ماهي أبرز توقعات الذكاء الاصطناعي لعام 2026؟

تغييرات كبرى تعيد صياغة تكنولوجيا المعلومات المؤسسية

ماهي أبرز توقعات الذكاء الاصطناعي لعام 2026؟
TT

ماهي أبرز توقعات الذكاء الاصطناعي لعام 2026؟

ماهي أبرز توقعات الذكاء الاصطناعي لعام 2026؟

خلال السنوات القليلة الماضية، أثبت الذكاء الاصطناعي جدواه. لذا يتوقع كثير من المؤسسات أن يثبت الذكاء الاصطناعي جدارته بالثقة في عام 2026. وبعد سنوات من التجارب والمشروعات التجريبية، ينتقل الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة الاضطلاع بأدوار دائمة في أقسام تكنولوجيا المعلومات داخل المؤسسات.

كما تتحول بؤرة التركيز من العروض التوضيحية المبهرة اليوم إلى الاضطلاع بمهام العمل اليومي على نحو موثوق به. وبالفعل، بدأت الأنظمة الوكيلة في التعامل مع مهام حقيقية، في الوقت الذي تنتقل إدارة الذكاء الاصطناعي من أقسام تكنولوجيا المعلومات إلى دوائر المناقشات داخل مجالس الإدارة. ومع ذلك، تجابه الشركات قيوداً تتعلق بالقدرة على التوسع، بما في ذلك تكاليف الطاقة والظروف الجيوسياسية.

ومع وضع ذلك في الاعتبار، طرحت مجلة «إي ويك» الإلكترونية أهم توقعاتها بشأن الذكاء الاصطناعي خلال عام 2026 على لسان كيزيا جونغكو الخبيرة في تقنية المعلومات.

الذكاء الاصطناعي الوكيل والحوكمة

• الذكاء الاصطناعي الوكيل يحل محل أدوات المساعدة الذكية الحالية. اليوم، يحل الذكاء الاصطناعي الوكيل محل الأدوات الذكية الأولى. وبذلك، تُفسح تلك الأدوات التي تجيب عن الأسئلة أو تُنشئ المحتوى، المجال أمام أنظمة الذكاء الاصطناعي الوكيل القادرة على بدء المهام وإدارة سير العمل.

وقد حددت شركة «مايكروسوفت» التوجّه العام لها في هذا الإطار بإعلانها عام 2025 بداية التعاون بين الإنسان والآلة الوكيلة، وأطلقت بالفعل أدوات مساعدة قادرة على البحث عن المعلومات، وإنجاز مهام مثل الجدولة والتدريب. ويشير هذا إلى الوجهة التي سيتخذها مجال الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات خلال الفترة المقبلة.

وبحسب «مؤشر اتجاهات العمل لعام 2025»، الصادر عن «مايكروسوفت»، يتوقع 81 في المائة من قادة الأعمال دمج أنظمة الذكاء الاصطناعي الوكيل بشكل كامل في خططهم الاستراتيجية على مدار الـ12 إلى الـ18 شهراً المقبلة. كما أشارت «مايكروسوفت» في تقرير توقعاتها لعام 2026 إلى أن وكلاء الذكاء الاصطناعي سينتشرون على نطاق واسع، وسيضطلعون بدور أكبر في العمل اليومي، ليصبحوا بذلك أقرب إلى أعضاء الفريق منهم إلى مجرد أدوات تجري الاستعانة بها.

ومن المتوقع أن تستعين المؤسسات بوكلاء الذكاء الاصطناعي بقوة أكبر في عام 2026، خاصة في المجالات التي يمكن أن تُسهم فيها الأتمتة في خفض تكاليف التشغيل. وعلى عكس أدوات المساعدة التقليدية التي تنتظر التوجيهات، تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي الوكيل جدولة العمل، وتوجيه طلبات الخدمة، والتنسيق بين مختلف المنصات، مع تدخل بشري محدود.

وبذلك يتحول الذكاء الاصطناعي إلى زميل عمل رقمي، بدلاً من كونه مجرد أداة إنتاجية، الأمر الذي يثير تساؤلات جديدة حول الصلاحيات والمساءلة وآليات التصعيد، عندما تعمل الأنظمة بشكل مستقل.

• حوكمة الذكاء الاصطناعي المنظم تتحول لمطلب أساسي داخل المؤسسات. مع تحول حوكمة الذكاء الاصطناعي المنظمة إلى مطلب أساسي للمؤسسات، ومع تأثير أنظمة الذكاء الاصطناعي على تفاعلات العملاء وقرارات التوظيف والنتائج التشغيلية، لم يعد الإشراف غير الرسمي كافياً.

في هذا الإطار، كشف استطلاع أجرته شركة «غريدينت فلو» عام 2025 أن 75 في المائة من المؤسسات لديها بالفعل سياسات رسمية للذكاء الاصطناعي، تُحدد الاستخدامات المقبولة والمحظورة - رقم أكده 74 في المائة من القادة بالمجال التكنولوجي. والملاحظ تفاوت نسبة تبني هذه السياسات حسب حجم الشركة، مع إقرار 81 في المائة من الشركات المتوسطة و77 في المائة من الشركات الكبيرة بوجود سياسات للذكاء الاصطناعي، مقارنة بـ55 في المائة من الشركات الصغيرة.

مع ذلك، فإن وجود السياسات لا تجري ترجمته دوماً إلى تطبيق متسق. ففي الكثير من المؤسسات، تُستخدم إرشادات الذكاء الاصطناعي باعتبارها وثيقة مرجعية، أكثر من كونها ضوابط تشغيلية. ومع توسع نطاق الذكاء الاصطناعي الوكيل واتخاذ القرارات على نحو آلي، تتعرض المؤسسات لضغوط متزايدة لترجمة السياسات إلى إجراءات عمل قابلة للتنفيذ، وضوابط تكنولوجية، واستراتيجية مساءلة واضحة.

ويدفع الضغط التنظيمي المؤسسات نحو الانتقال من السياسات المكتوبة إلى الضوابط القابلة للتنفيذ. على سبيل المثال، سيدخل قانون الذكاء الاصطناعي التاريخي للاتحاد الأوروبي حيز التنفيذ الكامل في أغسطس (آب) 2026، ما يمثل علامة فارقة بمجال حوكمة الذكاء الاصطناعي. وسيفرض هذا القانون التزامات على الأنظمة عالية المخاطر عام 2026، في حين أن ضوابط التصدير والقواعد المرتبطة بقطاعات بعينها تصيغ بالفعل شكل تصميم الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات.

الإنفاق وتعزيز السيادة الرقمية

• تزايد الإنفاق على الحوسبة السحابية المدعومة بالذكاء الاصطناعي. الإنفاق على الحوسبة السحابية المدعومة بالذكاء الاصطناعي يتسارع مع توسع نطاق عمليات الاستعانة بأنظمة الذكاء الاصطناعي الوكيل. الحقيقة أن الذكاء الاصطناعي يقود مرحلة جديدة من نمو الحوسبة السحابية، لكن النمو يرتبط هذه المرة، بأحمال العمل الإنتاجية، بدلاً من التجارب.

وتتوقع مؤسسة «غارتنر» أن يصل إجمالي الإنفاق العالمي على تكنولوجيا المعلومات إلى 6.08 تريليون دولار أميركي عام 2026، بزيادة قدرها 9.8 في المائة عن عام 2025، في الوقت الذي تقود الخدمات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي هذا الطلب. ومع انتقال المؤسسات إلى استخدام النماذج في عملياتها اليومية، يُبلغ مزودو خدمات الحوسبة السحابية عن تزايد الطلب على منصات تدريب الذكاء الاصطناعي والاستدلال والبيانات.

ومع تسارع الإنفاق على الحوسبة السحابية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، تواجه المؤسسات ضغوطاً متزايدة لتحقيق التوازن بين الأداء والتكلفة والاعتماد على الموردين. وينبغي أن تكون قرارات البنية التحتية المتخذة خلال هذه المرحلة استراتيجية، بحيث تُحدد تكاليف التشغيل على المدى الطويل، وتُمكّن المؤسسة من المنافسة بفاعلية مع ازدياد أهمية الذكاء الاصطناعي في عملياتها التجارية.

• السيادة الرقمية تعيد صياغة بيئة تشغيل الذكاء الاصطناعي. بوجه عام، تعيد السيادة الرقمية تشكيل بيئة تشغيل الذكاء الاصطناعي والجهات المتحكمة بها. وتُؤثر الجغرافيا السياسية بشكل متزايد على استراتيجيات تكنولوجيا المعلومات لدى المؤسسات. ومع اعتماد أنظمة الذكاء الاصطناعي على كميات هائلة من البيانات وقوة الحوسبة، تُشدد الحكومات سيطرتها على أماكن تخزين البيانات، وكيفية تدريب النماذج، ومزودي الخدمات المُعتمدين.

من ناحيته، يُقيّد نظام حماية البيانات العامة (GDPR) التابع للاتحاد الأوروبي بالفعل عمليات نقل البيانات عبر الحدود، ويُضيف قانون الذكاء الاصطناعي للاتحاد الأوروبي التزامات جديدة. ويُركز هذا القانون على الشفافية، وتخفيف المخاطر، والحوكمة الرشيدة، وتوثيق أنظمة الذكاء الاصطناعي. وتظهر متطلبات مماثلة للتوطين والأمن في مناطق مثل الهند والصين والشرق الأوسط، الأمر الذي قد يُعقّد عمليات نشر الذكاء الاصطناعي على الصعيد العالمي.

واللافت أن سلوك المؤسسات بدأ يعكس هذه الضغوط. وتعتبر المؤسسات مسألة توطين البيانات واللوائح الوطنية من العوامل الأساسية في عمليات اختيار الذكاء الاصطناعي واعتماده. كما تستثمر الحكومات بشكل مباشر في البنية التحتية المحلية للذكاء الاصطناعي، بما في ذلك مبادرات الحوسبة السحابية السيادية، وبرامج الحوسبة المدعومة من الدولة، والمصممة للحفاظ على أحمال العمل الحساسة داخل حدودها الوطنية.

وعليه، تتبنى المؤسسات عمليات نشر هجينة وعبر مناطق متعددة، تسمح ببقاء البيانات وأحمال العمل الحساسة ضمن نطاق ولايات قضائية محددة. بالإضافة إلى ذلك، ستواصل نماذج المصادر المفتوحة اكتساب زخم، باعتبارها وسيلة للحفاظ على سيطرة أكبر على التدريب والنشر دون الاعتماد كلياً على مزودي خدمات أجانب.

نشر الروبوتات

• توسع نطاق الذكاء الاصطناعي المتجسد والروبوتات. في الوقت ذاته، يتوسع نطاق الذكاء الاصطناعي المجسد والروبوتات في إطار الخدمات اللوجيستية والعمليات.

يتجاوز تأثير الذكاء الاصطناعي نطاق البرمجيات ليشمل البيئات المادية. ويتوسع نطاق الذكاء الاصطناعي المجسد والروبوتات ليشمل المستودعات والمصانع وشبكات الخدمات اللوجيستية؛ حيث يتولى مهام الفحص والفرز والنقل بقدر أكبر من الاستقلالية. أما حجم التأثير المحتمل، فضخم. فقد قدرت مؤسسة «ماكينزي» مثلاً أنه يمكن أتمتة أكثر من نصف القوى العاملة في الولايات المتحدة باستخدام التكنولوجيا الحالية. وبحسب التقرير، فإن التكنولوجيا المتاحة في الوقت الحاضر يمكنها نظرياً أن تؤدي إلى أتمتة الأنشطة التي تمثل نحو 57 في المائة من ساعات العمل في الولايات المتحدة، وتتضمن أدوار التصنيع والنقل والخدمات اللوجيستية.

مع ذلك، أكدت الشركة أن الاحتمال الأكبر أن تعيد الأتمتة تشكيل الوظائف، بدلاً من إلغائها، مُحوّلة العمل البشري نحو الإشراف والتنسيق.

وفيما يخص المؤسسات، يتسم هذا التمييز بأهمية بالغة؛ فمع انتقال أنظمة الذكاء الاصطناعي المادية إلى مرحلة الإنتاج، يحتاج قادة تكنولوجيا المعلومات إلى اتخاذ قرارات تتجاوز تطوير البرمجيات. على سبيل المثال، يتطلب تبني الروبوتات الآن تنسيقاً بين أقسام تكنولوجيا المعلومات والعمليات والسلامة وتخطيط القوى العاملة، إلى جانب سياسات حوكمة واضحة للأنظمة المستقلة.

إذن وفي عام 2026، من المتوقع أن يكون الذكاء الاصطناعي المُجسّد أحد أبرز المؤشرات على انتقال الذكاء الاصطناعي من مرحلة التجريب إلى العمليات اليومية.

استعدادات عام 2026

والآن، ما الذي يجب على المؤسسات الاستعداد له خلال عام 2026؟ الواضح أن الذكاء الاصطناعي لم يعد محصوراً في المشروعات التجريبية أو الأدوات المستقلة. ويجري نشر أنظمة الذكاء الاصطناعي عبر تطبيقات الأعمال الأساسية والبنية التحتية السحابية والعمليات المادية.

ومن المتوقع أن يضطلع الذكاء الاصطناعي الوكيل بمهام عبر منصات متعددة، وستعمل أحمال عمل الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع في بيئات الإنتاج السحابية، وستعمل الأنظمة الآلية جنباً إلى جنب مع القوى العاملة البشرية في الخدمات اللوجيستية والتصنيع.

وسيتولى الذكاء الاصطناعي الوكيل تنفيذ المهام عبر منصات متعددة، وستعمل أحمال عمل الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع في بيئات الإنتاج السحابية، وستعمل الأنظمة الآلية جنباً إلى جنب مع القوى العاملة البشرية في الخدمات اللوجيستية والتصنيع. ولدعم هذا التحول، ستحتاج المؤسسات إلى حوكمة قابلة للتنفيذ لمجال الذكاء الاصطناعي، وبنية تحتية إنتاجية، وملكية واضحة، وضوابط يمكن أن تتماشى مع ظروف العالم الحقيقي.


مقالات ذات صلة

جهاز محمول بالموجات فوق الصوتية يدعم الكشف المبكر عن سرطان الثدي

تكنولوجيا 4 حالات (ثنائية الأبعاد في الأعلى وثلاثية في الأسفل) بتصوير الموجات فوق الصوتية تُظهر كيساً وزرعة ثدي ونسيجاً ليفياً كثيفاً وكتلة صلبة (الجامعة)

جهاز محمول بالموجات فوق الصوتية يدعم الكشف المبكر عن سرطان الثدي

يطور باحثو «إم آي تي» نظاماً محمولاً بالموجات فوق الصوتية لتسهيل تصوير الثدي ومتابعة النساء الأكثر عرضة للخطر بانتظام.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تستعد «ميتا» لإدخال رقاقة ذكاء اصطناعي مطورة داخلياً إلى الإنتاج في سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

«ميتا» تستعد لإنتاج رقاقة ذكاء اصطناعي خاصة لمضاعفة قدرتها الحاسوبية

تستعد «ميتا» لإنتاج رقاقة ذكاء اصطناعي خاصة، ضمن خطة لمضاعفة قدرتها الحاسوبية وتقليل اعتمادها على المورِّدين الخارجيين خلال العام المقبل.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تتيح «غوغل» إعداداً جديداً للتحكم في حفظ الصور والملفات والصوت والفيديو المرتبطة بخدمات البحث (أ.ف.ب)

إعداد جديد في «غوغل» يساعد في التحكم بالصور والملفات المرفوعة للبحث

تتيح «غوغل» إعداداً جديداً للتحكم في حفظ وسائط البحث قبل استخدامها في تحسين خدماتها ونماذج الذكاء الاصطناعي.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا مصطفى زيكو لاعب مصر يحتفل بهدفه الثاني في الأرجنتين (رويترز)

«الفار» في كأس العالم... تقنية تحسم اللقطة ولا تُنهي الجدل

توضح تقنيات «الفار» كيف تساعد الكاميرات والحساسات على مراجعة القرارات من دون إلغاء التقدير التحكيمي أو الجدل.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يستطيع النموذج الاستماع والتحدث في الوقت نفسه بدلاً من انتظار انتهاء المستخدم من الكلام قبل الرد (شاترستوك)

«GPT-Live» نموذج صوتي جديد من «أوبن إيه آي» يستمع ويتحدث في الوقت نفسه

يقدّم «GPT-Live» نموذجاً صوتياً جديداً يجعل التفاعل مع «تشات جي بي تي» أقرب إلى المحادثة الحية.

نسيم رمضان (لندن)

لا... لاتخاذ القرارات بواسطة الذكاء الاصطناعي

لا... لاتخاذ القرارات بواسطة الذكاء الاصطناعي
TT

لا... لاتخاذ القرارات بواسطة الذكاء الاصطناعي

لا... لاتخاذ القرارات بواسطة الذكاء الاصطناعي

عندما بدأ قائد شركة ناشئة في مجال التكنولوجيا القانونية باستخدام «تشات جي بي تي»، بدأ بما يفعله معظمنا - الاستفادة من قدرة هذه التقنية الجديدة على تولي بعض المهام الصغيرة والروتينية. ولكن وفي غضون أشهر قليلة، تحوّل نموذج الذكاء الاصطناعي من مساعد يُعنى بالبريد الإلكتروني... إلى أعلى سلطة في الشركة، كما كتب فيصل حقّ (*).

قيادة كارثية لبرنامج ذكاء اصطناعي

ظهرت أولى علامات خروج الأمور عن مسارها عندما وجّه موظفيه إلى استشارة الذكاء الاصطناعي قبل كل اجتماع لمناقشة أفكارهم. ثم بدأ باتخاذ قرارات هيكلية بشأن الشركة بناءً على محادثات مع روبوت الدردشة، وتوظيف وفصل الموظفين بناءً على توصيات الذكاء الاصطناعي، وتحويل تركيز الشركة بالكامل من مجال ممارسة إلى آخر بناءً على ما أخبره به النموذج في ذلك الأسبوع. كانت القشة التي قصمت ظهر البعير عندما استخدم الذكاء الاصطناعي لإنشاء وثيقة أطلق عليها اسم «الكتاب المقدس»، وهي عبارة عن دليل عمل متغيّر باستمرار، كان يُتوقع من الموظفين دراسته حتى لا يضطروا أبداً إلى طرح أي سؤال على زميل بشري. قد يميل البعض إلى تصنيف هذا النوع من القصص ضمن «حكايات جنون المكاتب»... لكنها موجودة، بل ومنتشرة.

لماذا يُعدّ حكمك مهماً؟

من المفيد أن تكون واضحاً بشأن ما تُجيده نماذج الذكاء الاصطناعي وما لا تُجيده. لقد استوعب النموذج الرائد ما يُقارب مجموع المعرفة البشرية المُسجلة: العلوم، وروائع الفنون، والحكمة المُتراكمة لمفكري الأعمال في العالم. وهذا ما يجعله قوياً للغاية. لكن هذه القوة متجذرة في معرفة متاحة للجميع.

ما تفتقر إليه نماذج اللغة الكبيرة هو الرؤية من داخل المواقف البشرية المُحددة. يمكنك تزويد النموذج بسياق، وسيستخدمه النموذج الجيد بذكاء. لكن في كثير من الأحيان، تكون أهم الأشياء التي تعرفها عن عملك لم تُدوّن قط. إنها ليست في بيانات التدريب ولن تكون أبداً، لأنها كامنة في تجربتك الشخصية: المقايضات التي تقبلها وتلك التي ترفضها؛ استقبال أو رفض قرار ما من قِبل هذا المجلس ومن هؤلاء العملاء.

لهذا السبب يصعب تفويض الحكم إلى آلة، ولهذا السبب أيضاً يكون تفويضه مغرياً للغاية لأن إجابة النموذج تأتي بسرعة، وتأتي واضحة، ولا تتطلب منك أي جهد. الاستسلام لها دون التفكير ملياً في صحتها أو خطئها هو فشل في الإرادة في أبشع صوره.

القادة «أكثر عرضة» للمبالغة في تقدير قدرات الذكاء الاصطناعي... لابتعادهم عن العمل الفعلي

تنطبق مخاطر التخلي عن القدرة المعرفية على جميع العاملين. لكنها تتخذ بُعداً إضافياً بالنسبة للقادة: فالقادة ليسوا فقط عرضة لخطر التخلي عن حكمهم للآلة، بل إن قراراتهم قد تجبر مؤسسات بأكملها على اتخاذ الخطوة الخطيرة نفسها. والقادة معرضون بشكل خاص للعوامل التي قد تؤدي إلى سوء اتخاذ القرارات في هذا المجال.

وأشار آرون ليفي، مؤسس شركة Box ومديرها التنفيذي، إلى هذه المشكلة حديثاً عندما جادل بأن كبار القادة «أكثر عرضة» للمبالغة في تقدير قدرات الذكاء الاصطناعي. وأوضح أن السبب في ذلك هو ابتعادهم عن العمل الفعلي. فالقادة يرون العروض التوضيحية المصقولة، أو النماذج الأولية، أو العقود المُنشأة من الذكاء الاصطناعي)، ويستنتجون أن المهمة قد أُنجزت.

أما بالنسبة للكثيرين، فيبقى الجهد الكبير المبذول بين الناتج الأولي المثير للإعجاب والنتيجة النهائية، المشابهة ظاهرياً ولكنها أكثر دقة، غير مرئي. وهذه المسافة نفسها التي قد تجعل القادة يبالغون في تقدير قدرات الذكاء الاصطناعي ويصرون على استخدام موظفيهم للذكاء الاصطناعي في مهام معينة.

وهنا تتحول المشكلة الفردية إلى مشكلة تنظيمية. فالقائد الذي يتوقف عن استخدام حكمه الشخصي يميل إلى بناء شركة لا تطلب من أي شخص آخر استخدام حكمه. والأسوأ من ذلك، أن الشركة قد تبدأ حتى في اعتبار الحكم البشري نقطة احتكاك يجب تقليلها.

ما يجب على القادة فعله

إن حماية الحكم العقلي في جميع أنحاء المؤسسة مسألة نابعة من التصميم، وليست من الفرض الإجباري، إذ لا يمكنك أن تطلب من الناس التفكير بأنفسهم بينما تبني شركة تُكافئهم على عدم بذل الجهد.

3 خطوات يمكنك اتخاذها لحماية مكانة ملَكَة الحكم العقلي البشري

• احمِ وقت القيام بالعمل الفعلي. إن أضمن طريقة لدفع فريق إلى التفكير هي إفساح الوقت لهم وليس إكراههم على القيام بأشياء أخرى. إذا أصررتَ على مواعيد نهائية لا يمكن تحقيقها إلا باستخدام الآلات، فإن الاعتماد على إجابات الذكاء الاصطناعي السلسة لن يكون خياراً (بل سيكون واجباً). ولذا وللحفاظ على فرصة التقييم العقلي البشري، من الضروري وضع حدود للضغط على العاملين لتحقيق أعلى كفاءة بأقل الأوقات.

• كافئ القرار لا الناتج فقط. إذا كان قياسك يقتصر على السرعة والكمية، فإنك تشجع على التهرب من التفكير. ابحث عن طرق لتقدير القرار نفسه، مثل الإشادة بالقرارات التي تنبثق نتيجة تفكير معمق، أو تقييم عدد المرات التي يتجاوز فيها الأفراد توصيات الآلة بشكل صحيح.

• اجعل تقييمك واضحاً. كن قدوة. اجعل علاقتك بالآلة تحدد النمط لكل من يعمل تحت إمرتك. إذا اعتبرت إجابة الذكاء الاصطناعي نهائية، فإنك سترخص لهم فعل الشيء نفسه؛ ناقش تلك الإجابة وتجاوزها أمام فريقك عندما يكون لديك سبب وجيه، واجعل ذلك هو القاعدة. أظهر، بوضوح، أن إجابة الآلة هي بداية عملية التقييم، وليست نهايتها.

الخلاصة: تحمل القرار بنفسك

تكمن المفارقة في أن التخلي عن التفكير الآلي يأتي في وقت تعمل فيه التكنولوجيا في ذروة كفاءتها وفي العادة فإن النموذج الذكي السريع والسلس والصحيح في أغلب الأحيان... هو تحديداً النموذج الذي تتوقف عن مراجعة إجاباته. وهنا يبدو كل تصرف من هذا القبيل منطقياً... إلى حين أن تكتشف أن مؤسستك قد تخلت ليس فقط عن تفكيرها الروتيني، بل عن إرادتها في اتخاذ قراراتها الخاصة.

ليست التكنولوجيا هي المشكلة هنا، وتقليل استخدامها ليس هو الحل. المهم هو التمسك بما لا تستطيع التكنولوجيا توفيره، ألا وهو القدرة على النظر إلى ما أنتجته الآلة، وتحديد مدى صحته، وتحمل مسؤولية القرار بنفسك.

مجلة «فاست كومباني».


الأمم المتحدة: استراتيجية للذكاء الاصطناعي موجهة للجميع

الأمم المتحدة: استراتيجية للذكاء الاصطناعي موجهة للجميع
TT

الأمم المتحدة: استراتيجية للذكاء الاصطناعي موجهة للجميع

الأمم المتحدة: استراتيجية للذكاء الاصطناعي موجهة للجميع

افتُتح «أسبوع جنيف الرقمي» في 6 يوليو (تموز) بالحوار العالمي الأول حول حوكمة الذكاء الاصطناعي وقمة الذكاء الاصطناعي العالمية، حيث قدّمت اللجنة العلمية الدولية المستقلة الجديدة التابعة للأمم المتحدة والمعنية بالذكاء الاصطناعي إلى الحكومات، أول تقييم علمي عالمي لها حول الذكاء الاصطناعي، كما كتب غابرييل أكاسكينا(*).

مواثيق وتوصيات حول الذكاء الاصطناعي

يُختتم هذا التجمع ثلاث سنوات أنتجت خلالها الأمم المتحدة كمّاً هائلاً من الأعمال حول الذكاء الاصطناعي، بدءاً من الميثاق الرقمي العالمي Global Digital Compact ووصولاً إلى تقرير «حوكمة الذكاء الاصطناعي من أجل الإنسانية Global Digital Compact to the Governing AI for Humanity »، ومن توصية اليونيسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي إلى القمم السنوية للاتحاد الدولي للاتصالات.

مورد مستقبلي لا تستطيع الأمم المتحدة تقييمه

وعند النظر إلى هذه الأعمال مجتمعة، نجد أنها تشترك في موقف واحد، وهو أن الأمم المتحدة تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كشيء علينا استقباله، ومورد يُوجّه نحو غايات نافعة، بما يتماشى مع أهداف التنمية المستدامة، ويُرصد أثره على المجتمع، ويُزوّد ​​بضوابط أخلاقية.

وهذا هو جانب الطلب على التكنولوجيا، وهو محور مشاركة الأمم المتحدة الجوهرية حالياً. أما جانب العرض، أي الأماكن التي تُنتَج فيها تقنيات الذكاء الاصطناعي الرائدة، وتُقَيَّم، وتُفرَز، فليس هناك وجود فعلي للأمم المتحدة فيه. إذ لا توجد هيئة متعددة الأطراف تضم كوادر فنية قادرة على فحص عمل المختبرات، ولا آلية لتقييم عمليات التدريب، ولا بنية تحتية مشتركة للإبلاغ عن الحوادث عبر الحدود.

أطر استخدام ثنائية ومحلية... وليست أممية

تتبلور البنية التي ستتحكم بالأمور لعقود مقبلة، حالياً، في اتفاقيات ثنائية (محلية) بين المختبرات الرائدة والحكومات المضيفة لها، وفي كيانات خاصة مثل مشروع «غلاسوينغ Glasswing» التابع لشركة «أنثروبيك»، وفي قرارات مراقبة الصادرات الصادرة عن الجهات المضيفة للتكنولوجيا.

ويتضح هذا النمط (في التوجهات المحلية) جلياً في الأخبار المتداولة، إذ أذنت وزارة التجارة الأميركية أخيراً بنشر نموذج الذكاء الاصطناعي الأكثر كفاءة من شركة أنثروبيك لنحو 100 مؤسسة أميركية، وذلك بعد أسبوعين من تعليق ضوابط التصدير الذي أدى إلى إيقاف استخدامه من الجميع.

مثال حكر الاستخدام... أميركياً

وبينما كان قرارا البيت الأبيض للتعليق والنشر الانتقائي قرارين أميركيين وكان الشركاء أميركيين، فإن الفئات السكانية المتأثرة بهذه التقنية، كانت عالمية. وقد أعرب مسؤولون أوروبيون علناً عن استيائهم من هذا الاعتماد الجديد على القرارات المتخذة في واشنطن. وباتت سلطة تحديد الفئات السكانية التي تحصل على إمكانية الوصول إلى تقنية أمن المعلومات المتقدمة، بحكم الأمر الواقع، في يد إدارة وطنية واحدة.

تقييم النماذج الذكية عالمياً

كيف سيبدو دور الأمم المتحدة في جانب العرض؟ يجري حالياً تقييم نماذج الذكاء الاصطناعي قبل نشرها. ويقوم كل من معهد أمن الذكاء الاصطناعي البريطاني ومركز معايير وابتكار الذكاء الاصطناعي الأميركي (معهد سلامة الذكاء الاصطناعي الأميركي سابقاً) باختبار النماذج المتقدمة من خلال اتفاقيات طوعية مع المختبرات الكبرى، وهي ممارسة روتينية لدرجة أن المختبرات نفسها تستشهد بها كدليل على التطوير المسؤول.

191 دولة من دون تنسيق

السؤال الذي لم يطرحه النظام متعدد الأطراف حتى الآن هو: لماذا لا يُتاح ضمان السلامة المتاح لبلدين لبقية دول العالم البالغ عددها 191 دولة؟

وللأمم المتحدة خبرة في إنجاز مثل هذا المستوى من العمل التقني. فقد أُنشئت الوكالة الدولية للطاقة الذرية عام 1957 للتواصل المباشر مع مواقع تصنيع المواد النووية، وتمنحها ضماناتها وجوداً تقنياً دائماً في الدول الموقعة على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. تعمل الوكالة داخل المنشآت التي تُعالج فيها المواد النووية، بدلاً من العمل من خارج الصناعة التي تُعالجها، ويتلقى سكان الدول التي لا تملك برامج نووية ضمانات من نظام لا يمكن لأي منهم بناؤه بمفرده.

تشارك المختبرات المحلية مع الأمم المتحدة

ولدى مختبرات الذكاء الاصطناعي الرائدة أسبابها الخاصة للمشاركة. فهي تُقدم بالفعل نماذجها للتقييم الطوعي، لأنه يُوفر لها شهادة اعتماد يُمكنها الاستشهاد بها، ودفاعاً ضد الادعاء بأن التطوير الرائد يجري دون رقابة.

ويُوسع الترتيب متعدد الأطراف(للأمم المتحدة) نطاق المنطق نفسه، مانحاً هذه المختبرات ضماناً يُمكنها من تقديمه للأسواق والحكومات خارج نطاق الدولتين اللتين تُقدّمانه حالياً، وحامياً إياها من التشتت التنظيمي الذي قد تُنتجه الاتفاقيات بين الدول. فهي تسعى لكسب ثقة العالم أجمع، لا ثقة واشنطن ولندن فقط.

أميركا والصين لا تتشاركان مع الأمم المتحدة

تكمن الصعوبة في أن إنتاج الذكاء الاصطناعي المتقدم مُركّز في الولايات المتحدة والصين، ولا تُبدي أيٌّ منهما رغبةً تُذكر في فتح مختبراتها أمام وجود متعدد الأطراف.

ويتشابه الأمر مع الضمانات النووية عام 1953، أي قبل أربع سنوات من بدء عمل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، حين بدا أن تركيز القدرات في قوتين متنافستين، واشنطن وموسكو آنذاك، يجعل أي اتفاق مستحيلاً سياسياً. وقد أُنشئت الوكالة لأن كلا الجانبين خلصا في نهاية المطاف إلى أن الشفافية المتبادلة أفضل من التعتيم المتبادل، واتضح أن الفترة القصيرة بين عامي 1953 و1957 كانت الفترة التأسيسية التي وُضعت خلالها أسس العمل على مدى السبعين عاماً التالية.

إنشاء وحدة أممية صغيرة لتقييم الذكاء الاصطناعي

ويمكن اعتبار «برنامج إصلاح الأمم المتحدة لعام 1980» الوسيلة الأمثل لظهور الرقابة على جانب العرض، إذ تسعى تلك المبادرة إلى إعادة توجيه أمانة الأمم المتحدة نحو التعددية المستقبلية. وتُمثّل فجوة حوكمة الذكاء الاصطناعي تحديداً حالة من الغياب الهيكلي الذي يستوجب الإصلاح.

لا يتطلب سدّ هذه الفجوة إنشاء وكالة جديدة منذ البداية: يكفي منح الأمم المتحدة لعام 1980 تفويضاً لوحدة تقييم دائمة صغيرة، مُشكّلة من أصول تملكها الأمم المتحدة بالفعل، مثل المركز الدولي للحوسبة، مع دعوة المختبرات لتوسيع نطاق الاتفاقيات الطوعية التي تلتزم بها حالياً في لندن وواشنطن لتشمل المركز. هذا هو العمل الذي سيتعين على المرحلة التالية من المشاركة متعددة الأطراف القيام به.

* مجلة «فاست كومباني».


كيف تساعدك الطبيعة على الخروج من دوامة أفكارك المتعبة؟

كيف تساعدك الطبيعة على الخروج من دوامة أفكارك المتعبة؟
TT

كيف تساعدك الطبيعة على الخروج من دوامة أفكارك المتعبة؟

كيف تساعدك الطبيعة على الخروج من دوامة أفكارك المتعبة؟

نحن مهيأون جينياً وتطورياً لميل فطري نحو كل الكائنات الحية، وهو ما أطلق عليه عالم الأحياء إدوارد أو. ويلسون مصطلح «البيوفيليا biophilia» (حب الطبيعة). فبمجرد الجلوس بين الأشجار وتأمل روعة الطبيعة المهيبة يمكننا استشعار تدفق الحياة؛ فالطبيعة تعمل على تغيير أدمغتنا نحو الأفضل، كما كتبت ليبي ما (*).

الخوف والتوتر ينحسران في أحضان الطبيعة

كشفت أبحاث نُشرت في دورية «Molecular Psychiatry» أن اللوزة الدماغية (الجزء المسؤول عن معالجة الخوف والتوتر في الدماغ) تكون أقل نشاطاً لدى الأشخاص الذين يعيشون في المناطق الريفية. كما أظهر مسح منفصل شمل ما يقرب من 20 ألف مشارك أن الفرد يمكنه جني فوائد صحية بعد قضاء 120 دقيقة فقط أسبوعياً في أحضان الطبيعة.

تخفيف حدة «الضجيج الذهني»

وتشير الدراسات المتعلقة بـ«الاستحمام في الغابة» (أو ما يُعرف بـ«شينرين-يوكو shinrin-yoku») إلى أن المشي في الغابة يقلّل من مستويات الكورتيزول، ومعدل النبض، وضغط الدم، ونشاط الجهاز العصبي الودي. ووفقاً لعالم النفس الاجتماعي غريغوري براتمان، فإن الانغماس في روعة الطبيعة يمكن أن يخفّف من حدة «الضجيج الذهني» الذي نولّده بأنفسنا جرّاء اجترار التفكير في منغصات الحياة الصغيرة.

لسنا بحاجة إلى القيام برحلات شاقة في هضبة التبت مثلاً لنحظى بهذه المزايا؛ فحتى العناية بحديقة منزلية صغيرة، أو وضع النباتات في أصص على حافة النافذة، أو الجلوس تحت شجرة في حديقة عامة، يمكن أن يوفّر مكاسب صحية ملموسة. فالطبيعة تذكّرنا بأن عالمنا قد يكون مكاناً رائعاً، وأن شكوانا اليومية ومضايقاتنا التافهة لا ينبغي أن تكون هي ما يحدد مسار حياتنا.

* مجلة «سايكولوجي توداي»