ماهي أبرز توقعات الذكاء الاصطناعي لعام 2026؟

تغييرات كبرى تعيد صياغة تكنولوجيا المعلومات المؤسسية

ماهي أبرز توقعات الذكاء الاصطناعي لعام 2026؟
TT

ماهي أبرز توقعات الذكاء الاصطناعي لعام 2026؟

ماهي أبرز توقعات الذكاء الاصطناعي لعام 2026؟

خلال السنوات القليلة الماضية، أثبت الذكاء الاصطناعي جدواه. لذا يتوقع كثير من المؤسسات أن يثبت الذكاء الاصطناعي جدارته بالثقة في عام 2026. وبعد سنوات من التجارب والمشروعات التجريبية، ينتقل الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة الاضطلاع بأدوار دائمة في أقسام تكنولوجيا المعلومات داخل المؤسسات.

كما تتحول بؤرة التركيز من العروض التوضيحية المبهرة اليوم إلى الاضطلاع بمهام العمل اليومي على نحو موثوق به. وبالفعل، بدأت الأنظمة الوكيلة في التعامل مع مهام حقيقية، في الوقت الذي تنتقل إدارة الذكاء الاصطناعي من أقسام تكنولوجيا المعلومات إلى دوائر المناقشات داخل مجالس الإدارة. ومع ذلك، تجابه الشركات قيوداً تتعلق بالقدرة على التوسع، بما في ذلك تكاليف الطاقة والظروف الجيوسياسية.

ومع وضع ذلك في الاعتبار، طرحت مجلة «إي ويك» الإلكترونية أهم توقعاتها بشأن الذكاء الاصطناعي خلال عام 2026 على لسان كيزيا جونغكو الخبيرة في تقنية المعلومات.

الذكاء الاصطناعي الوكيل والحوكمة

• الذكاء الاصطناعي الوكيل يحل محل أدوات المساعدة الذكية الحالية. اليوم، يحل الذكاء الاصطناعي الوكيل محل الأدوات الذكية الأولى. وبذلك، تُفسح تلك الأدوات التي تجيب عن الأسئلة أو تُنشئ المحتوى، المجال أمام أنظمة الذكاء الاصطناعي الوكيل القادرة على بدء المهام وإدارة سير العمل.

وقد حددت شركة «مايكروسوفت» التوجّه العام لها في هذا الإطار بإعلانها عام 2025 بداية التعاون بين الإنسان والآلة الوكيلة، وأطلقت بالفعل أدوات مساعدة قادرة على البحث عن المعلومات، وإنجاز مهام مثل الجدولة والتدريب. ويشير هذا إلى الوجهة التي سيتخذها مجال الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات خلال الفترة المقبلة.

وبحسب «مؤشر اتجاهات العمل لعام 2025»، الصادر عن «مايكروسوفت»، يتوقع 81 في المائة من قادة الأعمال دمج أنظمة الذكاء الاصطناعي الوكيل بشكل كامل في خططهم الاستراتيجية على مدار الـ12 إلى الـ18 شهراً المقبلة. كما أشارت «مايكروسوفت» في تقرير توقعاتها لعام 2026 إلى أن وكلاء الذكاء الاصطناعي سينتشرون على نطاق واسع، وسيضطلعون بدور أكبر في العمل اليومي، ليصبحوا بذلك أقرب إلى أعضاء الفريق منهم إلى مجرد أدوات تجري الاستعانة بها.

ومن المتوقع أن تستعين المؤسسات بوكلاء الذكاء الاصطناعي بقوة أكبر في عام 2026، خاصة في المجالات التي يمكن أن تُسهم فيها الأتمتة في خفض تكاليف التشغيل. وعلى عكس أدوات المساعدة التقليدية التي تنتظر التوجيهات، تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي الوكيل جدولة العمل، وتوجيه طلبات الخدمة، والتنسيق بين مختلف المنصات، مع تدخل بشري محدود.

وبذلك يتحول الذكاء الاصطناعي إلى زميل عمل رقمي، بدلاً من كونه مجرد أداة إنتاجية، الأمر الذي يثير تساؤلات جديدة حول الصلاحيات والمساءلة وآليات التصعيد، عندما تعمل الأنظمة بشكل مستقل.

• حوكمة الذكاء الاصطناعي المنظم تتحول لمطلب أساسي داخل المؤسسات. مع تحول حوكمة الذكاء الاصطناعي المنظمة إلى مطلب أساسي للمؤسسات، ومع تأثير أنظمة الذكاء الاصطناعي على تفاعلات العملاء وقرارات التوظيف والنتائج التشغيلية، لم يعد الإشراف غير الرسمي كافياً.

في هذا الإطار، كشف استطلاع أجرته شركة «غريدينت فلو» عام 2025 أن 75 في المائة من المؤسسات لديها بالفعل سياسات رسمية للذكاء الاصطناعي، تُحدد الاستخدامات المقبولة والمحظورة - رقم أكده 74 في المائة من القادة بالمجال التكنولوجي. والملاحظ تفاوت نسبة تبني هذه السياسات حسب حجم الشركة، مع إقرار 81 في المائة من الشركات المتوسطة و77 في المائة من الشركات الكبيرة بوجود سياسات للذكاء الاصطناعي، مقارنة بـ55 في المائة من الشركات الصغيرة.

مع ذلك، فإن وجود السياسات لا تجري ترجمته دوماً إلى تطبيق متسق. ففي الكثير من المؤسسات، تُستخدم إرشادات الذكاء الاصطناعي باعتبارها وثيقة مرجعية، أكثر من كونها ضوابط تشغيلية. ومع توسع نطاق الذكاء الاصطناعي الوكيل واتخاذ القرارات على نحو آلي، تتعرض المؤسسات لضغوط متزايدة لترجمة السياسات إلى إجراءات عمل قابلة للتنفيذ، وضوابط تكنولوجية، واستراتيجية مساءلة واضحة.

ويدفع الضغط التنظيمي المؤسسات نحو الانتقال من السياسات المكتوبة إلى الضوابط القابلة للتنفيذ. على سبيل المثال، سيدخل قانون الذكاء الاصطناعي التاريخي للاتحاد الأوروبي حيز التنفيذ الكامل في أغسطس (آب) 2026، ما يمثل علامة فارقة بمجال حوكمة الذكاء الاصطناعي. وسيفرض هذا القانون التزامات على الأنظمة عالية المخاطر عام 2026، في حين أن ضوابط التصدير والقواعد المرتبطة بقطاعات بعينها تصيغ بالفعل شكل تصميم الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات.

الإنفاق وتعزيز السيادة الرقمية

• تزايد الإنفاق على الحوسبة السحابية المدعومة بالذكاء الاصطناعي. الإنفاق على الحوسبة السحابية المدعومة بالذكاء الاصطناعي يتسارع مع توسع نطاق عمليات الاستعانة بأنظمة الذكاء الاصطناعي الوكيل. الحقيقة أن الذكاء الاصطناعي يقود مرحلة جديدة من نمو الحوسبة السحابية، لكن النمو يرتبط هذه المرة، بأحمال العمل الإنتاجية، بدلاً من التجارب.

وتتوقع مؤسسة «غارتنر» أن يصل إجمالي الإنفاق العالمي على تكنولوجيا المعلومات إلى 6.08 تريليون دولار أميركي عام 2026، بزيادة قدرها 9.8 في المائة عن عام 2025، في الوقت الذي تقود الخدمات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي هذا الطلب. ومع انتقال المؤسسات إلى استخدام النماذج في عملياتها اليومية، يُبلغ مزودو خدمات الحوسبة السحابية عن تزايد الطلب على منصات تدريب الذكاء الاصطناعي والاستدلال والبيانات.

ومع تسارع الإنفاق على الحوسبة السحابية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، تواجه المؤسسات ضغوطاً متزايدة لتحقيق التوازن بين الأداء والتكلفة والاعتماد على الموردين. وينبغي أن تكون قرارات البنية التحتية المتخذة خلال هذه المرحلة استراتيجية، بحيث تُحدد تكاليف التشغيل على المدى الطويل، وتُمكّن المؤسسة من المنافسة بفاعلية مع ازدياد أهمية الذكاء الاصطناعي في عملياتها التجارية.

• السيادة الرقمية تعيد صياغة بيئة تشغيل الذكاء الاصطناعي. بوجه عام، تعيد السيادة الرقمية تشكيل بيئة تشغيل الذكاء الاصطناعي والجهات المتحكمة بها. وتُؤثر الجغرافيا السياسية بشكل متزايد على استراتيجيات تكنولوجيا المعلومات لدى المؤسسات. ومع اعتماد أنظمة الذكاء الاصطناعي على كميات هائلة من البيانات وقوة الحوسبة، تُشدد الحكومات سيطرتها على أماكن تخزين البيانات، وكيفية تدريب النماذج، ومزودي الخدمات المُعتمدين.

من ناحيته، يُقيّد نظام حماية البيانات العامة (GDPR) التابع للاتحاد الأوروبي بالفعل عمليات نقل البيانات عبر الحدود، ويُضيف قانون الذكاء الاصطناعي للاتحاد الأوروبي التزامات جديدة. ويُركز هذا القانون على الشفافية، وتخفيف المخاطر، والحوكمة الرشيدة، وتوثيق أنظمة الذكاء الاصطناعي. وتظهر متطلبات مماثلة للتوطين والأمن في مناطق مثل الهند والصين والشرق الأوسط، الأمر الذي قد يُعقّد عمليات نشر الذكاء الاصطناعي على الصعيد العالمي.

واللافت أن سلوك المؤسسات بدأ يعكس هذه الضغوط. وتعتبر المؤسسات مسألة توطين البيانات واللوائح الوطنية من العوامل الأساسية في عمليات اختيار الذكاء الاصطناعي واعتماده. كما تستثمر الحكومات بشكل مباشر في البنية التحتية المحلية للذكاء الاصطناعي، بما في ذلك مبادرات الحوسبة السحابية السيادية، وبرامج الحوسبة المدعومة من الدولة، والمصممة للحفاظ على أحمال العمل الحساسة داخل حدودها الوطنية.

وعليه، تتبنى المؤسسات عمليات نشر هجينة وعبر مناطق متعددة، تسمح ببقاء البيانات وأحمال العمل الحساسة ضمن نطاق ولايات قضائية محددة. بالإضافة إلى ذلك، ستواصل نماذج المصادر المفتوحة اكتساب زخم، باعتبارها وسيلة للحفاظ على سيطرة أكبر على التدريب والنشر دون الاعتماد كلياً على مزودي خدمات أجانب.

نشر الروبوتات

• توسع نطاق الذكاء الاصطناعي المتجسد والروبوتات. في الوقت ذاته، يتوسع نطاق الذكاء الاصطناعي المجسد والروبوتات في إطار الخدمات اللوجيستية والعمليات.

يتجاوز تأثير الذكاء الاصطناعي نطاق البرمجيات ليشمل البيئات المادية. ويتوسع نطاق الذكاء الاصطناعي المجسد والروبوتات ليشمل المستودعات والمصانع وشبكات الخدمات اللوجيستية؛ حيث يتولى مهام الفحص والفرز والنقل بقدر أكبر من الاستقلالية. أما حجم التأثير المحتمل، فضخم. فقد قدرت مؤسسة «ماكينزي» مثلاً أنه يمكن أتمتة أكثر من نصف القوى العاملة في الولايات المتحدة باستخدام التكنولوجيا الحالية. وبحسب التقرير، فإن التكنولوجيا المتاحة في الوقت الحاضر يمكنها نظرياً أن تؤدي إلى أتمتة الأنشطة التي تمثل نحو 57 في المائة من ساعات العمل في الولايات المتحدة، وتتضمن أدوار التصنيع والنقل والخدمات اللوجيستية.

مع ذلك، أكدت الشركة أن الاحتمال الأكبر أن تعيد الأتمتة تشكيل الوظائف، بدلاً من إلغائها، مُحوّلة العمل البشري نحو الإشراف والتنسيق.

وفيما يخص المؤسسات، يتسم هذا التمييز بأهمية بالغة؛ فمع انتقال أنظمة الذكاء الاصطناعي المادية إلى مرحلة الإنتاج، يحتاج قادة تكنولوجيا المعلومات إلى اتخاذ قرارات تتجاوز تطوير البرمجيات. على سبيل المثال، يتطلب تبني الروبوتات الآن تنسيقاً بين أقسام تكنولوجيا المعلومات والعمليات والسلامة وتخطيط القوى العاملة، إلى جانب سياسات حوكمة واضحة للأنظمة المستقلة.

إذن وفي عام 2026، من المتوقع أن يكون الذكاء الاصطناعي المُجسّد أحد أبرز المؤشرات على انتقال الذكاء الاصطناعي من مرحلة التجريب إلى العمليات اليومية.

استعدادات عام 2026

والآن، ما الذي يجب على المؤسسات الاستعداد له خلال عام 2026؟ الواضح أن الذكاء الاصطناعي لم يعد محصوراً في المشروعات التجريبية أو الأدوات المستقلة. ويجري نشر أنظمة الذكاء الاصطناعي عبر تطبيقات الأعمال الأساسية والبنية التحتية السحابية والعمليات المادية.

ومن المتوقع أن يضطلع الذكاء الاصطناعي الوكيل بمهام عبر منصات متعددة، وستعمل أحمال عمل الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع في بيئات الإنتاج السحابية، وستعمل الأنظمة الآلية جنباً إلى جنب مع القوى العاملة البشرية في الخدمات اللوجيستية والتصنيع.

وسيتولى الذكاء الاصطناعي الوكيل تنفيذ المهام عبر منصات متعددة، وستعمل أحمال عمل الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع في بيئات الإنتاج السحابية، وستعمل الأنظمة الآلية جنباً إلى جنب مع القوى العاملة البشرية في الخدمات اللوجيستية والتصنيع. ولدعم هذا التحول، ستحتاج المؤسسات إلى حوكمة قابلة للتنفيذ لمجال الذكاء الاصطناعي، وبنية تحتية إنتاجية، وملكية واضحة، وضوابط يمكن أن تتماشى مع ظروف العالم الحقيقي.


مقالات ذات صلة

دراسة: الرموز التعبيرية في المحادثات تربك فهم الذكاء الاصطناعي

تكنولوجيا الوجوه التعبيرية النصية البسيطة قد تُسبب التباساً دلالياً لدى نماذج اللغة الكبيرة ما يؤدي إلى فهم خاطئ لنية المستخدم (شاترستوك)

دراسة: الرموز التعبيرية في المحادثات تربك فهم الذكاء الاصطناعي

دراسة علمية تكشف عن أن الرموز التعبيرية النصية قد تُربك نماذج الذكاء الاصطناعي مسببة أخطاء صامتة تؤثر على دقة الفهم والقرارات الآلية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا أظهر النموذج الأولي تطابقاً في البصمة بنسبة تفوق 98 % ما يضمن توثيقاً مستقراً وموثوقاً (شاترستوك)

تقنية توثيق بشرائح ذات بصمة مشتركة من دون خوادم خارجية

باحثو «MIT» يطوّرون تقنية تمكّن شريحتين من توثيق بعضهما ببصمة سيليكون مشتركة دون تخزين مفاتيح خارجية لتعزيز الأمان والكفاءة.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الفرق عالية الأداء تتفوق بفضل الاستثمار المنهجي في الذكاء الاصطناعي والشراكات والتخطيط البيعي (رويترز)

«سيلزفورس»: 9 من كل 10 فرق مبيعات تتجه إلى وكلاء الذكاء الاصطناعي

تقرير «سيلزفورس» يكشف تسارع تبنّي وكلاء الذكاء الاصطناعي في المبيعات، لرفع الإنتاجية، وتحسين البيانات، ودعم نماذج تسعير مرنة لتحقيق النمو.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تطبيقات ذكاء اصطناعي متخصصة للتعامل مع البريد الإلكتروني

كيف تتحول الفوضى الرقمية إلى أداة إنتاجية متقدمة؟

في عصرنا الرقمي، تحول البريد الإلكتروني من وسيلة للتواصل إلى عبء يومي ثقيل. وبالنسبة للكثيرين،

خلدون غسان سعيد (جدة)
تكنولوجيا توليفة مناسبة الثمن لتوصيل "آيبود" بكابل منج قبل 15 عاما بجهاز كومبيوتر بمنافذ "يو اس بي" صغيرة

كيف تتعامل مع العشرات من الأجهزة القديمة؟

أطاحت الجوالات الذكية بمشغلات الموسيقى الرقمية والكاميرات وألقتها جانباً بشكل كبير. ومع ذلك، لا يزال كثير من الناس يحتفظون بتلك الاجهزة مخبأة في مكان ما.

جيه دي بيرسدورفر (نيويورك)

ما هي محاذير ومخاطر الجسيمات الميكروبلاستيكية في فرشاة الأسنان؟

ما هي محاذير ومخاطر الجسيمات الميكروبلاستيكية في فرشاة الأسنان؟
TT

ما هي محاذير ومخاطر الجسيمات الميكروبلاستيكية في فرشاة الأسنان؟

ما هي محاذير ومخاطر الجسيمات الميكروبلاستيكية في فرشاة الأسنان؟

* س: أحاول تقليل تعرضي للجسيمات البلاستيكية الدقيقة (دقائق الميكرو بلاستيك microplastics)... ما مدى القلق بشأن منتجات العناية بالأسنان؟

- ج: يكاد يكون من المستحيل تجنب الجسيمات البلاستيكية الدقيقة تماماً. تُبتلع هذه الجسيمات البلاستيكية الصغيرة وتُستنشق وتُمتص بانتظام من بيئتنا، وقد وُجدت في قلوبنا وأدمغتنا وأعضاء أخرى، كما كتب سيمار باجاج (*).

القناني والعلب البلاستيكية

تُعدّ القناني البلاستيكية وألواح التقطيع وعلب الطعام من المصادر المعروفة لهذه الجسيمات، لكن الباحثين يكتشفون بشكل متزايد أن منتجات العناية بالأسنان - مثل فرشاة الأسنان وخيط تنظيف الأسنان - قد تُطلق جسيمات بلاستيكية دقيقة أيضاً.

إخلال بالتوازن الميكروبي للفم

يتكهن بعض الباحثين بأن الجسيمات البلاستيكية الدقيقة قد تُخلّ بالتوازن الميكروبي للفم، وتُسبب التهابات، وتُتلف الحمض النووي. لكن ليس من الواضح كمية الجسيمات التي تُطلقها منتجات العناية بالأسنان فعلياً، أو ما إذا كان التعرض لها يُؤدي إلى مشاكل صحية خطيرة، كما يقول الدكتور بابانايا بينوغوندا، طبيب الأسنان في جامعة نيويورك.

يؤكد الخبراء على أهمية تنظيف الأسنان بالفرشاة والخيط للحفاظ على صحة الفم، وينصحون بالتركيز على مصادر التلوث المعروفة، مثل غبار المنزل والأقمشة الصناعية وأدوات المطبخ البلاستيكية، في حال القلق بشأن الجسيمات البلاستيكية الدقيقة. كما يقدمون بعض النصائح للحد من التعرض لها.

فرش ومعاجين الأسنان

* لماذا تُطلق منتجات الأسنان جزيئات بلاستيكية دقيقة؟

- معظم منتجات الأسنان اليومية مصنوعة من البلاستيك. ففرش الأسنان غالباً ما تستخدم شعيرات من النايلون، وخيط تنظيف الأسنان عبارة عن خيط بلاستيكي. وتقول الدكتورة فيديريكا دي سبيريتو، جراحة الفم في جامعة ساليرنو بإيطاليا، إن الاحتكاك الناتج من تنظيف الأسنان بالفرشاة والخيط قد يترك جسيمات أو أليافاً دقيقة في الفم.

أما بالنسبة لمعجون الأسنان وغسول الفم، فيكمن القلق في عبواتهما. فالأنابيب والقناني البلاستيكية تُصنع عادةً بتسخين البلاستيك وتشكيله؛ ما قد يؤدي إلى تسرب الجسيمات البلاستيكية الدقيقة إلى داخلها، كما يقول سانجاي موهانتي، مهندس البيئة في جامعة كاليفورنيا، لوس أنجليس. (وتجدر الإشارة إلى أن الكثير من معاجين الأسنان كانت تحتوي على حبيبات بلاستيكية دقيقة، وهي كرات صغيرة تُستخدم لتنظيف وتلميع الأسنان، ولكن تم حظرها في الولايات المتحدة عام 2015).

احتمالات التسرب

ومع ذلك، لا يستطيع الباحثون الجزم ما إذا كانت منتجات الأسنان مصدراً رئيسياً للجزيئات البلاستيكية الدقيقة، مقارنةً بمصادر أخرى، كما أوضحت دي سبيريتو. وأضافت أنه من الناحية النظرية، يمكن أن تدخل هذه الجسيمات إلى الجسم عبر شقوق صغيرة في اللثة، أو من خلال مرورها عبر أنسجة الفم، أو ببساطة عن طريق البلع. ولكن من غير الواضح مدى حدوث ذلك فعلياً، أو ما إذا كان معظمها يُبصق.

وقال موهانتي: «مجرد إطلاق الجزيئات البلاستيكية الدقيقة لا يعني بالضرورة دخولها إلى أجسامنا».

بدائل غير مريحة

* هل توجد بدائل غير بلاستيكية؟

- لا يُوصي الخبراء عموماً بفرشاة أسنان أو خيط تنظيف أسنان أو معجون أسنان أو غسول فم مُحدد للحد من التعرض للجسيمات البلاستيكية الدقيقة. قال الدكتور ديميتريوس ميكيلوجياناكيس، اختصاصي تقويم الأسنان في جامعة روتشستر، إنه لم تُجرَ أي اختبارات دقيقة حول كمية المواد التي تُطلقها منتجات الأسنان المختلفة.

وتختلف البدائل غير البلاستيكية في التكلفة والراحة والأداء. فعلى سبيل المثال، يُمكن اختيار مقابض من الخيزران لفرش الأسنان؛ ما يُقلل من النفايات البلاستيكية، ولكنه لا يُغير شيئاً في بيئة الفم. وأضاف ميكيلوجياناكيس أن بعض فرش الأسنان تستخدم شعيرات من شعر الخنزير البري، إلا أنها قد تكون قاسية؛ ما قد يُسبب تلفاً للثة، كما أنها لا تجف جيداً، ما يُزيد من خطر نمو البكتيريا.

ويستخدم البعض أيضاً خيط تنظيف الأسنان الحريري، ولكن في إحدى الدراسات التي قارنته بثلاثة أنواع من خيوط التنظيف البلاستيكية، صُنِّف الخيط الحريري بأنه الأقل راحةً في الاستخدام، والأكثر عرضةً للتلف والتمزق.

وتُباع غسولات الفم ومعجون الأسنان أحياناً على شكل أقراص قابلة للذوبان أو في أنابيب ألمنيوم وقنان زجاجية. وقد يُساعد هذا في تقليل التعرّض للجسيمات البلاستيكية الدقيقة، لكن الخبراء لم يتمكنوا من تحديد مقدار هذا التقليل أو ما إذا كان يستحق التكلفة المرتفعة في كثير من الأحيان.

خطوات مفيدة

* ما العمل لتقليل التعرّض للجسيمات البلاستيكية الدقيقة؟

- أكّد دي سبيريتو أن فوائد تنظيف الأسنان بالفرشاة والخيط - كالوقاية من التسوس وأمراض اللثة وحتى فقدان الأسنان - راسخة، بينما لا تزال مخاطر الجسيمات البلاستيكية الدقيقة من منتجات الأسنان غير معروفة؛ لذا:

+ استمر في إعطاء الأولوية لنظافة أسنانك، ولكن يمكنك أيضاً التفكير في بعض التغييرات البسيطة التي قد تُقلّل من تعرّضك لها، على الرغم من محدودية الأبحاث في هذا المجال.

+ نظّف أسنانك بالفرشاة والخيط برفق. يقول ميكيلوجياناكيس: «كن دقيقاً ولكن لطيفاً؛ لأن الحركات الخشنة والقوية قد تُلحق الضرر باللثة وتُخلّف المزيد من الجسيمات البلاستيكية الدقيقة». ولتحقيق ذلك، قد يُساعد استخدام فرشاة أسنان ذات شعيرات ناعمة. وعند استخدام خيط الأسنان، أدخل الخيط، ولفّه حول سنّ واحد، وحرّكه برفق لأعلى ولأسفل، ثم كرّر العملية على السنّ المجاور.

استبدال الفرشاة وغسل الفم

+ استبدل فرشاة أسنانك بانتظام. تتلف شعيرات البلاستيك مع مرور الوقت؛ لذا استبدل فرشاة أسنانك كل ثلاثة إلى أربعة أشهر على الأقل، أو قبل ذلك إذا لاحظتَ تآكلها أو تباعدها، كما ذكر ميكيلوجياناكيس. تجنّب الشمس والحرارة. يمكن أن تتحلل المواد البلاستيكية بشكل أسرع عند تعرضها للأشعة فوق البنفسجية ودرجات الحرارة العالية، كما ذكر موهانتي. لذا؛ احفظ منتجات العناية بالأسنان بعيداً عن أشعة الشمس المباشرة، وتجنّب تنظيف فرشاة أسنانك باستخدام الأشعة فوق البنفسجية أو الماء الساخن جداً. (الماء الدافئ أو البارد مناسب تماماً، كما ذكر ميكيلوجياناكيس).

+ ابصق جيداً. بعد تنظيف أسنانك بالفرشاة أو الخيط، ابصق أي معجون أسنان أو بقايا. لا ينصح أطباء الأسنان عادةً بالمضمضة بعد تنظيف الأسنان بالفرشاة؛ لأنك تريد أن يبقى الفلوريد الموجود في معجون الأسنان على أسنانك. لكن المضمضة بقليل من الماء - مثل رشفة من يدك - قد تساعد في إزالة بقايا الأوساخ أو الجسيمات البلاستيكية الدقيقة، كما ذكر موهانتي. يمكنك تجربة بعض هذه التعديلات، لكن لا داعي للقلق المفرط. يقول دي سبيريتو: «الرسالة الأساسية هي إدارة المخاطر بدلاً من الذعر».

* خدمة «نيويورك تايمز»


اختراق علمي: «جين أناني» يتحكم في جنس الأجنة

اختراق علمي: «جين أناني» يتحكم في جنس الأجنة
TT

اختراق علمي: «جين أناني» يتحكم في جنس الأجنة

اختراق علمي: «جين أناني» يتحكم في جنس الأجنة

أجرى علماء دراسة أولية لعائلة من ولاية يوتا في الولايات المتحدة أنجبت ضعف عدد الذكور مقارنة بالإناث لسبعة أجيال متتالية بنسبة تجاوزت 2 إلى 1 (60 ذكراً مقابل 29 أنثى).

تحليل قاعدة أنساب

وبتحليل قاعدة بيانات أنساب تضم أكثر من 76 ألف فرد، لم تجتز هذه الاختبارات الإحصائية الدقيقة سوى عائلة واحدة من بين أكثر من 26 ألف سلالة أبوية. ويعتقد باحثون من جامعة يوتا أنهم كشفوا السبب وراء هذه الظاهرة الفريدة.

«جين أناني» في الكروموسوم الذكري

وأرجع العلماء ذلك إلى وجود «جين أناني» نادر على الكروموسوم الذكري «واي» Y يعمل على تشويه النسبة الجنسية لصالح الذكور. ويشير العلماء إلى أن هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها العثور على دليل واضح على وجود مثل هذه الجينات المُشوّهة للنسبة الجنسية لدى البشر، وهي ظاهرة كانت موثقة سابقاً فقط في حيوانات المختبر، مثل الفئران والذباب.

وتقول نيتين فادنيس من كلية العلوم البيولوجية جامعة يوتا المؤلفة المشاركة في قيادة دراسة أولية (preprint) نشرت على منصة «bioRxiv» في 4 فبراير (شباط) 2026 إن هذا أول دليل واضح على أن البشر قد يحملون «جينات أنانية» تشوه النسبة الجنسية.

مُشوهات النسبة الجنسية بين النظرية والتطبيق

إن مُشوهات النسبة الجنسية هذه موثقة جيداً في حيوانات المختبر مثل الفئران والذباب، حيث تتحيز في انتقالها إلى الأجيال المقبلة بغض النظر عما إذا كانت تُحسّن اللياقة البيولوجية للفرد. ومع ذلك فإن فترات الأجيال الطويلة وانخفاض معدلات المواليد والقيود الأخلاقية في البشر جعلت من الصعب للغاية اكتشافها.

كيف يعمل الجين الأناني؟

وركّز الباحثون على المشوهات المرتبطة بالكروموسوم «واي» لأنها أكثر قابلية للتتبع في بيانات الأنساب، إذ يُحدد الجنس البيولوجي عند البشر بواسطة الكروموسوم الذي ينقله الأب، فالحيوانات المنوية التي تحمل كروموسومات «واي» تنتج ذكوراً «إكس واي» (XY) بينما تلك التي تحمل كروموسومات «إكس» X الأنثوي تنتج إناثاً (XX) «إكس إكس». ومن الناحية النظرية يمكن لمُشوّه على الكروموسوم «واي» أن يعطل الحيوانات المنوية الحاملة للكروموسوم «إكس» ما يعطي ميزة تنافسية للحيوانات المنوية الحاملة للكروموسوم «واي» .

آراء متباينة في الأوساط العلمية

وتقول بولي كامبل عالمة الأحياء التطورية في جامعة كاليفورنيا التي لم تشارك بالدراسة لكنها أشادت بمنهجيتها: «لا نتوقع عادةً أن يكون تشويه النسبة الجنسية مرئياً في التجمعات الطبيعية. من الرائع حقاً رؤيته».

ومع ذلك قوبلت النتائج التي لم تخضع بعد لمراجعة الأقران ببعض الشكوك. فقد شككت وين ماير عالمة الوراثة السكانية في جامعة ليهاي بنسلفانيا بالولايات المتحدة في ما إذا كانت التفسيرات البديلة قد تم استبعادها تماماً. فالممارسات الثقافية أو عدم الإبلاغ عن المواليد الإناث أو حتى تقنيات الإنجاب الحديثة مثل التلقيح الاصطناعي مع اختيار جنس الجنين يمكن أن تفسر هذا الخلل في النسبة.

الحاجة إلى مزيد من الأدلة

اقترح جيانتشي تشانغ عالم الوراثة في جامعة ميشيغان أن فحص نسل الأقارب الإناث قد يوفر اختباراً حاسماً. فإذا أنجبت النساء في العائلة اللواتي لا يحملن المُشوّه المرتبط بالكروموسوم «واي» نسباً جنسية متوازنة فسيتم تعزيز الفرضية الجينية. لكن لسوء الحظ لم يتم تضمين هذه البيانات في التحليل الحالي.

دفاع الباحثين عن فرضيتهم

يعترف باحثو يوتا بهذه القيود لكنهم يدافعون عن نتائجهم. وأشار المؤلف المشارك جيمس بالدوين - براون من كلية العلوم البيولوجية بجامعة يوتا إلى أن السجلات التاريخية لا تظهر أي دليل على وأد البنات أو المجاعة أو المشقات القاسية التي قد تفسر هذا النمط. كما أن تعدد الزوجات الذي كان شائعاً في يوتا ذات يوم لا يبدو مرجحاً لتفسير هذا الاتجاه الثابت عبر أجيال متعددة.

الخطوات المقبلة في الأبحاث

يسعى الفريق الآن إلى فهم الآليات الجزيئية الكامنة وراء هذا المُشوّه المحتمل. ففي الفئران تؤثر جينات مماثلة على حركة الحيوانات المنوية وقابليتها للحياة. كما يقوم مختبر فادنيس بتطوير أدوات مبتكرة لدراسة الحيوانات المنوية البشرية على نطاق واسع بما في ذلك جهاز أطلقوا عليه اسم «حلبة سباق الحيوانات المنوية» sperm racetrack لمراقبة كيفية تنافس الحيوانات المنوية المختلفة في الإخصاب.

آفاق مستقبلية واعدة

إذا تم تأكيد هذا الاكتشاف فلن يقتصر الأمر على التحقق من صحة التنبؤات النظرية بوجود مُشوهات النسبة الجنسية لدى البشر، بل قد يفتح أيضاً آفاقاً جديدة لفهم العقم وبيولوجيا التكاثر. وقد يفسر حتى السلالات العائلية الأخرى التي تعاني من تحيزات غير مفسرة نحو جنس واحد.

في الوقت الحالي تظل عائلة يوتا مجهولة الهوية وسرها الجيني محفوظ بموجب حماية قواعد البيانات، لكن النسب غير العادي يقدم لمحة آسرة عن الطرق الخفية والأنانية أحياناً التي تُشكّل بها جيناتنا الجيل المقبل ذكراً تلو الآخر.


«وكلاء الذكاء الاصطناعي» يغزون أميركا

«وكلاء الذكاء الاصطناعي» يغزون أميركا
TT

«وكلاء الذكاء الاصطناعي» يغزون أميركا

«وكلاء الذكاء الاصطناعي» يغزون أميركا

يعيش الأميركيون في عوالم متوازية للذكاء الاصطناعي، فبالنسبة لمعظم البلاد، أصبح الذكاء الاصطناعي مرادفاً لـ«تشات جي بي تي»، ولتطبيق «غوغل إيه آي اوفرفيو». وفي الوقت نفسه، ينجذب هواة التكنولوجيا إلى هذه البرامج الروبوتية التي تعمل لساعات متواصلة، مُختصرةً شهوراً من العمل إلى أسابيع.

الوكيل الذكي المتخصص

وحديثاً، بدأ المزيد من الناس في تجربة أدوات مثل «كلود كود» Claude Code، المنتج الذي طوَّرته شركة «أنثروبيك» الناشئة، بصفتها «وكيلاً»، أي أنه قادر على القيام بجميع أنواع العمل التي قد يقوم بها الإنسان على جهاز كمبيوتر.

ويختبر بعض الأكاديميين قدرة «كلود كود» – وهو تطبيق خُصص بالأساس للمبرمجين - على إنشاء وتأليف أوراق بحثية تلقائياً؛ بينما يستخدمه آخرون في أبحاث علم الأحياء. ويجري الصحافيون تجارب عليه لكتابة مقالات تعتمد على البيانات. وفي وقت سابق من هذا الشهر، استخدم اثنان منهم البرنامج لإنشاء منافس وهمي لموقع «مونداي.كوم» Monday.com، وهي شركة برمجيات عامة تبلغ قيمتها مليارات الدولارات. وفي أقل من ساعة، كان لديهم نموذج أولي يعمل.

ورغم أن الجودة الفعلية لجميع هذه الأوراق والتحليلات المولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي لا تزال غير واضحة، فإن التقدم مذهل ومثير للقلق في آن واحد. ويقول دين بول، وهو زميل بارز في مؤسسة الابتكار الأميركية: «بمجرد أن يتمكن الكمبيوتر من استخدام الكمبيوترات الأخرى، فإن المنافسة ستنطلق».

وحتى مع تطور الذكاء الاصطناعي، لم تنتشر أكثر البرامج الروبوتية تطوراً على نطاق واسع بعد. فعلى عكس «جي بي تي» الذي يوفر نسخة مجانية، فإن الأدوات الآلية مثل «كلود كود» أو «كوديكس» Codex من«أوبن إيه آي» عادةً ما تعمل عند دفع الأجور، وقد يكون إعدادها معقداً.

ليس من الواضح دائماً كيفية توجيه روبوتات الدردشة الذكية على النحو الأمثل: فقد يُنشئ المستخدم المُتمرس فرقاً من الروبوتات تتواصل فيما بينها أثناء العمل، بينما قد لا يُدرك المستخدم المبتدئ وجود مثل هذه الإمكانات أصلاً.

برامج لعموم المستخدمين

يتسابق قطاع التكنولوجيا الآن لتطوير نسخ أكثر سهولة من هذه المنتجات لعامة المستخدمين. ففي الشهر الماضي، أطلقت شركة «أنثروبيك» نسخة مدفوعة جديدة من برنامج «كلود كود» مُصممة للمستخدمين غير التقنيين. كما كشفت عن نموذج جديد لجميع المستخدمين، يُقدم، من بين أمور أخرى، «قدرات تُضاهي القدرات البشرية في مهام مثل التعامل مع جداول البيانات المُعقدة». في الوقت نفسه، أعلنت شركة «أوبن إيه آي» أخيراً عن نسخة جديدة من برنامج «كودكس»، الذي تدّعي الشركة أنه قادر على فعل أي شيء تقريباً «يُمكن للمحترفين فعله على الكمبيوتر». مع ازدياد شهرة هذه المنتجات، يبدو أن الناس يُدركون فجأة أن الذكاء الاصطناعي يُقدم أكثر بكثير من مجرد كتابة نصوص تسويقية وتقديم محادثات ودية. لقد بدأ عصر ما بعد روبوتات الدردشة.

قد تبدو أدوات مثل «تشات جي بي تي» و«جيميني» قوية بما يكفي في حد ذاتها. في الواقع، اكتسبت روبوتات الدردشة الكثير من الميزات الجديدة الرائعة خلال السنوات القليلة الماضية. أصبحت هذه البرامج الآن تمتلك ذاكرةً تُمكّنها من الرجوع إلى المحادثات السابقة، واستخدام تقنية تُسمى الاستدلال لإنتاج ردود أكثر تطوراً. فبينما كانت برامج الدردشة الآلية القديمة قادرة على استيعاب بضعة آلاف من الكلمات في المرة الواحدة، باتت اليوم قادرة على تحليل ملفات بحجم كتاب، بالإضافة إلى معالجة وإنتاج الصور والفيديوهات والتسجيلات الصوتية.

البرمجيات: تنفيذ سريع

لكن كل هذا يتضاءل أمام صعود الأدوات الذكية. لنأخذ هندسة البرمجيات مثالاً، حيث أثبتت هذه الأدوات قدرتها التحويلية بشكل خاص. أصبح من الشائع الآن أن يُسلّم المهندسون التعليمات إلى برنامج آلي مثل «كلود كود» أو «كوديكس» ويتركون له مهمة التنفيذ. ولأن البرامج الآلية غير مقيدة بالقدرات البشرية، يُمكن للمبرمج تشغيل جلسات عدة في وقت واحد، تعمل كل منها على جوانب مختلفة من المشروع.

وقد كتب مبرمج الكمبيوتر سالفاتور سانفيليبو في مقال انتشر أخيراً: «بشكل عام، بات من الواضح الآن أنه بالنسبة لمعظم المشاريع، لم يعد من المنطقي كتابة الكود بنفسك». وأشار سانفيليبو إلى أنه في غضون ساعات قليلة فقط، أنجز مهام عدة كانت تستغرق أسابيع في السابق. كما صرح الرئيس التنفيذي لشركة «مايكروسوفت» بأن ما يصل إلى 30 في المائة من البرمجيات تُكتب حالياً بواسطة الذكاء الاصطناعي، ويتوقع كبير المسؤولين التقنيين في الشركة أن تصل هذه النسبة إلى 95 في المائة على مستوى القطاع بحلول نهاية العقد. وتشير تقارير شركة «أنثروبيك» بالفعل إلى أن ما يصل إلى 90 في المائة من برمجيات الشركة مُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي.

«جائحة» الذكاء الاصطناعي

بدأ بعض المبرمجين بالتحذير من أن تطورات مماثلة قد تُهدد جميع أنواع العمل المعرفي. ففي الأسبوع الماضي، شبّه مات شومر، الرئيس التنفيذي لشركة متخصصة في الذكاء الاصطناعي، الوضع الحالي للذكاء الاصطناعي ببدايات جائحة «كوفيد - 19»، عندما كان معظم الأميركيين لا يزالون غافلين عن الجائحة الوشيكة. وكتب شومر: «كان جعل الذكاء الاصطناعي بارعاً في البرمجة هو الاستراتيجية التي تُمهد الطريق لكل شيء آخر». وأضاف: «إن التجربة التي خاضها العاملون في مجال التكنولوجيا خلال العام الماضي، بمشاهدة الذكاء الاصطناعي ينتقل من كونه (أداة مفيدة) إلى كونه (يؤدي عملي بشكل أفضل مني)، هي التجربة التي سيخوضها الجميع قريباً». وحظيت مقالته بأكثر من 80 مليون مشاهدة، وقد كُتبت جزئياً باستخدام الذكاء الاصطناعي.

وفي الأسبوع الماضي، توقع رئيس قسم الذكاء الاصطناعي في «مايكروسوفت» أن يقوم الذكاء الاصطناعي بأتمتة «معظم، إن لم يكن كل» مهام العمل المكتبي في غضون 18 شهراً.

ليس من الواضح بعد مدى رسهولة تطبيق التقدم في أدوات الذكاء الاصطناعي على مجالات أخرى. فالبرمجة مجالٌ ملائمٌ للأتمتة: إما أن تعمل البرامج أو لا تعمل. أما تحديد ما يُعدّ مقالاً جيداً، على سبيل المثال، فهو مهمةٌ أكثر تعقيداً، وتتطلب قدراً أكبر من التمييز البشري. ورغم أن أدوات الذكاء الاصطناعي غالباً ما تتفوق في الأعمال المعقدة، مثل تجميع كميات هائلة من النصوص، فإنها تُعاني في القيام بأمر بسيط كنسخ ولصق النصوص. ولأنها قويةٌ جداً، فقد تكون خطيرةً أيضاً عند ارتكابها الأخطاء. ومع أن الذكاء الاصطناعي لم يصل بعد إلى مستوى المحلل المالي أو المهندس المعماري العالمي، فقد تطورت برامج الروبوت البرمجية إلى درجة تمكنها من المساعدة في جميع أنواع الأعمال المعرفية.

ترويج يفشل في إقناع الجمهور

وعلى الرغم من روعة أدوات الذكاء الاصطناعي الحالية، فإنه قد يستغرق وقتاً طويلاً قبل أن تصبح آمنة وموثوقة بما يكفي للاستخدام الواسع. حتى مع استمرار التطور السريع للقدرات التقنية، يبقى العالم الحقيقي معقداً ومليئاً بالتحديات.

لقد بذلت شركات التكنولوجيا جهوداً جبارة لإقناع المستثمرين بضخّ الأموال في أعمالها، لكنّ القطاع نفسه فشل فشلاً ذريعاً في إقناع الجمهور برؤيته. فبدلاً من التركيز على الفوائد الملموسة لأنظمة الذكاء الاصطناعي، أمضى وادي السيليكون سنوات في الترويج لهذه التقنية بأسلوبٍ مُبالغ فيه، مُقدّماًً تقارير أعمالٍ تُشبه الخيال العلمي.

في إحدى المقالات المؤثرة، كتب داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك»، أن الذكاء الاصطناعي القوي قد يقضي قريباً على معظم أنواع السرطان، وعلى جميع الأمراض المعدية تقريباً. وفي مقالٍ آخر، حذّر فريقٌ من الباحثين من أن الذكاء الاصطناعي المارق قد يُطلق، خلال عقدٍ من الزمن، أسلحةً بيولوجية، مُبيداً بذلك البشرية جمعاء تقريباً. صحيحٌ أن الروبوتات القادرة على التعامل مع جداول البيانات وأتمتة البرمجة قد لا تُصنّف ضمن الذكاء الخارق، إلا أنها لا تزال تتمتع بقدراتٍ هائلة. وإذا كان عامة الناس لا يزالون في حيرةٍ من أمرهم بشأن القدرات الحقيقية للذكاء الاصطناعي، فإن وادي السيليكون لا يلوم إلا نفسه.

* «ذا أتلانتيك أونالاين»

- خدمات «تريبيون ميديا»