سوق سوداء مزدهرة لعقار قوي لإنقاص الوزن

دواء لم تتم إجازته ولم يطرح بعد في الأسواق الأميركية

سوق سوداء مزدهرة لعقار قوي لإنقاص الوزن
TT

سوق سوداء مزدهرة لعقار قوي لإنقاص الوزن

سوق سوداء مزدهرة لعقار قوي لإنقاص الوزن

من غير المتوقع أن يصل عقار «ريتاترتايد» (Retatrutide) - وهو أقوى عقار لإنقاص الوزن قيد التطوير حالياً - إلى السوق الأميركية قبل العام المقبل على أقرب تقدير.

تسويق دواء لم تتم إجازة استخدامه بعدُ

مع ذلك، يحتفظ عادل كالام، وهو رجل يبلغ من العمر 37 عاماً ويقيم في مدينة نيويورك، بـ20 قارورة من هذا العقار في مجمدة ثلاجته (الفريزر). وقد استخدم كالام عملة «البيتكوين» لشراء العقار من بائع تجزئة عبر الإنترنت يعرض قوارير بسعر 99 دولاراً، تحمل ملصقاً يفيد بأنها مخصصة «لأغراض البحث فقط». وقد وصلت إليه طلبيته الأولى في صندوق من الورق المقوى، حيث كانت قوارير الدواء المسحوق مغلفة بأغلفة واقية. واعترف كالام قائلاً: «هذا الأمر لم يبعث على الثقة حقاً». ويطلب كالام و8 من أصدقائه العقار بكميات كبيرة. وهو يدرك تماماً وجود مخاطر مرتبطة بتناول عقار لم يحصل بعد على موافقة إدارة الغذاء والدواء (FDA)، لكنه لم يرغب في انتظار اكتمال الإجراءات التنظيمية الرسمية طالما كان بإمكانه الحصول عليه وتناوله في وقت أقرب.

سوق سوداء مزدهرة

يستفيد كالام من سوق سوداء مزدهرة لعقار «ريتاترتايد»، وهو دواء «ببتيدي» طورته شركة «إيلي ليلي». (الببتيدات: سلاسل قصيرة من الأحماض الأمينية، وهي اللبنات الأساسية للبروتينات، وتُستخدم لعلاج أمراض وحالات صحية مختلفة - المحرر).

وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، يروج المؤثرون والمراكز الصحية التجميلية (المنتجعات الطبية) للعقار باستخدام كلمات مشفرة - مثل «راتاتوي» للإشارة إلى «ريتاترتايد»، أو «بيبز» (peps) للإشارة إلى «الببتيدات» - وذلك للالتفاف على القيود المفروضة على الإعلان عن الأدوية عبر الإنترنت. أما المستخدمون الأكثر شغفاً فيشترون كميات كبيرة من الصين، ويتبادلون التوصيات بشأن البائعين عبر منصات مثل «ريديت» و«ديسكورد» و«واتساب»، كما يجمعون مواردهم المالية لإجراء فحوصات مخبرية مستقلة (عبر أطراف ثالثة) للتحقق من جودة المنتج.

تسويق غير مشروع لمئات الآلاف من الجرعات

لا توجد تقديرات واضحة لحجم هذه السوق، لكن المعلومات المتاحة للخبراء تشير إلى أنها كبيرة. وقد أظهر تحليل لبيانات إدارة الغذاء والدواء - أجرته «الشراكة من أجل أدوية آمنة» (Partnership for Safe Medicines)، وهي تحالف غير ربحي مرتبط بصناعة الأدوية - أن 15 رطلاً (الرطل نحو 453 غراماً) من عقار «ريتاترتايد» (ما قد يعادل مئات الآلاف من الجرعات) قد دخلت البلاد في الفترة ما بين يناير(كانون الثاني) وأبريل (نيسان) 2026. ورغم أن بعض هذه الجرعات ربما شُحن إلى علماء يجرون أبحاثاً حول العقار، فإن جزءاً منها يتسرب على الأرجح إلى السوق غير المشروعة، وذلك حسبما صرح شبير إمبر سافدار، المدير التنفيذي للمنظمة غير الربحية.

تحذير من تلوث الدواء

قال تيموثي ماكي، الأستاذ في جامعة كاليفورنيا في سان دييغو والمتخصص في دراسة الأدوية المقلدة: «خلاصة القول أن الطلب موجود وبقوة، وهناك طرق عديدة للحصول على العقار». وحذرت شركة «إيلي ليلي» من أن المنتجات التي تدعي احتواءها على عقار «ريتاترتايد» (retatrutide) قد تكون ملوثة أو تحتوي على مواد مختلفة تماماً. وكتب مايكل جاميسون، المتحدث باسم الشركة: «إن أي ادعاء بأن عقار (ريتاترتايد) المتاح في السوق السوداء يماثل دواء ليلي الأصلي - الذي خضع للدراسة في التجارب السريرية - هو ادعاء كاذب».

سوق غامضة

تُعدّ السوق السوداء لعقار «ريتاترتايد» مثالاً صارخاً على تجاوز المستهلكين للنظام الطبي التقليدي للحصول على أدوية جديدة وفعالة لإنقاص الوزن؛ فقد سعى الملايين للحصول على نسخ مركبة وغير معتمدة من هذه الأدوية عبر شركات الطب عن بُعد والمنتجعات الصحية الطبية، بحثاً عن بدائل أرخص وأسهل توفراً مقارنة بالنسخ ذات العلامات التجارية المعروفة.

ورغم تعذر حصر هوية جميع من يبحثون عن «ريتاترتايدد» عبر الإنترنت بدقة، فإن قائمة عملاء هذا العقار تشمل - على ما يبدو - أشخاصاً يرغبون في فقدان وزن أكبر مما تتيحه الأدوية المتوفرة حالياً في الأسواق، فضلاً عن لاعبي كمال الأجسام وهواة «القرصنة الحيوية» (biohackers) الذين يستخدمون أيضاً «ببتيدات» أخرى.

يشتري كثير من الأشخاص ما يعتقدون أنه «ريتاترتايد» من متاجر إلكترونية تعرض العقار بوصفه «مادة كيميائية بحثية» غير مخصصة للاستخدام البشري؛ وهو إخلاء مسؤولية قد يتيح لهم استغلال ثغرة في اللوائح التنظيمية للأدوية.

وغالباً ما تشحن هذه المواقع العقار في صورة مسحوق يقوم العملاء بإعداده وحقنه بأنفسهم. كما يشتري مستخدمون آخرون العقار عبر مجموعات على تطبيقات «واتساب» و«تلغرام» و«ديسكورد»؛ ففي إحدى محادثات «تلغرام»، كان أحد المستخدمين ينشر عشرات المقاطع المصورة يومياً التي تظهر ثلاجة مليئة بعبوات الدواء المعدة للبيع. وفي مجموعة أخرى على «تلغرام» تضم أكثر من 1400 عضو، تفاعل المستخدمون مع رسائل تعرض علباً يُزعم أنها تحتوي على «ريتاترتايد»، مستفسرين عن إمكانية الدفع بعملة «البيتكوين».

يقول لوك تورنوك، المحاضر الأول في علم الجريمة بجامعة لينكولن في إنجلترا والمتخصص في دراسة «الببتيدات»، إن هذه المجموعات غالباً ما يديرها وسطاء يطلبون كميات كبيرة مما يزعمون أنه «ريتاترتايد» - عادةً من مختبرات صينية - ثم يعيدون تعبئته أو يستخدمونه لملء أقلام حقن فارغة. ويضيف أن بعض البائعين يضعون علاماتهم التجارية وشعاراتهم الخاصة - مثل رسوم توضيحية للجزيئات - لإضفاء طابع علمي على منتجاتهم.

وقد حاول المحققون كبح جماح التدفق الهائل لعقار «ريتاترتايد» غير المشروع. وفي الفترة ما بين ديسمبر (كانون الأول) 2025 ومارس (آذار) 2026، ضبط مسؤولو الجمارك في ولاية أوهايو أكثر من 5000 شحنة من «الببتيدات» - بما في ذلك عقار «ريتاترتايد» المهربة من الصين.

سهولة الحصول على المنتج... مقابل غياب اليقين

تستغرق العملية التقليدية للحصول على موافقة إدارة الغذاء والدواء، على دواء ما، سنوات عديدة؛ فإلى جانب نتائج التجارب السريرية، تراجع الوكالة مكونات الدواء وعملية تصنيعه، بما في ذلك خطط الشركة المصنعة لضمان إنتاج الدواء بطريقة آمنة. كما يعاين المفتشون المنشآت التي ستتولى تصنيع الدواء الجديد. وبحلول الوقت الذي يصل فيه الدواء إلى الأسواق، يكون قد خضع لفحص دقيق وشامل من قبل الأطباء وخبراء الإحصاء والمتخصصين في علم السموم، وغيرهم من الخبراء.

مختبرات للكشف عن الدواء المزيف

في المقابل، يواجه الأشخاص الذين يطلبون عقار «ريتاترتايد» عبر الإنترنت، خيارات محدودة للغاية للتأكد مما إذا كانوا يحصلون على الدواء الأصلي، أو ما إذا كان المنتج معقماً وآمناً للاستخدام.

وهناك عدد من المختبرات المستقلة التي تسوّق حالياً خدماتها لفحص «ريتاترتايد» وغيره من «الببتيدات»، وتتقاضى مئات الدولارات مقابل تحليل عينة واحدة. ويشير بيرك إلى أن بعض هذه المختبرات موثوق ومشروع، في حين أن البعض الآخر يفتقر إلى المصداقية؛ إذ يشبه عملها «شخصاً يقوم بذلك بوصفه نشاطاً جانبياً في قبو منزله».

وذكر جاميسون، المتحدث باسم شركة «إيلي ليلي»، أن إثبات احتواء دواءين على المادة الفعالة نفسها يتطلب اختبارات مكثفة وشاملة، «وليس مجرد اختبارات أولية بسيطة تظهر عادةً فيما يُعرف بـ(شهادات التحليل)».

من جهته، أوضح ماكي أن بعض المواقع الإلكترونية التي تدعي توفير «ريتاترتايد»، قد ترسل في الواقع عبوات تحتوي على أدوية أخرى لإنقاص الوزن متوفرة حالياً في الأسواق، مثل «سيماغلوتيد». كما أشار «تورنوك» إلى احتمالية قيام مختبرات بتصنيع «ريتاترتايد»، نظراً لأن التركيب الجزيئي للدواء متاح للعامة، لكنه أضاف أن المشتري العادي لا يلجأ عادةً إلى خدمات الفحص للتحقق من ذلك. وأضاف: «ما لم تذهب بنفسك إلى الصين وتزُر تلك المختبرات، فمن المرجح ألا تكون لديك أي وسيلة لمعرفة الحقيقة».

وحتى في حال احتوت العبوة بالفعل على «ريتاترتايد»، فإن غياب الرقابة يعني وجود مخاطر أخرى محتملة؛ إذ قد يكون الدواء ملوثاً، أو يحتوي على جرعة غير صحيحة.

التعرض لآثار جانبية خطيرة

أظهرت قاعدة بيانات تابعة لإدارة الغذاء والدواء أن 40 شخصاً أبلغوا عن تعرضهم لآثار جانبية سلبية جراء استخدام «ريتاترتايد» منذ عام 2024، وشملت هذه الآثار مشاكل في القلب، والتهاب الزائدة الدودية، وتشوش الرؤية. ومن بين هؤلاء المرضى؛ نُقل 14 شخصاً إلى المستشفى، ووُصفت حالة 4 منهم بأنها تنطوي على ردود فعل «تهدد الحياة».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

انطلاق أعمال «قمة الرياض العالمية للتقنية الحيوية الطبية»

علوم الأمير عبد الله بن بندر وزير الحرس الوطني السعودي افتتح أعمال «قمة الرياض العالمية للتقنية الحيوية الطبية» الاثنين (واس)

انطلاق أعمال «قمة الرياض العالمية للتقنية الحيوية الطبية»

تناقش القمة موضوعات مرتبطة بمستقبل التقنية الحيوية الطبية، من أبرزها الاستراتيجيات الوطنية والأطر التنظيمية، والبنية التحتية للبحث والتطوير والاستثمار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص من المتوقع أن يحصل أكثر من 60 متخصصاً سعودياً على تدريب دولي متقدم ضمن شراكة «لايفيرا» مع «نوفو نورديسك» لنقل المعرفة وبناء القدرات المحلية (أدوبي)

خاص هل يتوسَّع التوطين الدوائي في السعودية من الإنتاج المحلي إلى الجينوم والطب الدقيق؟

تتناول مجموعة «لايفيرا» توسيع التوطين الدوائي في السعودية من الأدوية الأساسية إلى التصنيع الحيوي والجينوم والطب الدقيق والذكاء الاصطناعي.

نسيم رمضان (لندن)
علوم هل بدأ بزوغ عصر الذكاء الاصطناعي العام؟

جنسن هوانغ: «الذكاء الاصطناعي العام» وصل... فهل يستطيع العلم إثبات ذلك؟

يشعل جدلاً جديداً حول معنى الذكاء

د. عميد خالد عبد الحميد (الرياض)
الاقتصاد الابتكار والتقنيات الحديثة يعززان فرص الاستثمار في قطاع الرعاية الصحية بالسعودية (واس)

من المختبر إلى السوق... الأبحاث الصحية ترسم مساراً استثمارياً جديداً في السعودية

تتجه الأبحاث الصحية في السعودية إلى التحول من نشاط علمي يهدف إلى تطوير الرعاية والعلاجات إلى قطاع استثماري واعد.

بندر مسلم (الرياض)
علوم فحص جيني عند الولادة قد يكشف خطر السرطان قبل ظهور الأعراض

فحص جيني عند الولادة قد يكشف خطر السرطان قبل ظهور الأعراض

لرصد الأطفال الأكثر عرضة لبعض السرطانات المبكرة

د. وفا جاسم الرجب (لندن)

كراسي متحركة للأطفال الصغار... بالطباعة التجسيمية

كراسي متحركة للأطفال الصغار... بالطباعة التجسيمية
TT

كراسي متحركة للأطفال الصغار... بالطباعة التجسيمية

كراسي متحركة للأطفال الصغار... بالطباعة التجسيمية

لعقود طويلة كان استخدام أجهزة التنقل للأطفال محدوداً بسبب ارتفاع التكاليف، وعوائق التأمين، والحاجة إلى تصنيع متخصص. أما الآن، فمؤسسة «مَيْكْ غود» MakeGood غير الربحية في نيو أورليانز -الحائزة على جائزة الابتكار في التصميم لعام 2026 في مجال التصميم المُيسّر- تستخدم الطباعة ثلاثية الأبعاد (التجسيمية) لتوسيع نطاق الوصول إلى هذه الأجهزة للأطفال الذين يعانون من حالات تجعل الحركة المستقلة صعبة، كما كتبت مارغريت أندرسن(*).

كرسي متحرك بلاستيكي ملون

بدلاً من إنتاج كرسي متحرك يدوي تقليدي، ابتكرت المؤسسة كرسياً متحركاً بلاستيكياً ملوناً سمته «الجهاز التدريبي wheelchair-like mobility trainer» يُشبه الكرسي المتحرك، ومُصمماً للأطفال من عمر سنة إلى ثماني سنوات، الذين يعانون من حالات مثل الشلل الدماغي أو تشقق العمود الفقري (السِّنْسِنَة المشقوقة)، أو الذين قضوا فترات طويلة في العناية المركزة لحديثي الولادة.

تصنيع منزلي

ويمكن تصنيع الكرسي «التدريبي» محلياً ببضع مئات من الدولارات باستخدام طابعات ثلاثية الأبعاد منزلية. وهو مُجمّع من عشرات المكونات الصغيرة باستخدام تقنيات النجارة المستوحاة من النجارة اليابانية، والهياكل الهندسية المتشابكة لإنشاء إطار متين من مطبوعات بحجم سطح المكتب.

وتدير المؤسسة منصة إلكترونية تُسمى 3D-mobility.org تربط أكثر من 1000 متطوع من صانعي الأجهزة حول العالم بالعائلات التي تطلبها. وتقوم المدارس، ومساحات العمل الإبداعية، والمستشفيات، وحتى الأجداد الذين اشتروا طابعات ثلاثية الأبعاد حديثاً، بتجميع هذه الأجهزة التدريبية بالقرب من أماكن سكن الأطفال.

تلبية الاحتياجات الفردية

يقول نعوم بلات، مؤسس «مَيْكْ غود»: «التصميم الجيد المقترن بالطباعة ثلاثية الأبعاد يمنحنا القدرة على تلبية احتياجاتنا دون الحاجة إلى القلق بشأن شركات التأمين. إذا احتجنا إلى جهاز مساعد على الحركة، يُمكننا ببساطة صنعه بأنفسنا».

وتُوسّع المنظمة حالياً مراكز الإنتاج المحلية عالمياً، لا سيما في مناطق أميركا اللاتينية، حيث يرتفع الطلب، بينما يبقى الوصول إلى الطابعات ثلاثية الأبعاد والمواد محدوداً.

* مجلة «فاست كومباني»


جين غامض يكشف عن سبب اضطرابات نادرة لدى الأطفال

جين غامض يكشف عن سبب اضطرابات نادرة لدى الأطفال
TT

جين غامض يكشف عن سبب اضطرابات نادرة لدى الأطفال

جين غامض يكشف عن سبب اضطرابات نادرة لدى الأطفال

كشفت دراسة دولية جديدة عن سبب وراثي لم يكن معروفاً من قبل وراء مجموعة نادرة من الاضطرابات النمائية، بعد أن توصل الباحثون إلى أن الطفرات التي تصيب جيناً يُعرف باسم NPTN تعطل الوظيفة الطبيعية للخلايا العصبية؛ ما قد يؤدي إلى تأخر النمو واضطراب طيف التوحد وفي بعض الحالات الإصابة بالصرع.

اضطرابات عصبية بلا تشخيص محدد

ونُشرت نتائج الدراسة في دورية Genome Medicine في 1 يوليو (تموز) الماضي. وتشير النتائج إلى أن هذا الاكتشاف قد يفتح الباب أمام تشخيص حالات مشابهة ظلت لسنوات من دون تفسير واضح. وبالنسبة إلى كثير من العائلات قد يعني ذلك نهاية رحلة طويلة من البحث عن سبب تأخر نمو الطفل أو معاناته من اضطرابات عصبية من دون الوصول إلى تشخيص محدد.

ورغم ندرة هذه الحالة؛ يرى الباحثون أن تحديد العلاقة بين جين NPTN وهذه الاضطرابات قد يساعد الأطباء على التعرف إلى مرضى آخرين يحملون طفرات مشابهة، ويوفر أساساً لفهم أفضل لكيفية تأثير هذه التغيرات الجينية في نمو الدماغ ووظائف الخلايا العصبية.

8 أطفال... وجين واحد

بدأت القصة مع ثمانية أطفال من دول مختلفة كانوا جميعاً يعانون اضطرابات نمائية لم يتمكن الأطباء من تفسيرها رغم خضوعهم لفحوص وراثية وطبية مكثفة.

وعند تحليل الحمض النووي (دي إن إيه) لهؤلاء الأطفال وجد الباحثون أن جميعهم يحملون تغيرات ضارة في جين NPTN، والأهم من ذلك أن هذه الطفرات لم تُورَّث من الوالدين، بل ظهرت تلقائياً خلال المراحل المبكرة من النمو الجنيني.

وعانى جميع الأطفال تأخراً في النمو أو إعاقات ذهنية، في حين شُخّص سبعة منهم باضطراب طيف التوحد. كما أصيب بعضهم بالصرع أو فقدوا مهارات لغوية سبق أن اكتسبوها، إضافة إلى اضطرابات في الحركة والنوم.

وكان جين NPTN صُنّف سابقاً على أنه «جين مرشح» قد تكون له علاقة باضطرابات النمو، إلا أن هذه الدراسة تقدم أول دليل قوي على أن الطفرات فيه يمكن أن تكون سبباً مباشراً لاضطرابات النمو العصبي والتوحد.

ويقول الدكتور ديرك مونتاغ، من معهد لايبنتس لعلم الأعصاب في ألمانيا وأحد المؤلفين الرئيسيين للدراسة، تُظهر نتائجنا أن بروتين نيوروبلاستين Neuroplastin يؤدي دوراً أساسياً في عمل الدماغ. فإذا تغير هذا البروتين أو انخفضت كميته تصبح الخلايا العصبية أقل قدرة على معالجة الإشارات بصورة طبيعية.

بروتين يحافظ على تواصل الخلايا العصبية

يحمل جين NPTN التعليمات اللازمة لإنتاج بروتين يُعرف باسم نيوروبلاستين، وهو بروتين يساعد الخلايا العصبية على تنظيم مستويات الكالسيوم داخلها. ويُعد الكالسيوم عنصراً أساسياً لانتقال الإشارات بين الخلايا العصبية، لكن نجاح هذه العملية يعتمد على الحفاظ على مستوياته ضمن حدود دقيقة.

وكشفت الدراسة عن أن الطفرات في بروتين نيوروبلاستين تُضعف عمل مضخات متخصصة تُعرف باسم PMCA، وهي المسؤولة عن التخلص من الكميات الزائدة من الكالسيوم داخل الخلايا. وعندما تصبح هذه المضخات أقل كفاءة يبقى الكالسيوم داخل الخلية لفترة أطول من اللازم؛ ما يؤدي إلى اضطراب نقل الإشارات العصبية وإعاقة تكوين الشبكات العصبية الطبيعية أثناء نمو الدماغ.

ويقدم هذا الاكتشاف تفسيراً بيولوجياً لكيفية تسبب طفرة جينية واحدة في التأثير على التعلم والسلوك والتطور العصبي.

التجارب تؤكد النتائج

وللتأكد من تأثير هذه الطفرات؛ جمع الباحثون بين التحليلات الوراثية وتجارب أُجريت على خلايا عصبية بشرية وفئران وذباب الفاكهة. وأظهرت التجارب اضطراباً واضحاً في إشارات الكالسيوم داخل الخلايا العصبية. كما أدى خفض مستوى بروتين نيوروبلاستين إلى النصف في الفئران إلى انخفاض يقارب 50 في المائة في مستويات مضخات PMCA داخل الدماغ.

ولاحظ الباحثون أيضاً أن الفئران أصبحت أقل ميلاً للتفاعل الاجتماعي، وهو سلوك يشبه بعض السمات المرتبطة باضطراب طيف التوحد. كما أكدت تجارب ذباب الفاكهة أن الطفرات في جين NPTN تؤدي إلى إضعاف وظيفة بروتين نيوروبلاستين؛ ما عزز صحة النتائج.

وقال مونتاغ، تكمن قوة هذه الدراسة في أنها تربط بصورة مباشرة بين الأعراض السريرية لدى الأطفال والآليات الجزيئية التي تحدث داخل الخلايا العصبية.

خطوة نحو تشخيص أدق

ورغم أن الباحثين لم يوثّقوا حتى الآن سوى ثمانية أطفال مصابين بهذه الطفرات، فإنهم يرجحون وجود حالات أخرى حول العالم لم تُشخَّص بعد.

وبالنسبة للعائلات، فإن معرفة السبب الوراثي تمثل خطوة بالغة الأهمية نحو الحصول على تشخيص نهائي وتقديم استشارات وراثية أكثر دقة وفهم أفضل لكيفية تطور الحالة مستقبلاً. كما يضيف الاكتشاف جين NPTN إلى قائمة الجينات المرتبطة باضطرابات النمو العصبي والتوحد؛ ما يعزز أهمية الفحوص الجينية الشاملة للأطفال الذين يعانون تأخر النمو أو اضطرابات عصبية مجهولة السبب.

آفاق مستقبلية

ويعمل الباحثون حالياً على دراسة ما إذا كان بالإمكان استهداف اضطراب إشارات الكالسيوم علاجياً ومعرفة المرحلة التي قد يكون فيها التدخل أكثر فاعلية.

ورغم أن تطوير علاجات جديدة لا يزال يحتاج إلى مزيد من الدراسات، فإن هذا الاكتشاف يمثل خطوة مهمة نحو فهم الأسباب الجزيئية للاضطرابات النمائية النادرة. فبدلاً من مجرد إضافة جين جديد إلى قائمة الجينات المرتبطة بالأمراض، تكشف الدراسة عن مسار بيولوجي جديد يربط بين اضطراب تنظيم الكالسيوم داخل الخلايا العصبية ونمو الدماغ؛ وهو ما قد يمهد مستقبلاً لتطوير علاجات تستهدف السبب الأساسي للمرض وليس أعراضه فقط.


زيّ مُبتكَر يجعل رحلة الحج إلى مكة أكثر برودة وراحة

زيّ مُبتكَر يجعل رحلة الحج إلى مكة أكثر برودة وراحة
TT

زيّ مُبتكَر يجعل رحلة الحج إلى مكة أكثر برودة وراحة

زيّ مُبتكَر يجعل رحلة الحج إلى مكة أكثر برودة وراحة

فاز تصميم سعودي لملابس إحرام ذكية بأفضل تصميم من 3 تصاميم منتقاة من أوروبا، وأفريقيا، والشرق الأوسط، في تقييم من مجلة «فاست كومباني».

رحلة الحج

تؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى جعل رحلة الحج السنوية إلى مكة أكثر حرارة من أي وقت مضى، حيث قد يقطع الحجاج مسافة تصل إلى 30 ميلاً (نحو 48 كيلومتراً) في درجات حرارة قد تبلغ 123 درجة فهرنهايت (نحو 50.5 درجة مئوية)، كما كتب هانتر شوارتز(*).

حلول ذكية لملابس الإحرام

وقد صممت «الخطوط الجوية السعودية» (السعودية) -التي تنقل عدداً من الحجاج يفوق ما تنقله أي شركة طيران أخرى- حلاً ذكياً يتمثل في دمج تقنية التبريد داخل ملابس الإحرام التي يرتديها الحجاج أثناء أداء المناسك.

«أبرد إحرام»

يُمكن لهذا الزي المبتكر -الذي أُطلق عليه اسم «Coolest Ihram» (أبرد إحرام)- أن يخفض درجة حرارة الجلد بأكثر من 3 درجات فهرنهايت (1.67 درجة مئوية). وقد صُمم هذا الزي كجزء من تحول الشركة من مجرد ناقل جوي لنقل الركاب بين نقطتين جغرافيتين إلى سفيرة للضيافة والثقافة قبل الرحلة، وأثناءها، وبعدها. وفاز هذا الابتكار بجائزة «الابتكار من خلال التصميم» (Innovation by Design) في فئة «الأثر المستدام».

زيّ بنسيج مبتكر

تمثّل التحدي في تعديل زيٍ ظل ثابتاً دون تغيير لقرون، وجعله أكثر برودة، مع الالتزام التام بالضوابط الدينية الصارمة؛ إذ كان على «السعودية» مراعاة سماكة القماش، وضمان خلو الزي تماماً من أي خياطة، أو معادن ثمينة.

ويقول عصام أخون باي، نائب الرئيس للتسويق وإدارة المنتجات في «الخطوط السعودية»: «لم يكن بإمكاننا الاكتفاء بأخذ نسيج موجود مسبقاً واستخدامه؛ بل كان علينا ابتكار نسيج جديد كلياً».

تعاون تقني

وبالتعاون مع شركة استشارات العلامات التجارية «لاندور» (Landor) والشركة المصنعة لأقمشة التبريد عالية الأداء «Brrr°»، طورت «الخطوط السعودية» هذا الزي، ووزعته على أكثر من 8000 حاج في عام 2025. وقد اعتمدت 12 شركة من كبرى الشركات المنظمة لرحلات الحج هذا الزي، كما طلبت وزارة الحج السعودية استخدامه ضمن «باقات الحج» التي توفرها.

* مجلة «فاست كومباني»