الصومال ينتظر «التحرّر» من حركة «الشباب»

بعد قرار مجلس الأمن إلغاء حظر التسلح المفروض منذ 1992

صورة أرشيفية لجنود أميركيين في الصومال خلال ديسمبر (كانون الأول) 1992 (آ ب)
صورة أرشيفية لجنود أميركيين في الصومال خلال ديسمبر (كانون الأول) 1992 (آ ب)
TT

الصومال ينتظر «التحرّر» من حركة «الشباب»

صورة أرشيفية لجنود أميركيين في الصومال خلال ديسمبر (كانون الأول) 1992 (آ ب)
صورة أرشيفية لجنود أميركيين في الصومال خلال ديسمبر (كانون الأول) 1992 (آ ب)

بعد مرور نحو 31 سنة، جاء قرار مجلس الأمن الدولي برفع حظر التسلح عن الصومال ليعيد للبلد القابع في القرن الأفريقي «حريته» في تعزيز قدرات جيشه، أملاً بأن يسهم ذلك في «دحر الإرهاب»، وربما تحرير البلاد من قبضة «حركة الشباب» المتطرفة الموالية لتنظيم «القاعدة»، التي ما زالت تسيطر على مساحات شاسعة من الأراضي. القرار الذي أعلنه مجلس الأمن، مطلع ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة نص على «رفع حظر الأسلحة المنصوص عليه في القرار 733 الصادر عام 1992، بصيغته المعدلة». ودعا حكومة الصومال إلى «اتخاذ تدابير عدة. بينها؛ تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لإدارة الأسلحة والذخائر، وتعزيز مزيد من التأهيل المهني والتدريب، وبناء القدرات لجميع مؤسسات الأمن والشرطة الصومالية». كذلك دعا مجلس الأمن «الحكومة الصومالية لاتخاذ جميع التدابير اللازمة لضمان منع إعادة بيع الأسلحة والذخائر والمعدات العسكرية المستوردة لتستخدمها قوات معينة، وكذلك شركات الأمن الخاصة المرخصة، أو نقلها أو إتاحتها للاستخدام لأي جهة».

فور إعلان القرار الأممي الذي سعى الصومال طويلاً لتحقيقه، توالت بيانات الترحيب المحلي والدولي. وقال الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود إن «مقديشو أصبحت الآن حرة في شراء أي نوع من الأسلحة»، وأكد أن «الأسلحة الموجودة بحوزة الحكومة لن تشكل تهديداً لشعبنا وللعالم». وأشارت وكالة الاستخبارات والأمن الوطني الصومالية إلى أن القرار «جاء في لحظة حاسمة، خصوصاً مع حرب الحكومة للقضاء على (حركة الشباب) التي تحاربها منذ 16 سنة». ووصفت الحكومة الصومالية القرار بأنه «خطوة مهمة إلى الأمام».

أما على الصعيد الدولي فاعتبرت دولة الإمارات العربية المتحدة أن «القرار سيؤثر إيجابياً على مستقبل البلاد»، كما رحّبت الخارجية التركية بالقرار الذي وصفته بـ«التاريخي»، ورحّب أيضاً البرلمان العربي بالقرار، معرباً عن أمله أن «يساعد في دحر الإرهاب». وكانت الأمم المتحدة قد فرضت حظراً على توريد الأسلحة للصومال إبان الحرب الأهلية عام 1992، بهدف وقف تدفق الأسلحة إلى الفصائل المتحاربة في أعقاب سقوط الحكومة المركزية الصومالية عام 1991. ومنذ عام 2012، يسعى الصومال لرفع حظر الأسلحة.

جهد سياسي كبير

وفي إطار المساعي الرامية إلى رفع الحظر، وصلت إلى العاصمة مقديشو عام 2022 لجنة من مجلس الأمن لمناقشة معوّقات رفع حظر الأسلحة، وتم الاتفاق على إنشاء عملية من 10 خطوات للتوصل إلى رفع كامل لحظر الأسلحة. وكانت الحكومة الصومالية قد بذلت جهداً سياسياً كبيراً لإقناع 15 عضواً في مجلس الأمن بأهمية القرار. وبدأت هذه الجهود تحقق تغييراً في الموقف الدولي، ففي مارس (آذار) الماضي، أشادت الولايات المتحدة الأميركية بما وصفته «خطوات مهمة» من جانب الرئيس الصومالي للوفاء بمعايير رفع حظر الأسلحة المفروض على بلاده. وأشار السفير الأميركي لدى الصومال، لاري أندريه، إلى أن «الحد من التسلح يساعد الصومال على تسهيل متطلبات مجلس الأمن الدولي برفع العقوبات عنه».

من ناحية ثانية، كان رئيس وزراء الصومال، حمزة بري، قد طالب في حوار سابق مع «الشرق الأوسط» في أبريل (نيسان) الماضي برفع حظر التسلح لمواجهة «الإرهاب»، معتبراً الإبقاء عليه «مسألة غريبة»، بجانب كونه «عقبة أمام تسلم القوات الوطنية المسؤولية الأمنية، حتى يتمكن الصومال من استعادة استقراره».

وحقاً، يشير قرار رفع حظر التسلح إلى «الثقة الدولية في الحكومة الصومالية، بينما تواصل ترسيخ وجودها في البلاد»، وفق عمر محمود، الباحث المتخصص في شؤون شرق أفريقيا في «مجموعة الأزمات الدولية». لكن محمود، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، يرجح أن «يكون تأثير قرار رفع حظر التسلح رمزياً أكثر من كونه عملياً، ولا سيما أن الصومال كان قادراً على استيراد معظم الأسلحة من قبل من خلال عملية الإخطار... إضافة إلى أن الصومال لا يزال يفتقر إلى التمويل اللازم لإجراء صفقات شراء كبيرة للأسلحة».

في الواقع، نجحت مساعي الصومال طوال السنوات الماضية في تخفيف القيود المفروضة على الحكومة الصومالية طوال سنوات الحظر، إذ لم يطبق القرار بشكل كامل على شحنات الأسلحة المخصصة لتطوير قوات الأمن الصومالية، وظل باستطاعة الحكومة شراء السلاح بعد إخطار اللجنة الأممية المشرفة على تنفيذ العقوبات، وإن كانت الأخيرة عادة ما تعترض على صفقات الأسلحة الثقيلة.

الرئيس حسن شيخ محمود (رويترز)

الحرب على الإرهاب

للعلم، لا يتعلق الأمر بتنفيذ صفقات أسلحة فقط، إذ أرجعت الدكتورة نرمين توفيق، الباحثة في الشؤون الأفريقية والمنسّقة العامة لمركز «فاروس للاستشارات والدراسات الاستراتيجية» خلال حوار مع «الشرق الأوسط»، صدور القرار في هذا التوقيت إلى قرب مغادرة قوة حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي (أتميس) الصومال. إذ من المقرر أن تغادر البلاد العام المقبل، «ما يستدعي تعزيز بنية الجيش الصومالي، ولا سيما أنه سيكون المسؤول عن حفظ الأمن في البلاد»، على حد قولها.

وتشير توفيق إلى أن «الجيش الصومالي ظل لفترة طويلة محدود القدرات، وقرار التسليح مرتبط بلا شك بقرب مغادرة قوات أتميس (الأفريقية لحفظ السلام)». وتلفت إلى أن «قرار حظر التسلح عام 1992 كان مع بداية الحرب الأهلية في الصومال، وسعى أكثر من تيار سياسي للسيطرة على البلاد، مع وجود ما كان يسمى بأمراء الحرب، إضافة إلى تصنيف الصومال من قبل الولايات المتحدة عام 2001 كدولة راعية للإرهاب».

ما يستحق الذكر أنه دعماً لجهود الصومال في استعادة الأمن والاستقرار، ومحاربة «الإرهاب»، تنتشر على أرضه قوات «أتميس»، لكن على هذه القوات الانسحاب تدريجياً، ونقل أنشطتها إلى القوات الصومالية بنهاية عام 2024. وهذا أمر تحاول الحكومة الصومالية تأجيله، ولقد ناشدت في سبتمبر (أيلول) الماضي مجلس الأمن الدولي إرجاء سحب قوة الاتحاد الأفريقي لمدة 3 أشهر، بعد تعرضها لما وصفته الحكومة بـ«نكسات كبيرة» خلال الحرب على «حركة الشباب» المتطرفة.

أيضاً من المقرر أن تقلص «أتميس» عدد أفرادها من 17626 إلى 14626 عنصراً بحلول نهاية العام الحالي. وما يذكر أن «أتميس» تضم نحو 20 ألف جندي، وهي ذات تفويض معزز لمحاربة «حركة الشباب» المتطرفة. وكانت هذه القوات قد حلّت محل بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (أميصوم) التي شكّلت عام 2007، بموجب قرار من مجلس الأمن صدر في أبريل (نيسان) 2022. وفي يوليو (تموز) الماضي، أعلنت «أتميس» استكمال المرحلة الأولى من خفض قواتها في الصومال.

مواجهة «حركة الشباب»

قرار رفع حظر التسلح عن الصومال تزامن مع قرار ثانٍ بـ«فرض حظر على الأسلحة الموجهة لحركة (الشباب)، يمنع الجماعات المتطرفة التي تستهدف تقويض الأمن والسلم في الصومال من شراء أسلحة ومعدات عسكرية». وكان القضاء على «حركة الشباب» هو التعهد الذي قطعه على نفسه الرئيس حسن شيخ محمود مع بداية ولايته الأولى عام 2012، لكنه لم يستطع الوفاء بتعهداته في فترة الرئاسة الأولى.

مع هذا، عاد شيخ محمود وجدد التعهد ذاته مع عودته للحكم مجدداً في مايو (أيار) 2022، حين أعلن في سبتمبر من العام نفسه عن استراتيجية للقضاء على الحركة «المتطرفة» تعتمد 4 محاور، من بينها العمليات العسكرية. إلا أن خبراء يرون أن حملة الحكومة الصومالية ضد «الشباب» تباطأت في الأشهر الأخيرة، ما يثير تساؤلات بشأن قدرة الصومال على الحد من تمدد الحركات المتطرفة. ومنذ أغسطس (آب) 2022، يخوض الجيش الصومالي، مدعوماً بقوات من الاتحاد الأفريقي والولايات المتحدة، حرباً ضد «حركة الشباب»، لكن الحكومة الصومالية قالت إنها «واجهت انتكاسات عدة في الحرب، خصوصاً بعد هجوم شنته «الشباب» على الجيش بمنطقة غلغدود.

وحسب تقرير، نشره معهد الأبحاث الأمني «هيرال» خلال فبراير (شباط) الماضي، فإن «حظر الأسلحة فشل في منع (حركة الشباب) من استيراد أسلحة لا يسمح للحكومة الصومالية بشرائها». وأشار التقرير إلى «محدودية قدرات الصومال، وحاجته إلى موافقة الأمم المتحدة لشراء أسلحة ضرورية من أجل كسر شوكة الإرهاب، في حين تشتري (حركة الشباب) السلاح بشكل غير قانوني، ما يشكل عقبة أمام جهود الحكومة لاجتثاث الإرهاب».

رئيس الوزراء حمزة بري (رويترز)

نجحت مساعي الصومال في تخفيف القيود المفروضة على الحكومة طوال سنوات الحظر الماضية

لا حل سحرياً

الباحث عمر محمود يرفض اعتبار قرار رفع حظر التسلح «حلاً سحرياً». ويقول إن «حرب الحكومة الصومالية ضد (حركة الشباب) توقفت لأسباب عدة، ليس من بينها الأسلحة»، ويوضح أن «بعض تلك الأسباب والديناميكيات الأساسية المرتبطة بالمظالم المحلية والنزاعات السياسية ستستمر في الصومال، بغضّ النظر عن استيراد مزيد من الأسلحة من عدمه». وتتفق معه الباحثة نرمين توفيق، فتقول إن مواجهة حركة «الشباب» الإرهابية «ليست بالمهمة السهلة». وتضيف أنه «رغم أن الحركة لم تنفذ عمليات إرهابية كبيرة كتلك التي وقعت في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، فإن عملياتها لا تزال مستمرة، وسط استمرار جهود الدولة لمواجهتها والحد من قدراتها».

تاريخياً، أسست «حركة الشباب» في الصومال عام 2006. ويعود أصلها إلى «الاتحاد الإسلامي»، وهو جماعة متشددة بلغت ذروتها في التسعينات من القرن الماضي، بعد سقوط نظام محمد سياد بري عام 1991، وكانت تمول جزئياً من زعيم «القاعدة» أسامة بن لادن. وإثر غزو إثيوبيا للصومال عام 2006 تشكلت الحركة، ويذكر تقرير نشره «مركز الدراسات الاستراتيجية الدولية» عام 2011 أن «تدخل إثيوبيا الذي جاء بناء على طلب من الحكومة الصومالية الانتقالية كان السبب وراء تطرف (حركة الشباب)، وتحوّلها إلى أقوى فصيل مسلح راديكالي في البلاد».

وبالفعل، نمت الحركة وصنفتها واشنطن كتنظيم إرهابي عام 2008. وعام 2011، طُرد مقاتلو «الشباب» من مقديشو، لكنهم ظلوا منتشرين في مناطق ريفية واسعة، ومنها كانوا يشنون هجمات على أهداف مدنية وأمنية. وعام 2012، أعلنت الحركة الولاء رسمياً لتنظيم «القاعدة»، ومن ثم نفذت هجمات عدة في الصومال، ومارست القرصنة والخطف وابتزاز المزارعين، إضافة إلى التهريب.

ولكن في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، دعا مبعوث الاتحاد الأفريقي في الصومال محمد الأمين سويف إلى تقديم الدعم الدولي لقوات الحكومة الصومالية في حربها ضد «حركة الشباب» على جبهات عدة في البلاد. وقال إن «الجيش الصومالي لا يحتاج إلى التدريب فحسب، بل يحتاج إلى الأسلحة والمعدات والمهارات للضباط».

مخاوف «الأفغنة»

وحول ما إذا كانت الحلول العسكرية قادرة على مواجهة التنظيمات «الإرهابية»، ومن بينها «حركة الشباب»، يرى الباحث محمود أن «الجيش وتسليحه هو جزء من الحل، ولكنه جزء فقط... ومن أجل إضعاف (حركة الشباب) يتعين على الحكومة الصومالية معالجة الأسباب الكامنة التي أدت لظهورها من الأساس، إضافة إلى أن تظهر للشعب الصومالي أنها الرهان الأفضل على المدى الطويل مقارنة بالجماعات المسلحة الأخرى، وهو أمر كافح الصومال سنوات طويلة لتحقيقه».

ويؤكد الباحث في «مجموعة الأزمات الدولية» أن «مواجهة الإرهاب والقضاء على التنظيمات الإرهابية نوع من الصراعات عادة ما لا يُحسَم عن طريق القتال فحسب... وفي مرحلة ما سيتوجب على الحكومة الصومالية إشراك تلك التنظيمات (مثل الحركة) في الحوار بهدف وضع حد للعنف».

من جانبها، تخشى الدكتورة توفيق مما وصفته بـ«أفغنة الصومال» مع خروج قوات الاتحاد الأفريقي من البلاد، على غرار ما حدث بعد خروج القوات الأميركية من أفغانستان، وما تبعه من عودة حركة «طالبان» للسيطرة على البلاد، متسائلة عن «قدرات الجيش على حفظ الأمن في البلاد». ووسط التفاؤل بما قد يحدثه قرار رفع حظر التسلح من تأثير على القدرات العسكرية للصومال، يظل مستقبل البلاد محفوفاً بالمخاطر، وتختتم توفيق بأنه «لا يمكن لأحد التنبؤ بمستقبل الصومال عقب انسحاب قوات (أتميس)، ولا أحد يعرف شكل المشهد عام 2024، وهل سيقع الصومال فريسة في يد التنظيمات الإرهابية، أم أن الجيش والحكومة الحالية سيكونان قادرين على حفظ الأمن والاستقرار في البلاد». نجحت مساعي الصومال في تخفيف القيود المفروضة على الحكومة طوال سنوات الحظر الماضية

 

حول الدعم العسكري الدولي للصومال في حربه ضد «الإرهاب»

آثار إحدى هجمات "حركة الشباب" الأرهابية (رويترز)

> بصفته من دول القرن الأفريقي، اكتسب الصومال أهمية لدى قوى دولية عدة دفعت إلى دعم مقديشو عسكرياً، سواء في حربها ضد التنظيمات المتطرفة، أم حتى ضد القراصنة في البحر الأحمر. اليوم، يوجد في الصومال، وفق دراسة نشرها «معهد بروكينغز» الأميركي في مايو (أيار) 2022، نحو 3 قواعد عسكرية أميركية وإماراتية وتركية. ومنذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، عقدت «المجموعة الخماسية» بشأن الصومال - التي تضم قطر وتركيا ودولة الإمارات العربية المتحدة وبريطانيا والولايات المتحدة، أربعة اجتماعات؛ كان آخِرها في أنقرة أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وفي كل اجتماع جدَّد مسؤولو الدول الخمس دعمهم للصومال وحربه على «حركة الشباب»، وناقشوا سبل تعزيز المساعدات الأمنية لاستعادة الاستقرار في البلاد، واستعداد الصومال لسحب بعثة الاتحاد الأفريقي الانتقالية «أتميس». أما «أتميس»، التي يشكل «الاتحاد الأوروبي» أكبر مانحيها، فقوام عسكريّيها من بوروندي وجيبوتي وإثيوبيا وكينيا وأوغندا، وفق «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى»، الذي يشير، في تقرير نشره في يونيو (حزيران) الماضي، إلى أن «أتميس لعبت دوراً أساسياً في ضمان أمن مقديشو والمدن الأخرى». وقبل «أتميس»، لعبت بعثة «أميصوم» أيضاً دوراً بارزاً في الصومال، و«قادت القتال ضد حركة الشباب، في الوقت الذي عجز فيه الجيش الصومالي عن تأدية هذا الدور، ولا سيما مع تورطه في فترة سابقة في نزاعات بين العشائر المختلفة»، وفق المعهد الأميركي. من جهة أخرى، فإن الدعم الدولي، وتحديداً الأميركي، أسهم في إنشاء وتدريب وتمويل «لواء دنب»، الذي تحمّل العبء الأكبر في محاربة «حركة الشباب». وشُكّل «لواء دنب» للاستفادة من نجاحات «أميصوم»، ودرّبته واشنطن وشركة «بانكروفت غلوبال» للتدريب العسكري عام 2012. إلا أن الدور الأميركي لا يقتصر على تدريب «لواء دنب»، ففي عام 2022 قدّمت واشنطن مساعدات عسكرية بقيمة 9 ملايين دولار للجيش الصومالي؛ لدعمه في الحرب ضد «حركة الشباب»، وتراوحت، من ثم، علاقة واشنطن بمقديشو بين البعد والتوغل. وبعد التدخل العسكري الأميركي في الصومال، إبان الحرب الأهلية في الفترة بين عاميْ 1992 و1993، وحادثة «سقوط طائرة بلاك هوك» التي خلفت 18 قتيلاً أميركياً ومئات الصوماليين، ابتعدت واشنطن بعض الشيء عن الصومال، لكن هذا التحفظ في العلاقات تغيَّر مع بداية الألفية الثانية، وأصبحت واشنطن من أكبر الجهات المانحة للمساعدات الدولية للصومال، وإن ظلت المساعدات العسكرية عنصراً رئيساً. ووفقاً لتقرير من «خدمة أبحاث الكونغرس الأميركي»، فإن واشنطن قدَّمت مساعدات أمنية مباشرة للصومال بأكثر من 500 مليون دولار، خلال الفترة بين 2010 و2020، كما أنفقت نحو 2.5 مليار دولار على المساعدة لبعثة الاتحاد الأفريقي «أميصوم»، وخليفتها «أتميس». وبعدها، عام 2017، علّقت واشنطن دعمها للجيش الصومالي قبل أن تستأنفه جزئياً عام 2019، لكن الرئيس السابق دونالد ترمب سحب كل القوات الأميركية من الصومال عام 2020، قبل أن يعيدها الرئيس الحالي جو بايدن عام 2022، عقب عملية كبيرة نفّذتها «حركة الشباب».


مقالات ذات صلة

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

حصاد الأسبوع من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة

وارف قميحة (بيروت)
حصاد الأسبوع خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب

«الشرق الأوسط» ( واشنطن)
حصاد الأسبوع 
مظاهرة نسائية إسبانية ضد الحرب (أ.ف.ب)

سانشيز يضع مدريد في مواجهة مباشرة مع واشنطن

عندما وقف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز على مدخل مقر رئاسة الحكومة في الرابع من هذا الشهر ليقول إن موقف بلاده من الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران

شوقي الريّس ( مدريد)
حصاد الأسبوع سانشيز يخطب امام البرلمان (آ ف ب)

سانشيز يراهن على المشاعر وتعاطف الحلفاء والأصدقاء

لا يغيب عن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أن الخروج عن «بيت الطاعة» الأميركي في ظل إدارة دونالد ترمب، تترتب عليه تكلفة باهظة. إلا أنه يدرك أيضاً أن له


الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.