كشْف الشيفرة الوراثية للصحة النفسية

إنجازات جديدة في علم «الجينوم النفسي»

كشْف الشيفرة الوراثية للصحة النفسية
TT

كشْف الشيفرة الوراثية للصحة النفسية

كشْف الشيفرة الوراثية للصحة النفسية

يُسلّط تحديث جديد من كلية الطب بجامعة نورث كارولاينا في الولايات المتحده، الضوء على التقدم الرائد في علم الجينوم النفسي على مدى السنوات الخمس الماضية، ويُحدد الخطوات التالية لفهم الأمراض النفسية وعلاجها من خلال علم الوراثة.

أساس جيني للاضطرابات النفسيةوسلطت الدراسة الضوء على الإنجازات التي حققها اتحاد الجينوم النفسي خلال السنوات الخمس الماضية وهو تعاون عالمي يضم آلاف الباحثين بدأ عام 2007. حيث تمثلت مهمة المجموعة في كشف الأساس الجيني للاضطرابات النفسية والعصبية النمائية وترجمة هذه المعرفة إلى علاجات أفضل لحالات مثل الفصام والاكتئاب وفقدان الشهية وغيرها.

وقادت الدراسة الدكتورة سينثيا بوليك والدكتور باتريك سوليفان من كلية الطب بجامعة كارولاينا الشمالية وكلية جيلينجز للصحة العامة العالمية، ونشرت في مجلة لانسيت «The Lancet» في 26 يونيو (حزيران) 2025. وستُوسّع هذه المرحلة البحثية التالية نطاق الاكتشافات الجينية للاضطرابات النفسية واستجاباتها العلاجية، وهي وزملاؤها يعملون على إرساء أسس علم تعاوني وشفاف ومؤثر سريرياً.

>علم الوراثة: مفتاح لفهم الأمراض النفسية وعادة تتشكل الاضطرابات النفسية من خلال مزيج من العوامل الوراثية وتجارب الحياة والعوامل البيئية. وقد أشارت الأبحاث المبكرة مثل دراسات التوائم في أربعينات القرن الماضي إلى وجود عنصر وراثي في حالات مثل الصرع والفصام Schizophrenia لكن الاختراقات الحديثة ظهرت مع ظهور دراسات الارتباط على مستوى الجينوم (GWAS) genome-wide association studies، إذ تُحلل هذه الدراسات الواسعة النطاق الحمض النووي دي إن إيه DNA لمئات الآلاف من الأفراد للعثور على الاختلافات المرتبطة بحالات الصحة العقلية. وهي بمثابة خريطة طريق جينية تُوجّه الباحثين نحو مناطق محددة من الجينوم لإجراء المزيد من البحث.

> اختراقات في حالات الفصام والاكتئاب وفقدان الشهية . وقد أسفرت السنوات الخمس الماضية عن نتائج ملحوظة. ففي عام 2022 حدد الباحثون 287 موقعاً على الجينوم مرتبطاً بالفصام. وبحلول عام 2025 ربطت دراسات مماثلة 635 منطقة جينية باضطراب الاكتئاب الشديد مما سدّ فجوة معرفية كبيرة في أبحاث الاكتئاب.

وجاء أحد أبرز الاكتشافات في عام 2019 عندما كشف العلماء عن أن فقدان الشهية العصبي له جذور جينية نفسية واستقلابية، إذ أدى ذلك إلى ظهور مصطلح الاضطراب الأيضي (الاستقلابي) النفسي metabo-psychiatric disorder، مما أعاد صياغة كيفية فهم المرض وعلاجه.

روابط جينية مشتركة بين الاضطرابات> من أهم النتائج التي تم التوصل إليها في السنوات الأخيرة أن العديد من الحالات النفسية تشترك في جذور جينية مشتركة وهي ظاهرة تُسمى تعدد الأنماط الجينية pleiotropy، وفي عام 2019 حدد الباحثون 136 «نقطة ساخنة» جينية مرتبطة باضطرابات مثل التوحد والاضطراب الثنائي القطب bipolar disorder واضطراب الوسواس القهري Obsessive-compulsive disorder ومتلازمة توريت Tourette syndrome وغيرها. ومن المثير للدهشة أن 109 من هذه المناطق ارتبطت بحالات متعددة. وقد يفسر هذا التداخل سبب تزامن بعض الاضطرابات ويفتح الباب أمام علاجات قد تستهدف مسارات بيولوجية مشتركة.

> معالجة اضطرابات تعاطي المواد .وقد بحثت مجموعة اتحاد الجينوم النفسي أيضاً في جينات تعاطي المواد، حيث وجدت 19 إشارة جينية مرتبطة بإدمانات متعددة بما في ذلك الكحول والتبغ والقنب والأفيونيات، حيث يمكن أن تؤدي هذه الاكتشافات إلى علاجات دوائية تتناول البيولوجيا الأوسع نطاقاً وراء الإدمان بدلاً من مجرد مواد فردية.

> اضطراب طيف التوحد والإعاقة الذهنية .

وقد ركز الباحثون تحديداً على الأخطاء الجينية الناتجة عن تكرار أو حذف أجزاء من الحمض النووي دي إن إيه DNA التي تُعرف باسم متغيرات عدد النسخ (CNVs) Copy number variation. وفي عام 2023 حدد مركز اتحاد الجينوم النفسي متغيرات عدد النسخ في جين NRXN1 وهو جين معروف جيداً بدوره في اضطراب طيف التوحد والإعاقة الذهنية، وحذفاً في جين ABCB11 الذي يلعب دوراً في قدرة الشخص على الاستجابة للأدوية المضادة للذهان.

دراسات للرعاية والعلاج

> تحسين الرعاية السريرية ومشاركة البيانات ويمكن أن تشمل مواقع الجينوم التي تشير إليها دراسات ارتباطات الجينوم الشاملة عدة متغيرات مهمة ومترابطة، إلا أن البيانات لا تكشف الكثيرعن التركيب البيولوجي الكامن وراء هذه النقاط الساخنة؛ لذلك قرر الباحثون دمج بيانات البروتين في دراساتهم المتعلقة بدراسات ارتباطات الجينوم الشاملة لتقديم رؤى حول أوجه التشابه والاختلاف بين الاضطرابات النفسية على المستوى الجزيئي والخلوي.

وعلى سبيل المثال، وجدت دراسة بقيادة كيفن أوكونيل من قسم الصحة النفسية والإدمان مستشفى جامعة أوسلو - النرويج وآخرين، نشرت في مجلة «Nature» في 22 يناير (كانون الثاني) 2025 أن الاضطراب الثنائي القطب يرتبط بزيادة التعبير عن الجينات في الخلايا العصبية المهمة في المعالجة العاطفية والذاكرة وتغير تثبيط أو استثارة معالجة الدماغ والهضم والتمثيل الغذائي وتنظيم الهرمونات. لكن مركز اتحاد الجينوم النفسي لا يُنتج البيانات فحسب، بل يُشاركها أيضاً مع المجتمعات الجينية والنفسية الأوسع. وقد تم الوصول إلى بياناتهم من أكثرمن 50 دراسة أظهرت ارتباطات الجينوم الشاملة أكثر من 154 ألف مرة منذ عام 2021 وأُدرجت في العديد من الدراسات الجينومية والجينومية الوظيفية والبيولوجية في مختلف المجالات.

> المساعي المستقبلية للمركز الجيني للجينات الأولية . يهدف المركز الجيني للجينات الأولية إلى توسيع نطاق الاكتشافات الجينية للعديد من الاضطرابات النفسية لتشمل الاستجابات للعلاج بالإضافة إلى الاضطرابات النفسية على مدار العمر وعبر مختلف الفئات السكانية.

وباستخدام كل من علم الوراثة ومصادر أخرى للبيانات البيئية والسريرية وبيانات علم الأعصاب يخطط المركز الجيني للجينات الأولية لاتباع نهج يعتمد على العمر لفهم الاضطرابات التي تبدأ عادةً في مرحلة الطفولة (مثل اضطراب طيف التوحد) والبلوغ (مثل اضطراب تعاطي المخدرات) ومراحل الحياة اللاحقة (مثل مرض ألزهايمر) ودراسة المسار الطولي للصحة النفسية والمرونة لدى السكان.


مقالات ذات صلة

أسماء المستخدمين في «واتساب» تفتح جدلاً بين الخصوصية ومخاطر الاحتيال

تكنولوجيا تعتمد الحماية على عدم وجود دليل عام للأسماء ومعرفة الاسم بدقة وإمكانية استخدام مفتاح إضافي لبدء التواصل

أسماء المستخدمين في «واتساب» تفتح جدلاً بين الخصوصية ومخاطر الاحتيال

تمنح أسماء المستخدمين في «واتساب» خصوصية أكبر، لكنها تثير مخاوف من انتحال الهوية والاحتيال؛ خصوصاً عبر الأسماء المشابهة والمضللة.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تطور «أبل» إطاراً يقيّم احتمال تعرض المستخدم للتوجيه الاحتيالي قبل تنفيذ عمليات حساسة (رويترز)

نظام جديد من «أبل» يرصد مؤشرات الاحتيال قبل المعاملات الحساسة

تطور «أبل» نظاماً يقيّم مؤشرات الخداع قبل الإجراءات الحساسة ويمنح التطبيقات إشارات تساعدها على تحذير المستخدم أو تأخير العملية.

نسيم رمضان (لندن)
رياضة عالمية لحظة طرد الأميركي بالوغون (رويترز)

مونديال 2026: اللقطات البطيئة... هل تُشوّه قرارات حكام الفيديو؟

أثار طرد المهاجم الأميركي فولارين بالوغون خلال مواجهة منتخب بلاده أمام البوسنة والهرسك في كأس العالم 2026 موجة واسعة من الجدل.

The Athletic (سانت كلارا (الولايات المتحدة))
تكنولوجيا الباحثون: التفاعل المتكرر مع روبوتات المحادثة قد يغيّر طريقة تواصل الأفراد وتوقعاتهم من العلاقات البشرية (غيتي)

تقرير: نمو علاقة البشر مع الذكاء الاصطناعي تزيد العزلة وتقلل التفاعل البشري

يحذر باحثون من أن التفاعل المستمر مع الذكاء الاصطناعي قد يعيد تشكيل العلاقات البشرية ويزيد العزلة والاعتماد العاطفي مع الوقت.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا لن يؤثر القرار في الألعاب الصادرة على أقراص قبل 2028 وستظل قابلة للبيع والتشغيل (أدوبي)

«سوني» تنهي أقراص الألعاب الجديدة في 2028... و«بلايستيشن» رقمياً بالكامل

توقف «سوني» إنتاج أقراص ألعاب «بلايستيشن» الجديدة في 2028 منهيةً التوزيع المادي وموسّعةً الاعتماد على التنزيلات الرقمية.

نسيم رمضان (لندن)

مسبار ياباني حلّق فوق كويكب لاختبار تقنية تحمي الأرض من الصخور الفضائية

المسبار الياباني «هايابوسا 2» (وكالة استكشاف الفضاء اليابانية)
المسبار الياباني «هايابوسا 2» (وكالة استكشاف الفضاء اليابانية)
TT

مسبار ياباني حلّق فوق كويكب لاختبار تقنية تحمي الأرض من الصخور الفضائية

المسبار الياباني «هايابوسا 2» (وكالة استكشاف الفضاء اليابانية)
المسبار الياباني «هايابوسا 2» (وكالة استكشاف الفضاء اليابانية)

حلّق مسبار فضائي ياباني، الأحد، فوق كويكب قريب من الأرض، في إطار مهمة تهدف إلى اختبار تقنية قد تُسهم في حماية الكوكب من الصخور الفضائية.

وكان من المقرر أن يمر المسبار «هايابوسا 2»، الذي يبلغ حجمه حجم ثلاجة على مسافة تقل عن 800 متر من الكويكب «توريفوني»، وفق ما أوضح في وقت سابق علماء من وكالة استكشاف الفضاء اليابانية (جاكسا).

وتهدف هذه المهمة إلى التحقق مما إذا كانت مركبة مثل هذه تستطيع أن تُسهم مستقبلاً في حرف مسار كويكب قد يُشكّل خطراً على كوكب الأرض.

وكانت وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» قد جعلت مركبة تابعة لها تصدم عمداً عام 2022 الكويكب «ديمورفوس» الذي يبلغ عرضه 160 متراً، ونجحت بذلك في تعديل مساره.

أما المسبار «هايابوسا 2»، الذي كان يطير بسرعة تفوق 18 ألف كيلومتر في الساعة، فلم تكن مهمته صدم الكويكب «توريفوني»، بل كان هدف العلماء تقييم قدرتهم على التحكم بدقة في مسار المسبار، تحسباً لإمكان تنفيذه يوماً عملية حرف مسار جسم فضائي.

وقالت ناطقة باسم «جاكسا»، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «في الساعة 18:35 (09:35 ت غ)... نفّذ (هايابوسا 2) تحليقاً فوق (توريفوني) والمسبار يعمل بشكل طبيعي». وأظهرت مشاهد عرضتها الوكالة اليابانية عبر الإنترنت علماء يصفقون داخل غرفة التحكم.

وقال أحد العلماء، خلال البث الذي وفرته الوكالة: «كنت متوتراً... لكنني سعيد جداً لأننا نجحنا في إتمام هذه العملية».

وفي حال تأكد أن المسبار مر بالفعل على مسافة تقل عن 800 متر من «توريفوني»، فستُعد هذه المهمة واحدة من أقرب عمليات التحليق التي نُفّذت على الإطلاق فوق كويكب قريب من الأرض.

وتُسجِّل الكاميرات المثبّتة على «هايابوسا 2» أيضاً بيانات عن سطح الكويكب، من بينها خصائصه الجغرافية وقوامه ودرجة حرارته، وهي بيانات بالغة الأهمية لأي مهمة دفاع كوكبي قد تُنفَّذ.

وقال العالم في وكالة الفضاء الأوروبية باتريك ميشال: «نظراً إلى تَنَوُّع الكويكبات (القريبة من الأرض) من حيث الحجم والشكل والسطح والخصائص الداخلية، فإن كل صورة جديدة تتيح لنا أن نكون أكثر استعداداً».

وسبقَ للمسبار «هايابوسا 2»، الذي أُطلق عام 2014، أن أبهر العلماء بهبوطه على الكويكب «ريوغو» الواقع على بُعد نحو 300 مليون كيلومتر من كوكب الأرض، وقد جمع عيّنات منه.

وبعد مهمة «توريفوني»، يُتوقع أن يحاول المسبار عام 2031 تنفيذ «موعد» فضائي، وهي مناورة تقوم على التحليق بالقرب من كويكب أو الهبوط عليه من أجل جمع بيانات تفصيلية.


دراسة حديثة تفسر... لماذا تجمّد القطب الجنوبي قبل الشمالي؟

القارة القطبية الجنوبية تغطيها طبقة جليدية يصل سمكها إلى نحو 5 كيلومترات (رويترز)
القارة القطبية الجنوبية تغطيها طبقة جليدية يصل سمكها إلى نحو 5 كيلومترات (رويترز)
TT

دراسة حديثة تفسر... لماذا تجمّد القطب الجنوبي قبل الشمالي؟

القارة القطبية الجنوبية تغطيها طبقة جليدية يصل سمكها إلى نحو 5 كيلومترات (رويترز)
القارة القطبية الجنوبية تغطيها طبقة جليدية يصل سمكها إلى نحو 5 كيلومترات (رويترز)

رغم أن القارة القطبية الجنوبية (أنتاركتيكا) كانت في الماضي معتدلة المناخ وغنية بالنباتات، فإنها تجمّدت قبل نحو 34 مليون عام، لتغطيها طبقة جليدية يصل سمكها اليوم إلى نحو خمسة كيلومترات، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وعلى النقيض من ذلك، لم يتجمّد القطب الشمالي إلا بعد ذلك بنحو 25 مليون سنة، وهو تفاوت لطالما حيّر العلماء.

لكن باحثين يعتقدون الآن أنهم توصلوا إلى تفسير لهذا اللغز، بعد دراسة تضاريس القارة القطبية الجنوبية واستخدام نماذج حاسوبية لإعادة بناء تطور سطحها عبر ملايين السنين.

وتوصلت الدراسة إلى أن عملية جيولوجية قوية أدت إلى الارتفاع المستمر لسلسلة جبلية في شرق أنتاركتيكا، حتى تجاوزت في نهاية المطاف مستوى حرجاً سمح بتشكل الأنهار الجليدية الجبلية واتساعها، ومن ثم ترسخ الغطاء الجليدي الدائم.

وترتب على ذلك نشوء الغطاء الجليدي الضخم في شرق أنتاركتيكا، في وقت كانت فيه درجات الحرارة العالمية أعلى بنحو خمس درجات مئوية عن مستوياتها الحالية.

ومن ثم، اكتسب القطب الجنوبي غطاء جليدياً قبل فترة طويلة من الشتاء العالمي الطويل الذي أتاح لاحقاً تشكل غطاء جليدي حول القطب الشمالي.

وكان الغطاء الجليدي لشرق أنتاركتيكا قد استقر بحلول بداية الحقبة الزمنية التي يطلق عليها عصر الأوليجوسين التي أعقبت عصر الإيوسين في تاريخ الأرض.

وكانت أنتاركتيكا في الماضي جزءاً من القارة العظمى الجنوبية «جوندوانا»، التي كانت تضم أيضاً كتل اليابسة التي تشكّل اليوم أفريقيا وأميركا الجنوبية وأستراليا وشبه الجزيرة العربية وشبه القارة الهندية.

ومع حركة الصفائح التكتونية عبر ملايين السنين، انفصلت هذه القارات تدريجياً وزحفت إلى مواقعها الحالية.

«أمواج الوشاح الأرضي»

وقال عالم الجيولوجيا بجامعة ساوثهامبتون البريطانية، أحد قادة الدراسة المنشورة في دورية «ساينس»، توماس جيرنون: «تُظهر دراستنا أن عملية جيولوجية قديمة بدأت قبل أكثر من 160 مليون سنة خلال انفصال أفريقيا عن أنتاركتيكا، واستمرت على مدى عشرات الملايين من السنين، هي التي حددت متى وأين أمكن للصفائح الجليدية الكبرى على الأرض أن تتشكل خلال الفترة الانتقالية بين عصري الإيوسين والأوليجوسين قبل نحو 34 مليون عام».

وأضاف أن هذه الفترة شهدت الانتقال من مناخ الأرض الدافئ الشبيه بـ«الصوبة الزجاجية» إلى المرحلة الأكثر برودة التي يعيشها الكوكب حالياً. وبقيت أنتاركتيكا متصلة بأستراليا وأميركا الجنوبية عشرات الملايين من السنين بعد انفصالها عن أفريقيا، قبل أن تنفصل عنهما أيضاً فيما بعد.

وتتمثّل العملية الجيولوجية التي أشار إليها جيرنون فيما يُعرف باسم «أمواج الوشاح الأرضي»، وهي اضطرابات بطيئة الحركة تنشأ في أعماق الأرض وتحدث في أثناء تفكك القارات وانفصالها.

عندما تحركت هذه الأمواج في الوشاح الأرضي أسفل القارة القطبية الجنوبية، تسببت في تشكل هضبة واسعة تعلوها جبال جامبورتسيف، وهي سلسلة جبلية تقع في الجزء الأوسط من شرق أنتاركتيكا.

ورغم أن ارتفاع هذه الجبال يصل إلى نحو 3390 متراً، فإنها باتت اليوم مدفونة تحت أكبر غطاء جليدي على وجه الأرض.

وقال الباحثون إن عوامل التعرية والارتفاع الأرضي الناتج عن أمواج الوشاح رفعت التضاريس تدريجياً إلى مستويات كافية لاستقرار الجليد، حتى في ظل مناخ عالمي أكثر دفئاً من الوقت الحاضر.

تفاعل المناخ والتضاريس

قالت عالمة الجيولوجيا بجامعة ساوثهامبتون التي شاركت في قيادة الدراسة، ثيا هينكس، إن النتائج تسلّط الضوء على التفاعل بين التغيرات المناخية وتغير التضاريس.

وأوضح توماس جيرنون أنه في نهاية حقبة الإيوسين كان الارتفاع اللازم لتكوين غطاء جليدي دائم في أنتاركتيكا يتراوح بين 1.5 وكيلومترَين فوق سطح البحر.

وأظهرت نماذج الدراسة أن مساحات واسعة من شرق القارة القطبية الجنوبية تجاوزت هذا المستوى قبل نحو 45 مليون سنة مضت.

وأضاف: «تماماً كما تنخفض درجات الحرارة كلما صعدنا إلى قمة جبل مرتفع، فإن المناطق الأعلى ارتفاعاً تكون أكثر قدرة على الاحتفاظ بالثلوج طوال العام. وقد وجدنا أنه قبل أن تكتسي أنتاركتيكا بالجليد، اتسعت مساحة جبال جامبورتسيف الواقعة فوق المستوى الحرج اللازم لاستدامة الجليد بشكل كبير. وقبل نحو 34 مليون سنة مضت، كانت قرابة 90 في المائة من المنطقة قد تجاوزت هذا المستوى، مقارنة بنحو الثلث فقط قبل 60 مليون سنة».

وكان الوضع مختلفاً في القطب الشمالي؛ إذ شهدت الأنهار الجليدية تمدداً وانحساراً خلال 50 مليون سنة ماضية، لكن الصفائح الجليدية الكبيرة لم تستقر هناك إلا قبل أقل من 10 ملايين سنة.

ويعود ذلك إلى أن القطب الشمالي لا يضم كتلة يابسة فعلية، إذ يقع في وسط المحيط المتجمد الشمالي، مما يعني عدم وجود تضاريس مرتفعة يمكنها بلوغ العتبة اللازمة في وقت سابق لتكوين جليد دائم.

وقال جيرنون: «كان من الضروري أن يصبح المناخ أكثر برودة نتيجة انخفاض تركيزات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، قبل أن يتشكل الجليد الدائم على ارتفاعات منخفضة».


الذكاء الاصطناعي... «يصقل البصيرة» ويؤثر سلباً على التعلّم والذاكرة والثقة بالنفس

عند استخدام الذكاء الاصطناعي بفعالية، فيُمكنه صقل البصيرة وتحرير القدرات الإدراكية للقيام بأعمال أكثر تعقيداً
عند استخدام الذكاء الاصطناعي بفعالية، فيُمكنه صقل البصيرة وتحرير القدرات الإدراكية للقيام بأعمال أكثر تعقيداً
TT

الذكاء الاصطناعي... «يصقل البصيرة» ويؤثر سلباً على التعلّم والذاكرة والثقة بالنفس

عند استخدام الذكاء الاصطناعي بفعالية، فيُمكنه صقل البصيرة وتحرير القدرات الإدراكية للقيام بأعمال أكثر تعقيداً
عند استخدام الذكاء الاصطناعي بفعالية، فيُمكنه صقل البصيرة وتحرير القدرات الإدراكية للقيام بأعمال أكثر تعقيداً

أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً لا يتجزأ من عملنا اليومي، بدءاً من كتابة رسائل البريد الإلكتروني وصولاً إلى تحليل الأبحاث واتخاذ القرارات، كما كتبت د. تاليا فارلي(*). وبصفتي طبيبة ومستشارة أعمال، فإني أتحدث مع العديد من قادة الشركات الذين يركزون على تأثير ذلك على الإنتاجية. ولكن البعض منهم بدأ يطرح حديثاً سؤالاً أكثر جوهرية: ما تأثير استخدام الذكاء الاصطناعي على الصحة الإدراكية للعاملين في مؤسستي؟

الذكاء الاصطناعي «يغيّر» التفكير

تشير الأبحاث الحديثة إلى أن هذا ليس مجرد قلق نظري. فالذكاء الاصطناعي لا يُسرّع التفكير فحسب، بل غالباً ما يُغيّره. فعند استخدامه بشكل سلبي، يُمكن أن يُضعف الذكاء الاصطناعي الذاكرة، والحكم، والتعلم، والثقة بالنفس، بل ويُقلل من القدرة على حل المشكلات بشكل مستقل.

... ويصقل البصيرة

أما عند استخدام الذكاء الاصطناعي بفعالية، فيُمكنه صقل البصيرة وتحرير القدرات الإدراكية للقيام بأعمال أكثر تعقيداً. وهذا الفرق جوهري لأداء الشركات وصحة العاملين.

ومع تزايد المطالب بإشراك الذكاء الاصطناعي في العمليات التنظيمية وصنع القرار، تواجه الشركات خطر بناء قوة عاملة تبدو منتجة ظاهرياً، لكنها أقل قدرة على التكيف والتعلم والقيادة على المدى الطويل.

6 خطوات لحماية وتعزيز الصحة الإدراكية في بيئة العمل

وفيما يلي ست خطوات يمكن للقادة اتخاذها لحماية وتعزيز الصحة الإدراكية في بيئة عمل تعتمد على الذكاء الاصطناعي:

* التعامل مع الصحة الإدراكية كقضية صحية في مكان العمل، لا كفجوة في المهارات. الإدراك ليس مجرد قدرة فردية، بل هو نظام بيولوجي ونفسي يتشكل بفعل متطلبات العمل اليومية والتقنيات التي نستخدمها، بدءاً من الكتابة وصولاً إلى الآلات الحاسبة، والآن الذكاء الاصطناعي. لكن الذكاء الاصطناعي أصبح أكثر انتشاراً. وعلى عكس التقنيات السابقة، فهو يتدخل مباشرة في التفكير والتحليل والحكم، وليس فقط في التنفيذ.

عندما يُوكل الموظفون التفكير بشكل روتيني إلى الذكاء الاصطناعي، قد يبدون منتجين ظاهرياً، بينما يفقدون في الواقع قدرتهم العقلية والإدراكية. يحتاج القادة إلى التعامل مع الصحة الإدراكية بنفس الطريقة التي يتعاملون بها مع الإرهاق الوظيفي أو بيئة العمل المريحة: كمسألة أساسية في الصحة والسلامة المهنية، وليس مجرد شأن شخصي. هذا يضمن أن تُدرك الشركات أهمية الصحة الإدراكية وتُدمجها في سياسات مكان العمل وعملياته وتدريباته وتصميمه، بدلاً من مجرد توقع أن يتأقلم الموظفون بشكل أفضل.

* صمّم إطار العمل بحيث يدعم الذكاء الاصطناعي التفكير بدلاً من استبداله. عندما يستخدم الأفراد الذكاء الاصطناعي بشكل سلبي كطريقة مختصرة للوصول إلى الإجابات النهائية، تتأثر عمليات التعلم، والاحتفاظ بالمعلومات والتفكير النقدي سلباً. أما عند استخدامه بشكل فعال كنقطة انطلاق - على سبيل المثال - لنقد أفكارهم أو تحسينها أو اختبارها، فإن الأداء المعرفي يُحفظ أو يتحسن بشكل أفضل.

كما أن توقيت الوصول إلى الذكاء الاصطناعي في بداية العملية أو نهايتها أو خلالها قد يكون له تأثيرات فريدة على الصحة المعرفية. فإذا كان الذكاء الاصطناعي يقدم المنتج النهائي دائماً، يفقد الموظفون الجهد اللازم لبناء الخبرة. أما إذا كان الذكاء الاصطناعي يوفر مسودات وبدائل وتوجيهات، فيمكن للعمال الحفاظ على تفاعلهم المعرفي بشكل أفضل. الخلاصة؟ يجب تصميم الوظائف وعمليات العمل بحيث يعزز الذكاء الاصطناعي التفكير البشري بدلاً من إلغائه، ويحمي عمليات التعلم.

* قد يعزز المعارف من جهة ويُقلل القدرة على حل المشكلات بشكل مستقل من جهة أخرى*

«حماية التفكير العميق»... ومشكلة «تآكل الثقة»

* حماية التفكير العميق من تشبّع الذكاء الاصطناعي. يتفوق الذكاء الاصطناعي في السرعة والشمولية. بينما يتفوق الإدراك البشري في العمق والحكم والتكامل مع مرور الوقت. لكن الاستخدام المستمر للذكاء الاصطناعي في الملخصات والإجابات الفورية والرؤى المولدة تلقائياً وما شابه ذلك قد يطغى على العمليات الأبطأ اللازمة للتفكير الاستراتيجي والحكم والتفسير.

ينبغي للقادة تخصيص فترات عمل خالية من الذكاء الاصطناعي أو تعتمد عليه بشكل محدود للأنشطة التي تتطلب تفكيراً عميقاً. يشمل ذلك وقتاً لحل المشكلات المعقدة، واتخاذ القرارات متعددة المستويات، وإصدار الأحكام الحاسمة، ووضع الاستراتيجيات ذات المخاطر العالية. كما يحتاج القادة إلى فهم كيفية تأثير قيود الوقت بشكل جوهري على ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يعزز التفكير النقدي أم يقوضه. إذ إن الصحة الإدراكية تتدهور عندما يصبح كل شيء مُحسَّناً للسرعة فقط.

* معالجة تآكل الثقة الذي غالباً ما يصاحب استخدام الذكاء الاصطناعي. مع ازدياد قدرات الذكاء الاصطناعي، يشكك العديد من الموظفين في أحكامهم، حتى عندما يكونون على صواب.

يكشف بحث أجرته إيمي إدموندسون ونُشر في مجلة «هارفارد بزنس ريفيو» إلى أن التبني غير المقيد للذكاء الاصطناعي يمكن أن يُضعف الثقة في الزملاء وفي الذات بشكل تدريجي. من منظور الصحة الإدراكية، يُعد الشك الذاتي المزمن أمراً بالغ الأهمية. عندما يُسلِّم الناس لأنفسهم بسرعة كبيرة للتكنولوجيا، تتأثر قدرتهم على الحكم، وثقتهم بأنفسهم، وكفاءتهم. يجب على القادة تشجيع الاختلاف مع الذكاء الاصطناعي وجعله أمراً طبيعياً، وتقديم نموذج للتقييم النقدي، والتأكيد بشكل واضح على قيمة الحكم البشري.

المعايير المعرفية لاعتماد الذكاء الاصطناعي

* اجعل «كيف نفكر باستخدام الذكاء الاصطناعي» مسؤولية قيادية. غالباً ما تركز عمليات نشر الذكاء الاصطناعي على الوصول والكفاءة والتكنولوجيا نفسها. يتناول عدد أقل بكثير المعايير المعرفية: متى يُعتمد على الذكاء الاصطناعي، ومتى لا يُعتمد عليه، وكيفية التعامل النقدي مع مخرجاته. تُظهر أبحاث بيئة العمل أن الأمان النفسي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بنجاح تبني الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك وضوح حدود الذكاء الاصطناعي وإمكانية إجراء تجارب «آمنة حتى مع الفشل». هذا الأمان نفسه ضروري لوظائف معرفية سليمة. يجب أن يشعر الموظفون بأنه من حقهم التمهل، والتساؤل عن المخرجات، والتفكير باستقلالية دون خوف من أن يُنظر إليهم على أنهم صعبون أو غير متعاونين أو غير أكفاء.

راقب الإجهاد المعرفي، وليس فقط مقاييس المخرجات. انتبه للإجهاد المعرفي، وليس فقط لمؤشرات الأداء. قد يقلل الذكاء الاصطناعي الجهد الظاهر، بينما يزيد في الوقت نفسه من الإجهاد المعرفي الخفي. على سبيل المثال، عندما يضطر الموظفون إلى مراقبة مخرجات الذكاء الاصطناعي والتحقق منها ووضعها في سياقها باستمرار، قد يُصابون بالإرهاق الذهني.

بمرور الوقت، قد يؤدي هذا التشتت في الانتباه إلى استنزاف الوظائف التنفيذية. ينبغي على القادة النظر إلى ما هو أبعد من لوحات معلومات الإنتاجية، والانتباه إلى مؤشرات مثل إرهاق اتخاذ القرارات، والاعتماد المفرط على الإجابات المُولّدة تلقائياً، وتراجع النقاش، أو انخفاض التعلم من الأخطاء. هذه ليست مجرد إخفاقات في التحسين، بل هي علامات إنذار مبكرة على الاستنزاف المعرفي.

الخلاصة-الحفاظ على التفكير الأصيل

الذكاء الاصطناعي ليس مجرد استراتيجية تكنولوجية، بل هو محرك أساسي لصحة بيئة العمل، يُشكّل طريقة تفكير الناس وتعلمهم وتقييمهم للأمور يومياً. قد يحقق القادة الذين يتجاهلون تأثيره على الصحة المعرفية كفاءة قصيرة الأجل على حساب قدرات الموظفين والمؤسسات على المدى الطويل.

يجب على المؤسسات التي ترغب في الحفاظ على الصحة المعرفية لقوتها العاملة في عصر الذكاء الاصطناعي أن تُقدّر وتُحافظ على التفكير الأصيل والحكم البشري، وأن تُشجع موظفيها على مراجعة مخرجات الذكاء الاصطناعي واختبارها بانتظام.

لن تزدهر الشركات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي بكثرة فحسب، بل تلك التي تحمي قدرة موظفيها على التفكير من دونه.

* مجلة «فاست كومباني».