج الخنازير وبسيجار وقلم مسمومين وببدلة غوص ملوثة ببكتيريا السل (أرشيف نيويورك تايمز)

الصعود إلى السلطة

منذ تسلّمه السلطة في ذلك العام، حتى رحيله خريف عام 2016 بعدما نكث بكل الوعود التي كان قد قطعها في بداية الثورة مثل إجراء انتخابات حرة والتناوب على الحكم، كان فيديل كاسترو قد ترك بصماته العميقة على حياة ثلاثة أجيال من الكوبيين، وألهم عشرات الحركات التحررية في أميركا اللاتينية والعالم، ووضع قطبي الحرب الباردة على شفا أول صدام نووي في التاريخ بعد أزمة الصواريخ الشهيرة التي أشعلت المواجهة السياسية بين واشنطن وموسكو.

حكم كاسترو بلاده بقبضة من حديد، متفرداً في السلطة والقرار، ومستنداً إلى قدرة خطابية نادرة، ورمزية ثورية عالية كانت محط إعجاب اليساريين والحركات الثورية في العالم. وفي عهده، حققت الثورة الكوبية إنجازات مبهرة في مجالات التعليم والصحة والأمن والبحوث، لكنها وقعت أيضاً في فخ الاعتماد المفرط على الاتحاد السوفياتي عندما تعرّضت لحصار أميركي خانق لا يزال مستمراً إلى اليوم، وفشلت في تطوير قطاعاتها الإنتاجية وتنويعها، وتخلّت عن كل الوعود بضمان الحريات الفكرية والسياسية، وتحوّلت أجهزتها الأمنية إلى أدوات ترهيب وقمع تنكّل بالأصوات المعارضة التي تطالب بالمحاسبة.

صور الزعيم الكوبي فيديل كاسترو والرئيس الفنزويلي الأسبق هوغو شافيز عند مدخل مبنى في هافانا (أ ب)

وعندما انطفأ «الكوماندانتي» أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 بعد نصف قرن تقريباً من الحكم المطلق، أي تماماً في الذكرى السنوية الستين لانطلاق الثورة، كان أرسى دعائم نموذج اقتصادي اشتراكي هزيل الإنتاج، وضرب بسيف ستالين كل منافسيه وأعدائه الذين جرّدهم من المال والحرية، وكانت هوية الجزيرة قد ذابت كلياً في صورته ولحيته الشهيرة، وسبابته التي اعتاد أن يرفعها خلال خطبه الطويلة مفاخراً ومتحدياً.

رحل فيديل من غير أن يترجّل يوماً عن صهوة أحلامه «الدون كيشوتية»، محاطاً بهتافات ودموع الذين رفعوه فوق مراتب الشك والمساءلة، وأيضاً بصمت ولعنات الضحايا الذين سقطوا بالآلاف على «طريق الثورة».

شارع في وسط هافانا - كوبا (أ.ف.ب)

آليات صمود «دون كيشوتي»

عاد المراقبون لطرح السؤال نفسه الذي كانوا بدأوا يطرحونه عند مغارب القرن الماضي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانقطاع الشريان الأبهر الذي كان يمدّ كاسترو بالدعم السياسي والدبلوماسي والمساعدات الحيوية: كيف استطاع النظام أن يصمد طوال تلك الفترة من غير حليفه التاريخي وتحت وطأة الحصار الأميركي؟

كثرت التحليلات السياسية والاقتصادية للإجابة عن هذا السؤال، وتوافقت على مجموعة من الأسباب، أبرزها: أولاً، الطبيعة المحلية الصرفة للثورة التي توفرت كل عناصرها ونضجت في كوبا، ولم تفرضها الدبابات السوفياتية، ما أعطى نظام كاسترو هامشاً واسعاً من الاستقلالية في التحرك الدبلوماسي إزاء موسكو التي كانت تحتاج إليه في الحرب الباردة بقدر ما كان هو يحتاج إليها.

يضاف إلى ذلك أن صيرورة الثروة، بخاصة النصر الذي حققه الثوار على قوات النظام المتفوقة بالعدة والعديد، أضفى عليها مسحة روائية وشبه سينمائية كما كان يقول غابرييل غارسيّا ماركيز. ثانياً، شخصية كاسترو التي لا قرين لها في التاريخ الأميركي اللاتيني، التي تجاوزت شخصيات أخرى تاريخية في المنطقة مثل سيمون بوليفار في فنزويلا أو أميليانو زاباتا في المكسيك. ثالثاً، فشل المحاولات العديدة التي قامت بها الولايات المتحدة لإسقاط النظام، بما في ذلك عشرات المخططات لاغتيال كاسترو كما اعترفت وكالة الاستخبارات الأميركية، والحصار الاقتصادي الخانق الذي ضربته عليها منذ بدايتها. ورابعاً، المساعدات الاقتصادية الضخمة التي قدمها الاتحاد السوفياتي للنظام في العقود الثلاثة الأولى من عمر الثورة وحتى نهاية الحرب الباردة.

عامل نظافة يكنس طريقاً في وسط العاصمة الكوبية هافانا بعد ليلة كاملة من انقطاع الكهرباء التام في الجزيرة (أ.ف.ب)

في سبعينات وثمانينات القرن الماضي لعبت الثورة الكوبية دوراً كبيراً ساعد على ظهور الحركات التحررية في أميركا اللاتينية وبعض دول العالم الثالث، ومدّها بالخبرات العسكرية والمساعدات الاجتماعية في مجالات التعليم والصحة، ما زاد في وهجها وأضفى عليها هالة شبه أسطورية من حيث قدرتها على الصمود. وقد برع النظام الكاستري في بناء هوية وطنية قوية انطلاقاً من وعي قومي كان ضعيفاً وملتبساً، ونجح بنسبة عالية جداً، خلافاً لما حصل في الولايات المتحدة، في صهر روافد الهجرة الأفريقية ضمن هذه الهوية التي تألق في وصفها شاعر كوبا الكبير خوسيه مارتي الذي اقتبس باراك أوباما من إحدى قصائده عبارة «فلنزرع وردة بيضاء»، لافتتاح خطبته الشهيرة في زيارته التاريخية إلى الجزيرة لتطبيع العلاقات ربيع عام 2016، أي قبل أشهر من وفاة فيديل.

درّاجان يعبران بجدارية للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو وخلفه راوول كاسترو والرئيس الحالي ميغيل دياز كانل في وسط هافانا (أ ب)

تغذية العداء لأميركا

كما نجح كاسترو أيضاً في توظيف المشاعر المناهضة للولايات المتحدة حتى أصبحت عنصراً أساسياً من مكوّنات الهوية الوطنية في كوبا، وبعض البلدان الأخرى في المنطقة، وهو ما كانت فشلت في تحقيقه معظم الدول الأميركية اللاتينية، إما بسبب من بعدها الجغرافي، أو لقربها، مثل المكسيك التي تتوفر فيها كل العوامل التي من شأنها أن تؤجج المشاعر المناهضة للجارة الشمالية بعد الهزائم العسكرية التي أصابتها والأراضي الشاسعة التي اقتطعتها منها الولايات المتحدة. ومع الصورة السلبية التي شاعت عن الولايات المتحدة في مطالع هذا القرن، استمرت المشاعر المناهضة لها مشتعلة في أميركا اللاتينية، ساعد على تأجيجها هوغو تشافيز، ناهلاً من مشارب كاسترو، رغم أنه بقي دون المستوى الذي بلغه الزعيم الكوبي.

من العوامل الأخرى التي ساعدت على صمود الثورة الكوبية، براعة فيديل في قراءة التاريخ السياسي والفكري لكوبا وأميركا اللاتينية برمتها، وما كان له من قدرة على ملء الفراغ الذي عجز عنه بوليفار، إذ لعب دور الأب المؤسس لحركات التحرر في المنطقة، والمشخّص لآفاتها، والمنظّر الذي كان يقدّم الحلول والعلاجات استناداً إلى الإنجازات الاجتماعية الباهرة التي حققتها ثورتها في أصعب الظروف. وكان شعبوياً بقدر ما كان مثقفّاً، استقطب حوله كوكبة من كبار رموز الأدب الأميركي اللاتيني كان أبرزهم صديقه الشخصي المقرّب غابرييل غارسيا ماركيز، رغم أن العديد منهم ابتعد عنه في السنوات الأخيرة من حكمه مثل الراحل فارغاس يوسا. ولم يكن مستغرباً أن معظم خصومه في المنفى كانوا لا يترددون في التنويه بقدرته الفائقة على استغلال مواطن الضعف عند أعدائه.

مواطنون كوبيون يترقبون وصول الباخرة «ماغورو» المبحرة من المكسيك والمحمَّلة بالمساعدات الغذائية في 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)

إنجازات دونها حبة «باراسيتامول»

كان كاسترو يفاخر دوماً بالإنجازات التي حققتها ثورته التي أرسلت آلاف الأطباء لمساعدة عشرات البلدان في أفريقيا وأميركا اللاتينية في القضاء على أمراض كثيرة متوطنة، ويتباهى كيف أن مئات الأميركيين والأوروبيين كانوا يسافرون إلى كوبا للمعالجة على يد أخصائيين كوبيين، وكيف أن نظام التعليم في الجزيرة كان يضاهي أفضل النظم في العالم، وكيف أن أطفال كوبا وحدهم في أميركا اللاتينية لا يعانون من نقص التغذية، وكيف كانت كوبا تصنّف بين المراكز العشرة الأولى في الألعاب الأولمبية. لكن الوجه الآخر لهذه العملة البرّاقة، كان أن الدولة التي حققت كل تلك الإنجازات الصعبة بقي اقتصادها هزيلاً ويعتمد بشكل أساسي على المساعدات الخارجية، وفشلت في تحقيق معدلات النمو التي كانت تحققها البلدان المجاورة. والسبب في ذلك، كما اعترف النظام لاحقاً، هو أن تلك الإنجازات لم تترافق مع الارتفاع المناسب في معدلات الاستثمار الصناعي والزراعي والتكنولوجي وفي البنى التحتية، فضلاً عن فشل النظام في توظيف الإنجازات التعليمية لتنشيط عجلة الإنتاج وتحويل الاستثمارات الاجتماعية إلى محرّك لزيادة الإنتاجية، حتى في المرحلة التي كانت لا تزال الاتفاقات قائمة مع الاتحاد السوفياتي.

صور للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو معروضة في إحدى مدارس هافانا (أ.ب)

لكن بعد عشر سنوات على رحيل «الكوماندانتي»، لم يعد العالم يتساءل كيف تمكنت الثورة الكوبية من الصمود كل هذا الوقت في الظروف الصعبة التي نعرفها، بل متى سينهار نهائياً هذا النظام كالثمرة الجافة من شجرة التاريخ؟ وما الذي بقي من كاسترو وأسطورته؟

شوارع هافانا تضجّ بالفراغ والعتمة منذ أشهر، فيما سكانها يجرّون أنفسهم كل يوم وراء سراب الرزق المجبول بعقود من العذاب والشحّ في كل شيء، والشعارات التي بهتت من كثرة ما اجترّها النظام لتبرير فشله في الحفاظ على منجزات كان العالم يوماً يحسده عليها، مصرّاً على قمع كل الحريات التي وعدت بها تلك الثورة التي أضاءت دروب الملايين وأصبحت اليوم جسماً متهالكاً ينتظر من يوقّع شهادة وفاته أمام الجار الأميركي الذي يُحكم آخر فصول الحصار على الجزيرة المتمردة. حياة الكوبيين اليومية باتت أشبه بجلجلة من الحواجز والتعقيدات التي لا نهاية لها، بحثاً عن الطعام، أو سعياً وراء وسيلة نقل، أو معلومات لمعرفة ماذا سيحصل في اليوم التالي. النظام لا يفصح عما إذا كان يتفاوض أو لا مع الإدارة الأميركية، ولا أحد يعرف متى سيعود التيار الكهربائي، أو إذا كانت الجزيرة ستغرق في كارثة إنسانية إذا لم تصل شحنات الوقود الموعودة، أو إذا كانت البلاد على شفا تغيير للنظام، أو إصلاحه تدريجياً بفعل الضغط الأميركي، أو إذا كانت كوبا هي التالية بعد فنزويلا وإيران.

مواطنون كوبيون ينتظرون دورهم لتعبة مياه الشفة في هافانا خلال انقطاع تام للكهرباء في كافة أنحاء البلاد (أ ف ب)

لم يعد في كوبا شيء من الذي كان تشي غيفارا يتغنّى به، أو من الذي كان غارسيّا مركز يمتدحه في مقالاته، ولا مما كان يفاخر به أمام العالم فيديل كاسترو الذي لم يتبقّ منه ومن إرثه الثوري سوى شذرات أسطورة لن يحكم التاريخ بالبراءة عليها بعد أن ذابت فيها الثورة، وإنجازاتها، وأحلامها.

وقبل أن تغادر الجزيرة التي اخترت يوماً أن تكون أطروحتك حول ثورتها وقائدها الملهم، يعترضك كهل في طريق العودة إلى الفندق ليسألك إن كنت تحمل أقراص «باراسيتامول» لمداواة آلام الركب... تلك هي نهاية الفيلم الكوبي الرومانسي الطويل.


القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)

دخل قرار الحكومة اللبنانية القاضي بحظر النشاط العسكري والأمني لـ«حزب الله» مرحلة التطبيق العملي، عبر قيام القضاء العسكري بفتح ملفات قضائية بحق عناصر ضُبطوا وهم ينقلون أسلحة غير مرخصة وصواريخ باتجاه الجنوب. ويعكس هذا المسار تحوّلاً قضائياً في مقاربة الدولة لملف السلاح غير الشرعي، بعد تعثر الأسبوع الماضي أدى إلى الإفراج عن موقوفين بكفالات رمزية، ما انعكس على العلاقة بين الأجهزة القضائية.

وفي خطوة اعتبرت مؤشراً على بدء مرحلة مختلفة، ادعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، الاثنين، على أربعة عناصر من الحزب، بعد توقيفهم أثناء نقل أسلحة وصواريخ، وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول القاضية غادة أبو علوان لاستجوابهم واتخاذ الإجراءات المناسبة بحقهم.

هامش قضائي واسع

في الشكل، قد تبدو هذه الإجراءات روتينية ضمن صلاحيات النيابة العامة العسكرية، إلا أن مضمونها يعكس تبدلاً في أسلوب التعامل القضائي مع ملفات ترتبط بـ«حزب الله». فالقضاء الذي كان يتحرك بحذر شديد في قضايا تمسّ الحزب أو حلفاءه، يبدو اليوم أمام هامش أوسع، في ظل القرار السياسي الذي صنّف النشاط العسكري والأمني للحزب خارج إطار الشرعية القانونية.

ادعاء مفوض الحكومة على عناصر «حزب الله» الأربعة استناداً إلى المادة 72 من قانون الأسلحة التي تعاقب على نقل وحيازة الأسلحة غير المرخصة، يبدو مفهوماً في بعده القانوني. إلا أن اللافت في الادعاء كان توجيه اتهام أشد خطورة لاثنين من الموقوفين استناداً إلى المادة 288 من قانون العقوبات، وهي مادة جنائية تعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة كل من يقوم بأعمال من شأنها تعريض لبنان لخطر أعمال عدائية أو الإضرار بعلاقاته مع دولة أجنبية.

لبناني يرفع علم «حزب الله» في بلدة النبي شيت في شرق لبنان حيث قام الجيش الإسرائيلي بإنزال وأمطر البلدة بقصف كثيف موقعاً عشرات القتلى والجرحى (أ.ف.ب)

وتنصّ المادة 288 من قانون العقوبات على «المعاقبة بالاعتقال المؤقت لكل من يخرق التدابير التي اتخذتها الدولة للمحافظة على حيادها في الحرب، أو يقدم على أعمال أو كتابات أو خطب غير مجازة من الحكومة من شأنها تعريض البلاد لخطر أعمال عدائية أو تعريض اللبنانيين لأعمال ثأرية». ويعطي إدراج هذه المادة في الادعاء بعداً سيادياً للملف، إذ يضع القضية في إطار «الجرائم التي تمس أمن الدولة»، وليس فقط ضمن إطار حيازة السلاح غير المرخص.

نقل صواريخ

وفي تبرير لاتهام عنصرين للحزب بجناية، يؤكد مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط» أن اثنين من الموقوفين الأربعة «أوقفا في بلدة كفرحونة في جبل لبنان، بعدما ضبطت بحوزتهما 21 صاروخاً في طريقها إلى الجنوب، في خطوة اعتُبرت مخالفة صريحة لقرارات الحكومة والقوانين المرعية الإجراء».

ويشير المصدر إلى أن القاضي كلود غانم «اعتمد هذه المرة مقاربة مختلفة في مسار الملاحقة، إذ ادعى على الموقوفين الأربعة وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول طالباً استجوابهم وإصدار مذكرات توقيف وجاهية بحقهم، استناداً إلى مواد الادعاء»، لافتاً إلى أن هذه الآلية القضائية «ستؤدي عملياً إلى إطالة مسار الإجراءات، ما يعني إبقاء المدعى عليهم قيد التوقيف إلى حين استكمال التحقيقات».

ويأتي هذا المسار مختلفاً عمّا حصل في ملف سابق شمل عنصرين من الحزب، حيث جرى الادعاء عليهما وإحالتهما مباشرة إلى المحكمة العسكرية، حيث اكتفت الأخيرة بتغريم كل منهما مبلغ 10 دولارات أميركية وإطلاق سراحهما فوراً، في إجراء أثار انتقادات واسعة.

توسيع دائرة التحقيقات

بحسب المصدر القضائي، فإن الهدف من إحالة الملف إلى التحقيق الاستنطاقي «هو توسيع دائرة التحقيقات لكشف ملابسات نقل الصواريخ والأسلحة، ومعرفة ما إذا كان الموقوفون يتحركون بقرار مستقلّ، أو بتكليف مباشر من الجهة الحزبية التي ينتمون إليها»، في إشارة إلى «حزب الله».

وتندرج هذه القضية في سياق سلسلة عمليات نفذتها الأجهزة الأمنية خلال الأسبوعين الماضيين، أسفرت عن توقيف عناصر من الحزب أثناء تنقلهم بأسلحة فردية أو رشاشات أو أثناء نقل عتاد عسكري بين مناطق مختلفة. غير أن التطور الأبرز في الملف الأخير يتمثل في طبيعة السلاح المضبوط، أي الصواريخ.

وترى مصادر حقوقية متابعة للملف أن تكثيف إحالة هذه القضايا إلى القضاء العسكري «يعكس بداية مرحلة مختلفة في علاقة الدولة مع سلاح (حزب الله)، خصوصاً بعد القرار الحكومي الذي وضع إطاراً قانونياً واضحاً لحظر نشاطه العسكري والأمني خارج مؤسسات الدولة». وتؤكد المصادر لـ«الشرق الأوسط»، أن القضاء العسكري «وضع نفسه أمام اختبار حقيقي لمدى قدرته على تطبيق قرارات الدولة وملاحقة المخالفين لها»، مشيرة إلى أن التحقيقات الاستنطاقية التي تجريها القاضية غادة أبو علوان «ستشكل مؤشراً مبكراً على المسار الذي ستسلكه الدولة في التعامل مع ملف السلاح غير الشرعي في المرحلة المقبلة».


من «نكتة سياسية» إلى قرار مصيري... هل حان وقت مغادرة أميركا؟

مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
TT

من «نكتة سياسية» إلى قرار مصيري... هل حان وقت مغادرة أميركا؟

مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)

منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، تحوّل سؤال «هل حان وقت المغادرة؟» من نكتة سياسية تُقال بعد كل انتخابات، إلى حديث جاد يتكرر في غرف الأخبار، وعلى منصات التواصل، وحتى في مكاتب الاستشارات الضريبية وشركات الهجرة.

لم يعد سؤال «هل نغادر؟» مجرّد انفعال انتخابي عابر أو تهديد يُطلقه نجوم الشاشة ثم يُطوى. صار السؤال جزءاً من أحاديث يومية في أوساط واسعة: عائلات تُقلّب خرائط مدارس أكثر أمناً وتبحث عن مجتمع أقل توتراً، نساء شابات يقرأن معارك الحقوق والثقافة بوصفها مؤشراً على مستقبل أكثر ضيقاً، أكاديميون يتعاملون مع العلاقة المتدهورة بين الدولة والجامعة باعتبارها اختباراً لاستقلال المعرفة، وأثرياء يتحدثون عن الضرائب والبيئة السياسية بلغة إدارة مخاطر، ويفكرون في «خطة ب» هادئة لا تنفي علاقتهم بالاقتصاد الأميركي، بقدر ما تؤمّن لهم مخرجاً من تقلبات السياسة والضرائب.

في هذا المناخ المتشنّج، تحوّلت «الهجرة المعاكسة» إلى عبارة تختصر مزاجاً أكثر مما تصف حركة سكانية كبرى. فالضجيج كبير، لكن الدقة تقتضي التفريق بين رغبة في الرحيل تُقاس بالاستطلاعات، وبين خطوات قانونية فعلية للحصول على إقامة أو تأشيرة، وبين حقيقة ديمغرافية تُقاس بصافي الهجرة وتدفّقات الداخلين والخارجين. المفارقة أن أهم ما تُظهره الأرقام في العام الأول من الولاية الثانية لا يبدو «نزوحاً أميركياً جماعياً» بقدر ما يبدو تراجعاً في الداخلين إلى الولايات المتحدة، أي في الهجرة إليها، مع آثار اقتصادية وديمغرافية ملموسة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مؤشراً بيده خلال لقائه عائلات فقدت أفراداً منها في جرائم ارتكبها أشخاص دخلوا البلاد بطريقة غير شرعية (رويترز)

مزاج الرحيل

اللافت في موجة الحديث الأخيرة أنها لم تعد حكراً على فئة واحدة أو سبب واحد. في مرحلة سابقة، كان الانقسام السياسي هو محرك الخطاب: «إذا انتصر خصمي فسأغادر». أما اليوم، فالسردية أكثر تركيباً: الناس لا تتحدث عن الرئيس وحده، بل عن مزيج من الاستقطاب، والإحساس بتراجع «الحد الأدنى من الاتفاق» داخل المجتمع، وارتفاع تكلفة العيش، وتراجع الثقة بالمؤسسات، والقلق من العنف المسلح، وصولاً إلى شعور متزايد لدى بعض الشرائح بأن البلد صار مساحة «مفاوضة يومية» على الحقوق والهوية واللغة. هذا ما يفسر لماذا باتت فكرة الرحيل تخرج من إطار «الرمز السياسي» إلى إطار «الخيار الحياتي».

أحد المؤشرات على ذلك هو نشوء خدمات جديدة تُحوّل القلق إلى خطة. في تقرير لمجلة «فوربس» عن شركة ناشئة تساعد الأميركيين على الانتقال، لا يقدّم الأمر بوصفه موجة هروب جماعية، بل بوصفه صناعة تُرشد الناس إلى مسارات قابلة للتطبيق، وتحديداً نحو بعض البلدان الأوروبية، عبر دعم إداري وقانوني وترتيبات معيشية. الفكرة هنا ليست أن الجميع سيغادر، بل أن عدداً متزايداً يريد أن يعرف: ما الذي يمكن فعله واقعياً؟ وما التكلفة؟ وما المسار القانوني؟

وعلى مستوى المزاج العام، جاءت أرقام «غالوب» لتكسر حاجز «الانطباع». الاستطلاع المنشور في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 أظهر أن نحو واحد من كل خمسة أميركيين يقولون إنهم يرغبون في مغادرة الولايات المتحدة بشكل دائم إذا أتيحت الفرصة، وأن الدفعة الأكبر تأتي من النساء الأصغر سناً: 40 في المائة من النساء بين 15 و44 عاماً عبّرن عن رغبة في الانتقال الدائم إلى الخارج، مقابل 19 في المائة من الرجال في الفئة العمرية نفسها، مع مقارنة لافتة بأن النسبة لدى الشابات كانت أقل بكثير قبل عقد. وتنبّه «غالوب» إلى نقطة منهجية حاسمة: الاستطلاع يقيس «الرغبة» لا «الخطة» ولا «التنفيذ»، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن أزمة ثقة عميقة لدى جيل كامل، وعن فجوة جندرية في الرضا عن المسار الأميركي.

هنا يظهر جانب من «الهجرة المعاكسة» لا يحتاج إلى «طائرة»: انسحاب نفسي من فكرة المستقبل الأميركي لدى فئات ترى أن معارك الداخل، على الأمان والحقوق والتعليم، لم تعد هامشية، بل باتت تحدد شكل الحياة اليومية. وهذا الانسحاب النفسي، حتى لو لم يتحول إلى انتقال فعلي لدى الأغلبية، يترك أثراً سياسياً واقتصادياً طويل المدى: من أين يخطط الناس لبناء حياتهم؟ وأين يريدون تربية أطفالهم؟ وأي مجتمع يثقون به؟

مارة يعبرون الطريق في تايمز سكوير بمدينة نيويورك (شاترستوك)

الأرقام الصلبة عن أميركا

حين تُذكر «الهجرة المعاكسة» في النقاش العام، يسهل الانزلاق إلى صورة درامية: أميركيون يرحلون بالملايين. لكن ما تقوله البيانات الأحدث هو أن القصة الديمغرافية الأهم في 2025–2026 ترتبط بانخفاض الهجرة إلى الولايات المتحدة، وتراجع صافي الهجرة الدولية بصورة حادة مقارنة بالعام السابق.

في يناير (كانون الثاني) 2026، نشر مكتب الإحصاء الأميركي تدوينة تحليلية عن تقديرات السكان تُظهر أن صافي الهجرة الدولية بلغ ذروة عند 2.7 مليون في 2024 ثم انخفض إلى 1.3 مليون في 2025، مع توقعات بأن يتراجع أكثر إذا استمرت الاتجاهات. ويضيف مكتب الإحصاء نقطة قد تُستخدم في غير محلها: الانخفاض الكبير نتج من تراجع الهجرة إلى الداخل وارتفاع الهجرة إلى الخارج معاً، لكن ذلك لا يعني تلقائياً «هروب مواطنين» بقدر ما يعكس تغيّرات أوسع في تدفقات السكان، بما فيها تشدد السياسات وتبدل سلوك الهجرة عموماً.

وفي قراءة أكثر تفصيلاً، تشير ورقة محدثة من معهد «بروكينغز» (يناير 2026) إلى أن صافي الهجرة في 2025 كان على الأرجح قريباً من الصفر أو سلبياً للمرة الأولى منذ نصف قرن على الأقل، ضمن نطاق تقديري بين 295 ألفاً و10 آلاف، مع توقعات بأن يبقى ضعيفاً في 2026. الورقة نفسها تعترف بتزايد عدم اليقين بسبب تراجع الشفافية في بعض البيانات، لكنها تؤكد الاتجاه العام: التغيير الأكبر هو في ميزان الداخلين والخارجين ككل، لا في «رحيل الأميركيين» وحده.

أهمية هذا التفصيل أن «الهجرة المعاكسة» تُطرح أحياناً كدليل على تراجع جاذبية أميركا، بينما الأثر الاقتصادي المباشر لتراجع صافي الهجرة يظهر غالباً عبر قنوات أخرى: نقص اليد العاملة في قطاعات محددة، وتباطؤ في نمو السكان في ولايات كبرى، وضغط على النمو والاستهلاك. وفي تحليل نشرته مؤسسة «بارونز» استناداً إلى نمذجة اقتصادية، أشار إلى أن تباطؤ نمو السكان بين 2024 و2025 يمكن أن يرتبط بخسائر اقتصادية كبيرة، مع ربط واضح بين التراجع الحاد في صافي الهجرة الدولية وبين خسارة وظائف وعائدات اقتصادية، حتى مع وجود نقاش بين الباحثين حول حجم الأثر النهائي.

بهذا المعنى، فإن العام الأول من الولاية الثانية لا يمكن اختزاله في «الناس تغادر»، بل في «أميركا تقلل الداخلين»، وهو تحوّل يغيّر تركيبة سوق العمل والجامعات والابتكار، ويعيد رسم علاقة الولايات المتحدة بالعالم ليس فقط عبر التجارة والأمن، بل عبر البشر أنفسهم.

متظاهرون ضد «أيس» بمدينة روتشستر في ولاية نيويورك (غيتي)

الجامعات العريقة في خط النار

إذا كان ملف الضرائب والأمان المجتمعي يُغذي رغبة الرحيل لدى العائلات والأفراد، فإن ملف الجامعات يفتح باباً مختلفاً: باب «هجرة العقول» وتآكل القوة الناعمة. فمنذ الاحتجاجات الواسعة في الجامعات الأميركية على خلفية حرب غزة، اتخذت المواجهة بين الإدارة الفيدرالية وبعض المؤسسات الأكاديمية الكبرى طابعاً أكثر خشونة، امتزج فيه الأمن الجامعي بالتمويل الفيدرالي وبالتحقيقات وبالخطاب السياسي حول «معاداة السامية» وحدود الاحتجاج.

في مارس (آذار) 2025، حذّر المجلس الأميركي للتعليم من قرار إلغاء 400 مليون دولار من منح وعقود فيدرالية لجامعة كولومبيا، واعتبرته سابقة خطرة تقوض الأبحاث وتلتف على العمليات القانونية المعتادة، في إشارة إلى أن التمويل بات يُستخدم كأداة ضغط سياسية يمكن أن تمتد آثارها إلى مجالات علمية وطبية لا علاقة مباشرة لها بالسجال السياسي.

ثم جاء يوليو (تموز) 2025 ليؤكد أن نموذج «العصا والجزرة» ليس نظرياً، حين توصلت جامعة كولومبيا إلى اتفاق مع الحكومة لإعادة التمويل البحثي، تضمن دفع أكثر من 220 مليون دولار، بينما قالت «رويترز» إن البيت الأبيض رأى في الاتفاق نموذجاً يمكن تكراره، في حين حذّر منتقدون من أن ذلك قد يفتح الباب لتدخلات أوسع في الحوكمة الجامعية.

أهمية هذه المعركة في سياق «الهجرة المعاكسة» أنها تمس أحد أعمدة الجاذبية الأميركية التاريخية: الجامعة بوصفها مصنعاً للنخب العالمية وحاضنة للبحث والابتكار. حين تتحول الجامعة إلى ساحة صدام مالي - سياسي، وحين يشعر الأكاديمي أو الطالب أن الحرم الجامعي بات تحت ضغط دائم، يرتفع احتمال التفكير في بيئات أخرى أقل تقلباً، حتى لو لم تكن أكثر بريقاً. وفي حالات كثيرة، لا تكون النتيجة «هجرة فورية»، بل تراجع تدريجي في قدرة الولايات المتحدة على اجتذاب أفضل الباحثين والطلاب الأجانب، وهو ما يلتقي مع ملف التأشيرات والتنافس التكنولوجي.

والأمر لا يقف عند كولومبيا. هذا الشهر رفعت وزارة العدل الأميركية دعوى ضد جامعة «هارفارد» تتهمها بعدم الامتثال لتحقيق فيدرالي بشأن سجلات القبول. وتقول الوزارة إن الدعوى تهدف إلى إجبار الجامعة على تسليم وثائق تتعلق بأي اعتبار للعرق في القبول، من دون اتهامها بتمييز فعلي. وحظيت القضية بتغطية إعلامية واسعة، ما يعكس اتساع نطاق المواجهة إلى ملفات القبول والحوكمة وسياسات التنوع، بالتوازي مع ملفات الاحتجاجات.

هنا يتشكل لدى جزء من الرأي العام الأكاديمي شعور بأن «المعركة» لم تعد حادثاً مرتبطاً بغزة وحدها، بل جزءاً من مواجهة أوسع مع المؤسسات التي تُوصف تقليدياً بأنها «نخبوية». وفي مثل هذه الأجواء، يصبح التفكير في الانتقال أو على الأقل في «تدويل» المسار المهني خياراً عقلانياً لدى بعض الأكاديميين، لا لأن أميركا فقدت ميزاتها العلمية، بل لأن تكلفة عدم اليقين ارتفعت، ولأن السياسة دخلت بحدة إلى التمويل والقبول والحوكمة.

تلامذة ترافقهم الشرطة لدخول مدرستهم بعد حادثة إطلاق نار أودت بحياة زملائهم في ولاية كاليفورنيا (أ.ب)

أوروبا تلتقط حرب التنافس مع الصين

الخط الأكثر حساسية في قصة «الهجرة المعاكسة» لا يتعلق بمن يغادر من الأميركيين، بل بمن لا يأتي إلى الولايات المتحدة، خصوصاً في مجال التعليم العالي والتكنولوجيا. فالتنافس التكنولوجي مع الصين لا يدور حول المصانع وحدها، بل حول المختبرات، والمهارات، والطلاب، والباحثين. وفي هذا السياق، يصبح ملف الطلاب الأجانب جزءاً من «حرب مواهب» عالمية، حيث تسعى الدول إلى اجتذاب العقول أو منع خصومها من الوصول إلى المعرفة.

على مستوى البيانات، أظهر تقرير معهد التعليم الدولي أن إجمالي الطلاب الدوليين في الولايات المتحدة تراجع 1 في المائة في العام الأكاديمي 2025-2026، لكن الأهم كان في «النبض المستقبلي»: انخفاض بنسبة 17 في المائة في أعداد الطلاب الدوليين الجدد. كما قالت غالبية كبيرة من المؤسسات المشاركة إن مخاوف التأشيرات كانت العائق الأول أمام الطلاب. هذه الأرقام لا تعني انهياراً فورياً، لكنها تضيء على اتجاه قد يصبح مؤلماً إذا استمر؛ لأن «الجدد» هم من يحددون ما سيكون عليه الحضور الدولي بعد سنتين أو ثلاث.

مسافر ينتظر القطار في مدينة نيويورك (أ.ف.ب)

في الوقت نفسه، اتخذت واشنطن خطوات أكثر صرامة تجاه الطلاب الصينيين. في مايو (أيار) 2025، قالت الخارجية الأميركية إنها ستعمل على «إلغاء التأشيرات بشكل هجومي» لفئات من الطلاب الصينيين، خصوصاً من لديهم صلات بالحزب الشيوعي أو يدرسون في «مجالات حرجة»، مع تشديد التدقيق على طلبات مستقبلية. وغطّت تقارير إعلامية هذه السياسة في سياق تحذير من «استغلال» الجامعات وسرقة أبحاث، بينما أشارت أخرى إلى أن الخطوة أثارت قلقاً واسعاً في الجامعات وبين الطلاب، في وقت تعتمد فيه مؤسسات كثيرة على الرسوم التي يدفعها طلاب دوليون.

هنا تتشابك خيوط القصة: تشدد التأشيرات والتنافس مع الصين يقللان من تدفق طلاب وباحثين، ومعارك الإدارة مع الجامعات على خلفية احتجاجات غزة تزيد شعور عدم اليقين داخل الحرم، فتجد دول أخرى فرصة لتقديم نفسها كبدائل «أهدأ» أو «أوضح قواعد». وليس صدفة أن تبرز وجهات أوروبية بعينها كهولندا وبريطانيا والبرتغال في خطاب الانتقال الأميركي، لا سيما أن بعضها يجمع بين جودة حياة وإمكانية قانونية قابلة للتطبيق.

في هولندا مثلاً، نقلت تقارير إعلامية محلية، استناداً إلى بيانات دائرة الهجرة، أن نحو 7 آلاف أميركي تقدموا خلال 2025 بطلبات تتعلق بتصاريح عمل أو دراسة أو لمّ شمل، وهو أعلى مستوى منذ عقد على الأقل، مع ارتفاع لافت في استخدام مسار «معاهدة الصداقة الهولندية - الأميركية» الذي يتيح للأميركي تأسيس نشاط تجاري برأسمال متواضع نسبياً. هذه ليست أرقاماً ضخمة قياساً بحجم الولايات المتحدة، لكنها كافية لإظهار أن «الخطة ب» تتحول إلى سلوك عند شريحة محددة قادرة على الحركة.

وفي المملكة المتحدة، لا يظهر المؤشر في سجلات الهجرة فقط، بل في سوق العقار. شركة «رايت موف» البريطانية قالت إن الاستفسارات من الولايات المتحدة حول منازل معروضة للبيع في بريطانيا ارتفعت 19 في المائة عن العام السابق، وهو أعلى مستوى منذ 2017، مع ملاحظة أن جزءاً كبيراً من الطلب يتركز على وحدات صغيرة، بما يوحي بأن الأمر غالباً استثمار أو منزل ثانٍ أكثر من كونه انتقالاً نهائياً لعائلات كبيرة.

أما البرتغال، فتبقى جذابة كنموذج «جودة حياة» وتكاليف أدنى نسبياً لبعض الفئات. لكنّها تقدم في الوقت نفسه درساً على أن أوروبا ليست بوفيهاً مفتوحاً. ونقلت وكالة «رويترز» في يونيو (حزيران) 2025 أن الحكومة البرتغالية اتجهت إلى تشديد قواعد التجنيس ولمّ الشمل ورفع مدة الإقامة المطلوبة لمعظم الأجانب قبل طلب الجنسية، تحت ضغط سياسي داخلي متصاعد حول الهجرة؛ أي أن من يراهن على استقرار طويل الأمد يجد أن القواعد يمكن أن تتغير بسرعة، وأن «الوجهة» ليست وعداً ثابتاً.

أحد المحاربين القدامى يحمل لافتة كُتب عليها «المهاجرون يجعلوننا عظماء» رداً على إجراءات «أيس» في البلاد (رويترز)

ما الواقعي وما المبالغ؟

بهذا المعنى، لا تعني الوجهات الأوروبية أن أميركا فقدت هيمنتها. العكس: كثير من حركة «الهجرة المعاكسة» لدى الأثرياء والمهنيين تعكس منطق إدارة المخاطر داخل اقتصاد عالمي تقوده الولايات المتحدة. فالأميركي الذي يشتري منزلاً في لندن أو يفتح باب إقامة في أمستردام لا يقطع علاقته بالهيمنة الأميركية، بل يستخدم مزاياها: الدخل، ورأس المال، والعمل عن بعد، لبناء خيار إضافي خارج المجال السياسي الداخلي. إنها مفارقة «الهيمنة»: القوة التي تمنح فرصاً هائلة هي نفسها التي تجعل السياسة داخلها أكثر صخباً وتأثيراً في حياة الفرد، فتدفع بعضه إلى توزيع حياته على أكثر من جغرافيا.

في النهاية، تبدو «الهجرة المعاكسة» أقل اتساعاً مما يوحي به ضجيجها، لكنها أكثر دلالة مما يريد البعض الاعتراف به. ليست موجة نزوح جماعي، بل تيار نوعي يقوم على ثلاث طبقات: رغبة متزايدة في الرحيل لدى فئات محددة، وخطوات عملية لبناء مخارج قانونية ومالية، وتحوّل ديمغرافي أكبر يتمثل في تراجع الداخلين إلى الولايات المتحدة. وبين هذه الطبقات تتشكل صورة بلد يزداد نفوذاً في الخارج، لكنه يخوض في الداخل معارك متزامنة على الهوية والأمان والمعرفة، وهي معارك تكفي وحدها لإنتاج سؤال الرحيل، حتى إن بقي، في معظم الأحيان، «خطة ب» أكثر منه قراراً نهائياً.