جين «صامت» يكشف سراً جديداً عن التوحد

يرتبط تحديداً بالسلوك الاجتماعي والتكراري

جين «صامت» يكشف سراً جديداً عن التوحد
TT

جين «صامت» يكشف سراً جديداً عن التوحد

جين «صامت» يكشف سراً جديداً عن التوحد

في اكتشاف قد يغيّر فهم العلماء لأحد أكثر الاضطرابات العصبية تعقيداً، نجح باحثون كنديون في تحديد جين غير تقليدي يبدو أنه يرتبط مباشرة بالسمات الأساسية لاضطراب طيف التوحد مثل صعوبات التفاعل الاجتماعي والسلوكيات التكرارية دون أن يؤثر في الذكاء أو القدرات المعرفية الأخرى.

جينات «غير مشفرة»

وتأتي أهمية هذا الاكتشاف من كونه يسلط الضوء على جزء من الحمض النووي ظل مهمشاً لعقود طويلة. فبينما ركز معظم الأبحاث السابقة على الجينات المسؤولة عن إنتاج البروتينات كشفت الدراسة الجديدة أن بعض الجينات غير المشفرة قد تلعب دوراً حاسماً في تشكيل السلوك البشري.

الدراسة التي قادها باحثون كنديون بقيادة ستيفن شيرر بمركز علم الجينوم التطبيقي برنامج علم الوراثة وبيولوجيا الجينوم في مستشفى الأطفال المرضى في تورونتو بأونتاريو، ونُشرت في مجلة «Nature» العلمية بتاريخ 13 مايو (أيار) 2026، ركزت على جين يُعرف باسم PTCHD1 – AS يقع على الكروموسوم إكس X (الأنثوي). ورغم أنه لا ينتج بروتينات فإنه يعمل باعتباره منظماً لنشاط جينات أخرى داخل الخلايا العصبية.

* لماذا يعد الاكتشاف مهماً؟ يُعد اضطراب طيف التوحد من أكثر الاضطرابات النمائية انتشاراً ويتميز بدرجات متفاوتة من صعوبات التواصل الاجتماعي وأنماط السلوك المتكررة. ورغم التقدم العلمي الكبير لا تزال الآليات البيولوجية الدقيقة التي تقف وراء هذه السمات غير مفهومة بالكامل. وحتى الآن ربط العلماء نحو مائة جين بالتوحد إلا أن معظمها يؤثر في مجموعة واسعة من الوظائف الدماغية بما في ذلك التعلم والقدرات الإدراكية. أما الجين الجديد فيبدو مختلفاً؛ إذ تشير النتائج إلى أنه يرتبط تحديداً بالسلوك الاجتماعي والتكراري وهما السمتان الأكثر تميزاً في التوحد. ويقول الباحثون إن هذا التحديد الدقيق قد يساعد مستقبلاً على تطوير علاجات تستهدف الأعراض الأساسية للاضطراب بدلاً من التأثير على وظائف دماغية أخرى.

* أدلة من آلاف الأشخاص. اعتمد الفريق العلمي على تحليل بيانات وراثية لأكثر من 9300 شخص من قواعد بيانات عالمية. وكشفت النتائج أن حذف أجزاء من الجين PTCHD1 - AS كان مرتبطاً بزيادة احتمالية الإصابة بالتوحد لدى الذكور.

ويعتقد العلماء أن ظهور التأثير بشكل أوضح لدى الذكور يعود إلى وجود نسخة واحدة فقط من الكروموسوم «إكس» لديهم بينما تمتلك الإناث نسختين، ما يوفر نوعاً من الحماية الجينية في بعض الحالات.

وللتأكد من النتائج أجرى الباحثون تجارب على نماذج حيوانية جرى فيها تعطيل الجين نفسه.

وكانت النتيجة لافتة، إذ أظهرت الحيوانات تغيرات واضحة في التفاعل الاجتماعي وزيادة في السلوكيات التكرارية، بينما بقيت قدراتها على التعلم والانتباه والذاكرة طبيعية.

فهم أعمق للدماغ

* ماذا يحدث داخل الدماغ؟ عند دراسة أدمغة هذه النماذج اكتشف العلماء أن غياب الجين يؤثر في منطقة تُعرف باسم «المخطط الدماغي» وهي منطقة تلعب دوراً مهماً في تنظيم السلوك والعادات الحركية.

كما رصد الباحثون تغيرات في عملية «اللدونة المشبكية» synaptic plasticity وهي قدرة الدماغ على تعديل الروابط بين الخلايا العصبية استجابة للتجارب المختلفة. وتُعد هذه العملية أساسية للتعلم والتكيف مع البيئة.

إضافة إلى ذلك ظهرت تغيرات في الجينات والبروتينات المرتبطة بتكوين غمد الميالين وهو الغلاف الذي يسرّع انتقال الإشارات العصبية بين الخلايا. وتشير هذه النتائج إلى أن الجين يؤثر في دوائر عصبية محددة ترتبط مباشرة بالسلوك الاجتماعي والسلوكيات النمطية.

ويرى الباحثون أن أهمية الدراسة تتجاوز اكتشاف جين جديد مرتبط بالتوحد. فهي تقدم نموذجاً لفهم كيفية ارتباط جينات محددة بسمات سلوكية معينة وهو ما قد يساهم في تطوير علاجات أكثر دقة وشخصية في المستقبل.

* فهم أعمق للسلوك البشري. ويأمل الفريق العلمي في مواصلة دراسة المسارات الجزيئية والخلوية التي يتحكم بها هذا الجين بهدف تحديد أهداف علاجية محتملة تساعد في تخفيف الأعراض الأساسية للتوحد لدى الأشخاص الذين يرغبون في الاستفادة من هذه التدخلات.

تكشف هذه الدراسة جانباً مدهشاً من علم الوراثة الحديث وهو أن أجزاء من الحمض النووي كانت تُعتبر في الماضي عديمة الوظيفة قد تكون مسؤولة عن جوانب أساسية من شخصياتنا وسلوكياتنا.

ورغم أن الطريق لا يزال طويلاً قبل تحويل هذه النتائج إلى علاجات عملية فإن الاكتشاف يضيف قطعة مهمة إلى لغز التوحد المعقد ويقرب العلماء خطوة أخرى من فهم الكيفية التي تشكل بها الجينات طريقة تفاعلنا مع العالم من حولنا.


مقالات ذات صلة

هل يمكن تقليل تضخم البروستاتا دون جراحة؟

صحتك يساعد التقييم الطبي على تحديد العلاج المناسب لأعراض تضخم البروستاتا الحميد (بيكسلز)

هل يمكن تقليل تضخم البروستاتا دون جراحة؟

يمكن تخفيف أعراض تضخم البروستاتا الحميد دون جراحة، بتعديل العادات وأدوية يصفها الطبيب، مع ضرورة المراجعة العاجلة عند تعذّر التبوّل أو ظهور دم في البول.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شمال افريقيا وقفة احتجاجية سابقة لأطباء وممرضين ليبيين (اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا)

اختصاصات «الوحدة» الليبية في ملف الصحة تُصعّد غضب الأطباء

صعّدت مذكرة حكومية لتنظيم الاختصاصات الإدارية للخدمات الصحية في ليبيا من انتقادات الأطباء بالتزامن مع دعوات إلى وقفة احتجاجية في طرابلس الاثنين المقبل.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
علوم فرشاة الأسنان للمراقبة والوقاية المنزلية

فرشاة الأسنان للمراقبة والوقاية المنزلية

بعد أن تعلّمت فرشاة الأسنان قياس ضغط اليد وحساب وقت التنظيف، بدأت تتعلم كيف «ترى» داخل الفم. فالكاميرا التي تدخل اليوم إلى هذه الأداة اليومية

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
علوم لماذا لا تتعرض النساء للإصابة بأمراض القلب بالدرجة نفسها كما لدى الرجال؟

لماذا لا تتعرض النساء للإصابة بأمراض القلب بالدرجة نفسها كما لدى الرجال؟

لطالما لاحظ الأطباء أن الرجال والنساء لا يتعرضون لخطر الإصابة بأمراض القلب بالدرجة نفسها؛ فبعض أمراض القلب الخلقية تكون أكثر شيوعاً أو أشد خطورة لدى الإناث

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
صحتك نموذج توضيحي للرحم والمبيضين... أظهرت دراسة استمرار النشاط البيولوجي للمبايض بعد انقطاع الطمث (بيكسلز)

دراسة: المبيض يستمر في العمل بعد انقطاع الطمث

كشفت دراسة، تغيِّر النظرة السائدة، عن أن المبايض لا تدخل في حالة خمول بعد انقطاع الطمث، ما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت تلعب دوراً في الشيخوخة والأمراض المزمنة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

محاكاة حاسوبية تشكك بدور المذنَّبات في نشأة الحياة على الأرض

تطرح الدراسة أن كوكب المريخ القديم ربما كان أكثر ملاءمة من الأرض لتكوين سيانيد الهيدروجين الناتج عن اصطدام المذنَّبات (ناسا - رويترز)
تطرح الدراسة أن كوكب المريخ القديم ربما كان أكثر ملاءمة من الأرض لتكوين سيانيد الهيدروجين الناتج عن اصطدام المذنَّبات (ناسا - رويترز)
TT

محاكاة حاسوبية تشكك بدور المذنَّبات في نشأة الحياة على الأرض

تطرح الدراسة أن كوكب المريخ القديم ربما كان أكثر ملاءمة من الأرض لتكوين سيانيد الهيدروجين الناتج عن اصطدام المذنَّبات (ناسا - رويترز)
تطرح الدراسة أن كوكب المريخ القديم ربما كان أكثر ملاءمة من الأرض لتكوين سيانيد الهيدروجين الناتج عن اصطدام المذنَّبات (ناسا - رويترز)

قد لا تصمد النظرية الشائعة التي تفترض أن المذنَّبات أدت دوراً محورياً في بدء الحياة على الأرض قبل مليارات السنين، وفقاً لعمليات محاكاة حاسوبية جديدة تتحدى عقوداً من التفكير العلمي.

وتشير النتائج إلى أن الجزيئات العضوية الهشة التي يُعتقد أن هذه الأجرام الجليدية حملتها كانت ستتحطم عند اصطدامها بالأرض، مما يقوّض نظرية راسخة عن نشأة الحياة تعود إلى عام 1961 على الأقل.

أما الفكرة الأوسع نطاقاً، التي تفترض أن مكونات الحياة وصلت من الفضاء، والمعروفة باسم «التبذر الشامل»، فهي أقدم من ذلك، إذ طُرحت علمياً عام 1908.

والتبذر الشامل (أو البانسبيرميا

- Panspermia) هي فرضية علمية تقترح أن بذور الحياة أو الكائنات الدقيقة والمركبات العضوية لا تقتصر على كوكب الأرض فحسب، بل تنتشر في جميع أنحاء الكون

، وتنقلها النيازك، والمذنَّبات، والكويكبات، والغبار الكوني.

تتطلب الحياة على الأرض جزيئات عضوية معقدة، لكن لا يزال من غير الواضح ما إذا كان كوكبنا في مراحله الأولى يمتلك ما يكفي من المواد الخام اللازمة للكيمياء قبل الحيوية، أي التفاعلات الكيميائية التي تُنتج اللبنات الأساسية للحياة.

وتتكون المذنَّبات من الغبار والجليد، لكنها تحتوي أيضاً على مواد عضوية. وقد دفعت هذه التركيبة، التي أكسبت الأجرام السماوية لقب «كرات الثلج المتسخة»، العلماء إلى طرح احتمال أن تكون المذنَّبات قد جلبت المياه والجزيئات العضوية إلى سطح الأرض.

وربما شهدت الأرض في بدايات تاريخها، قبل أكثر من 4 مليارات سنة، فترة من القصف المكثف بأكثر من 100 ألف مذنَّب يزيد قطر الواحد منها على 100 متر، وفقاً للدراسة الجديدة المنشورة الأربعاء، في دورية «ساينتيفيك ريبورتس»، ونقلتها شبكة (سي إن إن) الأميركية. غير أن معظم تلك الاصطدامات كانت عنيفة للغاية بحيث لا تستطيع الجزيئات اللازمة لبدء الحياة تحملها.

واستخدم الفريق أحدث النماذج الخاصة بتشكل المذنَّبات وتطورها لمحاكاة تلك المرحلة المبكرة من تاريخ الكوكب 100 ألف مرة.

وقال ريتشارد أنسلو، الباحث الرئيسي في الدراسة، الذي أجرى البحث خلال استكمال درجة الدكتوراه في معهد علم الفلك بجامعة كمبردج في المملكة المتحدة: «استناداً إلى ما نعرفه عن بيئات سطح الأرض في مراحلها المبكرة، أظهرت عمليات المحاكاة، في المتوسط، عدم حدوث أي اصطدامات ناجحة».

ورغم احتواء المذنَّبات على تركيزات مرتفعة من الجزيئات الأساسية اللازمة للحياة، أظهرت المحاكاة أنها كانت تتحرك بسرعة أكبر من أن تتمكن من إيصال تلك الجزيئات إلى الأرض سليمة.

وقال أنسلو: «إن السرعات المعتادة لهذه المذنَّبات عند اصطدامها بالأرض تعني أن عدداً قليلاً جداً منها، إن وُجد أصلاً، كان قادراً على إيصال جزيئات عضوية سليمة. ولذلك، لا يبدو أن المذنَّبات مفيدة للكيمياء قبل الحيوية بالقدر الذي كان يُعتقد سابقاً».

وبصورة أكثر تحديداً، أظهرت 54 في المائة من عمليات المحاكاة عدم وقوع أي اصطدام، بينما شهدت النسبة المتبقية، البالغة 46 في المائة، اصطداماً واحداً على الأقل، في حين سجلت «أقلية ضئيلة» ما يصل إلى ثلاثة اصطدامات، حسب أنسلو.

وأضاف: «لا يمكننا استبعاد احتمال عدم حدوث اصطدام ناجح على الإطلاق بشكل قاطع، فقد يكون أحد تلك الاصطدامات الاستثنائية قد وقع». لكنه أوضح أن مثل هذه الحالات النادرة كانت تتطلب حدوث الاصطدام في «موقع مثالي» تتوافر فيه بالفعل عدة شروط مهمة، من بينها وجود المياه السائلة ومواد كيميائية أخرى ضرورية لدعم الحياة، مما يجعل تحقق هذه العملية برمتها أمراً غير مرجح.

تفسيرات بديلة

وتركز الدراسة على مادة كيميائية موجودة طبيعياً تُعرف باسم سيانيد الهيدروجين (HCN)، وهي مادة أساسية في الكيمياء قبل الحيوية، ورُصدت في عشرات المذنَّبات، من بينها مذنَّبا هالي وهيل-بوب الشهيرين.

ويتكون سيانيد الهيدروجين من الهيدروجين والكربون والنيتروجين، ويمكن أن يؤدي، عند اتحاده مع الماء، إلى تكوين الأحماض الأمينية، وهي الجزيئات التي تتكون منها البروتينات. وحددت دراسات سابقة هذه المادة بوصفها أحد المكونات المحتملة المهمة لنشأة الحياة على الأرض.

وقال أنسلو: «عندما تصطدم المذنَّبات بالأرض، تتعرض لدرجات حرارة وضغوط مرتفعة للغاية، وقد وجدت دراسات حديثة أن كثيراً من الجزيئات الأولية يمكن أن تتحطم بفعل هذه الضغوط ودرجات الحرارة المرتفعة، وكذلك الاصطدامات التي تلي ذلك».

ويرى مؤلفو الدراسة أنه حتى في حال وقوع اصطدام ناجح، فمن غير المرجح أن يكون قد أتاح المادة الكيميائية بتركيز مفيد، كما أنها كانت ستذوب سريعاً إذا وقع الاصطدام في المحيط.

وأوضح أنسلو أن تهيئة الظروف اللازمة لحدوث الكيمياء قبل الحيوية تتطلب أيضاً كثيراً من الجزيئات الأولية الأخرى، مثل المركبات التي تحتوي على الفوسفور والكبريت، وهي مواد لا توجد بانتظام في المذنَّبات.

وقال: «المذنَّبات جيدة جداً في إيصال سيانيد الهيدروجين، لكن نظراً إلى أن موقع اصطدام المذنَّب بالأرض عشوائي، لا يمكن ضمان وجود كل المواد الأخرى اللازمة لهذه التفاعلات الكيميائية في الموقع نفسه».

وإذا لم تكن المذنَّبات قد جلبت اللبنات الأساسية للحياة إلى الأرض، فإن هناك مسارات أخرى واعدة يمكن استكشافها، حسب أنسلو.

وأشار أنسلو إلى نتائج حديثة توصل إليها العلماء من خلال دراسة عينات من كويكبي «بينو» و«ريوغو»، أظهرت احتواءهما على معظم الأحماض الأمينية التي تدخل في بناء البروتينات.

وتطرح الدراسة الجديدة احتمالاً آخر مثيراً للاهتمام، وهو أن كوكب المريخ القديم ربما كان أكثر ملاءمة لتكوين سيانيد الهيدروجين الناتج عن اصطدام المذنَّبات، مقارنةً بالأرض.

وقال أنسلو: «لأن المريخ أصغر بكثير من الأرض وأبعد عن الشمس، فإن السرعة المعتادة لاصطدام المذنَّبات به أقل بكثير. ولذلك، بينما كانت هذه الاصطدامات تدمر معظم سيانيد الهيدروجين على الأرض، لم يكن الأمر كذلك بالقدر نفسه على المريخ».

وقد يضيف هذا الاحتمال بُعداً جديداً إلى السؤال القائم منذ فترة طويلة بشأن ما إذا كان الكوكب الأحمر قد احتضن الحياة في الماضي.

وقال أنسلو: «إنها مجرد وجهة نظر إضافية ينبغي أن نضعها في الحسبان عندما نحاول فهم التطور المبكر للمريخ بمزيد من التفصيل».

نظرية المذنَّبات لا تزال قائمة

وفي حين حلل مؤلفو الدراسة بالتفصيل مدى قدرة سيانيد الهيدروجين على الصمود أمام اصطدام المذنَّبات، قالت كوينى تشان، الأستاذة المشاركة في علوم الأرض بجامعة «رويال هولواي» في لندن، والتي لم تشارك في الدراسة، إن المادة الكيميائية ربما خضعت لتفاعلات قبل دخول الأجرام الجليدية الغلاف الجوي للأرض، وأوضحت أن هذه العملية ربما أدت إلى تكوين مركبات مهمة بيولوجياً، مثل اللبنات الأساسية للبروتينات، تكون أقل تطايراً وأكثر قدرة على الصمود.

وكتبت تشان في رسالة عبر البريد الإلكتروني: «لذلك، فإن عدم كفاءة إيصال سيانيد الهيدروجين سليماً لا يستبعد تماماً احتمال أن تكون المذنَّبات قد أسهمت في توفير مركبات عضوية مهمة أخرى، ربما شاركت في تكوين المخزون العضوي قبل الحيوي للأرض، قبل ظهور الحياة».

من جانبها، قالت نيكول زيلنر، أستاذة الفيزياء في كلية ألبيون بولاية ميشيغان الأميركية، في رسالة عبر البريد الإلكتروني، إنها لم تفاجأ بالنتائج.

ورغم ترددها أيضاً في استبعاد المذنَّبات بوصفها أحد العوامل المحتملة التي أسهمت في ظهور الحياة، أقرت بأن «المؤلفين وضعوا بالفعل بعض المعايير الجيدة لتحديد مدى احتمالية حدوث ذلك».


حقائب ظهر صغيرة للفئران: ابتكار للمساعدة في العثور على الضحايا في أثناء الزلازل

حقائب ظهر صغيرة للفئران:  ابتكار للمساعدة في العثور على الضحايا في أثناء الزلازل
TT

حقائب ظهر صغيرة للفئران: ابتكار للمساعدة في العثور على الضحايا في أثناء الزلازل

حقائب ظهر صغيرة للفئران:  ابتكار للمساعدة في العثور على الضحايا في أثناء الزلازل

غالباً ما تحظى الفئران بسمعة سيئة لأنها قد تكون ناقلة للأمراض. لذا تستثمر مدن مثل نيويورك مبالغ طائلة لمكافحتها. لكن ربما يرجع ذلك إلى أننا لا ندرك إمكاناتها الحقيقية، إذ وبمجرد تدريبها، يمكن لفئران «الجرذان الأفريقية العملاقة ذات الجيوب African giant pouched rats» بعد تزويدها بحقائب ظهر خاصة، أن تساهم في إنقاذ الأرواح، كما كتب هانتر شوارتز*.

«فئران الإنقاذ»

وللمساعدة في عمليات الإنقاذ في أثناء الكوارث كالزلازل أو انهيار المباني، تقوم منظمة «أبوبو» (APOPO) غير الربحية، بتدريب فئران أطلق عليها اسم «فئران الإنقاذ» (RescueRATs)، للوصول إلى أماكن يعجز البشر أو الروبوتات عن دخولها. وترتدي هذه الفئران حقائب ظهر مصممة خصيصاً، توفر بثاً صوتياً ومرئياً فورياً، بالإضافة إلى نظام تواصل ثنائي الاتجاه يتيح لفرق الإنقاذ التحدث مع الناجين.

وتقول ليلي شالوم، مديرة الاتصالات في منظمة «أبوبو»، لمجلة «فاست كومباني»: «تتميز الفئران الأفريقية العملاقة ذات الجيوب بصغر حجمها وخفة وزنها، ما يمكنها من التحرك فوق الأنقاض غير المستقرة وعبر الفجوات الضيقة دون التسبب في انهيارها». وتضيف: «كما أنها تتسم بالرشاقة والسرعة، وتتمتع بحاستي شم وسمع فائقتين، ما يجعلها مؤهلة تماماً للبحث بسرعة في الأماكن التي يصعب الوصول إليها».

تدريب الفئران

وتقوم المنظمة بتدريب هذه الفئران في مركزها بمدينة موروجورو في تنزانيا، معتمدةً على أسلوب «التعزيز الإيجابي»؛ حيث تُستخدم أداة إصدار صوت (clicker) مقترنة بتقديم مكافآت غذائية. ويتم تدريب الفئران على العمل مع مُدربها، واجتياز مسارات عقبات تحاكي الأنقاض، وارتداء حقيبة الظهر، ثم إطلاق إشارة عند العثور على إنسان. وتؤكد شالوم أن الفئران كائنات ذكية وتتحفز بالطعام، قائلة: «إنها تتعلم بسرعة وتستمتع بالعمل الذي تقوم به».

تتبّع رائحة البشر

ومنذ ابتكار النموذج الأولي لحقيبة الظهر في عام 2019، طورت منظمة «أبوبو» عدة نسخ منها. وفي البداية كانت الحقيبة مزودة بكاميرا بارزة، لكن المصممين أدركوا الحاجة إلى تصميم لا يعلَق بالأجسام المحيطة. كما تضمنت إحدى النسخ المبكرة بطارية في الجزء العلوي، ما أدى إلى رفع مركز ثقل الحقيبة، وهو ما جعل توازن الفئران صعباً في أثناء ارتدائها.

وتستطيع فئران الإنقاذ (RescueRATs) تتبع رائحة البشر، والتمييز بين الأشخاص الحقيقيين والروائح البشرية العالقة على مقتنيات مثل الملابس والأحذية. وبمجرد عثورها على شخص ما، تكون هذه الفئران مدربة على سحب قلادة مثبتة في سترة تحملها على ظهرها، لتنبيه مُدربها إلى وجود شخص ناجٍ. وتقول شالوم: «إنها لا تحل محل المنقذين البشر أو التكنولوجيا؛ بل هي أداة إضافية تساعد فرق الإنقاذ في العثور على الناجين بشكل أسرع، وتحديد المناطق التي ينبغي تركيز الجهود فيها».

حقيبة ظهر مطورة

لا يتجاوز وزن حقائب الظهر التي صممتها منظمة «أبوبو» 10 غرامات، وهو ما يمثل أقل من 10في المائة من وزن جسم «الجرذ الأفريقي العملاق». وتتضمن النسخة الأحدث منها هيكلاً مُصنّعاً بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد، ويحتوي على معالج دقيق، وكاميرا، ومكبر صوت، وميكروفون، ومصباح يدوي، ومروحة تبريد، وبطارية تدوم حتى 35 دقيقة في أثناء البث المباشر.

إن ما تفتقر إليه هذه الفئران هو نظام تحديد المواقع العالمي «جي بي إس» التقليدي، نظراً لأنه لا يعمل وسط الأنقاض. وللتغلب على هذه العقبة، تبحث المنظمة عن بدائل، مثل تقنية «التحديد المتزامن للموقع ورسم الخرائط» (SLAM)، التي تعتمد على رسم خرائط للمنطقة من خلال الصور الفوتوغرافية. وفي العام الماضي، ساعد فريق من طلاب الهندسة في جامعة «بريغام يونغ» في تطوير جهاز وخوارزمية، تستخدمهما المنظمة حالياً كنقطة انطلاق لنظام تتبع جديد.

تجارب ميدانية في تركيا

وقد درّبت المنظمة أول مجموعة من فئران الإنقاذ، التي نُقلت في يونيو (حزيران) الماضي إلى تركيا لإجراء تجارب ميدانية، بينما بدأت مجموعة ثانية تدريباتها في تنزانيا. وتهدف المنظمة في نهاية المطاف إلى نشر هذه الفئران في تركيا، وهي دولة معرضة للزلازل، كما حدث في زلزال عام 2023 المدمر الذي أودى بحياة أكثر من 40 ألف شخص. ومع توفر التكنولوجيا والتدريب المناسبين، يمكن لهذه الفئران أن تساهم في إنقاذ المزيد من الأرواح عند وقوع كارثة في المستقبل.

* مجلة «فاست كومباني».


تبنّي الذكاء الاصطناعي في الدوائر الحكومية الأميركية... عقبات وآفاق

تبنّي الذكاء الاصطناعي في الدوائر الحكومية الأميركية... عقبات وآفاق
TT

تبنّي الذكاء الاصطناعي في الدوائر الحكومية الأميركية... عقبات وآفاق

تبنّي الذكاء الاصطناعي في الدوائر الحكومية الأميركية... عقبات وآفاق

يُبشر الذكاء الاصطناعي التوليدي بزيادة الإنتاجية، لكن العديد من موظفي الدوائر الحكومية الأميركية لا يزالون غير متأكدين من علاقته بوظائفهم، وكيفية استخدامه، أو حتى ما إذا كان مسموحاً به، كما كتبت بيث سيمون نوفيك(*).

تقرير عن الذكاء الاصطناعي في القطاع العام

وقد قدمت مؤسسة «إنوفايت يو إس إيه» InnovateUS غير الربحية تقريراً جديداً حول استخدام الذكاء الاصطناعي في الدوائر الحكومية. وقامت المؤسسة بتدريب أكثر من 250 ألف موظف حكومي في جميع الولايات الخمسين -إضافة إلى واشنطن العاصمة- في مجالات الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الرقمية، والابتكار في ورش عمل مجانية لتبادل الخبرات العملية، بما في ذلك تحسين تقديم الخدمات، والتعريف بأدوات الذكاء الاصطناعي.

ويحلل التقرير الأول لمرصد الذكاء الاصطناعي في القطاع العام The Observatory of Public Sector AI، 106300 استجابة قبل بدء الدورة، و67002 استجابة بعد الدورة، جُمعت بين يونيو (حزيران) 2024 ومايو (أيار) 2026. ويكشف عن فجوة بين عناوين الأخبار المتعلقة بالذكاء الاصطناعي وحقيقة العمل الحكومي اليومي.

ما الذي يمنع موظفي القطاع العام من استخدام الذكاء الاصطناعي؟

* تجربة الذكاء الاصطناعي: من بين المشاركين في الدورة التمهيدية لم يسبق لـ51 في المائة منهم تجربة الذكاء الاصطناعي التوليدي، بينما جربه 14 في المائة على المستوى الشخصي فقط. ولا يزال الكثيرون بحاجة إلى الحصول على توضيحات بشأن أهميته، واستخدامه العملي، وصلاحيات استخدامه في مكان العمل.

* أهميته للعمل. لم يكن غير المستخدمين بالضرورة مقاومين له: فقد اعتبر 28 في المائة منهم أن الذكاء الاصطناعي غير ذي صلة بعملهم، و23 في المائة لم يعرفوا كيفية استخدامه، و19 في المائة لم يكونوا متأكدين من إمكانية استخدامه في مكان العمل.

وقد شارك المديرون أيضاً هذا التردد، فمن بين المديرين غير المستخدمين، افتقر 24 في المائة إلى المعرفة، و22 في المائة لم يكونوا متأكدين من الصلاحيات، ما حدّ من قدرتهم على توجيه الموظفين.

الموظفون يحتاجون إلى تدريب ومشرفين مؤهلين لدعم الاستخدام المسؤول

* التوصيات. لذا يشير التقرير إلى أنه لا تكفي الأدوات والسياسات وحدها، فالموظفون يحتاجون إلى أمثلة عملية، وتدريب، وإلى مشرفين مؤهلين لدعم الاستخدام المسؤول. كما ينبغي أن يربط التدريب المهارات بمشكلات الخدمة: تقليل أوقات انتظار الاستفسارات حول التأمين، وتسهيل مشاركة الجمهور، أو تحسين عمليات شراء الذكاء الاصطناعي، وتنظيمه. كما يحتاج الموظفون إلى الدعم لتغيير ممارسات العمل، وتقييم النتائج.

المبتدئون «حققوا أكبر المكاسب»

أظهرت الإجابات المتطابقة أن المتعلمين الذين لم تكن لديهم أي معرفة مسبقة بالذكاء الاصطناعي حققوا أكبر المكاسب المعرفية. كما أبلغ أولئك الذين بدأوا (التعامل معه) دون ثقة عن تحسنات كبيرة حصلت لهم بشكل خاص. وكانت دراسة مشتركة بين جامعتي ستانفورد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا حول دعم الزبائن أظهرت فوائد أكبر للعاملين الأقل خبرة، ومهارة. وقد قيّمت الدراسة الأولى الأداء، بينما قيّمت مبادرة «إنوفايت يو إس إيه» مستوى التعلّم المُبلغ عنه. وتشير كلتا الدراستين إلى أهمية دعم المبتدئين بدلاً من التركيز حصراً على المتحمسين الأوائل.

وبعد التدريب أبدى المشاركون ذوو الثقة العالية نيتهم استخدام الذكاء الاصطناعي في 3.8 مهمة في المتوسط، مقارنةً بـ1.5 مهمة لدى المشاركين ذوي الثقة المنخفضة. ورغم أن هذه العلاقة لا تُثبت وجود علاقة سببية، لكنها تُشير إلى أن التعلّم يتضمن الشعور بالقدرة على تحديد التطبيقات المناسبة.

إن الثقة لا تضمن الدقة، لذا يجب أن يُنمّي التدريب أيضاً مهارات التقييم: التساؤل عن الإجابات، والتحقق من المصادر، وحماية المعلومات الحساسة، والتعرف على الحالات التي يكون فيها استخدام الذكاء الاصطناعي غير مناسب. ينبغي أن يُقيّم التقييم هذه القدرات أيضاً.

من مهام أفضل إلى خدمات أفضل

يتصوّر المشاركون عادةً توظيف الأدوات الذكية في كتابة التقارير، وتقديم العروض التقديمية، وتلخيص الوثائق. ويستشهد التقرير بدراسة ماكينزي العالمية لعام 2026 التي أفاد فيها 80 في المائة من المشاركين بتحسن إنتاجيتهم الشخصية، بينما لم يُبلغ سوى 37 في المائة عن آثار إيجابية على أرباح مؤسساتهم. ومن هنا فإن إنجاز العمل الفردي بشكل أسرع لا يُحسّن أداء المؤسسة تلقائياً.

ما زلنا بحاجة إلى تعلم الذكاء الاصطناعي

تمثل الاستبانات التطوعية عينة كبيرة، ولكنها غير ممثلة للقوى العاملة. فهي تقيس المعرفة، والثقة، والنوايا المُبلغ عنها ذاتياً فيما يتعلق بالتدريب مباشرةً، ولا تقيس جوانب مثل الاحتفاظ بالمعلومات، أو التطبيق المتسق، أو الدقة، أو تحسين الخدمات نتيجة استخدام الذكاء الاصطناعي. ومع ضمانات الخصوصية، يُمكن للباحثين ربط بيانات التعلّم بالأداء الإداري، ومؤشرات ثقة الجمهور، ودراسة أوقات الانتظار، ودقة الحالات، وأخطاء التطبيقات، وسهولة الوصول، والتواصل مع السكان.

وتشير الدلائل الأولية إلى أن العاملين في القطاع العام -بمن فيهم المبتدئون- يُمكنهم اكتساب المعرفة والثقة في مجال الذكاء الاصطناعي.

على القادة التعامل مع تعلّم القوى العاملة كاستثمار مُستدام

وينبغي على القادة التعامل مع تعلّم القوى العاملة كاستثمار مُستدام: توفير التدريب العملي، وإعداد المديرين، وتمكين التطبيق، وقياس التغييرات التي يلمسها الجمهور.

وفي ظلّ الشكوك حول فوائد الذكاء الاصطناعي، يُمكن للحكومة إظهار استخداماته التي تخدم المصلحة العامة بدلاً من ترك المكاسب في المقام الأول لشركات التكنولوجيا، أو لمن يستطيعون تحمّل تكلفة الوصول إليه.

كما ينبغي أن يُساهم الاستخدام المسؤول والإبداعي للذكاء الاصطناعي في تمكين موظفي الخدمة العامة، فالنجاح يعني خدمات أفضل، ومشاركة أوسع في صنع القرار، وإيجاد حلول لمشكلات السكان، وليس مجرد معدلات تَبَنٍّ، أو توفير الوقت. وهذه النتائج من شأنها تعزيز الثقة في كل من الذكاء الاصطناعي والحكومة.

* مجلة «فاست كومباني»