«الميكروبيوم المتنوّع»... أساس الشيخوخة الصحية

يؤثر على كل شيء... من الهضم إلى التمثيل الغذائي وحتى وظائف الدماغ

«الميكروبيوم المتنوّع»... أساس الشيخوخة الصحية
TT

«الميكروبيوم المتنوّع»... أساس الشيخوخة الصحية

«الميكروبيوم المتنوّع»... أساس الشيخوخة الصحية

إذا كنت ترغب في العيش حتى سن الشيخوخة، فربما من المفيد أن تفكر في نفسك؛ ليس بوصفك إنساناً، وإنما بوصفك كائناً حياً متكاملاً؛ تعيش في جسمك -وعليه- مجموعة من الخلايا البشرية، بالإضافة إلى تريليونات الميكروبات، كما كتبت هيلين تومسون(*).

الخلايا تتغير وكذلك الميكروبيوم

لا تتغير خلايانا فقط مع تقدم العمر؛ وإنما يتغير الميكروبيوم الخاص بنا أيضاً (الميكروبيوم هو مجموع الميكروبات المتعايشة مع الإنسان). ويثبت الباحثون بشكل متزايد أن البكتيريا المفيدة –وغير المفيدة– وغيرها من الكائنات الحية التي تعيش في أجسامنا، هي أساس الشيخوخة الصحية. وقد يكون الاعتناء بها طريقة ذكية لعيش حياة صحية وطويلة.

قبل أكثر من قرن، افترض عالم الحيوان إيلي ميتشنيكوف أن الشيخوخة ناتجة من «السموم البكتيرية الذاتية المتعفنة»، وأوصى بتناول الحليب المخمَّر، واتباع أسلوب حياة بسيط، كعلاج. واليوم، ازدهرت تلك النظرية المبكرة.

تأثيرات هضمية ودماغية

نحن نعلم الآن أن الميكروبيوم لدينا متأصل بعمق في جهازنا الفسيولوجي، لدرجة أنه يؤثر على كل شيء، من الهضم إلى التمثيل الغذائي، وحتى وظائف الدماغ.

ومع ذلك، فإن فهم تأثيره كان أمراً صعباً. يقول عالم الأحياء الدقيقة فيليبي كابرييرو من «إمبريال كوليدج لندن»: «إن تعقيد الميكروبيوم يشبه تعقيد الدماغ البشري».

التنوع مفتاح الصحة

لا يوجد شخصان لديهما الميكروبيوم نفسه، وحتى داخل الفرد نفسه، يمكن أن يتغير الميكروبيوم من يوم لآخر. ولكننا نكتسب بعض الأدلة الحيوية. على سبيل المثال: أصبح لدينا فكرة أفضل بكثير عن أي الكائنات الحية في الأمعاء مفيدة، وأيها مسببة للأمراض. وأصبح هناك شيء واحد واضح: التنوع هو المفتاح. كلما زاد تنوع الميكروبات المعوية تحسنت حالتك الصحية.

تغير الميكروبيوم مع التقدم في العمر

للأسف، فمع تقدمنا في العمر، يتغير الميكروبيوم لدينا، ويميل إلى إظهار انخفاض في وفرة البكتيريا الصحية في مرحلة متأخرة من الحياة. ويميل كبار السن إلى اتباع أنظمة غذائية أقل تنوعاً، وتناول مزيد من الأدوية، وتقليل التفاعلات الاجتماعية، وكل ذلك له آثار سلبية متتالية على أنواع الميكروبات التي تعيش في الأمعاء. ولكن حتى الحيوانات التي تُربَّى في ظروف متطابقة طوال حياتها تظهر لديها تغيرات مرتبطة بالعمر في الميكروبيوم، ما يشير إلى حدوث تغير جوهري مع التقدم في العمر.

ولفهم تأثير ذلك الانخفاض، ركَّز كثير من الباحثين على الميكروبات التي تنتج الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة (SCFA) من خلال تخمير الألياف الغذائية. وتشارك الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة في كثير من العمليات المفيدة، مثل الحفاظ على خلايا بطانة الأمعاء، وكبح الالتهابات، وتنظيم استجابة جهاز المناعة لمسببات الأمراض، والتحكم في مستويات السكر في الدم.

ازدياد الميكروبات المسببة للالتهاب مع الهَرَم

مع تقدمنا في العمر، ينخفض عدد الميكروبات التي تنتج الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة، في حين يزداد عدد الميكروبات المسببة للالتهابات. تقول جيسيكا شنايدر، كبيرة المسؤولين العلميين في شركة «كوروندوم سيستمز بيولوجي» التي تستثمر في مجال البحوث، ومقرها في طوكيو باليابان: «يُعتقد أن هذا الاختلال يساهم في حدوث التهاب مزمن منخفض الدرجة، وهي حالة تُعرف باسم الالتهاب المرتبط بالشيخوخة، وهي تتسم بارتفاع خطر الإصابة بأمراض مثل أمراض القلب، والأوعية الدموية، والخرف، والسكتة الدماغية».

 

التكوين الميكروبي المعوي للمعمرين أكثر شبهاً بالشباب

ومع ذلك، يبدو أن ميكروبيوم الأمعاء لدى الأشخاص الذين يبلغون سن الشيخوخة المتقدمة أكثر قدرة على مقاومة هذا الانخفاض. وتأتي الأدلة الرئيسية على ذلك من دراسة أُجريت عام 2023 على 1575 شخصاً، تتراوح أعمارهم بين 20 و117 عاماً، بواسطة شيفو بانغ وشياودونغ تشين، من جامعة قوانغشي الطبية في ناننينغ، بالصين، وزملائهما.

خلصت الدراسة إلى أنه بالمقارنة بالبالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 66 و85 عاماً، فإن التكوين الميكروبي المعوي لمن تتراوح أعمارهم بين 100 و117 عاماً كان أكثر شبهاً بما لدى الشباب، مع تنوع أكبر ووفرة أعلى من البكتيريا النافعة من فصيلة «البكتيرويدات العصوانية- Bacteroides».

وكذلك خلص الباحثون إلى أن «نتائجنا تشير بقوة إلى أن التكوين الميكروبي المعوي للمُعمِّرين يُظهر تشابهاً مع ذلك التكوين لدى الشباب»، ويتكهنون بأن هذا العامل يساهم في طول العمر.

تُظهر علامات ميكروبات الأمعاء لدى المعمرين تشابهاً مع تلك الموجودة لدى الشباب. وهذا يطرح السؤال حول ما إذا كان بإمكاننا رعاية الميكروبيوم لدينا، كي نصبح أكثر صحة مع التقدم في العمر.

إن تغيير ميكروبات الأمعاء ليس بالأمر الهين. يقول كابرييرو: «أنت تحاول إدخال مجتمع معقد إلى مجتمع معقد آخر يميل لأن يكون قوياً». ومع ذلك، في حين أن «البريبايوتكس- prebiotics» أو مغذيات المعززات الحيوية، وهي مكملات توفر الغذاء للميكروبات المفيدة في الأمعاء، و«البروبايوتكس- probiotics» أو المعززات الحيوية، وهي ميكروبات مفيدة للأمعاء يمكن تناولها كمكمل غذائي، قد لا تعيد تشكيل الميكروبيوم بصورة جذرية، فإنها قد تدفعه في الاتجاه الصحيح، ولو مؤقتاً على الأقل.

دور التغييرات الغذائية

على سبيل المثال، أظهرت شركة «زوي» للتغذية، في تجربة عشوائية أجريت العام الماضي، أن البريبايوتكس الذي تحتويه منتجاتها -والذي يحتوي على 30 مادة مغذية نباتية- يزيد البكتيريا المفيدة، مع بعض التحسينات في المقاييس الصحية، مثل المركبات الالتهابية في الدم.

كما أظهرت دراسة أخرى أجريت على 50 بالغاً يعيشون في دور رعاية المسنين، أن تناول البريبايوتكس يومياً الذي يحتوي على مركبات «فركتو أوليغوساكاريد» و«الإنولين» المشتقة من النباتات، على مدى 13 أسبوعاً، قد حسَّن من مؤشرات الضعف، مقارنة بالدواء الوهمي.

قد تكون التغييرات الغذائية فعالة بالقدر نفسه. فعندما اتبع كبار السن في بلدان عدة نظاماً غذائياً متوسطياً مدة عام واحد، احتفظ أولئك الذين التزموا به بصورة وثيقة بتنوع ميكروبي أكبر، وعززوا الميكروبات المعوية المرتبطة بالشيخوخة الصحية. وتقول جيسيكا شنايدر إن ذلك قد ترافق مع كثير من التحسينات في صحتهم، مثل تحسن سرعة المشي، والقوة، والذاكرة.

زراعة البكتيريا المعوية

وكذلك يجري استكشاف علاجات أكثر جذرية. وقد نالت عمليات زراعة البكتيريا المعوية لعلاج عدوى «كلوستريديوم ديفيكيل» الموافقة بالفعل، وتشير البيانات الواعدة إلى أنها يمكن أن تعالج حالات أخرى، ولكن يبقى سؤال مفتوح حول ما إذا كانت هذه الأساليب يمكن أن تطيل العمر أم لا. ففي الحيوانات، يؤدي استبدال الميكروبيوم القديم بميكروبيوم أصغر سناً وأكثر صحة إلى نتائج مذهلة. على سبيل المثال: تعيش أسماك الكيليفيش الأكبر سناً فترة أطول بنسبة 37 في المائة، إذا أكلت براز الأسماك الأصغر سناً. وتُظهر تجارب الفئران نتائج مماثلة.

غير أن هذا المجال لا يزال في مراحله المبكرة، كما يقول كابرييرو. ولا يزال لدينا الكثير لنتعلمه.

وتؤثر النشاطات الميكروبية على كثير من المسارات البيولوجية ذات الصلة بالشيخوخة، بما في ذلك تلك الموجودة في الميتوكوندريا، والتمثيل الغذائي، والجهاز المناعي، ونحن ما زلنا في بداية استكشاف كيفية التلاعب بميكروباتنا، من خلال النظام الغذائي والأدوية، أو حتى تقنيات تعديل الجينات «كريسبر- CRISPR».

يقول كابرييرو: «ما زلنا في المراحل الأولى، ولم ندرك كل شيء بشكله السليم تماماً، ولكن هناك حماساً كبير بشأن كيفية استفادة صحتنا وطول عمرنا من كل ذلك، وهذا أمر صحيح».

السمات البيولوجية المرتبطة بطول العمر الشديد تُستورَث بنسبة 30 % تقريباً

يلعب الحظ دوراً كبيراً في طول العمر: تجنب الحوادث المميتة، أو الأمراض المعدية القاتلة، والعيش في بلد مسالم يتمتع بمياه نظيفة ونظام رعاية صحية جيد. كما أن الفوز في «اليانصيب الجيني» يُساعد في ذلك أيضاً، كما كتب غراهام لوتون (*).

ولدى النساء فرصة أكبر من الرجال للوصول إلى عمر المائة، فأكثر من ثلاثة أرباع المعمرين إناث، وتهيمن النساء بشكل كامل على قائمة أكبر البشر سناً على الإطلاق.

إن طول العمر وراثي في العائلات أيضاً، وقد حدَّد علماء الوراثة مئات من المتغيرات الجينية ذات الصلة بالعيش حتى سن متقدمة. وتشير البحوث التي أجريت على التوائم، وعلى أشجار العائلة، إلى أن السمات البيولوجية المرتبطة بطول العمر الشديد قابلة للتوريث بنسبة 30 في المائة تقريباً.

ويبدو أن أغلب هذه الجينات توفر مستويات غير عادية من الحماية ضد أمراض الشيخوخة، مثل أمراض القلب والأوعية الدموية، وفقاً لنير بارزيلاي الذي يدرس «كبار السن الخارقين» في كلية «ألبرت أينشتاين» للطب في مدينة نيويورك.

إن أفضل طريقة للوقوف على ما إذا كان لديك جينوم يُعزز طول العمر من عدمه، هي التطلع إلى والديك، إذا كان ذلك ممكناً. لا يوجد كثير مما يمكنك فعله بشأن حمضك النووي، ولكن الخبر السار هو أنه لا يزال هناك مجال كبير للتدخل بشكل فعال. قد يشير ذلك إلى حياة تتسم بضبط النفس السليم؛ من اتباع نظام غذائي جيد، وممارسة كثير من التمارين الرياضية، والاتزان، ورجاحة العقل بالتعفف عن المهلكات. ومع ذلك، فمن المثير للدهشة أن هذه العوامل -على ما يبدو- لا تُحدث فرقاً كبيراً، على الأقل بالنسبة للأشخاص الذين حققوا بالفعل طول عمر استثنائياً.

النظام الغذائي: ماذا تأكل لتضيف عَقداً من العمر إلى حياتك

أحد الأسئلة المعتادة التي تُطرح على المعمِّرين: «كيف تفعل ذلك؟». وغالباً ما تدور الإجابات حول الطعام. بالنسبة لماريا برانياس موريرا التي كانت أقدم شخص في العالم، عندما توفيت العام الماضي عن عمر ناهز 117 عاماً، كان السر هو تناول 3 أكواب من الزبادي يومياً.

أما السيدة جين كالمينت التي تعتبر رسمياً أقدم شخص عاش على الإطلاق (على الرغم من أن هذا الأمر موضع خلاف)، فقد عزَت قوة تحملها المذهلة إلى زيت الزيتون، والشوكولاتة، وكأس من النبيذ من آن لآخر.

بالطبع، ما تأكله مهم. فالنظام الغذائي له تأثير كبير على صحتك، والبقاء بصحة جيدة هو شرط أساسي لحياة طويلة. ولكن السؤال الأفضل قد يكون: «ما الذي لم تأكله؟».

على سبيل المثال، ابتكر لارس فادنيس من جامعة بيرغن في النرويج وزملاؤه -أخيراً- نظاماً غذائياً يُعزز طول العمر، استناداً إلى تحليلهم لمجموعة بيانات ضخمة تسمَّى «دراسة العبء العالمي للأمراض». وكشفت هذه الدراسة -دون مفاجأة كبيرة- أن الأنظمة الغذائية الغربية النموذجية (الغنية بالحبوب المكررة، والسكريات المضافة، واللحوم الحمراء والمصنعة، ومنتجات الألبان، والفقيرة في الحبوب الكاملة، والفواكه، والخضراوات الطازجة، والمكسرات، والأسماك) ليست مثالية لطول العمر؛ بل في واقع الأمر، إنها قاتلة، ومسؤولة عن 11 مليون حالة وفاة مبكرة سنوياً.

وضع الباحثون نموذجاً لما سيحدث إذا تحوَّل الأشخاص الذين يتبعون هذا النظام الغذائي بصفة دائمة إلى نظام غذائي أكثر صحة، ووجدوا تأثيراً كبيراً على متوسط العمر المتوقع.

على سبيل المثال: يمكن لامرأة تبلغ من العمر 20 عاماً في الولايات المتحدة اليوم، أن تتوقع أن تعيش حتى سن 80 عاماً، إذا اتبعت النظام الغذائي النموذجي هناك. ولكن إذا قللت بشكل كبير من تناول اللحوم، والسكر، ومنتجات الألبان، والحبوب المكررة، وانتقلت بصورة دائمة إلى نظام غذائي يعتمد في الغالب على الحبوب الكاملة، والفواكه، والخضراوات، والمكسرات، والبقوليات، والأسماك، فإن متوسط العمر المتوقع لها سوف يزداد إلى 89 عاماً؛ أي بزيادة تقارب عقداً من الزمن. وبالمثل، فإن شاباً أميركياً يبلغ من العمر 20 عاماً يتبع التغيير نفسه سوف يزيد متوسط العمر المتوقع له، وإن كان من نقطة انطلاق أقل، من 76 إلى 86 عاماً.

ويقول لارس فادنيس: «نستفيد كثيراً من زيادة تناول الحبوب الكاملة والمكسرات والبقوليات، وكذلك من تقليل الأطعمة السكرية واللحوم؛ ولا سيما اللحوم المصنعة واللحوم الحمراء».

العلاقات الاجتماعية: تنمية العقلية الصحيحة للعيش حتى سن المائة

«أنا في الـ87 من عمري. لا أشعر أنني في الـ87، ولا أفكر كأنني في الـ87»، كما قالت إيلين نيوويرث على «تيك توك». وأضافت: «أهم شيء هو المشاركة... والتفاعل مع الآخرين... ووجود هدف. انهض وتحرَّك... كن جزءاً من العالم»، كما كتبت هيلين تومسون(*).

ان كلماتها التي شاهدها حتى الآن 3.6 مليون شخص، وما زال العدد في ازدياد، تعكس الإجماع العلمي المتزايد على أنه لا يكفي فقط تناول الطعام الصحي وممارسة الرياضة بانتظام لكي تعيش حياة طويلة؛ إذ يجب تعزيز صحتك النفسية.

وعلى الرغم من أنه لا يمكنك التغلب على العادات الغذائية السيئة ونمط الحياة الخامل طوال العمر، فإن هناك أدلة تشير إلى أنه لم يفت الأوان أبداً لجني ثمار إدخال بعض التعديلات النفسية.

لنبدأ بعلاقاتك: لفهم أهميتها، نلقي نظرة على أطول دراسة متعمقة أجريت على الإطلاق عن حياة الإنسان، وهي دراسة «هارفارد» لتطور نمو البالغين. منذ عام 1938، تابعت الدراسة 724 فتى وشاباً، وأكثر من 1300 من أحفادهم، لتحديد ما يجعل الناس يزدهرون جسدياً وعقلياً.

يقول مارك شولتز، المدير المشارك للدراسة، إن هناك أمراً واحداً بارزاً: العلاقات عالية الجودة؛ إذ اتضح أن الروابط الاجتماعية هي مؤشرات قوية على الصحة والرفاهية في مرحلة متأخرة من الحياة.

على سبيل المثال: أظهر تحليل للبيانات من الدراسة، أن الرجال الذين لديهم علاقات اجتماعية أكثر إيجابية، ويشاركون بشكل أكبر في مجتمعهم خلال منتصف العمر، يكونون أقل عرضة للإصابة بالاكتئاب، ويتمتعون بإدراك أفضل في مرحلة متأخرة من الحياة.

عندما يكون الناس في علاقات جيدة، فإن جراحهم تلتئم بصورة أسرع. وتشير دراسات عدة نُشرت خلال العام الماضي إلى سبب ذلك. فهي تُظهر -على سبيل المثال- أن وجود مزيد من الأصدقاء المقربين يرتبط بنظام مناعي أقوى بصفة عامة، ونسبة أكبر من الخلايا التي تؤخر شيخوخة الجهاز المناعي؛ مما يشير إلى أن الترابط الاجتماعي يمكن أن يساعد في جعل الجهاز المناعي أكثر قوة وشباباً.

التمارين تساعدك على الحياة فترة أطول

«سرِّي هو أنني لا أنهض من الأريكة أبداً»، لم يقل أي معمِّر هذا الكلام قط. ولكن تجدر الإشارة إلى أن كبار السن في العالم نادراً ما يذكرون اتباعهم لأنظمة لياقة بدنية قاسية. وبدلاً من ذلك، يميل المعمرون إلى الإبلاغ عن ممارسة تمارين منتظمة ومعتدلة طوال حياتهم، مثل المشي والزراعة والبستنة، كما كتبيت كارولين ويليامز(*).

هذه الوصفة الدقيقة لا تتناسب مع كثير من أنماط الحياة الحديثة، ولكن ذلك لم يمنع العلماء من محاولة تحديد الجرعة والنوع الأمثل من التمارين الرياضية لحياة طويلة وصحية.

ما هو واضح هو أن عدم القيام بأي شيء ليس خياراً. فقد ارتبطت قلة النشاط البدني بما لا يقل عن 3.9 مليون حالة وفاة مبكرة سنوياً على مستوى العالم، كما أنها تزيد بصورة كبيرة من خطر الإصابة بالأمراض المزمنة، بما في ذلك أمراض القلب، والسكتة الدماغية، وبعض أنواع السرطان.

على الجانب الآخر، يمكن أن تضيف ممارسة التمارين الرياضية بكمية كافية ما يصل إلى 7 سنوات إلى عمرك، مع إطالة الفترة التي تقضيها متمتعاً بصحة جيدة.

يمكن العثور على دليل تقريبي لمقدار التمارين الكافية في تاريخنا التطوري. يسير الصيادون وجامعو الثمار المعاصرون -وهم أقرب ما يمكننا الوصول إليه من طريقة عيش أسلافنا- نحو 11 ألف إلى 20 ألف خطوة يومياً، ويحصلون على «تدريبات المقاومة» من أعمال الصيد والتسلق والحفر، بحثاً عن الدرنات، وحمل الموارد التي يجمعونها إلى منازلهم.

وهم في ذلك أقل عُرضة للإصابة بالأمراض المزمنة التي تنتشر في الدول الغربية. ويبدو أن السبب يكمن في استجابة الجسم لهذا العمل كله، ما يؤدي إلى زيادة في الصيانة والإصلاح الداخليين.

ويتكهن الدكتور دانيال ليبرمان، عالم الأنثروبولوجيا التطورية في جامعة هارفارد، بأن السبب في ارتباط التمرينات الرياضية بالصيانة الفسيولوجية، هو أن التطور ربط بينهما، بحيث لا يتم تنشيط الجينات المشاركة في إصلاح الجسم وصيانته إلا عندما نتحرك. وإذا لم نتحرك، فإن الجسم يوفر الطاقة عن طريق التخلي عن هذه الوظائف.

* مجلة «نيوساينتست»، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

الرحلات البحرية والصحة... كيف تتجنب العدوى والمخاطر؟

صحتك السفينة السياحية «إم في هونديوس» التي تأثرت بتفشي فيروس «هانتا» (رويترز) p-circle

الرحلات البحرية والصحة... كيف تتجنب العدوى والمخاطر؟

تُعدّ الرحلات البحرية تجربة فريدة تجمع بين الترفيه والاسترخاء واستكشاف وجهات متعددة في رحلة واحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك النظام الغذائي الغني بالأسماك التي تحتوي على أحماض أوميغا-3 يرتبط بانخفاض خطر الإصابة بالخرف (بيكسلز)

من «فيتامين ب» إلى الجنكة...هل يمكن حقاً تحسين الذاكرة بالمكملات الغذائية؟

تنتشر في الأسواق ووسائل الإعلان وعودٌ جذابة حول مكملات «تعزيز الدماغ»، مثل تحسين الذاكرة وزيادة التركيز ورفع القدرات الذهنية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك بعض الأخطاء غير المقصودة من قبل الأهل قد تؤدي إلى نتائج عكسية خطيرة (بيكسلز)

أطباء يحذّرون: 4 ممارسات يقوم بها الآباء قد تُقصّر عمر الأطفال

التربية ليست مجرد خبرة متوارثة عبر الأجيال، بل هي عملية معقّدة تتداخل فيها المعرفة العلمية مع العادات الاجتماعية والثقافية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك عدد من عبوات مشروبات الطاقة (أرشيفية - رويترز)

أطعمة ومشروبات قد تسبب لك الجفاف

قال موقع «فيري ويل هيلث» إن ما تأكله وتشربه يلعب دوراً كبيراً في الحفاظ على ترطيب جسمك، فالأطعمة الغنية بالصوديوم والسكر والكافيين يمكن أن تساهم في حدوث الجفاف.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
صحتك الكولاجين يساعد الجلد على البقاء مشدوداً (بيكسلز)

أربعة تغيرات في الوجه قد تعني معاناة جسمك من نقص البروتين

إذا كان وجهك يبدو مؤخراً مختلفاً بعض الشيء عن مظهره المعتاد، وأصبح يبدو أكثر إرهاقاً أو جفافاً، أو أنحف من المعتاد، فقد يعني ذلك أنك تعاني من نقص البروتين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

القضاء على البعوض يثير الجدل رغم تسببه بمقتل أعداد كبيرة من البشر

يتسبب البعوض بمقتل نحو 760 ألف إنسان سنوياً بحسب بيانات رسمية (أ.ف.ب)
يتسبب البعوض بمقتل نحو 760 ألف إنسان سنوياً بحسب بيانات رسمية (أ.ف.ب)
TT

القضاء على البعوض يثير الجدل رغم تسببه بمقتل أعداد كبيرة من البشر

يتسبب البعوض بمقتل نحو 760 ألف إنسان سنوياً بحسب بيانات رسمية (أ.ف.ب)
يتسبب البعوض بمقتل نحو 760 ألف إنسان سنوياً بحسب بيانات رسمية (أ.ف.ب)

ليست الأسود ولا العناكب ولا الحيتان الحيوانات الأكثر حصداً لأرواح البشر، بل البعوض الصغير الذي يلدغ ويسبب حكة وينقل الأمراض، إلى حدّ أن فكرة القضاء عليه تصبح في كثير من الأحيان موضع جدل.

يتسبب البعوض بمقتل نحو 760 ألف إنسان سنوياً، بحسب بيانات رسمية، إذ ينقل نحو 17 في المائة من الأمراض المعدية، مثل الملاريا وحمى الضنك والحمى الصفراء وشيكونغونيا وزيكا.

وبسبب التغير المناخي، تنتشر هذه الحشرات في مناطق جديدة من العالم خلال فصول الصيف التي باتت أطول، ما يُثير مخاوف من أزمات صحية مستقبلية.

ومن هذا المنطلق، ألا يمكن للبشر القضاء على البعوض القاتل؟ وإذا كان ذلك ممكناً، فما تأثيره على البيئة؟

تشير عالمة الأحياء هيلاري رانسون من كلية ليفربول للطب الاستوائي في حديث لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إلى عدم الحاجة للقضاء على مختلف أنواع البعوض، إذ من 3500 نوع معروفة تقريباً لا يلدغ البشر سوى نحو مائة، بينما تُعدّ 5 أنواع فقط مسؤولة عن نحو 95 في المائة من العدوى لدى البشر.

وتوضح أن الأنواع الخمسة الناقلة للأمراض «تطورت لتكون شديدة الارتباط بالبشر»، لا سيما من خلال التغذية والتكاثر على مقربة منهم.

وتؤكد أنّ القضاء عليها نهائياً، وهو أمر «مقبول» بالنظر إلى الضرر الذي تُسببه، لن يكون له تأثير كبير على النظام البيئي ككل، لافتة النظر إلى أنّ أنواعاً من البعوض متشابهة جينياً، لكنها أقل فتكاً «ستسدّ سريعاً هذه الفجوة البيئية».

جدل أخلاقي

من جهته، يعدّ عالم الحشرات دان بيتش من جامعة جورجيا في الولايات المتحدة أن هناك حاجة إلى مزيد من المعلومات لمقارنة القضاء النهائي على البعوض بخيارات أخرى، ويقول: «نحن لا نعرف ما يكفي عن بيئة معظم أنواع البعوض لاتخاذ قرار نهائي في أي من الاتجاهات».

ويضيف أن البعوض «ينقل عناصر غذائية من موائله المائية التي يفقس فيها» إلى مناطق أخرى، ويُعدّ غذاء لكائنات حية أخرى كأنواع من الحشرات والأسماك. كما أنه يُلقّح النباتات، مع العلم أنّ هذه الظاهرة «ليست مفهومة بشكل جيد، وقد تختلف بحسب الأنواع».

وترى رانسون أن الجدل الأخلاقي الدائر بشأن القضاء على كائنات حية مشروع، مشيرة أيضاً إلى أنّ البشر يُبيدون أصلاً أنواعاً كثيرة منها من دون قصد.

ومن بين التقنيات الحيوية الواعدة للقضاء على البعوض، تقنية «الدفع الجيني» التي تقوم على تعديل كروموسوم لنقل صفة معينة إلى كل نسله. وقد نجح علماء عدّلوا جينات إناث بعوض أنوفيلة غامبية الناقل لمرض الملاريا لجعلها عقيمة، في القضاء على مجموعة من هذه الحشرات خلال بضعة أجيال فقط داخل مختبرات.

وتعتزم مبادرة «تارغيت ملاريا» (استهداف الملاريا)، الممولة من مؤسسة غيتس الأميركية، إجراء تجارب في دولة متضررة من الملاريا بحلول عام 2030.

وقد واجهت المبادرة انتكاسة في بوركينا فاسو، حيث أوقف المجلس العسكري الحاكم خلال العام الفائت مشروعاً يتعلق بسلالات معدلة وراثياً من البعوض، ولكن من دون استخدام تقنية الإجبار الجيني (إجبار جين معين على الظهور على نحو تفضيلي في الأجيال الآتية)، وذلك عقب انتقادات من المجتمع المدني وحملات تضليل إعلامي.

وتتمثل استراتيجية واعدة أخرى بجعل بعوض الزاعجة المصرية مُصابة ببكتيريا ولباكيا (الولبخية) التي تمنع انتشار الفيروس. ومن شأن ذلك أن يقلل من أعدادها أو يحدّ من قدرتها على نقل حمى الضنك.

«لا حلّ سحرياً»

تثير هذه التقنيات تساؤلاً آخر بشأن الحاجة الفعلية للقضاء على هذه الحشرات.

أظهرت دراسة نُشرت عام 2025 أن إطلاق بعوض مُصاب ببكتيريا ولباكيا في مدينة نيتيروي البرازيلية خفّض حالات حمى الضنك بنسبة 89 في المائة. وحالياً، يتمتع أكثر من 16 مليون شخص في خمس عشرة دولة بالحماية بفضل هذه البعوضات «من دون مواجهتهم أي آثار سلبية»، على ما يقول مؤسس البرنامج العالمي لمكافحة البعوض سكوت أونيل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

في غضون ذلك، يسعى مشروع آخر يهدف إلى «منع انتقال العدوى بشكل تام» إلى استخدام تقنية تحوير الجينات لمنع إناث بعوضة الأنوفيلة الغامبية من نقل الملاريا. تشير أبحاث مخبرية نُشرت في مجلة «نيتشر» أواخر عام 2025 إلى أن العلماء يقتربون من تحقيق هذا الهدف، ومن المتوقع بدء تجربة ميدانية عام 2030.

مع ذلك، أظهرت النكسة في بوركينا فاسو أن هذه المشاريع تتطلب قدراً من «الدعم السياسي أو موافقة» الدول التي تُجرى فيها التجارب، بحسب ما يؤكد معدّ الدراسة ديكسون ويلسون لويتويرا لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وبدل التعويل فقط على «حلّ تكنولوجي سحري» والذي عادة ما تموّله مؤسسة «غيتس»، تدعو رانسون إلى «حلّ أكثر شمولاً» لمكافحة الأمراض الفيروسية المنقولة عبر الحشرات.

وتقول رانسون إن هذا الحل يتضمن تعزيز إتاحة التشخيص والعلاجات واللقاحات الأكثر فاعلية لسكان الدول المتضررة. لكن بحسب منظمات غير حكومية، يهدّد خفض المساعدات الدولية من الدول الغربية الذي بدأ عام 2025، التقدم المُحرز في مكافحة معظم الأمراض التي ينقلها البعوض.


القادة يثقون بأدوات الذكاء الاصطناعي أكثر من ثقتهم بالبشر

القادة يثقون بأدوات الذكاء الاصطناعي أكثر من ثقتهم بالبشر
TT

القادة يثقون بأدوات الذكاء الاصطناعي أكثر من ثقتهم بالبشر

القادة يثقون بأدوات الذكاء الاصطناعي أكثر من ثقتهم بالبشر

أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً لا يتجزأ من العمليات الحديثة... من تطوير المنتجات إلى تخطيط القوى العاملة. إذ إن وعوده جذابة، فهو سيُؤتمت عمل المؤسسات ويُحسّنه على جميع المستويات لدفع عملية صنع القرار القائمة على البيانات، وزيادة الإنتاجية، وتحسين تجارب العملاء... ولكن ثمة مخاطر كامنة وراء هذه المكاسب، كما كتبت لويز ك. ألين(*).

اتخاذ القرار بالنيابة

إن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لاتخاذ قرارات أفضل- أمر، غير أن الاعتماد عليه لاتخاذ القرارات نيابةً عنك- أمر آخر.

وقد اتضح أن العديد من المديرين التنفيذيين يميلون إلى الخيار الثاني، حيث وجدت شركة SAP أن 74 في المائة من المديرين التنفيذيين الذين شملهم الاستطلاع قالوا إنهم يثقون في مخرجات الذكاء الاصطناعي أكثر من النصائح البشرية. بالإضافة إلى ذلك، فإن ما يقرب من نصفهم سيسمحون للذكاء الاصطناعي بتجاوز قرارهم الشخصي كانوا قد اتخذوه بالفعل.

وقد يُعرّض هذا التوجه نحو الثقة بالأدوات الذكية، القادة لمساءلة في المستقبل، ما يُقوّض مصداقيتهم ومهاراتهم في سعيهم لتحقيق الكفاءة.

تأثير الذكاء الاصطناعي على العقل

إن هذا النمط مألوف. إذ غالباً ما تندفع الشركات نحو أطر عمل وأدوات وعمليات جديدة، متوقعةً أن مجرد تبنيها كافٍ لتحقيق النتائج، دون مراعاة التداعيات الأوسع.

ولقد حدث هذا من قبل. ففي العديد من عمليات نقل البيانات إلى الحوسبة السحابية المبكرة، على سبيل المثال، تم تحديث الأنظمة، لكن العمليات ظلت على حالها.

ويسلك الذكاء الاصطناعي مساراً مشابهاً، سواء في الاستخدام الشخصي أو التجاري. إذ يُسوَّق له على أنه طريق مختصر لاتخاذ قرارات مثلى. وقد تقبّل الجمهور، بشكل عام، هذا الطرح دون تمحيص.

القرارات لا تُتخذ بمعزل عن السياق

تكمن المشكلة في أن القرارات لا تُتخذ بمعزل عن السياق. فهي تتطلب سياقاً وحكماً وتحليلاً. عندما يعتاد الناس على الاعتماد على مخرجات الذكاء الاصطناعي، تتضاءل مهارات الفهم والاستدلال مع ازدياد اعتمادهم على الأدوات في إنجاز العمل.

تشير الأبحاث بالفعل إلى مخاطر هذه الديناميكية. وقد أظهرت دراسة أجراها مختبر الإعلام في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أن اعتماد الأفراد بشكل كبير على أدوات الذكاء الاصطناعي لإنجاز المهام التي تتطلب تفكيراً مكثفاً، أدى إلى انخفاض مستوى مشاركتهم الإدراكية. وكانت هذه الآثار بالغة الأهمية لدرجة أن المشاركين أظهروا ضعفاً في قدرتهم على تذكر محتوى أعمالهم.

السرعة أم الحكمة؟

والأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن هذه الآثار لم تختفِ عند إزالة الأدوات، بل استمرت. وهذا يشير إلى أن الإفراط في الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي قد يؤثر على النتائج في لحظتها، ويُضعف المهارات المكتسبة بمرور الوقت.

في المناصب القيادية العليا، قد تكون تداعيات هذا التشويش المنهجي على سير العمل وخيمة. فمهمة القادة هي تحديد التوجه رغم الغموض، وتوحيد جهود الأفراد حول هذا الهدف المشترك.

باختصار، فإن القرارات التي يتخذها القائد يجب أن تكون أقل أهمية من جوانب التعاطف والسلطة والمصداقية التي تُبنى عليها هذه القرارات.

إن كل قرار يُعهد به إلى جهة خارجية يُعد فرصة ضائعة لصقل مهارات التفكير والتواصل.

* قيم المؤسسة وثقافتها وأهدافها طويلة الأجل هي وظائف بشرية في جوهرها*

إعادة صياغة دور الذكاء الاصطناعي

يُخاطر القادة الذين يُطلقون العنان لأدوات الذكاء الاصطناعي بشكل كامل بتقويض نجاحهم. تُتيح هذه الأدوات توسيع نطاق المدخلات التي يأخذها القادة في الاعتبار، وتحدي الافتراضات، وتسريع التحليل. مع ذلك، فإنَّ الموازنة بين الأولويات المتنافسة وإدارة التنفيذ بطرق تُجسّد قيم المؤسسة وثقافتها وأهدافها طويلة الأجل هي وظائف بشرية في جوهرها. وكلما زاد غموض هذا الخط الفاصل بين العمل والتنفيذ، زادت المخاطر التي تواجهها المؤسسات.

الانضباط عند اتخاذ القرار

ستكون المؤسسات الأكثر استفادة من الذكاء الاصطناعي هي تلك التي تتسم بالانضباط في اتخاذ قراراتها. وهذا يتطلب تركيزاً مُتجدداً على أساسيات القيادة: وضوح النية والقدرة على تطبيق الحكم السليم في المواقف التي تكون فيها البيانات غير مكتملة أو غامضة. قد يبدو هذا التمييز فلسفياً، ولكنه في الواقع عملي وواقعي.

الحفاظ على الطابع الإنساني للقرارات

إنّ أولئك الذين يُفكرون ملياً في كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي ومتى، وما يجب على القادة الاستمرار في تحمّل مسؤولياته، سيحققون نتائج أفضل من أولئك الذين يُركّزون كلياً على الكفاءة.

ذكاء «محايد ومتفاعل وخصم»

هذا يعني التخلي عن فكرة اعتبار الذكاء الاصطناعي صانع قرار أو مالك مشروع، والنظر إليه بدلاً من ذلك على النحو التالي:

1. طرف ثالث محايد: تستطيع أدوات الذكاء الاصطناعي معالجة البيانات وتلخيصها بسرعة، ما يساعد على إبراز الأنماط الموضوعية، ولكن على القادة تفسير الأرقام في ضوء تاريخ المؤسسة وثقافتها وخصوصياتها.

2. منصة تفاعلية لتبادل الآراء: استخدم الذكاء الاصطناعي لمناقشة الخيارات، وجمع المعلومات حول سيناريوهات مماثلة، وتطوير أساليب تفكير جديدة، مع الاحتفاظ بمسؤولية الحكم والتوجيه النهائي والتواصل.

3. خصمٌ شرس: دع الذكاء الاصطناعي يلعب دور المُعارض. اطلب منه أن يُشكك في أفكارك، وأن يختبر خططك بدقة، وأن يُحلل ثغرات تفكيرك من منظور مختلف أصحاب المصلحة، وذلك لفهم كيفية استقبال الآخرين لرؤيتك الاستراتيجية.

يُساعد هذا التغيير في التفكير على ترسيخ وتوضيح دور الذكاء الاصطناعي في سير العمل التنفيذي، وجعله عاملاً مُساعداً لا مُتحكماً في الخطوات اللاحقة. ففي نهاية المطاف، القيادة تعني تحمُّل مسؤولية التوجيه والأفراد والنتائج.

يُمكن للذكاء الاصطناعي دعم هذا العمل، لكنه لا يستطيع القيام به. سيجد المديرون التنفيذيون الذين يسمحون للذكاء الاصطناعي باتخاذ القرارات بدلاً من تقديم المعلومات، أنفسهم، حتماً تقريباً، يُعيدون صياغة رؤاهم وفقاً لصورة التكنولوجيا، مُتجاهلين حدودها. وهذا يُشكل خطراً، استراتيجياً وشخصياً.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».


حضور الذكاء الاصطناعي في الاجتماعات... قنبلة موقوتة

حضور الذكاء الاصطناعي في الاجتماعات... قنبلة موقوتة
TT

حضور الذكاء الاصطناعي في الاجتماعات... قنبلة موقوتة

حضور الذكاء الاصطناعي في الاجتماعات... قنبلة موقوتة

يقوم جيفري جيفورد، وهو محامٍ في سان أنطونيو، متخصص في حوكمة الشركات والأوراق المالية وعمليات الاندماج والاستحواذ في مكتب دايكيما للمحاماة بدور حارس أمن... قبل بدء الاجتماعات الافتراضية! كما كتبت سارة كيسل(*).

ويقول لموقع «ديل بوك»: «قبل بدء الاجتماع، عندما أرى برنامج تدوين الملاحظات الذكي يظهر، أقول (للمشاركين): (مرحباً مايك، جيم، باربرا، لقد رأيت برنامج تدوين الملاحظات الذكي. سأقوم بإيقافه وإخراجه من الاجتماع)».

إن هذا الأمر يتكرر حالياً بشكل متزايد. ويضيف يفورد: «الجميع يستخدم هذه البرامج، من المديرين التنفيذيين إلى أعضاء مجالس الإدارة ورجال الأعمال غير التنفيذيين».

رواج «الإنتاجية المدعومة بالذكاء الاصطناعي»

يُطلق على عملية تخطّي الاجتماعات وعدم المشاركة فيها، وإرسال مُدوّن ملاحظات يعمل بالذكاء الاصطناعي اسم «أحدث صيحة في عالم الأعمال». وقد أصبحت أجهزة التسجيل صغيرة الحجم التي تستخدم الذكاء الاصطناعي لتسجيل التفاعلات المباشرة من فئة المنتجات الرائجة. بل إنّ أحد الرؤساء التنفيذيين على الأقل أيّد فكرة إضافة عضو مجلس إدارة يعمل بالذكاء الاصطناعي (ربما كان مُبرمجاً ليتصرف مثل وارن بافيت - رجل الاعمال الشهير).

ذكاء اصطناعي في الاجتماعات- قنبلة موقوتة

لكن بالنسبة لمحامين مثل جيفورد، فإنّ دعوة روبوت ذكاء اصطناعي إلى الاجتماعات تُشكّل قنبلة موقوتة من المخاطر القانونية.

تعليقات عفوية... ودعاوى قضائية

النصوص المُولّدة بالذكاء الاصطناعي، التي تُتيح بعض تطبيقات مكالمات الفيديو للمستخدمين تفعيلها افتراضياً، تحفظ أنواعاً مختلفة من المعلومات - كالتعليقات العفوية، والتصريحات المُصحّحة بسرعة، والنكات - التي نادراً ما يُدوّنها البشر في محاضر الاجتماعات. وتظهر هذه النصوص في اجتماعات ما كانت لتُسجّل لولا ذلك.

وفي الدعاوى القضائية أو التحقيقات، قد يُصبح كل ما يُقال قابلاً للكشف.

بل الأسوأ من ذلك، كما يقول محامو الشركات إنّ «مشاركة الاجتماع مع روبوت ذكاء اصطناعي قد تُبطِل سرية العلاقة بين المحامي وموكله؛ ما يجعل المحادثات التي ما كانت لتخضع للكشف في الظروف العادية، متاحةً للطعن في الدعوى القضائية».

تحذيرات حقوقية من حضور الروبوت في الاجتماع

أصدرت نقابة المحامين في مدينة نيويورك، العام الماضي، رأياً رسمياً بشأن برامج تدوين الملاحظات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وحثت المحامين على «النظر فيما إذا كان تسجيل المحاضر وتفريغها وتلخيصها إجراءً تكتيكياً مناسباً في الظروف الخاصة بكل حالة»، ونصحوا الزبائن الذين يستخدمون هذه الأدوات (بالتمعّن) «بمساوئ القيام بذلك».

ومن بين المخاوف دقة هذه البرامج؛ فعلى سبيل المثال، قد يسجل برنامج تدوين الملاحظات المدعوم بالذكاء الاصطناعي عبارة «مهم» على أنها «غير مهم». وإذا ما طُرحت هذه الجملة في المحكمة بعد سنوات، فقد يصعب تذكُّر الخطأ.

كما يشعر محامو الشركات بالقلق إزاء افتقار برامج تدوين الملاحظات المدعومة بالذكاء الاصطناعي إلى فهم السياق والتقدير. فعلى سبيل المثال، قد يكون تسجيل كل كلمة في اجتماع مجلس الإدارة، مهما كانت الملاحظة هامشية، أمراً محفوفاً بالمخاطر القانونية.

مشكلات «امتياز السرية القانونية»

يتوقع المسؤولون التنفيذيون ومجالس الإدارة عموماً أن تتمتع المحادثات مع فريقهم القانوني بشأن المسائل القانونية، بامتياز السرية بين المحامي والموكل. ويفقدون هذه الحماية إذا شاركوا المعلومات نفسها مع جهات خارجية، ومن المحتمل أن يكون لبرامج تدوين الملاحظات المدعومة بالذكاء الاصطناعي التأثير نفسه.

ويُزعم أن الشركات التي تُصنّع هذه الأدوات قد تتمكن من الوصول إلى نصوص المحادثات والبيانات المتعلقة بها.

اجتهادات القضاة

وبينما لم تتناول المحاكم هذه المسألة بشكل مباشر، فقد نظرت في مسائل مماثلة. ففي فبراير (شباط) الماضي، وعندما طلب المدعى عليه استشارة قانونية منه، قضى القاضي جيد س. راكوف، من المحكمة الجزئية الأميركية للمنطقة الجنوبية من نيويورك، بأن نصوص المحادثات التي تم إنشاؤها باستخدام تطبيق «كلود» للذكاء الاصطناعي لا تتمتع بامتياز السرية بين المحامي والموكل.

وكتب القاضي أنه لا يحق للمدعى عليه توقع أي خصوصية عند استخدام نموذج مُدرّب على مدخلات المستخدم، الذي يتضمن إخلاء مسؤولية صريحاً في سياسة الخصوصية الخاصة به بشأن قدرته على مشاركة المعلومات مع جهات خارجية (بما في ذلك «السلطات التنظيمية الحكومية«).

من جهة أخرى، اتخذ القاضي غيرشوين أ. درين، من محكمة المقاطعة الأميركية في ديترويت، نهجاً مختلفاً؛ فقد قضى، في فبراير أيضاً، بأنه لا يمكن إجبار المدعية التي مثّلت نفسها بفعالية في المحكمة على تسليم نصوص محاضر جلسات «تشات جي بي تي» المتعلقة بالقضية.

* باختصار، خدمة «نيويورك تايمز».