«الميكروبيوم المتنوّع»... أساس الشيخوخة الصحية

يؤثر على كل شيء... من الهضم إلى التمثيل الغذائي وحتى وظائف الدماغ

«الميكروبيوم المتنوّع»... أساس الشيخوخة الصحية
TT

«الميكروبيوم المتنوّع»... أساس الشيخوخة الصحية

«الميكروبيوم المتنوّع»... أساس الشيخوخة الصحية

إذا كنت ترغب في العيش حتى سن الشيخوخة، فربما من المفيد أن تفكر في نفسك؛ ليس بوصفك إنساناً، وإنما بوصفك كائناً حياً متكاملاً؛ تعيش في جسمك -وعليه- مجموعة من الخلايا البشرية، بالإضافة إلى تريليونات الميكروبات، كما كتبت هيلين تومسون(*).

الخلايا تتغير وكذلك الميكروبيوم

لا تتغير خلايانا فقط مع تقدم العمر؛ وإنما يتغير الميكروبيوم الخاص بنا أيضاً (الميكروبيوم هو مجموع الميكروبات المتعايشة مع الإنسان). ويثبت الباحثون بشكل متزايد أن البكتيريا المفيدة –وغير المفيدة– وغيرها من الكائنات الحية التي تعيش في أجسامنا، هي أساس الشيخوخة الصحية. وقد يكون الاعتناء بها طريقة ذكية لعيش حياة صحية وطويلة.

قبل أكثر من قرن، افترض عالم الحيوان إيلي ميتشنيكوف أن الشيخوخة ناتجة من «السموم البكتيرية الذاتية المتعفنة»، وأوصى بتناول الحليب المخمَّر، واتباع أسلوب حياة بسيط، كعلاج. واليوم، ازدهرت تلك النظرية المبكرة.

تأثيرات هضمية ودماغية

نحن نعلم الآن أن الميكروبيوم لدينا متأصل بعمق في جهازنا الفسيولوجي، لدرجة أنه يؤثر على كل شيء، من الهضم إلى التمثيل الغذائي، وحتى وظائف الدماغ.

ومع ذلك، فإن فهم تأثيره كان أمراً صعباً. يقول عالم الأحياء الدقيقة فيليبي كابرييرو من «إمبريال كوليدج لندن»: «إن تعقيد الميكروبيوم يشبه تعقيد الدماغ البشري».

التنوع مفتاح الصحة

لا يوجد شخصان لديهما الميكروبيوم نفسه، وحتى داخل الفرد نفسه، يمكن أن يتغير الميكروبيوم من يوم لآخر. ولكننا نكتسب بعض الأدلة الحيوية. على سبيل المثال: أصبح لدينا فكرة أفضل بكثير عن أي الكائنات الحية في الأمعاء مفيدة، وأيها مسببة للأمراض. وأصبح هناك شيء واحد واضح: التنوع هو المفتاح. كلما زاد تنوع الميكروبات المعوية تحسنت حالتك الصحية.

تغير الميكروبيوم مع التقدم في العمر

للأسف، فمع تقدمنا في العمر، يتغير الميكروبيوم لدينا، ويميل إلى إظهار انخفاض في وفرة البكتيريا الصحية في مرحلة متأخرة من الحياة. ويميل كبار السن إلى اتباع أنظمة غذائية أقل تنوعاً، وتناول مزيد من الأدوية، وتقليل التفاعلات الاجتماعية، وكل ذلك له آثار سلبية متتالية على أنواع الميكروبات التي تعيش في الأمعاء. ولكن حتى الحيوانات التي تُربَّى في ظروف متطابقة طوال حياتها تظهر لديها تغيرات مرتبطة بالعمر في الميكروبيوم، ما يشير إلى حدوث تغير جوهري مع التقدم في العمر.

ولفهم تأثير ذلك الانخفاض، ركَّز كثير من الباحثين على الميكروبات التي تنتج الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة (SCFA) من خلال تخمير الألياف الغذائية. وتشارك الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة في كثير من العمليات المفيدة، مثل الحفاظ على خلايا بطانة الأمعاء، وكبح الالتهابات، وتنظيم استجابة جهاز المناعة لمسببات الأمراض، والتحكم في مستويات السكر في الدم.

ازدياد الميكروبات المسببة للالتهاب مع الهَرَم

مع تقدمنا في العمر، ينخفض عدد الميكروبات التي تنتج الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة، في حين يزداد عدد الميكروبات المسببة للالتهابات. تقول جيسيكا شنايدر، كبيرة المسؤولين العلميين في شركة «كوروندوم سيستمز بيولوجي» التي تستثمر في مجال البحوث، ومقرها في طوكيو باليابان: «يُعتقد أن هذا الاختلال يساهم في حدوث التهاب مزمن منخفض الدرجة، وهي حالة تُعرف باسم الالتهاب المرتبط بالشيخوخة، وهي تتسم بارتفاع خطر الإصابة بأمراض مثل أمراض القلب، والأوعية الدموية، والخرف، والسكتة الدماغية».

 

التكوين الميكروبي المعوي للمعمرين أكثر شبهاً بالشباب

ومع ذلك، يبدو أن ميكروبيوم الأمعاء لدى الأشخاص الذين يبلغون سن الشيخوخة المتقدمة أكثر قدرة على مقاومة هذا الانخفاض. وتأتي الأدلة الرئيسية على ذلك من دراسة أُجريت عام 2023 على 1575 شخصاً، تتراوح أعمارهم بين 20 و117 عاماً، بواسطة شيفو بانغ وشياودونغ تشين، من جامعة قوانغشي الطبية في ناننينغ، بالصين، وزملائهما.

خلصت الدراسة إلى أنه بالمقارنة بالبالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 66 و85 عاماً، فإن التكوين الميكروبي المعوي لمن تتراوح أعمارهم بين 100 و117 عاماً كان أكثر شبهاً بما لدى الشباب، مع تنوع أكبر ووفرة أعلى من البكتيريا النافعة من فصيلة «البكتيرويدات العصوانية- Bacteroides».

وكذلك خلص الباحثون إلى أن «نتائجنا تشير بقوة إلى أن التكوين الميكروبي المعوي للمُعمِّرين يُظهر تشابهاً مع ذلك التكوين لدى الشباب»، ويتكهنون بأن هذا العامل يساهم في طول العمر.

تُظهر علامات ميكروبات الأمعاء لدى المعمرين تشابهاً مع تلك الموجودة لدى الشباب. وهذا يطرح السؤال حول ما إذا كان بإمكاننا رعاية الميكروبيوم لدينا، كي نصبح أكثر صحة مع التقدم في العمر.

إن تغيير ميكروبات الأمعاء ليس بالأمر الهين. يقول كابرييرو: «أنت تحاول إدخال مجتمع معقد إلى مجتمع معقد آخر يميل لأن يكون قوياً». ومع ذلك، في حين أن «البريبايوتكس- prebiotics» أو مغذيات المعززات الحيوية، وهي مكملات توفر الغذاء للميكروبات المفيدة في الأمعاء، و«البروبايوتكس- probiotics» أو المعززات الحيوية، وهي ميكروبات مفيدة للأمعاء يمكن تناولها كمكمل غذائي، قد لا تعيد تشكيل الميكروبيوم بصورة جذرية، فإنها قد تدفعه في الاتجاه الصحيح، ولو مؤقتاً على الأقل.

دور التغييرات الغذائية

على سبيل المثال، أظهرت شركة «زوي» للتغذية، في تجربة عشوائية أجريت العام الماضي، أن البريبايوتكس الذي تحتويه منتجاتها -والذي يحتوي على 30 مادة مغذية نباتية- يزيد البكتيريا المفيدة، مع بعض التحسينات في المقاييس الصحية، مثل المركبات الالتهابية في الدم.

كما أظهرت دراسة أخرى أجريت على 50 بالغاً يعيشون في دور رعاية المسنين، أن تناول البريبايوتكس يومياً الذي يحتوي على مركبات «فركتو أوليغوساكاريد» و«الإنولين» المشتقة من النباتات، على مدى 13 أسبوعاً، قد حسَّن من مؤشرات الضعف، مقارنة بالدواء الوهمي.

قد تكون التغييرات الغذائية فعالة بالقدر نفسه. فعندما اتبع كبار السن في بلدان عدة نظاماً غذائياً متوسطياً مدة عام واحد، احتفظ أولئك الذين التزموا به بصورة وثيقة بتنوع ميكروبي أكبر، وعززوا الميكروبات المعوية المرتبطة بالشيخوخة الصحية. وتقول جيسيكا شنايدر إن ذلك قد ترافق مع كثير من التحسينات في صحتهم، مثل تحسن سرعة المشي، والقوة، والذاكرة.

زراعة البكتيريا المعوية

وكذلك يجري استكشاف علاجات أكثر جذرية. وقد نالت عمليات زراعة البكتيريا المعوية لعلاج عدوى «كلوستريديوم ديفيكيل» الموافقة بالفعل، وتشير البيانات الواعدة إلى أنها يمكن أن تعالج حالات أخرى، ولكن يبقى سؤال مفتوح حول ما إذا كانت هذه الأساليب يمكن أن تطيل العمر أم لا. ففي الحيوانات، يؤدي استبدال الميكروبيوم القديم بميكروبيوم أصغر سناً وأكثر صحة إلى نتائج مذهلة. على سبيل المثال: تعيش أسماك الكيليفيش الأكبر سناً فترة أطول بنسبة 37 في المائة، إذا أكلت براز الأسماك الأصغر سناً. وتُظهر تجارب الفئران نتائج مماثلة.

غير أن هذا المجال لا يزال في مراحله المبكرة، كما يقول كابرييرو. ولا يزال لدينا الكثير لنتعلمه.

وتؤثر النشاطات الميكروبية على كثير من المسارات البيولوجية ذات الصلة بالشيخوخة، بما في ذلك تلك الموجودة في الميتوكوندريا، والتمثيل الغذائي، والجهاز المناعي، ونحن ما زلنا في بداية استكشاف كيفية التلاعب بميكروباتنا، من خلال النظام الغذائي والأدوية، أو حتى تقنيات تعديل الجينات «كريسبر- CRISPR».

يقول كابرييرو: «ما زلنا في المراحل الأولى، ولم ندرك كل شيء بشكله السليم تماماً، ولكن هناك حماساً كبير بشأن كيفية استفادة صحتنا وطول عمرنا من كل ذلك، وهذا أمر صحيح».

السمات البيولوجية المرتبطة بطول العمر الشديد تُستورَث بنسبة 30 % تقريباً

يلعب الحظ دوراً كبيراً في طول العمر: تجنب الحوادث المميتة، أو الأمراض المعدية القاتلة، والعيش في بلد مسالم يتمتع بمياه نظيفة ونظام رعاية صحية جيد. كما أن الفوز في «اليانصيب الجيني» يُساعد في ذلك أيضاً، كما كتب غراهام لوتون (*).

ولدى النساء فرصة أكبر من الرجال للوصول إلى عمر المائة، فأكثر من ثلاثة أرباع المعمرين إناث، وتهيمن النساء بشكل كامل على قائمة أكبر البشر سناً على الإطلاق.

إن طول العمر وراثي في العائلات أيضاً، وقد حدَّد علماء الوراثة مئات من المتغيرات الجينية ذات الصلة بالعيش حتى سن متقدمة. وتشير البحوث التي أجريت على التوائم، وعلى أشجار العائلة، إلى أن السمات البيولوجية المرتبطة بطول العمر الشديد قابلة للتوريث بنسبة 30 في المائة تقريباً.

ويبدو أن أغلب هذه الجينات توفر مستويات غير عادية من الحماية ضد أمراض الشيخوخة، مثل أمراض القلب والأوعية الدموية، وفقاً لنير بارزيلاي الذي يدرس «كبار السن الخارقين» في كلية «ألبرت أينشتاين» للطب في مدينة نيويورك.

إن أفضل طريقة للوقوف على ما إذا كان لديك جينوم يُعزز طول العمر من عدمه، هي التطلع إلى والديك، إذا كان ذلك ممكناً. لا يوجد كثير مما يمكنك فعله بشأن حمضك النووي، ولكن الخبر السار هو أنه لا يزال هناك مجال كبير للتدخل بشكل فعال. قد يشير ذلك إلى حياة تتسم بضبط النفس السليم؛ من اتباع نظام غذائي جيد، وممارسة كثير من التمارين الرياضية، والاتزان، ورجاحة العقل بالتعفف عن المهلكات. ومع ذلك، فمن المثير للدهشة أن هذه العوامل -على ما يبدو- لا تُحدث فرقاً كبيراً، على الأقل بالنسبة للأشخاص الذين حققوا بالفعل طول عمر استثنائياً.

النظام الغذائي: ماذا تأكل لتضيف عَقداً من العمر إلى حياتك

أحد الأسئلة المعتادة التي تُطرح على المعمِّرين: «كيف تفعل ذلك؟». وغالباً ما تدور الإجابات حول الطعام. بالنسبة لماريا برانياس موريرا التي كانت أقدم شخص في العالم، عندما توفيت العام الماضي عن عمر ناهز 117 عاماً، كان السر هو تناول 3 أكواب من الزبادي يومياً.

أما السيدة جين كالمينت التي تعتبر رسمياً أقدم شخص عاش على الإطلاق (على الرغم من أن هذا الأمر موضع خلاف)، فقد عزَت قوة تحملها المذهلة إلى زيت الزيتون، والشوكولاتة، وكأس من النبيذ من آن لآخر.

بالطبع، ما تأكله مهم. فالنظام الغذائي له تأثير كبير على صحتك، والبقاء بصحة جيدة هو شرط أساسي لحياة طويلة. ولكن السؤال الأفضل قد يكون: «ما الذي لم تأكله؟».

على سبيل المثال، ابتكر لارس فادنيس من جامعة بيرغن في النرويج وزملاؤه -أخيراً- نظاماً غذائياً يُعزز طول العمر، استناداً إلى تحليلهم لمجموعة بيانات ضخمة تسمَّى «دراسة العبء العالمي للأمراض». وكشفت هذه الدراسة -دون مفاجأة كبيرة- أن الأنظمة الغذائية الغربية النموذجية (الغنية بالحبوب المكررة، والسكريات المضافة، واللحوم الحمراء والمصنعة، ومنتجات الألبان، والفقيرة في الحبوب الكاملة، والفواكه، والخضراوات الطازجة، والمكسرات، والأسماك) ليست مثالية لطول العمر؛ بل في واقع الأمر، إنها قاتلة، ومسؤولة عن 11 مليون حالة وفاة مبكرة سنوياً.

وضع الباحثون نموذجاً لما سيحدث إذا تحوَّل الأشخاص الذين يتبعون هذا النظام الغذائي بصفة دائمة إلى نظام غذائي أكثر صحة، ووجدوا تأثيراً كبيراً على متوسط العمر المتوقع.

على سبيل المثال: يمكن لامرأة تبلغ من العمر 20 عاماً في الولايات المتحدة اليوم، أن تتوقع أن تعيش حتى سن 80 عاماً، إذا اتبعت النظام الغذائي النموذجي هناك. ولكن إذا قللت بشكل كبير من تناول اللحوم، والسكر، ومنتجات الألبان، والحبوب المكررة، وانتقلت بصورة دائمة إلى نظام غذائي يعتمد في الغالب على الحبوب الكاملة، والفواكه، والخضراوات، والمكسرات، والبقوليات، والأسماك، فإن متوسط العمر المتوقع لها سوف يزداد إلى 89 عاماً؛ أي بزيادة تقارب عقداً من الزمن. وبالمثل، فإن شاباً أميركياً يبلغ من العمر 20 عاماً يتبع التغيير نفسه سوف يزيد متوسط العمر المتوقع له، وإن كان من نقطة انطلاق أقل، من 76 إلى 86 عاماً.

ويقول لارس فادنيس: «نستفيد كثيراً من زيادة تناول الحبوب الكاملة والمكسرات والبقوليات، وكذلك من تقليل الأطعمة السكرية واللحوم؛ ولا سيما اللحوم المصنعة واللحوم الحمراء».

العلاقات الاجتماعية: تنمية العقلية الصحيحة للعيش حتى سن المائة

«أنا في الـ87 من عمري. لا أشعر أنني في الـ87، ولا أفكر كأنني في الـ87»، كما قالت إيلين نيوويرث على «تيك توك». وأضافت: «أهم شيء هو المشاركة... والتفاعل مع الآخرين... ووجود هدف. انهض وتحرَّك... كن جزءاً من العالم»، كما كتبت هيلين تومسون(*).

ان كلماتها التي شاهدها حتى الآن 3.6 مليون شخص، وما زال العدد في ازدياد، تعكس الإجماع العلمي المتزايد على أنه لا يكفي فقط تناول الطعام الصحي وممارسة الرياضة بانتظام لكي تعيش حياة طويلة؛ إذ يجب تعزيز صحتك النفسية.

وعلى الرغم من أنه لا يمكنك التغلب على العادات الغذائية السيئة ونمط الحياة الخامل طوال العمر، فإن هناك أدلة تشير إلى أنه لم يفت الأوان أبداً لجني ثمار إدخال بعض التعديلات النفسية.

لنبدأ بعلاقاتك: لفهم أهميتها، نلقي نظرة على أطول دراسة متعمقة أجريت على الإطلاق عن حياة الإنسان، وهي دراسة «هارفارد» لتطور نمو البالغين. منذ عام 1938، تابعت الدراسة 724 فتى وشاباً، وأكثر من 1300 من أحفادهم، لتحديد ما يجعل الناس يزدهرون جسدياً وعقلياً.

يقول مارك شولتز، المدير المشارك للدراسة، إن هناك أمراً واحداً بارزاً: العلاقات عالية الجودة؛ إذ اتضح أن الروابط الاجتماعية هي مؤشرات قوية على الصحة والرفاهية في مرحلة متأخرة من الحياة.

على سبيل المثال: أظهر تحليل للبيانات من الدراسة، أن الرجال الذين لديهم علاقات اجتماعية أكثر إيجابية، ويشاركون بشكل أكبر في مجتمعهم خلال منتصف العمر، يكونون أقل عرضة للإصابة بالاكتئاب، ويتمتعون بإدراك أفضل في مرحلة متأخرة من الحياة.

عندما يكون الناس في علاقات جيدة، فإن جراحهم تلتئم بصورة أسرع. وتشير دراسات عدة نُشرت خلال العام الماضي إلى سبب ذلك. فهي تُظهر -على سبيل المثال- أن وجود مزيد من الأصدقاء المقربين يرتبط بنظام مناعي أقوى بصفة عامة، ونسبة أكبر من الخلايا التي تؤخر شيخوخة الجهاز المناعي؛ مما يشير إلى أن الترابط الاجتماعي يمكن أن يساعد في جعل الجهاز المناعي أكثر قوة وشباباً.

التمارين تساعدك على الحياة فترة أطول

«سرِّي هو أنني لا أنهض من الأريكة أبداً»، لم يقل أي معمِّر هذا الكلام قط. ولكن تجدر الإشارة إلى أن كبار السن في العالم نادراً ما يذكرون اتباعهم لأنظمة لياقة بدنية قاسية. وبدلاً من ذلك، يميل المعمرون إلى الإبلاغ عن ممارسة تمارين منتظمة ومعتدلة طوال حياتهم، مثل المشي والزراعة والبستنة، كما كتبيت كارولين ويليامز(*).

هذه الوصفة الدقيقة لا تتناسب مع كثير من أنماط الحياة الحديثة، ولكن ذلك لم يمنع العلماء من محاولة تحديد الجرعة والنوع الأمثل من التمارين الرياضية لحياة طويلة وصحية.

ما هو واضح هو أن عدم القيام بأي شيء ليس خياراً. فقد ارتبطت قلة النشاط البدني بما لا يقل عن 3.9 مليون حالة وفاة مبكرة سنوياً على مستوى العالم، كما أنها تزيد بصورة كبيرة من خطر الإصابة بالأمراض المزمنة، بما في ذلك أمراض القلب، والسكتة الدماغية، وبعض أنواع السرطان.

على الجانب الآخر، يمكن أن تضيف ممارسة التمارين الرياضية بكمية كافية ما يصل إلى 7 سنوات إلى عمرك، مع إطالة الفترة التي تقضيها متمتعاً بصحة جيدة.

يمكن العثور على دليل تقريبي لمقدار التمارين الكافية في تاريخنا التطوري. يسير الصيادون وجامعو الثمار المعاصرون -وهم أقرب ما يمكننا الوصول إليه من طريقة عيش أسلافنا- نحو 11 ألف إلى 20 ألف خطوة يومياً، ويحصلون على «تدريبات المقاومة» من أعمال الصيد والتسلق والحفر، بحثاً عن الدرنات، وحمل الموارد التي يجمعونها إلى منازلهم.

وهم في ذلك أقل عُرضة للإصابة بالأمراض المزمنة التي تنتشر في الدول الغربية. ويبدو أن السبب يكمن في استجابة الجسم لهذا العمل كله، ما يؤدي إلى زيادة في الصيانة والإصلاح الداخليين.

ويتكهن الدكتور دانيال ليبرمان، عالم الأنثروبولوجيا التطورية في جامعة هارفارد، بأن السبب في ارتباط التمرينات الرياضية بالصيانة الفسيولوجية، هو أن التطور ربط بينهما، بحيث لا يتم تنشيط الجينات المشاركة في إصلاح الجسم وصيانته إلا عندما نتحرك. وإذا لم نتحرك، فإن الجسم يوفر الطاقة عن طريق التخلي عن هذه الوظائف.

* مجلة «نيوساينتست»، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

من الأداء الرياضي إلى المناعة… كيف تدعم مشروبات البروكلي صحتك؟

صحتك البروكلي يحتوي على مجموعة من العناصر الغذائية التي تدعم صحة الجهاز الهضمي (بيكسلز)

من الأداء الرياضي إلى المناعة… كيف تدعم مشروبات البروكلي صحتك؟

 بدأ عدد كبير من الرياضيين وهواة اللياقة البدنية في تجربة مشروبات البروكلي المركزة بوصفها وسيلة طبيعية قد تساعد على تعزيز الأداء البدني

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك الاستيقاظ مبكراً يمنحك مساحة هادئة لإنجاز المهام التي قد لا تجد وقتاً لها لاحقاً خلال اليوم (بيكسلز)

لماذا يُنصح بالاستيقاظ مبكراً؟ 9 فوائد بارزة

يمثل الاستيقاظ مبكراً عادةً بسيطة يمكن أن تُحدث فارقاً كبيراً في نمط حياتك اليومية وصحتك العامة

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك نبات المُلّين استُخدم تقليدياً في الطب الشعبي للمساعدة بعلاج عدد من مشكلات الجهاز التنفسي (بيكسلز)

شاي المُلّين… هل يساعد حقاً على تحسين التنفس؟

تشير بعض الدراسات إلى أن شاي المُلّين قد يقدم فوائد صحية محتملة، مثل تقليل الالتهاب وتحسين التنفس.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك انخفاض مستويات فيتامين د في الجسم يرتبط بزيادة احتمالات جفاف البشرة (بيكسلز)

هل تعاني جفاف وحكة الجلد؟ 9 مكملات غذائية قد تساعدك

تشير دراسات متزايدة إلى أن بعض المكملات الغذائية المتاحة دون وصفة طبية قد تلعب دوراً مهماً في دعم صحة البشرة وتحسين قدرتها على الاحتفاظ بالرطوبة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك يُعد الشاي الأخضر من أكثر المشروبات الصحية شيوعاً حول العالم (بيكسباي)

مكملات غذائية وأطعمة لا تتناولها مع الشاي الأخضر

رغم فوائد الشاي الأخضر الكثيرة، يحذر خبراء التغذية من أن تناوله مع بعض الأطعمة أو المكملات الغذائية قد يقلل فائدته.

«الشرق الأوسط» (لندن)

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي خريطة الورم… قبل أن يختار الطبيب العلاج

الذكاء الاصطناعي يفك شفرة الورم
الذكاء الاصطناعي يفك شفرة الورم
TT

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي خريطة الورم… قبل أن يختار الطبيب العلاج

الذكاء الاصطناعي يفك شفرة الورم
الذكاء الاصطناعي يفك شفرة الورم

في الطب الحديث لم يعد السرطان مجرد كتلة من الخلايا الشاذة تنمو في أحد أعضاء الجسم، بل يُنظَر إليه، اليوم، بوصفه نظاماً بيولوجياً معقَّداً تتفاعل فيه الخلايا السرطانية مع جهاز المناعة والأنسجة المحيطة بها، ضِمن شبكة دقيقة من الإشارات الجزيئية.

الورم يحمل بصمته الجينية الخاصة

كل ورم يحمل بصمته الجينية الخاصة وسلوكه البيولوجي المختلف، حتى بين مرضى يعانون النوع نفسه من السرطان.

لهذا بدأ العلماء يدركون أن السؤال الحقيقي في علاج السرطان لم يعد ببساطة: ما الدواء المناسب لهذا المرض؟ بل أصبح سؤالاً أكثر دقة وعمقاً: ما العلاج الأنسب لهذا المريض تحديداً؟ أيْ أن الطب لم يعد يكتفي بتشخيص المرض، بل يسعى لفهم الخصائص الفردية لكل ورم وكل مريض.

هذا التحول الفكري يقود، اليوم، ثورة علمية جديدة في علم الأورام، تقف في قلبها تقنيات الذكاء الاصطناعي القادرة على تحليل كميات هائلة من البيانات الجينية والصور النسيجية والسجلات السريرية. ومن خلال هذه القدرة التحليلية الهائلة، بدأ العلماء يتحدثون عن مرحلة جديدة قد يتمكن فيها الذكاء الاصطناعي من قراءة خريطة الورم البيولوجية قبل أن يقرر الطبيب أي علاج هو الأنسب.

الذكاء الاصطناعي يحلل البيئة الدقيقة للورم

لغة الورم الخفية

خلال مؤتمر الطب الدقيق العالمي «Precision Medicine World Conference»، الذي عُقد في كاليفورنيا بالولايات المتحدة، خلال مارس (آذار) 2026، عرض باحثون من شركة «بوسطنجين» (BostonGene) نماذج متقدمة من الذكاء الاصطناعي قادرة على تحليل التعقيد البيولوجي للأورام السرطانية، بهدف اختيار العلاج المناعي الأكثر فاعلية لكل مريض. وتعتمد هذه النماذج على تحليل كميات ضخمة من البيانات الجزيئية والجينية الخاصة بالورم، بما يسمح بفهمٍ أعمق للبيئة البيولوجية التي ينمو فيها السرطان داخل الجسم.

وتنتمي هذه الأنظمة إلى ما يُعرَف في علوم الذكاء الاصطناعي باسم نماذج الأساس «Foundation Models»، وهي خوارزميات متقدمة صُممت للتعامل مع مجموعات هائلة من البيانات البيولوجية؛ مثل المعلومات الجينية، وخصائص الخلايا المناعية، وبيئة الورم الدقيقة. ومن خلال هذه القدرة التحليلية الواسعة، تستطيع الخوارزميات اكتشاف أنماط خفية في سلوك الورم يصعب على الإنسان ملاحظتها، الأمر الذي يفتح الباب أمام مرحلة جديدة قد يصبح فيها اختيار العلاج مبنياً على قراءة دقيقة لخريطة الورم البيولوجية.

حين يتعلم الذكاء الاصطناعي قراءة السرطان

يوضح الدكتور ناثان فاولر، المدير الطبي بشركة «بوسطنجين»، أن التحدي الحقيقي في علم الأورام لم يعد نقص البيانات، بل القدرة على فهمها وتحليلها بصورة متكاملة. فكل ورم سرطاني يُنتج شبكة معقدة من المعلومات البيولوجية تشمل الطفرات الجينية، وأنماط التعبير الجيني، واستجابة الجهاز المناعي للخلايا السرطانية. وتُعرف هذه الشبكة المعقدة في علم الأورام باسم «البيئة الدقيقة للورم» وهي البيئة البيولوجية التي يتفاعل فيها الورم مع الخلايا المحيطة به داخل الجسم.

إن تحليل هذه البيئة الدقيقة يتطلب قدرة حسابية هائلة تتجاوز قدرة التحليل البشري التقليدي، وهنا يظهر الدور المتزايد لتقنيات الذكاء الاصطناعي القادرة على دراسة ما يُعرَف ببيانات «متعددة الأوميكس» (Multi-Omics)، وهي مجموعات بيانات تشمل علم الجينوميات الذي يدرس المادة الوراثية، وعلم البروتيوميات؛ أي دراسة البروتينات التي تنتجها الخلايا، إضافة إلى بيانات الجهاز المناعي والسجلات السريرية للمريض. ومن خلال دمج هذه الطبقات المتعددة من المعلومات، يستطيع الذكاء الاصطناعي رسم خريطة بيولوجية شاملة للورم تساعد الأطباء على فهم سلوكه واختيار العلاج الأكثر دقة.

الذكاء الاصطناعي يقود الطب نحو العلاج الشخصي

أبحاث حديثة: التنبؤ باستجابة المرضى للعلاج المناعي

في دراسةٍ نُشرت، عام 2026، بمجلة «إن بي جيه بريسيجن أونكولوجي» (NPJ Precision Oncology) التابعة لمجموعة نيتشر (Nature)، أظهر فريق بحثي دولي من مراكز أبحاث السرطان بالولايات المتحدة وأوروبا أن تحليل البيئة المناعية للأورام باستخدام نماذج حاسوبية متقدمة يمكن أن يساعد في التنبؤ باستجابة المرضى للعلاج المناعي بدقّةٍ تفوق الطرق التقليدية. وقد أوضحت الدراسة أن فهم العلاقة بين الخلايا السرطانية والخلايا المناعية داخل الورم قد يصبح مفتاحاً أساسياً لاختيار العلاج الأكثر فاعلية لكل مريض.

كما كشفت دراسات أخرى حديثة أن استخدام الشبكات العصبية الرسومية (Graph Neural Networks) يتيح للعلماء دراسة العلاقات المكانية بين الخلايا المناعية والخلايا السرطانية داخل نسيج الورم. ويُعد هذا التفاعل المكاني عاملاً مهماً في علم الأورام؛ لأنه يرتبط بصورة مباشرة بمدى استجابة المرضى للعلاج وبفرص بقائهم على قيد الحياة. وتشير هذه النتائج إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بتحليل البيانات الجينية، بل بدأ أيضاً قراءة البنية الميكروسكوبية المعقدة للورم وفهم كيفية تفاعل خلايا الورم مع البيئة المحيطة بها.

ثورة العلاج المناعي

خلال العقد الأخير، أصبح العلاج المناعي أحد أهم التحولات في علم الأورام الحديث. فبدلاً من مهاجمة الورم مباشرة، كما يحدث في العلاج الكيميائي، يعمل هذا النوع من العلاج على تنشيط جهاز المناعة ليقوم هو نفسه بالتعرّف على الخلايا السرطانية ومهاجمتها. وقد غيّرت هذه المقاربة الجديدة طريقة التفكير في علاج السرطان؛ لأنها تعتمد على تسخير قدرات الجسم الدفاعية، بدلاً من الاعتماد فقط على الأدوية السامّة للخلايا.

لكن التحدي الكبير في هذا المجال أن العلاج المناعي لا ينجح إلا لدى نسبة محدودة من المرضى، فبعض الأورام تستجيب له بصورة ملحوظة، بينما لا يظهر تأثيره لدى مرضى آخرين، لهذا يسعى العلماء، اليوم، إلى استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل الخصائص البيولوجية لكل ورم، والتنبؤ مسبقاً بالمرضى الذين يمكن أن يستفيدوا من هذا العلاج، قبل البدء به. وقد يفتح هذا النهج الباب أمام مرحلة جديدة من الطب الشخصي، حيث يصبح اختيار العلاج مبنياً على فهم دقيق لخريطة الورم لدى كل مريض على حدة.

من ابن سينا إلى الطب الدقيق

رغم حداثة هذه التقنيات المتقدمة، فإن الفكرة الأساسية التي تقوم عليها ليست جديدة تماماً في تاريخ الطب. ففي كتابه الشهير «القانون في الطب» شدّد الطبيب والفيلسوف العربي ابن سينا على أن مهمة الطبيب لا تقتصر على علاج المرض بوصفه ظاهرة عامة، بل تمتد إلى فهم طبيعة المريض نفسه بكل اختلافاته الفردية. وقد أشار إلى أن استجابة الناس للأمراض والعلاجات ليست واحدة، وأن الطبيب الحكيم ينبغي أن يراعي خصائص كل مريض وظروفه الجسدية والبيئية.

واليوم، يعود هذا المبدأ القديم في إطار علمي جديد يُعرف باسم الطب الدقيق «Precision Medicine»، حيث لم تعد القرارات العلاجية تعتمد فقط على اسم المرض، بل على الخصائص البيولوجية الفريدة لكل مريض، مثل التركيب الجيني، وخصائص الورم، وطبيعة استجابة الجهاز المناعي. وفي هذا السياق أصبح الذكاء الاصطناعي أداة مركزية تساعد الأطباء على تحليل هذه الطبقات المعقَّدة من البيانات واختيار العلاج الأكثر ملاءمة لكل حالة على حدة.

التحدي الأخلاقي

إن دخول الذكاء الاصطناعي إلى قلب القرار الطبي يطرح سؤالاً أخلاقياً عميقاً: هل يمكن للآلة أن تشارك في قرارٍ قد يرتبط بحياة إنسان ومستقبله الصحي؟ فالتقنيات الحاسوبية أصبحت قادرة، اليوم، على تحليل كميات هائلة من البيانات الطبية والجينية، لكن هذا التطور يفرض، في الوقت نفسه، ضرورة التفكير في حدود الدور الذي ينبغي أن تلعبه الخوارزميات داخل الممارسة الطبية.

ويرى معظم الباحثين في أخلاقيات الطب الرقمي أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يبقى أداة لدعم القرار الطبي، لا بديلاً عن الطبيب. فالخوارزمية تستطيع اكتشاف الأنماط البيولوجية المعقدة في البيانات الجينية أو النسيجية، لكنها لا تستطيع أن تدرك البعد الإنساني للمريض، أو أن تُوازن بين الاعتبارات الطبية والنفسية والاجتماعية التي تدخل في القرار العلاجي. لهذا يؤكد الخبراء أن دور الطبيب سيبقى محورياً؛ لأنه الوحيد القادر على الجمع بين الدقة العلمية والحكم الإنساني عند اختيار العلاج الأنسب لكل مريض.

طبّ المستقبل

مع تسارع تطور هذه التقنيات قد يصبح تحليل الجينوم والبيئة المناعية للورم جزءاً روتينياً من تشخيص السرطان، خلال السنوات القليلة المقبلة. فعوضاً عن الاعتماد على نماذج علاجية عامة تُطبَّق على جميع المرضى، يتجه علم الأورام نحو مرحلةٍ يُبنى فيها القرار العلاجي على الخريطة البيولوجية الفريدة لكل ورم ولكل مريض. وهنا قد يتحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة قادرة على قراءة ملايين الإشارات الجينية والمناعية التي تُشكل شخصية الورم وسلوكه داخل الجسم.

إن ما نشهده، اليوم، ليس مجرد تطور تقني، بل هو تحول عميق في فلسفة علاج السرطان. فالعلاج لم يعد يستند فقط إلى اسم المرض، بل إلى فهم دقيق لتفاعلات الخلايا والأنسجة والجهاز المناعي داخل الورم. ومع قدرة الخوارزميات على تحليل هذه الطبقات المعقّدة من البيانات، قد يصبح اختيار العلاج في المستقبل أقرب إلى قراءة خريطة بيولوجية دقيقة لكل مريض.

وهكذا، بينما يتعلم الذكاء الاصطناعي قراءة لغة الخلايا والأنسجة والبيانات الجينية، يبقى دور الطبيب أن يقرأ شيئاً لا تستطيع الخوارزميات إدراكه بالكامل: الإنسان نفسه. ففي النهاية يظل الطب علماً بالدقة... لكنه أيضاً فنٌّ بالحكمة والرحمة.


الذكاء الاصطناعي لن يحل محل الاستراتيجية... بل سيكشف عيوبها

الذكاء الاصطناعي لن يحل محل الاستراتيجية... بل سيكشف عيوبها
TT

الذكاء الاصطناعي لن يحل محل الاستراتيجية... بل سيكشف عيوبها

الذكاء الاصطناعي لن يحل محل الاستراتيجية... بل سيكشف عيوبها

على مدى العامين الماضيين، جرى تأطير الذكاء الاصطناعي بوصفه محركاً للإنتاجية، وأداة لخفض التكاليف، وسباقاً في تطوير البنية التحتية، بل إنه وُصف في الأيام الأكثر دراماتيكية بكونه «نقطة تحول حضارية». وفي هذه الأجواء تطالب مجالس الإدارات بخرائط طريق للذكاء الاصطناعي، ويعلن الرؤساء التنفيذيون عن أجندات تضع «الذكاء الاصطناعي أولاً»، بينما تُعاد هيكلة أقسام بأكملها حول أدوات تتغير قدراتها كل ربع سنة.

الذكاء الاصطناعي لا يخلق الوضوح الاستراتيجي

ولكن، خلف هذا الضجيج، تكمن حقيقة أكثر هدوءاً وأبعد أثراً: الذكاء الاصطناعي لا يخلق وضوحاً استراتيجياً، وإنما يكشف مدى وجود ذلك الوضوح بالأساس.

لقد جادلتُ سابقاً بأن الطبقة التالية من المزايا التنافسية للشركات في مجال الذكاء الاصطناعي لن تأتي من امتلاك البنية التحتية، وإنما من بناء نماذج داخلية أفضل لكيفية عمل بيئة الأعمال فعلياً. كما حذرتُ من أن اختزال الذكاء الاصطناعي في مجرد أداة لتقليص القوى العاملة هو «قصر نظر استراتيجي»؛ لأن التقنيات العامة نادراً ما تقدم قيمتها الحقيقية من خلال برامج الكفاءة البسيطة.

والنتيجة المنطقية التالية حتمية: الذكاء الاصطناعي لن يحل محل الاستراتيجية، وإنما سيكون اختباراً كاشفاً لها.

وهم «الذكاء المستورد»

ثمة افتراض مُغرٍ يترسخ في الكثير من أدبيات الذكاء الاصطناعي اليوم، مفاده أن «الذكاء» يمكن إضافته إلى المؤسسة بالطريقة نفسها التي تُضاف بها تراخيص البرمجيات... أي يكفي أن تنشر نموذجاً لغوياً كبيراً، وتدمج أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في سير العمل، وتؤتمت التحليلات، وتدعم الموظفين؛ ليزداد الذكاء تلقائياً.

بيد أن المؤسسات ليست «أوعية فارغة» تنتظر من يملؤها بالمعرفة. وإنما هي أنظمة معقدة من الحوافز، والعمليات التراكمية الموروثة، والافتراضات الضمنية، وتدفقات البيانات المجزأة، والتوازنات السياسية.

كشف العيوب

وحين يدخل الذكاء الاصطناعي إلى هذا النظام، فإنه لا يطفو فوقه، إنما يتفاعل معه... فإذا كانت بياناتك مجزأة، فسيعمل الذكاء الاصطناعي على إبراز هذا التجزؤ وتضخيمه على نطاق واسع.

وإذا كانت حوافزك غير متوافقة، فسيعمل الذكاء الاصطناعي على تحسين النتائج الخاطئة... وإذا كانت استراتيجيتك غامضة، فسيعمل الذكاء الاصطناعي على توسيع نطاق هذا الغموض وتغليفه بصياغات إنشائية بليغة.

إن النماذج اللغوية الكبيرة هي «آلات أنماط» قوية، ولكنها — كما استعرضتُ سابقاً — لا تمتلك فهماً راسخاً. فهي «مجرد» أدوات لتوليد مخرجات محتملة ذات دلالة إحصائية. وينسحب الأمر نفسه على المستوى المؤسسي؛ فالفصاحة ليست تماسكاً، والنشاط ليس بالضرورة استراتيجية.

إن البنية التحتية المشتركة لا تنتج فهماً مشتركاً، والأدوات المشتركة لا تنتج حكماً (تقديرياً) مشتركاً.

الذكاء الاصطناعي: «اختبار للجهد الاستراتيجي»

كل موجة تكنولوجية تكشف عن نقاط ضعف هيكلية. فقد عاقبت شبكة الإنترنت الشركات التي تعاملت معها كمجرد «كتيّب دعائي»، وعاقبت تقنيات الهاتف المحمول أولئك الذين تمسكوا بافتراضات أنها مثل الحواسيب المكتبية، كما عاقبت الحوسبة السحابية الشركات المهووسة بامتلاك الأجهزة بدلاً من بناء القدرات.

بيد أن الذكاء الاصطناعي ينطلق إلى أبعد من ذلك؛ لأنه يعمل على مستوى الإدراك والمعرفة: في التنبؤ، والتسعير، والتوظيف، وتقييم المخاطر، والتفاعل مع العملاء، وتطوير المنتجات... وفي كل مجال تقريباً تتخذ فيه المؤسسات قرارات مصيرية ذات عواقب ملموسة.

وهذا ما يجعل منه «اختبار جهد» استراتيجياً.

مثالان لمسارين مختلفين باعتماد النموذج نفسه

بإمكان شركتين اعتماد نماذج تقنية متماثلة، ومع ذلك تمران بمسارين مختلفين تماماً:

الشركة (أ): تمتلك رؤية واضحة لكيفية خلق القيمة الخاصة بها، حيث تتدفق البيانات بسلاسة عبر جميع الوظائف، وتسمح قيادتها بالتجريب. وهي تُعامل مخرجات الذكاء الاصطناعي بوصفها «فرضيات». وتكون حلقات التغذية الراجعة صريحة. ويجري تحديث الافتراضات بصورة منهجية.

الشركة (ب): تعلن عن مبادرة للذكاء الاصطناعي، فتنتشر المشاريع التجريبية في «جزر منعزلة». ويعمل كل قسم على تحسين عائد الاستثمار الخاص به فقط، ويهيمن منطق «خفض التكاليف» على المشهد. تُعامل مخرجات الذكاء الاصطناعي بوصفها «إجابات نهائية»، وتظل الاستراتيجية مجرد شعارات في عروض «باور بوينت».

أدوات متماثلة... ونتائج متباينة

تؤكد الأبحاث أن تأثيرات الذكاء الاصطناعي ليست متساوية، بل تعتمد على السياق المؤسسي؛ حيث يصف «معهد تصميم البيانات الرقمية» بجامعة هارفارد ما يسميه «الحدود التكنولوجية المتعرجة - jagged technological frontier»، حيث يتفوق الذكاء الاصطناعي في مهام محددة بينما يخفق في أخرى، ما يعيد تشكيل أنماط التعاون بطرق غير متوقعة. وهذا «التعرج» يعني أن الأفضلية لن تكون من نصيب من ينشر التقنية بصورة أسرع، وإنما من نصيب من يتعلم بصورة أسرع.

وبالمثل، كشفت دراسة واسعة النطاق أجراها «المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية - NBER» حول الذكاء الاصطناعي التوليدي في دعم العملاء عن مكاسب إنتاجية ملموسة بصفة عامة، لكن مع تأثيرات متفاوتة؛ حيث استفاد العمال الأقل خبرة بشكل أكبر، ما أعاد تشكيل كيفية انتشار المعرفة داخل الشركات. ففي هذه الحالة، لم يعمل الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للأتمتة، وإنما عمل كآلية لنقل «أفضل الممارسات».

والدلالة هنا واضحة: الذكاء الاصطناعي يضخم المنطق المؤسسي القائم ولا يحل محله.

* الأفضلية لن تكون من نصيب من ينشر التقنية بصورة أسرع وإنما من نصيب من يتعلم بصورة أسرع*

أتمتة الارتباك

من أخطر الغرائز القيادية في هذه اللحظة هو السؤال: «كيف يمكن للذكاء الاصطناعي تحسين هذه العملية؟».

إنه سؤال أول خاطئ؛ فإذا كانت العملية نفسها تعكس افتراضات عفى عليها الزمن، فإن تحسينها بالذكاء الاصطناعي سيجعل من هذا الخلل أسرع وأرخص فحسب. أنت هنا لا تغير العمل، بل «تؤتمت الارتباك».

السؤال الأنسب هو: «ما هي الافتراضات حول عملائنا، ووضعنا الاقتصادي، وموقعنا التنافسي المتضمنة في سير العمل هذا؟ وماذا سيحدث إذا لم تعد تلك الافتراضات صالحة؟».

هنا يصبح الذكاء الاصطناعي «مزعجاً»؛ لأنه يجبر المؤسسات على مواجهة تناقضات نجحت في تجاهلها طويلاً.

المرآة المزعجة

ثمة سبب يدفع العديد من الشركات للاكتفاء بسرديات «خفض التكاليف» عند الحديث عن الذكاء الاصطناعي. فالكفاءة قابلة للقياس، وتقليص عدد الموظفين يترجم بوضوح في الأرباح ربع السنوية، وهي قصة مفهومة للجميع، على عكس «التأمل الاستراتيجي» الذي يفتقر لهذا الوضوح.

وعندما يكشف الذكاء الاصطناعي عن بُنى بيانات مجزأة، فإن ذلك يعكس سنوات من نقص الاستثمار في التكامل. وعندما يكشف عن مؤشرات أداء متناقضة بين الأقسام، فإن ذلك يشير إلى فشل في الحوكمة. وعندما ينتج مخرجات غير متسقة بسبب انعزال المعرفة الداخلية، فإن ذلك يضع التشرذم الثقافي تحت مجهر الاختبار.

الذكاء الاصطناعي لا يخلق هذه المشكلات، وإنما يُسلط الضوء عليها

إن التاريخ يدعونا للحذر من التسرع في وضع مقاييس الأداء المبكرة؛ فقد لاحظ الاقتصادي روبرت سولو في مقال شهير بملحق مراجعة الكتب في صحيفة «نيويورك تايمز» عام 1987: «يمكنك أن ترى عصر الحوسبة في كل مكان، إلا في إحصاءات الإنتاجية». لاحقاً، أُعيدت صياغة «مفارقة الإنتاجية» لعصر تقنية المعلومات عبر مفهوم «منحنى جيه للإنتاجية - Productivity J-Curve»؛ حيث تتأخر المكاسب الملموسة لأن الاستثمارات المكملة (مثل إعادة التصميم التنظيمي، وتطوير المهارات، ونماذج الأعمال الجديدة) هي أصول غير ملموسة ولا تظهر بوضوح في البيانات الأولية.

ومن المرجح أن يتبع الذكاء الاصطناعي مساراً مماثلاً؛ إذ ستكون أهم المكاسب مشتتة وكامنة في العمليات المعاد تصميمها وأشكال التنسيق الجديدة، ولن تظهر بشكل فوري في نسب التكاليف. لذا، فإن التعامل مع الذكاء الاصطناعي في المقام الأول كآلية لتقليص كشوف الرواتب ينطوي على مخاطرة بالتضحية بالمزايا الهيكلية طويلة الأمد في سبيل تحقيق «وضوح ظاهري» قصير الأجل.

من مجرد أدوات إلى «إدراك مؤسسي»

إن الفرصة الأعمق في الذكاء الاصطناعي لا تكمن في الأتمتة، وإنما في التعلم المؤسسي. فالنماذج المتقدمة تتيح محاكاة السيناريوهات، وإظهار الحالات الشاذة (كشف الثغرات)، واختبار الافتراضات البديلة، وضغط دورات التغذية الراجعة بشكل هائل. ولكن، هذه السرعة لا تخلق قيمة إلا إذا كانت المؤسسة قادرة على «تحديث قناعاتها».

بهذا المعنى، تنتقل الميزة التنافسية إلى مستوى أعلى: من البنية التحتية إلى «الإدراك». وكما جادل يانسيتي ولاخاني في كتابهما «المنافسة في عصر الذكاء الاصطناعي»، فإن المنافسة المدفوعة بالذكاء الاصطناعي تنحاز بشكل متزايد للشركات القادرة على دمج البيانات والخوارزميات والعمليات التنظيمية في «أنظمة تعلم متماسكة». إن الفارق الجوهري ليس في النموذج التقني بحد ذاته، وإنما في مدى إحكام دمجه ضمن عملية اتخاذ القرار.

هذه هي «الحدود» التي يجب على المديرين التنفيذيين التفكير فيها.

والسؤال هنا ليس: «أي نموذج يجب أن نعتمد؟»، وإنما: «ما الذي نؤمن به حقاً حول كيفية تحقيقنا للفوز؟ وهل نحن مستعدون لأن يتحدى الذكاء الاصطناعي هذه القناعات؟».

شكل جديد للميزة التنافسية

تتحول البنية التحتية للذكاء الاصطناعي سريعاً إلى سلعة عامة متاحة للجميع؛ فالنماذج التأسيسية متاحة على نطاق واسع، والحوسبة السحابية مشتركة، والأنظمة البيئية مفتوحة المصدر تتطور بسرعة مذهلة. وبينما تصبح البنية التحتية أمراً شائعاً، ينتقل التميز إلى مستوى أعلى وآفاق أرحب.

ولا يكمن التميز في الرقائق الاحتكارية، ولا في المشاريع التجريبية المشتتة؛ وإنما في «الذكاء المؤسسي المُنظم».

إن الشركات التي ستتسارع وتيرتها وتحقق قفزات نوعية في عصر الذكاء الاصطناعي لن تكون تلك التي «تؤتمت» عملياتها بأسرع شكل، وإنما تلك التي تتعلم بأسرع شكل؛ تلك التي تعامل مخرجات الذكاء الاصطناعي بوصفها «فرضيات»، وتجعل التغذية الراجعة جزءاً من بنيتها المؤسسية، والتي توائم حوافزها مع التكيف طويل الأمد بدلاً من «المكاسب الجذابة» قصيرة الأجل.

لن يحل الذكاء الاصطناعي محل الاستراتيجية، ولكنه سيجعل إخفاء غيابها أمراً مستحيلاً.

* مجلة «فاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا»


علاقة جينية بين أمراض المناعة الذاتية والسرطان

علاقة جينية بين أمراض المناعة الذاتية والسرطان
TT

علاقة جينية بين أمراض المناعة الذاتية والسرطان

علاقة جينية بين أمراض المناعة الذاتية والسرطان

كشفت دراسة دولية حديثة عن وجود توازن وراثي معقّد بين خطر الإصابة بقصور الغدة الدرقية المناعي الذاتي والحدّ من تطور بعض أنواع السرطان، في اكتشافٍ قد يغير فهم العلماء للعلاقة بين المناعة والسرطان ويفتح آفاقاً جديدة للطب الدقيق.

قصور الغدة الدرقية المناعي الذاتي

قصور الغدة الدرقية المناعي الذاتي (AIHT) autoimmune hypothyroidism هو أكثر أمراض المناعة الذاتية شيوعاً، ويحدث عندما يهاجم الجهاز المناعي الغدة الدرقية عن طريق الخطأ، مما يؤدي إلى انخفاض إنتاج هرمونات تُنظم عملية الأيض. ورغم شيوعه لكن آلياته البيولوجية لا تزال غير مفهومة بالكامل.

وقد حددت الدراسة، التي قادها باحثون من معهد برود «Broad Institute» (هو مركز أبحاث طبية حيوية وجينومية يقع في كمبريدج بولاية ماساتشوستس الأميركية)، بالتعاون مع جامعة هلسنكي الفنلندية ومؤسسات أخرى، أكثر من 400 علامة وراثية مرتبطة بالمرض، وهو رقم يفوق بكثيرٍ ما توصلت إليه الدراسات السابقة. ومن بين هذه العلامات قرابة 50 تغيراً في جينات مُرمِّزة للبروتينات ترتبط بوظائف المناعة والغدة الدرقية.

ونُشرت نتائج البحث بمجلة «Nature Genetics»، في 25 فبراير (شباط) 2026، بعد تحليل جينيّ واسع شمل أكثر من 81 ألف شخص مصاب بالمرض، اعتماداً على بيانات مشروع «FinnGen» وهو أكبر مشروع أبحاث طبية في فنلندا يستخدم بيانات البنوك الحيوية، إضافة إلى بيانات بنك البيانات الحيوية بالمملكة المتحدة «UK Biobank».

فصل مكونات المرض وراثياً

يقول مارك دالي، الباحث المشارك في الدراسة من معهد الطب الجزيئي الفنلندي جامعة هلسنكي وعضو معهد برود، إن العمل يرسم مساراً واضحاً لكيفية استخدام علم الوراثة، لا لاكتشاف المتغيرات المرتبطة بالمرض فحسب، بل أيضاً لتقسيمها إلى مكونات مستقلة تمثل جوانب مختلفة منه.

وللمرة الأولى، تمكّن الفريق من التمييز بين العوامل الجينية المرتبطة بخلل المناعة الذاتية عموماً، وتلك الخاصة بوظيفة الغدة الدرقية تحديداً. وأظهرت النتائج أن 38 في المائة من الإشارات الجينية المكتشَفة ترتبط بالمناعة الذاتية، بشكل عام، في حين أن 20 في المائة منها خاصة بالغدة الدرقية كعضو مستهدف.

من جهتها توضح ماري بات ريف، الباحثة الرئيسية في الدراسة من معهد الطب الجزيئي بفنلندا والعالِمة في معهد برود، أن المرض يقع عندما تتقاطع المناعة ووظيفة الأعضاء والتمثيل الغذائي، مشيرة إلى أن جمع هذا العدد الكبير من الحالات منح الفريق القدرة الإحصائية على فصل الجوانب الوراثية المختلفة للمرض.

صلة مفاجئة للوقاية من سرطان الجلد

وتمثَّل أحد أبرز الاكتشافات في أن نحو 10 في المائة من المتغيرات الجينية المرتبطة بزيادة خطر قصور الغدة الدرقية المناعي الذاتي، أظهر، في الوقت نفسه، تأثيراً وقائياً ضد سرطان الجلد.

وظهر ارتباط عدد من هذه الجينات ببروتينات تُعرَف باسم «بروتينات نقاط التفتيش المناعية» checkpoint inhibitors التي تعمل ككابح للجهاز المناعي، لمنعه من مهاجمة الأنسجة السليمة. وتشير النتائج إلى أن المتغيرات التي تقلل نشاط هذه الكوابح قد تؤدي إلى استجابة مناعية أقوى قادرة على مهاجمة الخلايا السرطانية بكفاءةٍ أكبر، لكنها، في المقابل، قد تزيد من احتمال مهاجمة أنسجة الجسم السليمة مثل الغدة الدرقية.

ويحمل هذا الاكتشاف صدى سريرياً مهماً، إذ إن أدوية السرطان المعروفة باسم «مثبّطات نقاط التفتيش المناعية» تعمل على تحرير الجهاز المناعي من قيوده ليهاجم الأورام. ويلاحظ الأطباء أن بعض المرضى الذين يستجيبون جيداً لهذه الأدوية يصابون بقصور الغدة الدرقية كأثر جانبي، وغالباً ما تكون نتائج علاجهم السرطاني أفضل.

ويرى دالي أن النتائج تتسق مع الخبرة السريرية، حيث تُظهر أن المرضى الذين يطوّرون استجابات مناعية ذاتية أثناء العلاج المناعي، غالباً ما يحققون نتائج أفضل في مكافحة السرطان.

نحو فهم أعمق للآليات البيولوجية

تشير الدراسة إلى أن خطر الإصابة بالمناعة الذاتية أو السرطان قد يختلف من شخص لآخر، تبعاً لاختلافاتهم الجينية. ويعمل الفريق حالياً على فهم كيفية إسهام هذه المتغيرات في مكونات المرض المختلفة، تمهيداً لإيجاد سُبل تدخُّل علاجية أكثر دقة.

ويؤكد الباحثون أن علم الوراثة السكاني يمثل أداة قوية لاكتشاف الآليات الأساسية التي تنظّم المناعة، سواء على مستوى عضو محدد كالغدة الدرقية أم على مستوى الجسم ككل.

ويمثل هذا البحث خطوة مهمة نحو الطب الشخصي، حيث قد تساعد الخرائط الجينية التفصيلية مستقبلاً في التنبؤ بخطر الإصابة بأمراض المناعة الذاتية أو السرطان، بل ربما في تصميم علاجات تراعي التوازن الدقيق بين تنشيط المناعة وكبحها.

وفي عالمٍ تزداد فيه أمراض المناعة الذاتية والسرطان على حد سواء، يسلّط هذا الاكتشاف الضوء على حقيقة بيولوجية عميقة هي أن جهازنا المناعي يسير على حبل مشدود، وأن الجينات قد تكون هي ما يحدد اتجاه هذا التوازن الحساس بين الحماية والضرر.