ماذا تعرف عن الأكاديميين؟

السياح يزورون تلة الأكروبوليس حيث يوجد معبدا البارثينون (يسار) البالغ من العمر 2500 عام وإريخثيون القديم (يمين) في أثينا أكتوبر الماضي (أ.ب)
السياح يزورون تلة الأكروبوليس حيث يوجد معبدا البارثينون (يسار) البالغ من العمر 2500 عام وإريخثيون القديم (يمين) في أثينا أكتوبر الماضي (أ.ب)
TT

ماذا تعرف عن الأكاديميين؟

السياح يزورون تلة الأكروبوليس حيث يوجد معبدا البارثينون (يسار) البالغ من العمر 2500 عام وإريخثيون القديم (يمين) في أثينا أكتوبر الماضي (أ.ب)
السياح يزورون تلة الأكروبوليس حيث يوجد معبدا البارثينون (يسار) البالغ من العمر 2500 عام وإريخثيون القديم (يمين) في أثينا أكتوبر الماضي (أ.ب)

تحدثت في مقالة سابقة عن خطأ يتكرر في تدوين تاريخ الفلسفة، حين يتصور كثيرون أن الفكر الشكوكي كان محصوراً في الخطباء السفسطائيين الذين رد عليهم أفلاطون في بعض محاوراته التي سماها بأسمائهم. رد عليهم باسم سقراط الذي لم يكتب شيئاً، بينما يزعم السفسطائيون أن سقراط واحد منهم، وأن أفلاطون قد شوّه صورته وقوّله ما لم يقل، جاء هذا على لسان أرسطبوس السفسطائي الذي أسس مذهب اللذة الذي نسب لأبيقور في خطأ آخر سنصححه فيما بعد. يتصور كثير من المشغولين بالفلسفة أن أفلاطون قد قضى على السفسطائيين، ومال إلى هذا القول كل رجال الدين في المسيحية والإسلام، وبقوا يكررون حجج أفلاطون الرادعة للشكوكيين، كل بلغته. فعندما تدقق قليلاً ستجد أن حجج ابن حزم الأندلسي التي ساقها للرد عليهم في كتاب «الفِصل» هي ذاتها حجج أفلاطون وأرسطو، بعد أن عرّبها وأسلمها عليّ بن أحمد. طائفة أخرى مالت لهذا الرأي هم العلماء الطبيعيون الذين يرغبون في المضي ببحوثهم العلمية دون تعكير من إزعاج الشكوكي. هذه من القضايا التي لم تشتهر، أن ثمة خصومة قديمة بين العلماء وطائفة من الشكوكيين تشككوا في صحة العلم، وقدحوا في الرياضيات واسترابوا في صحة الطب كعلم.

هذه الميول التي تكاتفت أخفتت صوت الشكوكي بعض الشيء، لكنه بقي موجوداً، ومن هنا أجد في تسليط الضوء على جهودهم المعرفية مصلحة كبرى، فلولا تلك الجهود لما تطور العلم والفلسفة وفهم الدين والحياة الاجتماعية والأخلاق. الشك ضرورة لحركة الفكر وشرط للتطور، ولولا الشكوكيون لما ارتقى شيء فكري. الشك قوة حيوية لعبت دوراً كبيراً في هذا المجال.

يقولون إن أفلاطون قد قضى على السفسطائيين (الاسم القديم للشكوكيين) لكن التفتيش في بطون الكتب القديمة يدل على نقيض ما تدعيه الكتب الحديثة. أسس أفلاطون أكاديمية لطلاب الفلسفة بالقرب من أثينا في سنة 387 قبل الميلاد، وبعد موت المعلّم مرت الأكاديمية بثلاث مراحل؛ فالأولى هي الممثل الحقيقي لفلسفة أفلاطون وتلاميذه وشركائه الذين حافظوا على إرث الأستاذ كما هو على صورته منذ تأسيسها. في هذه المرحلة امتزجت الأفلاطونية بالفيثاغورية وبالنظرية الصوفية للأعداد، وكان لها دور كبير في تطوير علمي الرياضيات والفلك. ثم آلت الأكاديمية إلى مرحلة وسيطة شكوكية حين ترأس أرقاسيلاوس الأكاديمية في القرن الثالث قبل الميلاد، وكان أول شكوكي يرأسها. هذا يبدو من سخرية القدر، فالسفسطائيون الذين حاربهم أفلاطون بكل شراسة، استولوا على أكاديميته وصارت تعرف باسم «الأكاديمية الشكوكية»، خلافاً لمن يتصور أن أفلاطون قد قضى عليهم في زمانه.

وصلت إلينا حجج الشكوكيين الأكاديميين هذه في خلال كتابات شيشرون وديوجين اللايرتي والقديس أوغسطين، والمادة التي تفلسف عليها هي فلسفات ما قبل سقراط، ونسبية بروتاغوراس، ودعوى جورجياس باستحالة المعرفة وتناقلها، وأعمال أفلاطون وأرسطو. أما خصومهم الفكريون فقد كانوا الرواقيين والأبيقوريين والمناطقة الميغاريين، فهم من بقي على الساحة في تلك الحقبة التي تعرف باسم الفترة الهيلينستية، وهي الفترة التي تؤرخ بدايتها بموت الإسكندر أو موت أرسطو، وتنتهي بسنة 200 في اليونان، وسنة 300 في الشرق الأوسط.

هناك بعض الاختلافات المهمة بين الأكاديميين خلال فترة الشكوكية الأكاديمية التي استمرت إلى القرن الأول قبل الميلاد، ولكن هناك أيضاً سمة توحدهم، ألا وهي تبنيهم لمبدأ التفنيد. تلك الكلمة التي حظيت بالاهتمام من قبل كثير من الفلاسفة. بإلهام من سقراط، سعوا إلى محاربة الموقف الواثق الدوغمائي، ونظراً لأن الرواقيين كانوا أكثر الوثوقيين تأثيراً في زمانهم، فقد كرس الأكاديميون الشكوكيون طاقتهم للتصدي لهم على وجه الخصوص. لقد بدأ الشك الأكاديمي استجابة لتطوير الرواقية لنظريتها في المعرفة، نظرية تغيرت هي نفسها استجابة لنقد الشكوكيين الأكاديميين.

ولكي يدحضوا خصومهم، استخدم الأكاديميون الجدل القديم القائم على إظهار العوار في أفكار الخصم والتناقض، وبدلاً من تبني موقف ما، يكتفون بأن يكشفوا للمحاور أن اعتقاداته غير متسقة بشكل متبادل، وبالتالي فهو غير قادر على تبرير ادعائه للمعرفة. على سبيل المثال، لو أنني ادعيت أن السعادة هي اللذة الحسيّة، فسيتقدم إليّ أحد الشكوكيين من هذه المدرسة ليرشدني بناءً على المقدمات المنطقية التي أعتمدُها أن السعادة قد توجد بلا لذة حسيّة، ويترتب على ذلك أنني لم أكن أعرف حقاً ما زعمت أنني أعرفه. الافتراض العملي هو أنني لو كنت أعرف ما هي السعادة لكنت قادراً على تقديم سبب لصحة اعتقادي. وإذا تناقضت مع نفسي أو عجزت عن تقديم الأسباب المعقولة، فهذا معناه أنني لا أعرف ما هي السعادة، وحتى لو تبين أن إيماني صحيح، فأنا لا أعرف سبب صحته.

لا يملك أرقاسيلاوس شهرة كشهرة أفلاطون وأرسطو، لكن المتخصصين يعرفونه ويعرفون أنه عاش ما بين (316 – 241) قبل الميلاد على وجه التقريب لا اليقين، وأنه ترأس الأكاديمية منذ عام 268 ق. م. حتى سنة وفاته، وتُعرف أكاديميته بالأكاديمية الوسطى. وصفه المؤرخون بأنه كان يستغل أي فرصة للنقاش لإبراز مواهبه الجدلية ولكي يبز الخصوم، في كل قضية يقع النزاع حولها. منهجه في ذلك أن يأخذ بالقولين المتناقضين، لا ليبرز كذب الدعوى، وإنما لاستفزاز المزيد من التقصي والدراسة والبحث.

فترة الرئاسة هذه محورية؛ لأنه حوّل الأكاديمية فيها عن نهج أفلاطون مؤسسها بحيث أصبحت أكاديمية شكوكية، لأول مرة. وكان لديه ولدى زملائه في الأكاديمية موقف مخاصم لكل فيلسوف إثباتي يدعي معرفة بعض الحقيقة عن الطبيعة الحقيقية للأشياء. لا بد للشكوكي من خصم، وكان الخصم الأول في زمنه المدرسة الرواقية الإغريقية ورئيسها زينون، وقد تجلى الخلاف بصورة أوضح في طريقة التعليم. صاغ أرقاسيلاوس سلسلة من الحجج الموجهة خصيصاً ضد دعاوى الرواقيين المعرفية، وزعم أن مثل هذا الفيلسوف يدعي اليقين، لكنه ليس على يقين من دعواه، فكل المعلومات والمعارف التي نكتسبها عن طريق حواسنا يحتمل أن تكون غير موثوقة؛ لأنه لا يمكن أن نكون على ثقة تامة بالعقل، ولأننا لا نملك معياراً مضموناً لتمييز أحكامنا الصحيحة عن الخاطئة. وقد رفع أرقاسيلاوس شعار «لست على يقين من شيء، ولا حتى واقعة أني لست على يقين من شيء». واعتمد موقفاً يقوم على تعليق الحكم. العالم هو تمثلاتي، ولا شيء من إدراكاتنا الحسية أو تصوراتنا يضمن مشروعيتها الموضوعية.

فيما بعد، أثار الأكاديميون جدلاً حول ما أسموه «استعراض كلا الجانبين» في كل قضية، أي جانبي التأييد والاعتراض، وإظهار قوة كل جانب، وبالتالي لا يوجد سبب مقنع لقبول أي موقف. واستخدم آخرون الطريقة نفسها لاكتشاف أي جانب من القضية يمكن الدفاع عنه بشكل معقول. لكن جميع الأكاديميين اتفقوا على أن الرواقيين فشلوا في الدفاع بشكل كافٍ عن نظريتهم المعرفية، أي أنهم لم يظهروا أن المعرفة ممكنة.

ثم جاءت الأكاديمية الثالثة، ويسمونها أيضاً الجديدة، في القرنين الثاني والأول قبل الميلاد، وهي شكوكية أيضاً، وإن كانت قد تجاوزت موقف الوسطى. رئيسها هو قرنيادس، وهو أهم الأكاديميين، بالإضافة إلى أرقاسيلاوس، وقد عاش ما بين (214 – 126) قبل الميلاد، ويُعرف مذهبه باسم «الاحتمالية»، وهي في النهاية شكية ونسبية. ورغم كونه ممثلاً رسمياً للأفلاطونية فإنه كان ينفر أشد النفور من الوثوقية، وقد دخل في خصومة فكرية حامية مع الرواقيين مرة أخرى، تدور في الغالب حول مفهوم الحقيقة، والرغبة في هدم نظرية المعرفة الرواقية. ونفى قرنيادس وجود معيار للحقيقة، مؤكداً أن أي إدراك حسي يمكن أن نضع له تمثلاً مزيّفاً لا يمكن التفريق بينه والتمثل الصحيح، فنحن نرى تمثلاتنا للأحلام والهلوسة، وكذا تمثلنا لعالمنا الحسي، وكلاهما لا يمكن أن يوصف بالعصمة. واعترضوا على قول الرواقية بأن اللجوء إلى العقل هو الحل، بأنه لا يسلّم لهم، فالرواقية تعترف بأن تصوراتنا العقلية قامت على التجربة، والتجربة تردنا إلى الحس، والحس مشكوك في معطياته. كيف يمكن أن نصل إلى أي شيء إذا كان كل برهان يقوم على فرضية تحتاج إلى برهان؟! هنا سقط الاحتجاج بالمعيار.

ولأن الدليل على أي فرضية سوف يستند إلى معطيات الحس أو منطق العقل، وكلا هذين المصدرين غير موثوق، فلا يوجد معيار مضمون أو نهائي للمعرفة الحقيقية. هناك شك دائم في أي فرضية، وبالتالي في وجود المعرفة الحقيقية. نتيجة لذلك، قال الأكاديميون الشكوكيون إنه لا يوجد شيء مؤكد. أفضل المعلومات التي يمكننا الحصول عليها هي معلومات محتملة فقط، وسيتم الحكم عليها وفقاً للاحتمالات. ومن ثم أسس قرنيادس لنوع من نظرية التحقق ولنوع من الاحتمالية التي تشبه إلى حد ما نظرية المعرفة العلمية عند البراغماتيين والوضعيين في عصرنا.

وهاجم قرنيادس التصورات الدينية عند الرواقيين، وزعم أن تصورهم لطبيعة الله متناقض، وأن قولهم بأن الكون عاقل، لا يملك حجة حقيقية. وتشكك في دعواهم بأن عقل الإنسان مستمد من عقل كوني يحكم العالم، وقال إنهم بحاجة أولاً إلى أن يثبتوا أن عقل الإنسان لم ينتج عن الطبيعة، رغم أنه لا يتبنى أياً من الرأيين.

حكايات قرنيادس مع الرواقيين تحتوي على تفاصيل طويلة ومعارك لا تنتهي، لكن في هذه الإشارة ما يكفي. وسنختم الحديث عن قرنيادس بالقول إنه لم يكتب شيئاً لكنه كان يُدرّس تلاميذه قضاياه الثلاث: اليقين، ووجود الآلهة، والخير الأعظم. ويعترف له الحكماء بالفضل في أنه عالج مشكلة التسرع في إصدار الأحكام، والحق أنه كان مفيداً حتى للرواقيين الذين ردموا فجوات مذهبهم بسبب نقده اللاذع. رحل قرنيادس الذي قيل لا أحد بين أرسطو وأفلوطين أعظم منه، بعد أن ترك «نظرية في التحقق» ونوعاً من «الاحتمالية» يشبه إلى حد ما نظرية المعرفة العلمية للبراغماتيين والوضعيين في زماننا الحاضر.

أما الأكاديمية الجديدة فقد جنحت بالكامل في نهاية تطوافها صوب الانتقاء من الأفلاطونية والرواقية والأرسطية وبقية المذاهب الفلسفية السابقة، وفي القرنين الرابع والخامس اندفعت الأكاديمية نحو الأفلاطونية الجديدة. ثم أغلقت بأمر الإمبراطور جستنيان عام 529، وأعيد تأسيسها من جديد في عصر النهضة (1459 – 1521) بحيث أصبحت أرسطية مدرسية.

تحول الأكاديمية عن الدوغمائية الأفلاطونية إلى الشكوكية المطلقة، ثم تحولها في المرحلة الثالثة إلى الانتقائية كان النتيجة الطبيعية لصراع الأضداد، فالحاجة العملية لا بد أن تدفع الشكوكي مهما كان إيمانه بنظرية الشكوك إلى أن يختار، وإلا فلن يستطيع أن يعيش. الشكوكية الانتقائية هي مرحلة اكتمال ونضج كل مدرسة شكوكية.

* باحث سعودي


مقالات ذات صلة

الاضطرابات في الممرات البحرية تُلقي بظلالها على أمن الطاقة العالمي

الاقتصاد سفينة تحمل حاويات تمر عبر قناة السويس (الموقع الإلكتروني لقناة السويس المصرية)

الاضطرابات في الممرات البحرية تُلقي بظلالها على أمن الطاقة العالمي

بينما تتجه الأنظار إلى البحر الأحمر للوقوف على حركة التجارة بعد ازدياد الهجمات على السفن العابرة، حذَّر متخصصون من التحديات التي تحيط بالممرات المائية بالمنطقة.

صبري ناجح (القاهرة)
شؤون إقليمية قوارب سريعة تابعة لـ«الحرس الثوري» خلال مناورات في جزيرة أبو موسى أغسطس الماضي (تسنيم)

«الحرس الثوري» يعلن استعراضا لـ«الباسيج البحري في محور المقاومة»

أعلن قائد بحرية «الحرس الثوري» علي رضا تنغسيري عن استعراض لـ«الباسيج البحري» في «دول محور المقاومة» الجمعة المقبل، لافتاً إلى أن قواته ستشارك بـ3 آلاف سفينة.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية سفينة حربية للجيش الإيراني على متنها مسيّرات خلال تدريبات بالمحيط الهندي في يوليو 2022 (أ.ف.ب)

سفن حربية روسية ـ صينية ـ إيرانية لمناورات مشتركة في خليج عمان

أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن مجموعة من السفن الحربية الروسية وصلت إلى إيران لإجراء مناورات عسكرية مع إيران والصين في خليج عمان وبحر العرب.

«الشرق الأوسط» (موسكو - طهران)
شؤون إقليمية الناقلة «أدفانتدج سويت» المحتجزة لدى إيران، أثناء إبحارها بالقرب من إسطنبول في يناير العام الماضي (رويترز)

إيران تقرر مصادرة شحنة ناقلة نفط أميركية محتجزة

ستصادر إيران ما قيمته 50 مليون دولار تقريبا من النفط الخام من الناقلة «أدفانتج سويت» التي احتجزها الجيش الإيراني العام الماضي في مضيق هرمز.

شؤون إقليمية مسيّرات من طراز «شاهد» على متن سيارة رباعية الدفع على هامش مظاهرة ذكرى الثورة الأسبوع الماضي (فارس)

«الحرس الثوري» يُلوح بضرب أهداف متحركة في البحار

حذر مسؤول حكومي إيراني واشنطن من احتجاز سفن إيرانية، في وقت قال مسؤول البرنامج الصاروخي في «الحرس الثوري» إن بلاده قادرة على ضرب أهداف متحركة في أعالي البحار.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)

«المقاومة العراقية» إلى «حرب أوسع» في لبنان

«المقاومة العراقية» إلى «حرب أوسع» في لبنان
TT

«المقاومة العراقية» إلى «حرب أوسع» في لبنان

«المقاومة العراقية» إلى «حرب أوسع» في لبنان

حين حذّر وزير خارجية العراق، فؤاد حسين، من اندلاع حرب في لبنان، كان من المرجح أن يلقى كلامه المقلق استجابة عاصفة من الفصائل العراقية الموالية لإيران، أقلها التحضير لمساندة الحليف «حزب الله» اللبناني. ولم يحدث هذا كما جرت العادة بين حلفاء «محور المقاومة».

في 13 يونيو (حزيران)، كان الوزير حسين، يتحدث في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الإيراني بالإنابة، علي باقري كني، ومن دون سياق مسبق، وفي سابقة بين البلدين، رمى «طلقة تحذير» حول الجنوب اللبناني، بينما بغداد ملتزمة بالهدنة بظلال حكومة تحظى بإعجاب الأميركيين يوماً بعد آخر.

قال حسين: «لو اندلعت حرب هناك، ستتأثر المنطقة برمتها، وليس لبنان فقط».

وبالنسبة لكثيرين، كان كلام كبير الدبلوماسية العراقية «رسالة» تستند إلى معطيات وفرّها الزائر الإيراني، باقري كني، الذي كان قبل أسبوعين من وصوله إلى بغداد، يجري لقاءات «طبيعية» في بيروت ودمشق عن «الشراكة الوثيقة والدائمة».

شخصيتان في «الإطار التنسيقي»، أخبرتا «الشرق الأوسط»، أن باقري كني حين وصل إلى بغداد تحدث في الكواليس مع مسؤولين عراقيين، عن «حرب محتملة تُخطط لها إسرائيل في جنوب لبنان، فما موقف العراقيين؟».

وتقاطعت معلومات المصدرين حول أن باقري طلب صراحةً أن يكون «لبنان محور المؤتمر الصحافي المشترك». وقال أحدهما لـ«الشرق الأوسط»: «بالطبع، الحرب في لبنان تقلق الجميع، وستُسمع أصداؤها في بغداد أولاً»، ولهذا تبرّع الوزير العراقي بالتحذير، لأن حكومته والتحالف الشيعي الحاكم كان عليهم التعاطي مع جس نبض الإيرانيين بشأن لبنان.

وفي محاولة لاستنباط موقف «العسكريين»، تحدثت «الشرق الأوسط» إلى قائد فصيل عراقي فقال: «لقد وجّهت إلينا أسئلة عن موقفنا لو اشتعلت جبهة لبنان أكثر. فقلنا: مستعدون (...) سنذهب إلى هناك».

لكن الدوائر الدبلوماسية والسياسية ليست حاسمة إلى تلك الدرجة، فقد أكد مسؤول دبلوماسي أن «الأمر (طلب باقري) لم يكن بهذه الطريقة»، كما أن خبيراً عراقياً فسّر كلام فؤاد حسين بأنه «للموازنة السياسية بين الحكومة والمقاومة»، مقللاً من احتمالات حرب «أوسع».

وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين تولّى التحذير من حرب في لبنان بحضور نظيره الإيراني باقري كني (رويترز)

مَن يريد توسعة الحرب... إيران أم إسرائيل؟

تشهد مناطق الجنوب اللبناني والشمال الإسرائيلي منذ أشهر أعنف هجمات متبادلة منذ حرب 2006، لكنها أقل من أن توصف بالحرب المفتوحة. ثمة قواعد اشتباك غير تقليدية تجعلها حرباً على جرعات، بتكاليف عالية، لاسيما من جهة «حزب الله» وحاضنته في الجنوب.

تقول مصادر لبنانية، لـ«الشرق الأوسط»، إن حصيلة الأشهر الماضية تعادل أضرار حرب شاملة، لكنها في ميزان القوى، ليست كذلك.

وتزداد كثافة النيران الإسرائيلية على عمق 4 كيلومترات من الحدود، بمعدل قصف يومي، وتقل تدريجياً بعد عمق 10 كيلومترات وصولاً إلى نهر الليطاني.

المصادر التي قدمت هذه التوصيفات الميدانية قالت إن مناطق القصف شبه خالية ومدمرة على نحو غير مسبوق، والحديث عن «حرب أشد» مستحيل بغياب حاضنة اجتماعية، ومع تغير مواقع إدارة العمليات لـ«حزب الله»، على نحو طارئ.

لبنانيات يلتقطن صورة إلى جانب منزل مدمَّر بغارة إسرائيلية في بلدة عيتا الشعب بالجنوب (أ.ف.ب)

إذن، ما الحرب الأشد التي حذّر منها الوزير فؤاد حسين؟ ومَن يريد إشعالها؟ طهران أم حكومة بنيامين نتنياهو؟ على الأقل، فإن آموس هوكستين، مستشار الرئيس الأميركي جو بايدن، الذي وصل إلى إسرائيل الاثنين، ومنها إلى بيروت، لديه رسالة لثني نتنياهو عن أي تصعيد محتمل، قد يثير ذعر إيران ويدفعها إلى التدخل المباشر في لبنان، والتدخل سيكون بأذرعها في العراق.

ويعتقد عقيل عباس، وهو أستاذ العلوم السياسية من واشنطن، أن نتنياهو «يريد هذه الحرب أكثر من (حزب الله)، ومن إيران بالضرورة»، لأن الأخيرة تريد المحافظة على نسق الضربات المتواترة من «حزب الله» لتخفيف الضغط على «حماس» في غزة. أكثر من هذا سيكون ضاراً لها.

كما أن «حزب الله» نفسه يريد الحفاظ على «ديناميكية الردع» بمنسوبها الحالي، فإن أي عملية عسكرية مفتوحة من الإسرائيليين ستدمر البنى التحتية اللبنانية أكثر مما هي الحال الآن، و«هذا يسبب مشكلة لحسن نصر الله مع الشركاء اللبنانيين»، كما يقول عباس.

رواية أخرى... إيران تُلوّح بورقة «حزب الله»

قبل أن يصل باقري كني إلى بغداد، كانت إيران تنقل رسائل جس نبض إلى العراقيين توحي بأنها تواجه 3 مشاكل مستعصية؛ فراغًا خلّفه رئيسي وعبداللهيان، والضغط الهائل من الأميركيين والغرب في البرنامج النووي، وموضع طهران في صفقة وقف النار بغزة، وفي كل منها ستضطر إلى التخلي عن أحد محاورها في المنطقة، لكن الحصة «في المقابل» لا تساوي ثمنها، كما يصف سياسي عراقي على اطلاع بهذه الرسائل.

يقول السياسي العراقي: «إن التلويح بحرب قائمة بالفعل ضغط سياسي، حتى يعرف الإيرانيون حصتهم من صفقة وقف النار في غزة، لا سيما المرحلة الثانية منها».

في هذه الأجواء، إيران هي من تريد وضع ورقة «جنوب لبنان» على الطاولة لتحسين ظروفها في المفاوضات. ليس من الواضح ملاءمة هذه الفرضية مع حالة «حزب الله» الذي يتحدث كثيرون عن إنهاكه ومحدودية حركته. ويرد السياسي العراقي بالقول: «لم يختبر أحد حتى الآن حقيقة أن (حزب الله) منهك، بينما يستطيع في أي وقت إحداث خرق مؤذٍ للإسرائيليين».

وإلى حد كبير يوافق على هذا الطرح عقيل عباس، الذي يرصد قلقاً إسرائيلياً تشاركه تل أبيب مع واشنطن بشأن «القدرات العسكرية والتكنولوجية لـ(حزب الله)»، حتى بعد أشهر من الاستنزاف.

أرشيفية لعناصر حركة «النجباء» التي تنشط في شرق سوريا خلال عرض عسكري في بغداد

«الأيدي على الزناد يا لبنان»

حين خرج الوزير العراقي بتحذيره اللبناني، كانت بغداد تحظى بمسافة أمان عن نيران حرب غزة في المنطقة. الحكومة استطاعت إدامة الهدنة مع القوات الأميركية لأشهر، ورئيسها محمد شياع السوداني يمسك بصعوبة بلحظة التوازن بين متطلبات إيران وطموحات الفصائل، ومنذ وفاة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي لم يسمع قادة الأحزاب الشيعية والفصائل أشياء كثيرة مهمة من الإيرانيين.

يقول قائد فصيل شيعي في بغداد، طلب عدم نشر اسمه وعنوان الفصيل، إن الزيارات غير المعلنة للعسكريين الإيرانيين إلى العراق أصبحت قليلة جداً منذ وفاة رئيسي. مع ذلك، «هناك اتصالات روتينية فُهم منها أن طهران مشغولة بمشكلتها (...) سنتكلم لاحقاً».

قبل أن يزور باقري كني بغداد وأربيل، وصلت «أسئلة مباشرة من الإيرانيين لكتائب «حزب الله» وحركة «النجباء»: «هل تشاركون في حرب جنوب لبنان لو هاجمتها إسرائيل». يقول قائد الفصيل، لـ«الشرق الأوسط»: «قلنا لهم، نعم بالطبع. الأيدي على الزناد، نشارك وندعم».

قائد قوة القدس التابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني، إسماعيل قاآني كان في قلب تلك الاتصالات التي كسرت صمت طهران عن الحلفاء العراقيين منذ وفاة رئيسي. وحين وصل باقري كني كانت الحكومة العراقية تشعر بالضغط، كما يقول قيادي في الإطار التنسيقي، واضطرت إلى التحذير لمنح الانطباع بأن العراق لن يواصل الجلوس في «منطقة الراحة» خلف توترات غزة، في لبنان تحديداً.

مع ذلك، يرى الخبير عقيل عباس، أن كلام الوزير العراقي «فعل موازنة سياسي وإعلامي لإظهار أن العراق مع إيران ومع المقاومة بشكل عام، وليس محور المقاومة بشكل خاص».

يفسر عباس هذه المعادلة بأن ما تقوم به الحكومة من وراء كل هذه التحركات، بما فيها التحذير من حرب في جنوب لبنان، هو الموازنة، لا أكثر. «لأن حكومة السوداني غاضبة من الفصائل، وتحاجج ضدها داخل الإطار التنسيقي، وتطالب بمواقف جدية ضدها، من ضمنها إدخال إيران نفسها بصفتها فاعلاً ضاغطاً يردع الفصائل».

لكن الفصائل ليست سعيدة، خصوصاً حركة «النجباء» وكتائب «حزب الله»، اللتين تظهران حنقاً من الهدنة، وتحاولان استغلال أي فرصة للتمرد عليها.

وكانت مصادر عراقية، أبلغت «الشرق الأوسط» أن الهجمات التي تعرضت لها مطاعم أميركية في بغداد والمحافظات كان تخفي «نية للتمرد على الهدنة، وإيصال رسالة للإيرانيين بأنها حانقة على قرار التهدئة الذي ترعاه طهران في العراق».

وأكدت المصادر أن السوداني «تحدث مع قادة حلفاء وأصدقاء عن ضرورة لجم هذه الحركات التي لا معنى لها، سوى الاعتراض على وضع سياسي لا يلائم بعض القادة الشيعة».

بهذا المعنى، يقول سياسي عراقي مقرب من رئيس الحكومة: «إن الأخير يلاحق جميع المنافذ التي يمكن أن تفلت منها الفصائل إلى حرب (تجر معها الجميع)».

هوكستين أبلغ بري بأن التهديد الإسرائيلي «جدي جداً» (رئاسة البرلمان اللبناني)

«حزب الله» لا يريد العراقيين

«بالفعل، نستعد لأي طارئ في لبنان (...) نعرف ما تواجهه درة تاج المقاومة في المنطقة (حزب الله)»، يقول قائد ميداني لفصيل شيعي متنفذ، ينشط في محافظة نينوى (شمال العراق)، وزعم أنه «أبلغ (الحرس الثوري) الاستعداد للقتال إلى جانب المقاومة في لبنان».

يبدو أن طهران تريد من «الأطراف المعنية» إظهار هذا الموقف علناً، بينما يتعرض «حزب الله» إلى ضغط هائل من الإسرائيليين الذين يخططون لحرب بهدف تفكك «المقاومة جنوب لبنان»، كانوا يريدون منح الانطباع بأن الهجوم على الجنوب أكثر سيجذب كل المقاومة أكثر إلى حرب شاملة.

غير أن مشاركة العراقيين «المقاومين» في حرب إلى جانب «حزب الله» ليست مضمونة، رغم أن العراقيين يعرضون «العدة البشرية»، فالفصيل اللبناني لم يبلغ أحداً من «رفاق المقاومة» بأنه سيسمح لهم بالانتشار في الميدان، على الأراضي اللبنانية.

يتفق قائدا الفصيلين الشيعيين في بغداد ونينوى على أن «(حزب الله) لن يستقبل العراقيين، لأنه ينظر إليهم غير مؤهلين، ولا يمتلكون كياناً متماسكاً، وهم في أفضل الأحوال حلفاء سيئون، لديهم مشاكل لا تعد ولا تحصى في صناعة القرار».

ما يزيد القناعة بعدم مشاركة الفصائل العراقية في حرب جنوب لبنان، هو التفاهم النادر بين الإيرانيين والحكومة في بغداد على حماية صيغة الاستقرار القائمة.

يقول مسؤول بارز في حكومة عادل عبد المهدي إن «العراق هو درة التاج لدى الإيرانيين، أكثر من (حزب الله)، ولن يغامر به في حرب جنوب لبنان». ويضيف: «ما قام به الوزير فؤاد حسين هو الضغط لمنع الحرب، وليس العكس».

ويقول عقيل عباس، إن «الجنرال قاآني توصل إلى اتفاق مع الأميركيين، نضج مع وزير الخارجية الراحل حسين أمير عبداللهيان، بعدم استهداف القوات الأميركية حتى تنتهي الحملة الانتخابية للرئيس جو بايدن».

يدفع هذا عباس إلى الاعتقاد بأن طهران لا تريد تسهيل فوز ترمب بضرب الأميركيين تحت ولاية منافسه بايدن.

في السياق، يكشف المسؤول العراقي السابق، أن إيران «أكثر من هذا»، تريد إبعاد الحرب عن حدود العراق، لأنهم «الآن أكثر حرصاً على الهدوء في العراق».

وأظهرت إيران خلال مراسم عزاء رئيسي إشارات تهدئة، حينما قدّم المرشد الإيراني، في مجلس تأبين أقامه يوم في 25 مايو (أيار) 2024، شخصيات سياسية ضالعة في الحكومة الحالية، وليس في الفصائل «المتمردة»، وأجلست في الصف الأول من المعزين شخصيات، مثل عمار الحكيم زعيم تيار «الحكمة»، ورئيس مجلس القضاء فائق زيدان، وحيدر العبادي رئيس الوزراء الأسبق، خلافاً لقادة فصائل وضعت ترتيب جلوسهم في المقاعد الخلفية، مثل أكرم الكعبي زعيم حركة «النجباء»، وعبد العزيز المحمداوي، المعروف بـ«أبو فدك»، رئيس أركان هيئة «الحشد الشعبي».

صورة وزعها مكتب خامنئي لتأبين رئيسي في 25 مايو (أيار) ويظهر في الصف الأول مسؤولون وسياسيون عراقيون

النموذج السوري في لبنان

يقول المسؤول العراقي السابق، بناءً على اتصالات يجريها من واشنطن مع قيادات عراقية ولبنانية حول التوتر الأخير، إن «الحرب الشاملة غير موجودة إلا في خيالات اللبنانيين». ومع ذلك، لو حدثت «ليس من المرجح أن يحتاج (حزب الله) إلى الكتائب العراقية، على سبيل المثال»، لأن «الوضع الميداني صعب على أبناء المقاومة المحلية، الذين يتحركون بالكاد في مناطقهم، فكيف على مسلح قادم من العراق».

لكن لو اندلعت الحرب فإن «إيران لن تترك (حزب الله) لوحده. هذا لن يحدث (...) ستفعل شيئاً بالتأكيد»، يقول المسؤول الذي يرى أن مجيء سفيرة أميركية جديدة إلى العراق بموقف متطرف ضد الإيرانيين على صلة بالأمر، «يبدو أن واشنطن تحسب حسابات اليوم التالي لحرب غزة بتدابير سياسية جديدة من بغداد، لصد رد الفعل الإيراني على المرحلة الثانية من وقف الحرب في القطاع (...) لو أنجزت المرحلة الأولى منه».

لكن السيناريو المغرق في التشاؤم يفيد بأن الحرب «الأوسع» ستندلع في جنوب لبنان، وحينها ستلجأ إيران إلى النموذج السوري في لبنان، تحت ضغط صفقة غزة، ومفاوضات النووي. يقول المسؤول العراقي: «هذا يعني تقسيم خريطة لبنان وفق معطيات وحسابات معينة، بين فصائل من العراق واليمن وأفغانستان، والزحف إليها سيبدأ من سوريا».

في المحصلة، ليس هناك تقاطع معلومات حاسم بشأن حرب أوسع في جنوب لبنان، ومشاركة الفصائل العراقية فيها. على الأرجح فإن الطرف العراقي المعني بـ«محور المقاومة» يمتلك الرسائل دون الحقائق، وأن إيران من خلفه تحاول استخدام جميع الأوراق بحذر لإجراء تعديلات لصالحها في صفقة «اليوم التالي» لغزة، وتخشى انفلات «الساحات» التي تديرها إلى حرب تفقدها القدرة على المناورة.