أسلوب «النقر»... هل بإمكانه حقاً تحسين الصحة العقلية؟

تشكيك علمي في جدواه

أسلوب «النقر»... هل بإمكانه حقاً تحسين الصحة العقلية؟
TT

أسلوب «النقر»... هل بإمكانه حقاً تحسين الصحة العقلية؟

أسلوب «النقر»... هل بإمكانه حقاً تحسين الصحة العقلية؟

قد يبدو الأمر غريباً بعض الشيء، إذ تثير طريقة للمساعدة الذاتية تُسمى «النقر»، استياء بعض اختصاصيي الصحة النفسية.

أسلوب «النقر»

يقوم أسلوب «النقر (tapping)» على استخدام أطراف الأصابع للضغط على نقاط معينة من الجسم (على نحو يشبه الضغط بالإبر)، جنباً إلى جنب، مع أساليب مواجهة المشاعر السلبية عبر إجراء تمارين التنفس، وتكرار التأكيدات الإيجابية.

وعن هذا الأسلوب، قالت إحدى النساء عبر تطبيق «تيك توك»، خلال ممارستها له: «أنا بأمان في سيارتي. أنا في ملاذي الآمن»، مستخدمةً أصبعها للنقر على أعلى رأسها، ثم على جانب حاجبها، ومنتصف ذقنها.

في الفيديو، أوضحت السيدة أن القيادة بمفردها تُشكل تحدياً كبيراً لها، لكن أسلوب «النقر» ساعدها على تخفيف قلقها، وجمع شتات أفكارها.

في الواقع، من السهل العثور على قصص مماثلة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فعلى مدار نحو الـ15 عاماً الماضية، ظهر «النقر» في مدونات الصحة و«البودكاست» والبرامج التلفزيونية... وحتى قوائم الكتب الأكثر مبيعاً. وعليه، اجتذبت هذه الممارسة، المعروفة كذلك باسم «أسلوب التحرر العاطفي (Emotional Freedom Technique or EFT)»، قاعدةً واسعةً من المتابعين، وأصبحت تجارةً رائجةً. ومع ذلك، لا تزال الشكوك تساور كثيراً من الخبراء حيالها.

«علم نفس الطاقة»

من أين جاء أسلوب «النقر»؟ نشأ «النقر»، الذي يندرج تحت مظلة «علم نفس الطاقة»، من أسلوب يسمى «العلاج بحقول التفكير (Thought Field Therapy)» جرى تطويره على يد عالم النفس روجر كالاهان، في ثمانينات القرن الماضي. (وفق «ويكيبيديا» فإنه علاج نفسي هامشي يزعم مؤيدوه أنه قادر على شفاء مجموعة متنوعة من الأمراض العقلية والجسدية من خلال «النقر» المختص بواسطة الأصابع على نقاط خطوط الطول في الجزء العلوي من الجسم واليدين - المحرر).

وابتكر كالاهان هذا الأسلوب خلال عمله مع مريضة تعاني من رهاب شديد من الماء، حاول كالاهان علاجه بطرق شتى، بما في ذلك العلاج بتعريض المريضة إلى مواقع تقع إلى جانب المسبح.

في أحد الأيام، عندما اشتكت المريضة من أن مجرد النظر إلى الماء يُسبب لها ألماً في المعدة، طلب منها كالاهان النقر بقوة تحت عينها؛ وهي منطقة كان يعلم أنها مرتبطة بـ«خط طاقة المعدة» وفق الطب الصيني التقليدي.

ووفق كالاهان، فبعد دقيقتين من النقر، قالت المريضة إن ألم معدتها قد اختفى، ومعه اختفى خوفها من الماء.

ومن هنا، طور كالاهان العلاج بـ«حقول التفكير»، مشيراً إلى أن بعض المرضى يحتاجون إلى لمس سلسلة من نقاط الضغط بترتيب محدد.

ومع ذلك، شكك خبراء بمجال علم النفس في مصداقية «العلاج بحقول التفكير»، الأمر الذي يعود إلى أسباب أبرزها عدم وجود طريقة لقياس خطوط الطاقة، أو أي دليل يثبت وجودها من الأساس.

في تسعينات القرن الماضي، أعاد غاري كريغ، خريج جامعة ستانفورد، الذي أصبح لاحقاً قساً مرسماً، صياغة هذا الأسلوب، مبتكراً نسخة مُبسطة تُسمى «أسلوب التحرر العاطفي».

ويرى أنصار هذا الأسلوب أن «النقر» لا يسهم في تقليص التوتر والقلق فقط، وإنما يحسن كذلك أعراض الاكتئاب، واضطراب ما بعد الصدمة، والإدمان، والآلام المزمنة... وغيرها من الأمراض.

واليوم، يدفع ممارسون مئات الدولارات للحصول على دورات تدريبية في مجال «أسلوب التحرر العاطفي»، أو نيل شهادات رسمية في هذا المجال.

أبحاث مشكوك فيهارغم نشر ما يزيد على 200 دراسة عن فاعلية النقر على خطوط الطاقة بالجسم، فإن هذه المجموعة من الأبحاث ليست بالقوة التي قد تبدو عليها لأول وهلة. ويعود ذلك إلى أن الأبحاث التي ادعت إثبات فاعلية «أسلوب التحرر العاطفي»، كان يشوبها تضارب المصالح، وصغر حجم العينات، والأخطاء الإحصائية، ونقص الدقة.

ولذلك، صرح أعضاء بارزون في «الجمعية الأميركية لعلم النفس» بأن مساعي الترويج لـ«أسلوب التحرر العاطفي» قائمة على علم زائف.

في هذا الصدد، قالت كاساندرا بونيس، الأستاذة المساعدة بمجال علم النفس بجامعة نيو مكسيكو: «عندما نمعن النظر في الأدلة المطروحة، نجدها تتهاوى».

يذكر أن بونيس هي المؤلفة الرئيسية لتعليق بشأن الأمر، خضع لمراجعة النظراء ونُشر عام 2024، أثار القلق بشأن جودة أبحاث «أسلوب التحرر العاطفي»، وشكك في جدوى مسألة التركيز على المشاعر.

ومع ذلك، نبه خبراء إلى أن هذا لا يعني أن «أسلوب التحرر العاطفي» عديم الجدوى. وأشاروا إلى أنه يطلب ممن يجرب هذا الأسلوب التفكير في نشاطات قد يجدها مخيفة أو غير مريحة، أو حتى الاضطلاع بها، مما يعد شكلاً من أشكال العلاج بالتعرض، وهو وسيلة فعّالة لتنظيم المشاعر. كما يتضمن «النقر» كذلك تكريس لحظة لاستكشاف أفكار المرء، الأمر الذي يقول معالجون إنه يمكن أن يعين الناس على فهم سلوكهم.

من جهته، قال ديفيد تولين، مدير «مركز علاج اضطرابات القلق» التابع لـ«معهد الحياة (إنستيتيوت أوف ليفينغ)» بهارتفورد في كونيتيكت: «في جوهره، يشكل (النقر) مزيجاً من التدخلات، بعضها، على حدّ علمي، فعّال للغاية». وأضاف أنه لا توجد أبحاث عالية الجودة تُثبت أن «النقر» نفسه هو العنصر الفعّال في الأمر.

بين العلم والاحتيال

رغم ضعف الأدلة، فإن بعض المرضى والمعالجين يُصرّون على أن النقر يُساعد حقاً.

في هذا السياق، أقر ديفيد فينشتاين، الذي يُقدّم مع زوجته دوراتٍ وشهاداتٍ في مجال طب الطاقة: «إنه لا يُغني عن أفضل الممارسات المُتبعة لعلاج اضطراب ما بعد الصدمة، أو الاكتئاب، أو الإدمان، أو غيرها من الحالات الخطيرة» إلا إنه يرى أنه يُمكن أن يجعل هذه العلاجات أكثر فاعلية.

وقالت ميليسا ليستر، وهي معالجة نفسية في «ساندي سبرينغز» بجورجيا، إنها اكتشفت أن «النقر» يُمكن أن يُقدّم فوائد سريعة، بما في ذلك عقلاً أفضل هدوءاً وصفاءً.

من جهتها، قررت بونيس الحصول على شهادة في هذا الأسلوب، انطلاقاً من رغبتها في أن توفر لعملائها بديلاً، عندما لا تُحقق أساليب العلاج الأخرى، مثل العلاج السلوكي المعرفي، النتائج المرجوة.

وقالت بونيس إن تقديم علاج بديل قد يكون مفيداً للمرضى، لكنها تساءلت عما إذا كان الاضطلاع بذلك، في ظل غياب أدلة علمية دقيقة، أمراً أخلاقياً.

وأضافت أن «أكبر مخاوفها» أن يلجأ الأشخاص الضعفاء إلى «النقر»، ثم يكتشفون أنه غير فعال. وقالت: «إنه ليس علاجاً نفسياً في الواقع».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

«غوغل» توسع قدرات «Google Search Console» لدعم حسابات التواصل الاجتماعي

تكنولوجيا «غوغل» تتيح تحليل ظهور حسابات التواصل في نتائج البحث (غوغل)

«غوغل» توسع قدرات «Google Search Console» لدعم حسابات التواصل الاجتماعي

بدأت شركة «غوغل» (Google) طرح تحديث جديد لخدمة «Google Search Console» يتيح للمستخدمين ربط حساباتهم على منصات التواصل الاجتماعي مباشرة بالخدمة، في خطوة تمثّل…

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا عشرات الطرق للتعرف على الذكاء الاصطناعي والاستفادة منه (1ــ 2)

عشرات الطرق للتعرف على الذكاء الاصطناعي والاستفادة منه (1ــ 2)

في كلمته التي ألقاها في أثناء انعقاد قمة «سيسكو» للذكاء الاصطناعي، فبراير (شباط) الماضي، أكد جينسين هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا»،

هاري مكراكين (واشنطن)
علوم يتم مسح عينات نباتية ضوئيا ضمن مشروع رقمنة النباتات في الحدائق النباتية الملكية في كيو بلندن _حدائق كيو_

الذكاء الاصطناعي ومستقبل حماية التنوع الحيوي على الأرض

يشهد العالم تراجعاً متسارعاً في التنوع الحيوي نتيجة التغير المناخي واتساع النشاط البشري؛ إذ تواجه آلاف الأنواع النباتية والفطرية خطر الاختفاء

محمد السيد علي (القاهرة)
رياضة عالمية اعتقد لاعبو النرويج أن هدف التعادل الذي سجله جود بيلينغهام كان يجب إلغاؤه لسبب غير معتاد (أ.ف.ب)

هل اصطدمت الكرة بكاميرا الملعب قبل هدف إنجلترا؟

ودعت النرويج كأس العالم 2026 بالخسارة 2 - 1 أمام إنجلترا في ربع النهائي لكن الخروج لم يخلُ من الجدل

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
تكنولوجيا 4 حالات (ثنائية الأبعاد في الأعلى وثلاثية في الأسفل) بتصوير الموجات فوق الصوتية تُظهر كيساً وزرعة ثدي ونسيجاً ليفياً كثيفاً وكتلة صلبة (الجامعة)

جهاز محمول بالموجات فوق الصوتية يدعم الكشف المبكر عن سرطان الثدي

يطور باحثو «إم آي تي» نظاماً محمولاً بالموجات فوق الصوتية لتسهيل تصوير الثدي ومتابعة النساء الأكثر عرضة للخطر بانتظام.

نسيم رمضان (لندن)

«الهُيام» ليس حباً... بل نوع من الانجذاب الهوسي

الهيام دافع قهري قد يستمر شهوراً وسنوات (بيكسلز)
الهيام دافع قهري قد يستمر شهوراً وسنوات (بيكسلز)
TT

«الهُيام» ليس حباً... بل نوع من الانجذاب الهوسي

الهيام دافع قهري قد يستمر شهوراً وسنوات (بيكسلز)
الهيام دافع قهري قد يستمر شهوراً وسنوات (بيكسلز)

على مدى 8 سنوات، شعرت جوردان وكأنها واقعة تحت تأثير سحر قوي. كانت تربطها علاقة عابرة بزميل لها في العمل، ولكن رغم عدم معرفتها به جيداً، كانت منجذبة إليه بشدة، ومتيقنة أنه «توأم روحها». وقالت جوردان، البالغة من العمر 35 عاماً التي طلبت عدم ذكر اسمها كاملاً حفاظاً على خصوصيتها: «كنت أفكر فيه كل يوم، طوال الوقت». كانت تفكر فيه مع كل كلمة أغنية. كانت تختلق الأعذار للتواصل معه. كانت تتخيل خيالات مفصلة ينتهي بهما المطاف فيها معاً، كما كتبت ميليندا وينر موير*.

50 % من الناس يمرون به مرة واحدة على الأقل

الهيام هوَس رومانسي

كانت تجربة جوردان شديدة، ولكنها ليست نادرة. وعلى الرغم من قلة البحوث في هذا المجال، فإن توم بيلامي، عالم الأعصاب في جامعة نوتنغهام بإنجلترا، قدَّر أن ما يصل إلى 50 في المائة من الناس يمرون بهذا النوع من الهوس الرومانسي مرة واحدة على الأقل في حياتهم. ويُطلق عليه اسم «الوله» أو «الهيام».

ما هو الهيام؟

الهيام حالة نفسية تتميز بشوق عميق لشخص ما، وأفكار وسواسية ومتطفلة، وسلوكيات قهرية، ورغبة شديدة في التبادل العاطفي، كما أوضحت أورلي ميلر، وهي اختصاصية نفسية مرخصة في نيو ساوث ويلز، بأستراليا. وقد صاغت هذا المصطلح عالمة النفس دوروثي تينوف في سبعينيات القرن الماضي، ولكنَّه غير مُدرج في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، وهو المرجع التشخيصي المُستخدم في البحوث والتدريب الطبي والرعاية السريرية.

وبينما يكون الإعجاب العابر عادة عابراً، قد يستمر الهيام أشهراً أو سنوات أو حتى عقوداً، كما أوضحت ميلر. وهو أيضاً أكثر حدة. ويتحول الإعجاب أو الانجذاب إلى هيام عندما يبدأ في التأثير سلباً على قدرة الشخص على أداء وظائفه، كأن يمنعه من العمل أو النوم أو الأكل، على سبيل المثال.

الهيام تجربة نفسية ذاتية مبنية على الخيال والغموض إذ يصبح الشخص الآخر «رمزاً»

الهيام ليس هو الحب

الهيام ليس هو الحب. وتقول ميلر إنه على الرغم من أن كليهما يشتمل على مشاعر قوية، فإن الهيام تجربة نفسية مركزة على الذات، مبنية على الخيال والغموض؛ إذ يصبح الشخص الآخر «رمزاً: (أنت مصدر سعادتي، أنت مصدر اكتمالي)»، كما قال ألبرت واكين، أستاذ علم النفس المتقاعد في جامعة «القلب المقدس» في كونيتيكت.

لا يشترط أن يكون الهيام رومانسياً أو جنسياً، كما أوضحت لين مارشال، عالمة النفس التي تدرس الهيام في جامعة تشيتشستر في إنجلترا. واليك مثال ليلي (46 عاماً) وهي اختصاصية اجتماعية سريرية في ماساتشوستس، التي قالت إنها شعرت أخيراً بمشاعر قوية تجاه صديق. وعندما لم يرُد عليها هذا الصديق برسائل نصية ولا ببريد إلكتروني، انتابها اليأس. وقالت: «كان الأمر مؤلماً للغاية. كنت استيقظ صباحاً وأبدأ في التفكير فيه، وأخلد إلى النوم ليلاً وأظل أفكر فيه». وطلبَت أيضاً عدم ذكر اسم عائلتها حفاظاً على خصوصيتها.

دافع قهري

يشتمل الهيام على دافع قهري للبحث عن علامات تدل على اهتمام الشخص الآخر. وقالت ميلر: «قد يُستخدم شيء عابر (نظرة خاطفة، رسالة نصية، تفاعل على وسائل التواصل الاجتماعي) لخلق قصص وروايات مُفصَّلة حول ما إذا كان ذلك الشيء العابر يعني الرفض أم التبادل».

التعلق بالأمل

في حالة الهيام، يأمل الشخص أن تكون للطرف الآخر مشاعر، ولكنه يشكُّ في ذلك أيضاً. تقول آبي ميدكال، عالمة النفس المقيمة في كاليفورنيا: «الغموض هو الوقود الذي يُبقي الأمر مستمراً». وفقاً لبيلامي، يُشبه الهيام الإدمان. فعندما يشعر الشخص بالتبادل، يُسجِّله الدماغ كمكافأة. وإذا جاءت هذه المكافآت بشكل غير متوقع، فقد يُزيد ذلك من الرغبة في الاستمرار في البحث عنها.

وتساءل العلماء عما إذا كان بعض الأشخاص أكثر عرضة لتجربة الهيام من غيرهم. وتشير إحدى الدراسات إلى أن البالغين الذين يعانون من اضطراب التعلق القلق -والذين لديهم خوف من الهَجر، وغالباً ما عانوا من رعاية غير موثوقة عاطفياً في طفولتهم- هم أكثر عرضة من غيرهم.

والأشخاص الذين يعانون من الهيام العاطفي غالباً ما يكونون قلقين، وقد يُظهرون سلوكيات قهرية ووسواسية، ولكن هذا لا يعني بالضرورة إصابتهم باضطراب القلق العام أو اضطراب الوسواس القهري.

كسر السحر

على الرغم من أن الهيام العاطفي عادة ما يُسبب التعاسة، فإنه لا يمكن التخلص منه بمجرد التمني، كما قالت ميلر. ومع ذلك، أشار بيلامي إلى أنه قد يكون من المفيد ملاحظة وتصنيف السلوكيات القهرية عند ظهورها، كأن تفكر: «أريد مراسلة هذا الشخص، وهذه رغبة جامحة». كما اقترح التركيز على عيوب الشخص الآخر، أو تخيل ما سيحدث لو اكتشف الآخرون هذا الإعجاب.

وأوضح أن أنجع طريقة هي قطع التواصل مع الشخص الآخر، فحينها ستتوقف تلك الرغبات المتقطعة. ولكنه أضاف أن هذا ليس ممكناً دائماً، وبالتأكيد ليس سهلاً.

التعاون مع معالج نفسي

وأشارت ميلر إلى أن العمل مع معالج نفسي مُلمٍّ بمفهوم التعلق العاطفي الشديد قد يكون مفيداً. وقد تُساعد استراتيجيات العلاج السلوكي المعرفي. وأوضحت أن الناس غالباً ما يشعرون بالتعلق العاطفي الشديد تجاه الآخرين الذين يمتلكون صفات يتوقون إليها أو فقدوها في أنفسهم. وفي جلسات العلاج، يمكنهم تعلم كيفية تحديد هذه الرغبات وتلبيتها، وتحويل التعلق العاطفي الشديد إلى مصدر للشفاء. وأضافت ميلر: «يمكن أن يكون ذلك وسيلة للتحول والتطوير الشخصي».

* خدمة «نيويورك تايمز»


كيف نجح العلماء في خلق خلية من العَدَمْ؟

شكل تصويري للخلية الحية للإنسان المكونة من نواة تحيط بها السيتوبلازما داخل غشاء محيط بها
شكل تصويري للخلية الحية للإنسان المكونة من نواة تحيط بها السيتوبلازما داخل غشاء محيط بها
TT

كيف نجح العلماء في خلق خلية من العَدَمْ؟

شكل تصويري للخلية الحية للإنسان المكونة من نواة تحيط بها السيتوبلازما داخل غشاء محيط بها
شكل تصويري للخلية الحية للإنسان المكونة من نواة تحيط بها السيتوبلازما داخل غشاء محيط بها

لطالما حلم العلماء باكتشاف سرّ تحويل المواد الكيميائية إلى حياة. وهذا الشهر أعلن فريق من جامعة مينيسوتا عن تحقيق خطوة كبيرة نحو تحقيق هذا الحلم، كما كتب كارل زيمر، وماركو هيرنانديز.

تصنيع خلايا بسيطة

بمزج عشرات المكونات تمكن الباحثون من تصنيع خلايا بسيطة تتغذى، وتنمو، وتتكاثر، وتتنافس فيما بينها على الغذاء. ورغم أن هذه الخلايا ليست حية تماماً، فإنّها تحمل معظم سمات الحياة.

وقالت كيت أدامالا، عالمة الأحياء التركيبية في الجامعة، التي قادت البحث: «الحياة ليست ثنائية... لهذا السبب أتردد في وصفها بأنها (حية). إذ لا يوجد خط فاصل واضح، مهما تمنينا ذلك».

حتى الآن لم يتقن العلماء وصفة خلية قادرة على أداء هذا الكمّ الهائل من الوظائف، كما صرّح جون غلاس، عالم الأحياء التركيبية في معهد جيه كريغ فينتر في سان دييغو، والذي لم يشارك في الدراسة. وأضاف: «من المذهل أنها استطاعت الجمع بين كل هذه العناصر». وقالت روزانا ضياء، عالمة الأحياء الحاسوبية بجامعة ميسوري، والتي لم تشارك في المشروع: «سنتذكر هذه اللحظة».

خلية تشابه البطاطا

ومن جهته قال درو إندي، عالم الأحياء التركيبية في جامعة ستانفورد: «إنها خلية مُصنّعة، وليست وليدة. إنها مُركّبة، لكنها تؤدي وظائف الخلايا». وأطلقت أدامالا على ابتكارها اسم «سباد سيل» (SpudCell)، نسبةً إلى شكلها الشبيه بالبطاطا. وبدلاً من تسجيل براءة اختراع لها، تعمل هي وإندي على تنظيم مجتمع من العلماء للتركيز على جعل «سباد سيل» أكثر حيوية، وتكييفها مع أنواع جديدة من التجارب. وقد أسسا مع زملائهما منظمة بحثية غير ربحية يُقدّر إندي أنها ستنفق مئات الملايين من الدولارات على هذا الجهد خلال العقد القادم. ومن المتوقع انضمام مئات العلماء إليها.

ونشرت أدامالا وزملاؤها تقريراً مفصلاً من 190 صفحة عن عملهم على الإنترنت. ويخضع البحث حالياً للمراجعة تمهيداً لنشره في إحدى المجلات العلمية.

هندسة الخلايا اصطناعياً لأهداف البحث العلمي

يأمل العلماء أن تُتيح لهم الخلايا الاصطناعية معرفة جوانب من الحياة لا تستطيع الخلايا الطبيعية كشفها، بما في ذلك أسئلة أساسية مثل عدد الجينات اللازمة لأبسط أشكال الحياة.

وقد تُهندَس الخلايا اصطناعياً يوماً ما للقيام بأمور لا تستطيع الخلايا الطبيعية القيام بها، مثل إنتاج أنواع جديدة من الأدوية، أو استخلاص كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي. ونظرياً، قد تُنتج خلايا «سباد» المُهندسة مجموعة واسعة من البروتينات التي لا تستطيع الخلايا الطبيعية إنتاجها، أو حتى مواد كيميائية سامة، مثل وقود الصواريخ. وقال غلاس: «الآن يُمكننا التفكير في إجراء تجارب كيميائية لا نزال نعجز عن فهمها».

سبر لغز الحياة

يكمن لغز الحياة كما نعرفها في تعقيدها الغامض، والمتشابك. إذ يحتوي حمضنا النووي على عشرات الآلاف من الجينات، بالإضافة إلى ملايين المفاتيح الجزيئية التي تُفعّل هذه الجينات، وتُعطّلها. ولا يزال العلماء يجهلون وظائف العديد من هذه الأجزاء من الحمض النووي. وكثيراً ما يتبين أن الجين الذي يعتقدون أنهم يفهمونه يؤدي وظائف أخرى غير متوقعة.

ومنذ تسعينات القرن الماضي انكبّت عدة مختبرات على البحث في أجزاء صغيرة من هذه المشكلة. وقد أتقن بعضها طرقاً لصنع فقاعات مجوفة من جزيئات زيتية. بينما وجد البعض الآخر طرقاً لتغليف جزيئات جينية بسيطة داخل هذه الفقاعات.

لكن العلماء واجهوا صعوبة في تجميع هذه الأجزاء في أنظمة أكثر تعقيداً، فضلاً عن تكوين ما يُمكن تسميته خلية.

في السنوات الأخيرة، تصدّت أدامالا لأحد التحديات الأساسية: انقسام الخلية. تنقسم الخلية الطبيعية بمساعدة بروتينات تتشابك معاً لتُشكّل حلقة مُثبّتة على جدارها الداخلي. ثم تلتفّ الحلقة حول نفسها بإحكام، فتقسم الخلية إلى قسمين. وتعمل بروتينات أخرى كرافعات، وتنقل الحمض النووي وجزيئات أخرى إلى الخلايا المُتشكّلة، لتوفير المكونات اللازمة لاستمرار الحياة.

من المحاكاة إلى التصنيع

في البداية، حاولت أدامالا بناء نسخة أبسط من النظام الطبيعي. لكنها قررت لاحقاً عدم محاكاة الخلايا الحقيقية على الإطلاق.

كان علماء الفيزياء الحيوية قد اكتشفوا أنه عند تثبيت البروتينات على غشاء، فإنه يتولد ضغطٌ يُسبب انحناء الغشاء. لذا ابتكرت أدامالا وفريقها فقاعات قادرة على التقاط البروتينات العائمة حولها. عندما تجمع الفقاعة كمية كافية من البروتينات، يبدأ سطحها بالانحناء إلى الداخل حتى تنفجر إلى نصفين.

وعلى الرغم من بساطة الفكرة، فإن تطبيقها عملياً في المختبر استغرق عاماً من التجارب. قالت أدامالا: «لكن بمجرد أن تنجح، فإنها تؤدي العمل».

*احتوت «الوصفة» على نحو مائة نوع من البروتينات والجزيئات البسيطة اللازمة للتفاعلات الكيميائية الحيوية*

بناء خلية اصطناعية كاملة

شجع هذا النجاح الفريق على محاولة بناء خلية اصطناعية كاملة. وكانت الخطوة الأولى هي تحضير «مرق»، أي مزيج من الجزيئات الضرورية لعمل الخلية. احتوت الوصفة في النهاية على نحو مائة نوع من البروتينات والجزيئات البسيطة اللازمة للتفاعلات الكيميائية الحيوية، مثل إنتاج بروتينات جديدة من الجينات.

كما زوّد الباحثون خليتهم الاصطناعية بجينات مُستعارة من فيروس وبكتيريا الإشريكية القولونية المنتشرة. واختاروا 36 جيناً للوظائف الأساسية، مثل نسخ الحمض النووي. وبعد مزج هذه المكونات معاً أضاف العلماء المكونات الأساسية للأغشية. واندمجت هذه المكونات تلقائياً لتُشكّل فقاعات، كل منها يبتلع جزءاً من المزيج.

انتهى المطاف بالعديد من هذه الفقاعات بتغليف المزيج المناسب من الجينات، والبروتينات، والجزيئات الأخرى، وبدأت في إجراء التفاعلات الكيميائية التي تحدث في الخلايا الحقيقية. وبينما كانت الخلايا الجديدة تطفو في القوارير، أضافت أدامالا وزملاؤها الغذاء. وامتصت الخلايا الجزيئات الصغيرة عبر قنوات على أسطحها.

كما وضع العلماء فقاعات صغيرة مُحمّلة بالبروتينات، وجزيئات أخرى كبيرة الحجم بحيث لا يمكنها المرور عبر القنوات. وعن طريق الاصطدام والاندماج بإحدى هذه الفقاعات تتغذى الخلية على ما بداخلها من مواد غذائية.

ومع تغذية الخلايا، فإنها بدأت تنمو. وفي غضون ساعات قليلة تصبح كبيرة بما يكفي للانقسام. ثم أضاف العلماء بروتيناً خاصاً إلى القوارير، والذي يلتصق بسطح الخلايا، ويجبرها على الانحناء إلى الداخل. وبمجرد انقسام الخلايا إلى خليتين تستمر الخليتان الجديدتان في النمو.

تنمية أجيال من الخلايا الاصطناعية

وهكذا نمت خلايا «سباد سيل»، وتغذت، وتكاثرت. واتضح أن هذه الخلايا تمتلك قدرة بدائية على التطور. وابتكرت أدامالا وزملاؤها نسخة متحولة تلتصق بقوة أكبر بالفقاعات المليئة بالمواد الغذائية التي تطفو حولها. ولاختبارها قاموا بتحضير مزيج بنسبة 50-50 من خلايا «سباد سيل» الأصلية والمتحولة.

تنافست الخلايا على الغذاء لخمسة أجيال. وفي النهاية، فاق عدد الخلايا المتحولة عدد الخلايا الأصلية، ما يشير إلى تفوقها عليها في المنافسة على الغذاء.

وعلقت روزانا ضياء: «هذا هو الإنجاز الذي سيُحدث ثورة في هذا المجال». إذ سيتمكن العلماء من وضع خلايا اصطناعية مختلفة في منافسة فيما بينها، وتطوير خلايا أكثر تطوراً بسرعة.

قصور أساسي في الخلية الاصطناعية

على الرغم من كل هذه الأدلة على وجود حياة، لا تزال خلية «سباد سيل» تعاني من بعض أوجه القصور الرئيسة. فهي، على سبيل المثال، لا تستطيع إنتاج المصنع الجزيئي المسؤول عن إنتاج البروتينات الجديدة، والذي يُسمى الريبوسوم ribosome. تستطيع الخلايا حمل جميع الجينات اللازمة لبناء الريبوسومات، ولكن لسبب ما لا تتحد الأجزاء معاً. (الريبوسوم هو جسيم بروتيني نووي موجود في جميع الخلايا، سواء كانت بدائية أو متقدمة. وهو مسؤول عن تخليق البروتينات-الويكيبيديا الإنجليزية).

تحذيرات من تطويرات لا أخلاقية لتوظيفها... كسلاح

في الوقت الحالي لا تستطيع الخلية الاصطناعية البقاء إلا لبضعة أجيال فقط بفضل نظام غذائي مختبري خاص. لكن قد تكون الإصدارات المستقبلية أكثر قوة، ما يزيد من احتمالية استخدام خلايا «سباد سيل» بطريقة غير أخلاقية في يوم من الأيام، وربما حتى لصنع سلاح.

يرى إندي أن مجتمع البحث مفتوح المصدر سيكون أكثر استعداداً لمنع حدوث ذلك. وقال: «يمكننا إجراء هذه النقاشات الآن، بدلاً من انتظار الآخرين للقيام بذلك، ثم نكتفي جميعاً برد الفعل».

يشبّه إندي شركة «سباد سيل» بنسخة بيولوجية من طائرة رايت فلاير، الطائرة البدائية التي استخدمها الأخوان رايت في أول رحلة طيران مستدامة ومتحكم بها عام 1903، مُدشّنين بذلك عصر الطائرات. ويقول إندي: «إن تحليق طائرة رايت فلاير لمدة 12 ثانية لا يُؤهّلك لامتلاك طائرة بوينغ 737. هذه مجرد البداية».

* خدمة «نيويورك تايمز»


بعد الذكاء الاصطناعي… هل يبدأ عصر «الذكاء الكمّي»؟

من قلب القمة العالمية «الذكاء الاصطناعي من أجل الخير»
من قلب القمة العالمية «الذكاء الاصطناعي من أجل الخير»
TT

بعد الذكاء الاصطناعي… هل يبدأ عصر «الذكاء الكمّي»؟

من قلب القمة العالمية «الذكاء الاصطناعي من أجل الخير»
من قلب القمة العالمية «الذكاء الاصطناعي من أجل الخير»

قبل سنوات قليلة كان الذكاء الاصطناعي يتصدر المؤتمرات العلمية بوصفه التقنية التي ستغيّر مستقبل الطب، والصناعة، والاقتصاد. أما اليوم، فقد بدأت الحوسبة الكمية تفرض نفسها بوصفها المرحلة التالية في الثورة الرقمية.

القمة العالمية «الذكاء الاصطناعي من أجل الخير»

وخلال تغطية «الشرق الأوسط» لأعمال القمة العالمية «الذكاء الاصطناعي من أجل الخير _AI for Good»، التي نظمها الاتحاد الدولي للاتصالات في جنيف خلال الفترة من 8 إلى 11 يوليو (تموز) 2026، برزت الحوسبة الكمية بوصفها أحد أبرز محاور النقاش، ولم تعد مجرد فكرة مستقبلية، بل أصبحت تقنية يُنظر إليها باعتبارها مرحلة جديدة في مسيرة الابتكار العلمي.

وجاء ذلك بالتزامن مع دراسة حديثة أظهرت أن الحوسبة الكمية بدأت تقترب من معالجة مشكلات علمية معقدة، وفي مقدمتها محاكاة الجزيئات الحيوية التي تمثل أساساً لتطوير أدوية وعلاجات جديدة. وهكذا لم يعد السؤال المطروح: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن ينجز؟ بل: ماذا سيحدث عندما يعمل جنباً إلى جنب مع الحوسبة الكمية؟ وربما تكون الإجابة بداية فصل جديد في الطب والعلوم خلال السنوات المقبلة.

الحوسبة الكمية تقترب من الطب

إنجاز يقرّب الحوسبة الكمية من الطب

وقاد الدراسة، التي نُشرت في 5 مايو (أيار) 2026 على منصة «أرخايف» (arXiv)، البروفسور كينيث ميرز من كليفلاند كلينك، وبالتعاون مع باحثين من «آي بي إم كوانتوم»، ومعهد «ريكين» الياباني. وتمكن الفريق من محاكاة مركبين معقّدين بروتينيين يضمان أكثر من 12 ألف ذرة باستخدام منظومة هجينة تجمع بين الحوسبة الكمية والحواسيب العملاقة التقليدية. ويُعد هذا الإنجاز أكبر محاكاة جزيئية ذات أهمية بيولوجية تُنجز بهذه التقنية حتى الآن، إذ وسّع حجم الأنظمة التي يمكن دراستها بأكثر من أربعين ضعفاً، مع تحقيق مستوى أعلى من الدقة مقارنة بالأساليب السابقة.

ورغم أن الحوسبة الكمية لم تبلغ بعد مرحلة التفوق الكامل على الحواسيب التقليدية في التطبيقات الطبية، فإن هذه النتائج تمثل خطوة مهمة نحو تسريع اكتشاف الأدوية، وفهم التفاعلات الجزيئية المعقدة، مما يقرّب هذه التقنية من التطبيقات الطبية العملية خلال السنوات المقبلة.

من «البت» إلى «الكيوبت»

لماذا تختلف الحوسبة الكمية؟

يكمن الفرق الجوهري بين الحوسبة التقليدية والحوسبة الكمية في طريقة معالجة المعلومات. فالحواسيب التقليدية تعتمد على وحدات رقمية تسمى «البتات» (Bits)، لا تحمل سوى قيمة واحدة في كل لحظة، بينما يعتمد الحاسوب الكمي على «الكيوبت» (Qubit)، القادر –وفق مبادئ ميكانيكا الكم– على تمثيل حالات متعددة في الوقت نفسه، ما يمنحه قدرة استثنائية على معالجة المسائل المعقدة.

ولهذا تُعد الحوسبة الكمية واعدة في مجالات مثل محاكاة الجزيئات الحيوية، وتصميم الأدوية، وتطوير المواد المتقدمة. ويرى باحثون أنها لن تحل محل الذكاء الاصطناعي، بل ستكمله، إذ يوفر الأول قوة حسابية هائلة، بينما يقدم الثاني أدوات التحليل، واتخاذ القرار.

من المختبر إلى سرير المريض

قد يكون القطاع الصحي من أكثر المجالات استفادة من الحوسبة الكمية خلال السنوات المقبلة. فبدلاً من استغراق سنوات في دراسة تفاعل دواء مع بروتين أو جزيء داخل الجسم، قد تتيح هذه التقنية محاكاة تلك التفاعلات بدقة، وسرعة أكبر، ما يختصر مراحل تطوير الأدوية، ويخفض تكلفة الأبحاث.

ولا يقتصر أثرها على اكتشاف العقاقير الجديدة، بل يمتد إلى تصميم بروتينات علاجية، وتعزيز الطب الدقيق، وتحليل البيانات الجينومية، وتسريع تطوير علاجات للأورام، والأمراض النادرة. وإذا أثبتت هذه التطبيقات نجاحها، فقد تنتقل الحوسبة الكمية من المختبر إلى الممارسة الطبية، لتسهم في تحسين جودة الرعاية الصحية، ونتائج علاج المرضى.

سباق عالمي يتجاوز الذكاء الاصطناعي

كشفت جلسات القمة العالمية في جنيف أن سباق التكنولوجيا لم يعد يقتصر على تطوير نماذج ذكاء اصطناعي أكثر قوة، بل امتد إلى بناء قدرات الحوسبة الكمية التي يُنظر إليها بوصفها إحدى الركائز الاستراتيجية للعلوم والاقتصاد خلال العقود المقبلة. ولهذا تتسابق الولايات المتحدة والصين وأوروبا واليابان إلى استثمار مليارات الدولارات في تطوير هذه التقنية، وإعداد الكفاءات القادرة على قيادتها.

ولم يكن اختيار عنوان «الذكاء الكمي من أجل الخير» (Quantum for Good) مجرد شعار، بل عكس توجهاً متنامياً نحو توظيف هذه القدرات في خدمة الإنسان، من تطوير الطب إلى مواجهة التحديات البيئية، مع التأكيد على أهمية الأطر الأخلاقية والعدالة في إتاحة التكنولوجيا.

السعودية تستثمر في المستقبل الكمي

هل العالم العربي مستعد؟

وكما سارعت دول العالم خلال السنوات الماضية إلى إطلاق استراتيجيات وطنية للذكاء الاصطناعي، يبدو أن الوقت قد حان للاستعداد للمرحلة التالية، حيث تصبح الحوسبة الكمية جزءاً من منظومة البحث والابتكار.

وقد حققت المملكة العربية السعودية تقدماً لافتاً في الذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، كما قطعت خطوات مهمة في الحوسبة الكمية، من خلال مبادرات بحثية تقودها جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (KAUST). لكن المرحلة المقبلة ستتطلب توسيع الاستثمار في الفيزياء الكمية، وعلوم الحاسب، والرياضيات المتقدمة، وإعداد جيل من الباحثين القادرين على دمج هذه التخصصات.

والرسالة التي خرجت بها من جنيف كانت واضحة: الدول التي تستثمر اليوم في العلوم الكمية لن تكون أكثر استعداداً للمستقبل فحسب، بل ستكون أكثر قدرة على صناعته.

الثورة القادمة

ومع اختتام أعمال القمة في جنيف، بدا واضحاً أن السؤال لم يعد ما إذا كانت الحوسبة الكمية ستغيّر العالم، بل متى يبدأ أثرها الحقيقي في الطب، والعلوم، وحياة الإنسان.

فكما أعاد الذكاء الاصطناعي تشكيل قدرتنا على تحليل المعلومات، قد توسّع الحوسبة الكمية حدود ما نستطيع فهمه ومحاكاته داخل عالم الجزيئات، والخلايا. وربما لا تكون الثورة المقبلة مجرد جيل جديد من الحواسيب، بل مرحلة علمية تعيد تعريف اكتشاف الأدوية، وتشخيص الأمراض، وتفتح آفاقاً جديدة لمستقبل الطب.