تساؤلات حول دور الذكاء الاصطناعي في الإصابة بحالات الذهان

روبوتات الدردشة بين الافتراضات وحقيقة الدليل العلمي

مريضٌ أمام معالجٍ رقمي
مريضٌ أمام معالجٍ رقمي
TT

تساؤلات حول دور الذكاء الاصطناعي في الإصابة بحالات الذهان

مريضٌ أمام معالجٍ رقمي
مريضٌ أمام معالجٍ رقمي

نشرت صحيفة «وول ستريت جورنال» في 28 ديسمبر (كانون الأول) 2025، تقريراً حذّرت فيه من ارتباطٍ محتمل بين الاستخدام المطوّل لروبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وظهور حالات ذهانية لدى بعض المستخدمين.

«الذهان» والذكاء الاصطناعي

* تعريف الذهان. في التعريف الطبي، اضطراب نفسي يفقد فيه الإنسان جزئياً صلته بالواقع، فتختلط لديه الأفكار بالهلاوس أو المعتقدات الوهمية.

وقد أعاد التقرير، الذي استند إلى شهادات أطباء نفسيين في الولايات المتحدة، طرح سؤالٍ حساس: هل يمكن للخوارزميات أن تُنتج المرض النفسي، أم أنها تُضخّم هشاشة كانت موجودة أصلاً؟

* ماذا رصد الأطباء سريرياً؟ حسب التقرير، لاحظ أطباء نفسيون خلال الأشهر التسعة الماضية عشرات الحالات لمرضى طوّروا أعراض ذهان بعد محادثات طويلة مع روبوتات دردشة اتسمت بمحتوى وهمي متصاعد ومتراكم.

وأشار الطبيب النفسي كيث ساكاتا من جامعة كاليفورنيا – سان فرانسيسكو، إلى معالجته اثني عشر مريضاً أُدخلوا المستشفى بسبب نوبات من الذهان ارتبطت مباشرة بالاستخدام المكثّف للذكاء الاصطناعي، إضافة إلى حالات أُديرت في العيادات الخارجية. وقد اتخذت الأوهام في معظمها، طابعاً تعاظمياً واضحاً: ادّعاء اكتشافات علمية كبرى، الإحساس بالتواصل مع «آلة واعية»، أو شعور طاغٍ بالاختيار الإلهي والرسالة الخاصة.

حين يواجه العقل انعكاسه

العلم يدعو للتريث

* أين يقف العلم من هذه الملاحظات؟ يدعو العلم عند هذه النقطة إلى قدرٍ عالٍ من التريّث والحذر. فحتى اليوم، لا يوجد تشخيص طبي رسمي معتمد لما يُسمّى «ذهان الذكاء الاصطناعي»، ولا دراسة سريرية محكّمة تُثبت علاقة سببية مباشرة بين استخدام روبوتات الدردشة وظهور الذهان لدى أشخاص يتمتعون بصحة نفسية مستقرة.

وما هو متوافر حالياً يقتصر على ملاحظات سريرية وتقارير حالات فردية، وهي أدوات إنذار مبكر ذات قيمة، لكنها لا ترقى بعد إلى مستوى الدليل العلمي القاطع.

* الذكاء الاصطناعي... عامل مُسبِّب أم مُضاعِف؟ تشير المراجعات العلمية الحديثة إلى أن هذه الحالات تُفَسَّر، في الغالب، ضمن مفهوم «تعزيز الأوهام» لدى أشخاص يملكون استعداداً نفسياً مسبقاً، وهي ظاهرة معروفة في الطب النفسي منذ عقود، سبق رصدها مع وسائط مختلفة مثل العزلة، أو التديّن المتطرّف، أو رؤية بعض المواد الرقمية. والجديد هنا ليس المرض بحدّ ذاته، بل الأداة القادرة على تغذية الوهم بلا حدود زمنية أو تصحيح بشري مباشر.

مرآة لغوية وليس عقلاً واعياً

* «التملق الخوارزمي». الذكاء الاصطناعي لا يعمل كفاعلٍ واعٍ أو كذاتٍ مفكِّرة، بل كنظام لغوي إحصائي يعكس أنماط اللغة والمعاني التي يُغذّى بها. وهو ما يُعرف علمياً بظاهرة «التملّق الخوارزمي»، حيث تميل النماذج اللغوية إلى مجاراة المستخدم وتأكيد مسارات حديثه بدل مناقضتها أو كبحها نقدياً. في هذا السياق، لا «يخلق» روبوت الدردشة الوهم من العدم، لكنه قد يضخّمه ويمنحه تماسكاً لغوياً يوهم بالمعنى والشرعية، خصوصاً إذا تُرك التفاعل طويلاً بلا ضوابط أخلاقية، أو إشراف طبي، أو آليات تصحيح تعيد ربط الحوار بمرجعية الواقع.

* الوجه الآخر للصورة: ماذا تقول الأبحاث؟ في المقابل، تُظهر الأبحاث العلمية الحديثة أن روبوتات الدردشة حين تُصمَّم ضمن أطر أخلاقية واضحة وتُستخدم تحت إشراف مهني، قد تؤدي دوراً داعماً للصحة النفسية. فقد بيّنت دراسة سريرية نُشرت عام 2024 في مجلة «الصحة النفسية – نيتشر» (Nature Mental Health) أن استخدام نماذج محادثة نفسية مُنضبطة أسهم في تقليل أعراض القلق والاكتئاب الخفيف، وتخفيف الشعور بالوحدة لدى بالغين في بيئات محدودة الوصول إلى الخدمات المتخصصة. وتخلص الدراسة إلى أن الذكاء الاصطناعي يكون نافعاً حين يُستخدم أداةَ دعم مكمّلة، وليس بديلاً عن التقييم والعلاج النفسي؛ ما يؤكد أن الإشكالية لا تكمن في التقنية ذاتها، بل في طريقة تصميمها وحدود استخدامها.

تحديات حقيقية

* الخطر الحقيقي: الاستخدام بلا بوصلة. يتّضح أن الخطر لا يكمن في الخوارزمية ذاتها، بل في غياب الإطار الأخلاقي والطبي المنظِّم لاستخدامها. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدرته الحسابية، لا ينبغي أن يُقدَّم بوصفه بديلاً عن الطبيب أو المعالج النفسي، بل أداةً مساندة تُستخدم بحكمة، وتحت إشراف مهني واضح، وضمن حدود تضمن سلامة المستخدم وتحفظ جوهر العلاقة العلاجية الإنسانية.

ما يحدث اليوم ليس صراعاً بين الإنسان والآلة، بل اختبار لقدرتنا على استخدام أدوات قوية بعقلٍ أكثر قوة.

* حين تصبح الخوارزمية مرآة صامتة. قال ابن رشد إن العقل لا يُضلّ صاحبه، بل يضلّ حين يُترك بلا ميزان. وفي زمن الذكاء الاصطناعي، تتخذ هذه الحكمة بُعداً جديداً؛ فالخوارزمية لا تُنتج الذهان من تلقاء ذاتها، لكنها قد تُحسن الإصغاء إليه، وتمنحه لغةً متماسكة، إذا تُركت بلا توجيه أو ضوابط.

وبين تحذير الصحافة وطمأنينة العلم، تتكشف حقيقة أكثر اتزاناً: الذكاء الاصطناعي ليس خصم العقل ولا وريثه، بل مرآته الصامتة. وما ينعكس فيها، في النهاية، هو الإنسان ذاته - بهشاشته، ووعيه، ومسؤوليته عن ألا يترك التقنية تقوده حين يفترض أن يقودها.


مقالات ذات صلة

ميلانيا ترمب تستقبل أول «روبوت» بشري في البيت الأبيض

الولايات المتحدة​ ميلانيا ترمب تصل برفقة الروبوت لحضور قمة «Fostering the Future Together» العالمية في البيت الأبيض بواشنطن اليوم (أ.ب) p-circle

ميلانيا ترمب تستقبل أول «روبوت» بشري في البيت الأبيض

خطفت السيدة الأولى الأميركية ميلانيا ترمب الأنظار مجدداً، بعدما رافقها «روبوت» بشري متطور خلال فعالية رسمية في البيت الأبيض.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)

دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

دراسة تظهر أن الذكاء الاصطناعي يؤثر في الآراء عبر طريقة عرض المعلومات حتى عندما تكون الحقائق صحيحة وغير مضللة.

نسيم رمضان (لندن)
علوم لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

تراجع ثقة الأميركيين بعد انتشار القصص الوهمية في وسائل الاتصال الاجتماعي

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا رئيس شركة «أبل» تيم كوك خلال أحد المؤتمرات السنوية للشركة (إ.ب.أ)

«أبل» في عامها الخمسين… قصة شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية

مسيرة «أبل» خلال 50 عاماً تعكس قدرة استثنائية على الابتكار وإعادة الابتكار، من مرآب صغير إلى شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية.

نسيم رمضان (لندن)
علوم نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

«قمم خبراء» تتحدث عن الأخلاقيات... لكن المعاناة تبقى خارج النقاش

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟
TT

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

انطلق عصر الذكاء الاصطناعي بوعودٍ واسعة النطاق ونقاشاتٍ حول إمكانياتٍ لا حدود لها، كما تكتب لويز ك. ألين(*).

تفاؤل وخيبة

والآن، وبعد سنواتٍ من الخبرة العملية، لا يزال الخبراء متفائلين بشأن التأثير طويل الأمد للذكاء الاصطناعي. وفي الوقت نفسه، يتفق معظم الناس على أن مساهماته في الحياة اليومية كانت مخيِّبة للآمال، إن لم تكن أسوأ من ذلك.

وحتى بصفتي واحدة من العاملات في القيادة التقنية بهذا المجال، لا بد لي من الاعتراف بأن استياء المستهلكين من الذكاء الاصطناعي له ما يبرره إلى حد كبير، فقد اتسمت تجربة المواطن الأميركي العادي مع الذكاء الاصطناعي التوليدي، حتى الآن، بتراجع الجودة وازدياد انعدام الثقة.

قصص وهمية في وسائل الاتصال الاجتماعي

تعجّ وسائل التواصل الاجتماعي بأشخاصٍ وقصصٍ وهمية، وتمتلئ الأسواق الإلكترونية بشكلٍ متزايد بعمليات الاحتيال المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تفشل مبادرات الشركات في تحقيق التوقعات المالية، بل إن عدداً منها زاد من صعوبة حياة العاملين.

لقد بات فشل أدوات الذكاء الاصطناعي العام في تحقيق الضجة الإعلامية الكبيرة التي أثيرت حولها، أمراً مُسلَّماً به عالمياً، حتى إن قاموس ميريام-ويبستر نفسه أعلن اختياره كلمة «هراء» ككلمة عام 2025.

«التحديد الدقيق والموجّه»

ومع ذلك، تتاح للجمهور، الآن، فرصة لتغيير هذا الواقع في عام 2026. ويبدأ ذلك بتوظيف مفهوم «التحديد الدقيق (specificity)» ككلمة تُعرِّف ما هو مقبل.

وفي حقيقة الأمر، فإن شركات التكنولوجيا وباحثي الذكاء الاصطناعي بالغوا في تقدير القدرات الفعلية لهذه التقنية منذ البداية، فقد ركّز هؤلاء الرواد على الإمكانات الكامنة، بدلاً من النتائج العملية. لقد صوّروا الذكاء الاصطناعي على أنه ضرورة يجب على الشركات اتباعها لمواكبة التطورات، بدلاً من كونه أداةً يمكن للمؤسسات والأفراد استخدامها لتحقيق أهداف محددة.

التكنولوجيا وسيلة وليست غاية

لتطوير هذه التقنية وتحقيق رؤيتهم لمستقبل مُحسَّن بالذكاء الاصطناعي، سيتعيّن على القادة التوقف عن مناشدة الجمهور لتغيير الخطاب حول الذكاء الاصطناعي.

إن الطريق إلى الأمام بسيط للغاية، إذ يحتاج قادة التكنولوجيا إلى العودة إلى أساسيات المنتج. عليهم أن يتقبلوا فكرة أن التكنولوجيا وسيلة لتحقيق غاية، وليست غاية في حد ذاتها، وهذا يعني إعادة تركيز استراتيجيات التطوير والتواصل على حلول للمشاكل الحقيقية.

خطوات التحديد الدقيق «الموجّه»

1. التصميم الموجَّه للأفراد لا «المستخدمين»

إن إغراء بناء أدوات عامة الأغراض مفهوم، لكن القيام بذلك باستخدام التكنولوجيا الحالية يُضعف فائدتها. وستكون أدوات الذكاء الاصطناعي، اليوم، أكثر فاعلية عندما تُصمم خصوصاً لأفراد محددين في أدوار محددة. يجب أن تُوجه هذه المعرفة عملية ابتكار المنتج، والتدريب، والتسويق، وتكتيكات المبيعات.

2. التركيز على النتائج بدلاً من القدرات

الذكاء الاصطناعي ليس مختلفاً عن أي منتج آخر. لن يستخدمه الناس إلا إذا حل مشكلة موجودة لديهم بالفعل. ويفشل كثير من أدوات الذكاء الاصطناعي في تحقيق هذا الهدف، فهي تركز على ما يمكن للنموذج فعله، بدلاً من التمعن في فهم أسباب أهمية ما يفعله.

3. التوقف عن تقديم وعود خيالية

قد يُمثل الذكاء الاصطناعي، اليوم، مستقبلاً يمكن فيه تحقيق التحسين الشامل، لكن هذا ليس صحيحاً. يجب أن تعكس خطط تطوير المنتجات هذه الحقيقة. إنّ الوضوح والمباشرة بشأن ما هو متاح الآن وما سيكون متاحاً في المستقبل يُساعدان على تخفيف الإرهاق الناتج عن الضجة الإعلامية واستعادة الثقة.

حان وقت إعادة النظر

بصفتي مديرة للمنتجات، شاهدتُ عدداً من الأمثلة على الاستخدام الأمثل للذكاء الاصطناعي، خلال السنوات القليلة الماضية.

ومع ذلك، أُدرك أن أسباب انعدام ثقة الجمهور أو عدم اهتمامه الواسع النطاق تقع في معظمها على عاتق قطاع التكنولوجيا، ذلك أن رغبة هذا القطاع في إنجاز كل شيء دفعة واحدة، خلقت بيئةً لا يثق فيها الناس بقدرة التكنولوجيا على القيام بأي شيء مفيد.

إنها حقيقةٌ يصعب تقبّلها، لكن أي قائد تقني يُنكر ذلك يُخدع نفسه. ومع ذلك، لم يفت الأوان بعدُ لتصحيح الوضع. إذا كان القادة على استعداد لتقبُّل هذه الحقيقة وإعادة توجيه استراتيجياتهم نحو «التحديد»، فسيكون هناك متسع من الوقت لإعادة النظر، وإعادة التقييم، وتحقيق رؤية مستقبلٍ مُحسَّن. يجب أن يحدث هذا قريباً، وإلا فسيضيع مستقبل الذكاء الاصطناعي هباءً.

*مجلة «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا»


مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
TT

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر

في القاعات الكبرى، حيث تُصاغ البيانات وتُعلن المبادئ بلغة تبدو مكتملة، يظهر الذكاء الاصطناعي كأنه يسير بثقة نحو مستقبل أكثر عدلاً وإنصافاً. تُرفع شعارات الشفافية، وتُكرَّر مفاهيم الحوكمة، وتُقدَّم العدالة الخوارزمية كأنها حقيقة قريبة لا جدال فيها.

لكن خلف هذا الانسجام الظاهري، يبقى سؤال أكثر إزعاجاً، وأقل حضوراً:

هل ما يُقال في هذه القاعات يعكس فعلاً ما يحدث خارجها، أم أنه يكتفي بصياغة عالمٍ مثالي لا وجود له في الواقع؟

أخلاقيات داخل حدود البيانات

تركّز معظم النقاشات العالمية حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي على قضايا تبدو مكتملة: التحيّز، والخصوصية، والشفافية، والمسؤولية. وهي دون شك قضايا حقيقية، لكنها تنطلق من افتراض خفيّ نادراً ما يُناقش: أن المشكلة تكمن في كيفية استخدام البيانات، لا في حدودها.

لكن السؤال الأكثر عمقاً، والأقل طرحاً، هو: ماذا عن أولئك الذين لا تُمثّلهم البيانات أصلاً؟ فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تعقيد، لا يرى العالم كما هو، بل كما يُقدَّم له. وما لا يدخل في بياناته، لا يدخل في حساباته... ولا في قراراته. وهنا لا يكون الخطأ في الخوارزمية، بل في العالم الذي اختُصر داخلها.

ما لا تراه الخوارزميات

عالم خارج الرؤية الخوارزمية

في مساحات واسعة من هذا العالم، لا تُقاس المعاناة ولا تُسجَّل، ولا تتحول إلى بيانات يمكن للآلة أن تفهمها. هناك أمراض لا تصل إلى مرحلة التشخيص، وصدمات لا تُوثَّق، وواقع صحي كامل يظل خارج أي نموذج تنبؤي.

في مثل هذه البيئات، لا يكون التحيّز نتيجة خلل تقني في الخوارزمية، بل نتيجة غياب الصورة من الأساس. فالمشكلة ليست في طريقة التحليل... بل فيما لم يُحلَّل أصلاً.

وهنا يتبدّل معنى العدالة نفسها. فكيف يمكن الحديث عن «عدالة خوارزمية» في عالمٍ لم يُمثَّل رقمياً بعد؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون منصفاً... إذا كان لا يرى الجميع؟

عندما لا تكفي الأخلاقيات

في القمم العالمية، يُقدَّم الذكاء الاصطناعي كأداة يمكن تهذيبها أخلاقياً، وكأن المشكلة تكمن فقط في ضبط سلوك الخوارزمية من داخل النظام الذي أنشأها. تُناقش المبادئ، وتُصاغ الأطر، ويبدو وكأن الحل يكمن في تحسين ما هو قائم. لكن هذا التصور يخفي افتراضاً أعمق: أن جميع المشكلات قابلة للحل من داخل النظام نفسه. بينما يهمس الواقع بشيء مختلف تماماً.

فهناك معاناة لا تنتظر «حوكمة» الخوارزمية... بل تنتظر أن تُرى. وهناك بشر لا يحتاجون إلى خوارزميات أكثر عدلاً، بل إلى أن يدخلوا أصلاً في مجال رؤيتها.

ما بين الخطاب والواقع: درس من قمة الهند

كما ظهر في نقاشات القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في الهند، التي رفعت شعار «الذكاء الاصطناعي المسؤول»، بدا أن التركيز ينصب على مبادئ الحوكمة، والشفافية، وتقليل التحيّز داخل الأنظمة. لكن ما تكشفه هذه النقاشات، رغم أهميتها، هو فجوة أعمق: أن الخطاب الأخلاقي العالمي يفترض وجود عالم ممثَّل بالكامل داخل البيانات... بينما الواقع مختلف تماماً. فما لا يُقال في هذه القاعات، ليس فقط حدود التقنية، بل حدود الرؤية نفسها... إذ توجد مجتمعات كاملة خارج نطاق النماذج، وتجارب إنسانية لا تصل إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي، وبالتالي لا تدخل في أي إطار أخلاقي يُناقش.

* عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية من العوامل التي لا يمكن قياسها ولا تدخل إلى الأدوات الذكية *

حدود ما يمكن قياسه

في دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، أظهرت نماذج تنبؤية طوّرها باحثون في جامعة ستانفورد قدرة متقدمة على تحليل البيانات الصحية، واستباق المخاطر قبل حدوثها. ومع ذلك، توقفت هذه النماذج عند حدود واضحة عندما يتعلق الأمر بعوامل لا تُقاس بسهولة، مثل عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية التي لا تجد طريقها إلى السجلات الطبية.

وهنا لا تنكشف حدود التقنية فحسب، بل حدود الفكرة التي تقوم عليها.

فالمشكلة ليست في دقة ما نقيس، بل في افتراضٍ أعمق: أن كل ما هو مهم... يمكن قياسه.

لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. فبعض أهم محددات الصحة لا تُكتب في البيانات، ولا تُترجم إلى أرقام، ومع ذلك تظل الأكثر تأثيراً في حياة الإنسان.

ما بعد الأخلاقيات

قد تنجح القمم في صياغة مبادئ أخلاقية للذكاء الاصطناعي، وتبدو هذه المبادئ مكتملة في نصوصها ومنطقها. لكن التحدي الحقيقي لا يبدأ داخل هذه الأطر، بل خارجها.

في تلك المساحات التي لا تصلها البيانات، ولا تلامسها النماذج، ولا تختزلها الأرقام، هناك يتغيّر السؤال نفسه. فلا يعود السؤال:

هل الذكاء الاصطناعي أخلاقي؟ بل يصبح أكثر عمقاً وإلحاحاً: هل يستطيع أن يرى ما يجب أن يكون أخلاقياً تجاهه؟


أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
TT

أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر

سترسل وكالة الطيران والفضاء الاميركية ناسا، أربعة رواد فضاء في مهمة أرتميس 2 في رحلة تستغرق 10 أيام حول القمر للتمهيد لهبوط على سطحه في المستقبل وإقامة قواعد دائمة عليه.