مستقبل الذكاء الاصطناعي: الأمم المتحدة تحذر من تأثيراته الاجتماعية

سياسات عمل استباقية لدرء انحسار نحو 40 % من الوظائف العالمية

تقرير التكنولوجيا والابتكار لعام 2025
تقرير التكنولوجيا والابتكار لعام 2025
TT

مستقبل الذكاء الاصطناعي: الأمم المتحدة تحذر من تأثيراته الاجتماعية

تقرير التكنولوجيا والابتكار لعام 2025
تقرير التكنولوجيا والابتكار لعام 2025

من المتوقع أن يصل سوق الذكاء الاصطناعي إلى 4.8 تريليون دولار - أي ما يُعادل حجم الاقتصاد الألماني تقريباً - إلا أن فوائده لا تزال مُركزة للغاية.

انطلاقة الذكاء الاصطناعي وتخلف الدول النامية

وذكر تقرير التكنولوجيا والابتكار لعام 2025 «Technology and Innovation Report 2025» الصادر عن «مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية» (الأونكتاد) في جنيف، تلقت «الشرق الأوسط» نسخة منه، أن أقل من ثلث الدول النامية لديها استراتيجيات للذكاء الاصطناعي، بينما تفتقر 118 دولة إلى التمثيل في حوكمة الذكاء الاصطناعي، مما يُحد من الشمولية العالمية.

لذا يجب على الاقتصادات النامية الاستثمار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي وبياناته ومهاراته لتسخير كامل إمكاناته.

الذكاء الاصطناعي والتحولات الاقتصادية

يُحدث الذكاء الاصطناعي تحولات في الاقتصادات، ويخلق فرصاً، ولكنه يُشكل أيضاً مخاطر تفاقم عدم المساواة. ويُحذر التقرير من أنه على الرغم من أن الذكاء الاصطناعي يُمكن أن يكون أداة قوية للتقدم، فإنه ليس شاملاً بطبيعته. وينبغي على الدول التحرك فوراً - من خلال الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، وبناء القدرات، وتعزيز حوكمة الذكاء الاصطناعي - لتسخير إمكانات الذكاء الاصطناعي لتحقيق التنمية المستدامة.

من المتوقع أن يصل سوق الذكاء الاصطناعي إلى 4.8 تريليون دولار أمريكي

الإنسان محور التطويرات

وأكدت ريبيكا غرينسبان، الأمينة العامة لـ«الأونكتاد»، على أهمية ضمان أن يكون الإنسان محور تطوير الذكاء الاصطناعي، داعيةً إلى تعاون دولي أقوى «لتحويل التركيز من التكنولوجيا إلى الإنسان، وتمكين الدول من المشاركة في إنشاء إطار عالمي للذكاء الاصطناعي».

4.8 تريليون دولار عام 2033

إن الفوائد الاقتصادية للذكاء الاصطناعي هائلة، ولكن يجب تقاسمها.

ومن المتوقع أن تصل القيمة السوقية للذكاء الاصطناعي إلى 4.8 تريليون دولار بحلول عام 2033، ليصبح قوة بارزة في التحول الرقمي. ومع ذلك، لا يزال الوصول إلى البنية التحتية والخبرة في مجال الذكاء الاصطناعي متركزاً في عدد قليل من الاقتصادات.

100 شركة الأكبر عالمياً

وتحتل 100 شركة فقط، معظمها في الولايات المتحدة والصين، الصدارة بتمويل 40 في المائة من الإنفاق العالمي على البحث والتطوير للشركات. وتبلغ القيمة السوقية لكل من شركات التكنولوجيا العملاقة الرائدة، مثل «أبل» و«إنفيديا» و«مايكروسوفت»، نحو 3 تريليونات دولار، وهو ما ينافس الناتج المحلي الإجمالي للقارة الأفريقية بأكملها.

وقد تؤدي الهيمنة على السوق، على المستويين الوطني ومستوى الشركات، إلى توسيع الفجوات التكنولوجية، ما يعرض العديد من الدول النامية لخطر فقدان فوائدها.

الاستثمار في المهارات

ويعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل الوظائف، لذا فإن الاستثمار في المهارات أمر بالغ الأهمية. يمكن أن يؤثر الذكاء الاصطناعي على 40 في المائة من الوظائف حول العالم، مما يُحقق مكاسب في الإنتاجية، ولكنه يُثير أيضاً مخاوف بشأن الأتمتة واستبدال الوظائف.

وغالباً ما تُفضّل فوائد الأتمتة المُعتمدة على الذكاء الاصطناعي رأس المال على العمالة، مما قد يُوسّع فجوة التفاوت ويُقلّل من الميزة التنافسية للعمالة منخفضة التكلفة في الاقتصادات النامية.

ومع ذلك، لا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على استبدال الوظائف فحسب، بل يُمكنه أيضاً إنشاء صناعات جديدة وتمكين العمال. ويُعدّ الاستثمار في إعادة تأهيل المهارات وتطويرها وتكييف القوى العاملة أمراً ضرورياً لضمان تعزيز الذكاء الاصطناعي لفرص العمل بدلاً من القضاء عليها.

سياسات فعالة للذكاء الاصطناعي

ويعدُّ الذكاء الاصطناعي عنصراً أساسياً في السياسات الصناعية وسياسات الابتكار الحديثة. إذ إنه يُعيد تعريف الفرص الاقتصادية، ويضع التكنولوجيا والابتكار والخدمات كثيفة المعرفة في صميم استراتيجيات التنمية الوطنية.

لوضع سياسات فعّالة للذكاء الاصطناعي، ينبغي على الدول مراعاة ثلاث نقاط قوة رئيسية: البنية التحتية، والبيانات، والمهارات. وستحدد المواقع الاستراتيجية في هذه المجالات مدى قدرة الدول على تبني الذكاء الاصطناعي بفعالية، وتعزيز الابتكار المحلي، ومواءمة تطويره مع احتياجاتها الاجتماعية والاقتصادية. ويقدم «الأونكتاد» الخبرة لمساعدة الدول النامية على تقييم نقاط قوتها وتصميم سياسات تُسهم في بناء أنظمة ابتكار مرنة.

حوكمة الذكاء الاصطناعي العالمية

يجب أن تكون حوكمة الذكاء الاصطناعي العالمية شاملة. إذ يُشكل الذكاء الاصطناعي مستقبل العالم الاقتصادي، ومع ذلك، فإن 118 دولة - معظمها في دول الجنوب - غائبة عن المناقشات الرئيسية حول حوكمة الذكاء الاصطناعي.

ومع تبلور لوائح الذكاء الاصطناعي والأطر الأخلاقية، يجب أن يكون للدول النامية دور فاعل لضمان خدمة الذكاء الاصطناعي للتقدم العالمي، وليس فقط لمصالح قلة قليلة. يمكن للتعاون الدولي الأقوى أن يُنشئ إطار عمل عالمي للذكاء الاصطناعي يُعطي الأولوية للإنصاف والشفافية والمنافع المشتركة.

خطة عمل لتطوير شامل للذكاء الاصطناعي

ويقدم تقرير «الأونكتاد» خريطة طريق لضمان أن يُسهم الذكاء الاصطناعي في دفع عجلة النمو الشامل بدلاً من تعميق الانقسامات. وتشمل التوصيات السياسية الرئيسية للمجتمع الدولي ما يلي:

الالتزام بقطاع الذكاء الاصطناعي: على غرار إطار العمل البيئي والاجتماعي والحوكمة environmental, social, and governance framework (ESG)، يُمكن لآلية شفافية مماثلة للذكاء الاصطناعي أن تُحسّن المساءلة، وتُترجم الالتزامات العالمية إلى نتائج مؤثرة.

البنية التحتية المشتركة: يُمكن لمرفق عالمي مُشترك أن يُوفر وصولاً عادلاً إلى البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

ابتكار مفتوح وبناء القدرات

الابتكار المفتوح: يُمكن لنماذج مثل البيانات المفتوحة والمصادر المفتوحة أن تُضفي طابعاً ديمقراطياً على المعرفة والموارد، مما يُعزز الابتكار الشامل للذكاء الاصطناعي. كما يُمكن لتنسيق موارد الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر، القيّمة ولكن المُجزأة، أن يُعزز إمكانية الوصول إليها ويُعزز التعاون العالمي.

بناء القدرات: يُمكن لمبادرات تبادل معارف وموارد الذكاء الاصطناعي، وخاصةً التعاون فيما بين بلدان الجنوب، أن تُعزز قدرة البلدان النامية على الاستفادة من فوائد الذكاء الاصطناعي ومواجهة التحديات المشتركة.

الذكاء الاصطناعي والتقدم العالمي - حان وقت العمل

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون مُحفزاً للتقدم والابتكار والازدهار المُشترك - ولكن فقط إذا ساهمت البلدان بفعالية في تشكيل مساره. هذا يعني تحويل التركيز من التكنولوجيا إلى الإنسان، ووضعه في صميم تطوير الذكاء الاصطناعي. أما الاستثمارات الاستراتيجية، والحوكمة الشاملة، والتعاون الدولي، فهي عوامل أساسية لضمان استفادة الجميع من الذكاء الاصطناعي، بدلاً من تعميق الانقسامات القائمة.

وتجدر الإشارة إلى أن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) يكرس جهوده لتعزيز التنمية الشاملة والمستدامة من خلال التجارة والاستثمار لتحقيق الرخاء.


مقالات ذات صلة

دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

تكنولوجيا تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)

دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

دراسة تظهر أن الذكاء الاصطناعي يؤثر في الآراء عبر طريقة عرض المعلومات حتى عندما تكون الحقائق صحيحة وغير مضللة.

نسيم رمضان (لندن)
علوم لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

تراجع ثقة الأميركيين بعد انتشار القصص الوهمية في وسائل الاتصال الاجتماعي

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا رئيس شركة «أبل» تيم كوك خلال أحد المؤتمرات السنوية للشركة (إ.ب.أ)

«أبل» في عامها الخمسين… قصة شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية

مسيرة «أبل» خلال 50 عاماً تعكس قدرة استثنائية على الابتكار وإعادة الابتكار، من مرآب صغير إلى شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية.

نسيم رمضان (لندن)
علوم نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

«قمم خبراء» تتحدث عن الأخلاقيات... لكن المعاناة تبقى خارج النقاش

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
الاقتصاد شعار شركة «سيمنز» في هذه الصورة التوضيحية (رويترز)

«سيمنز» الألمانية: الحرب تفرمل رغبة العملاء في الاستثمار بمشاريع جديدة

قالت شركة «سيمنز» الألمانية يوم الاثنين إن الحرب الإيرانية أدَّت إلى إحجام العملاء عن الاستثمار في مشروعات جديدة نتيجة ارتفاع أسعار المواد الخام والطاقة.

«الشرق الأوسط» (بكين )

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟
TT

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

انطلق عصر الذكاء الاصطناعي بوعودٍ واسعة النطاق ونقاشاتٍ حول إمكانياتٍ لا حدود لها، كما تكتب لويز ك. ألين(*).

تفاؤل وخيبة

والآن، وبعد سنواتٍ من الخبرة العملية، لا يزال الخبراء متفائلين بشأن التأثير طويل الأمد للذكاء الاصطناعي. وفي الوقت نفسه، يتفق معظم الناس على أن مساهماته في الحياة اليومية كانت مخيِّبة للآمال، إن لم تكن أسوأ من ذلك.

وحتى بصفتي واحدة من العاملات في القيادة التقنية بهذا المجال، لا بد لي من الاعتراف بأن استياء المستهلكين من الذكاء الاصطناعي له ما يبرره إلى حد كبير، فقد اتسمت تجربة المواطن الأميركي العادي مع الذكاء الاصطناعي التوليدي، حتى الآن، بتراجع الجودة وازدياد انعدام الثقة.

قصص وهمية في وسائل الاتصال الاجتماعي

تعجّ وسائل التواصل الاجتماعي بأشخاصٍ وقصصٍ وهمية، وتمتلئ الأسواق الإلكترونية بشكلٍ متزايد بعمليات الاحتيال المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تفشل مبادرات الشركات في تحقيق التوقعات المالية، بل إن عدداً منها زاد من صعوبة حياة العاملين.

لقد بات فشل أدوات الذكاء الاصطناعي العام في تحقيق الضجة الإعلامية الكبيرة التي أثيرت حولها، أمراً مُسلَّماً به عالمياً، حتى إن قاموس ميريام-ويبستر نفسه أعلن اختياره كلمة «هراء» ككلمة عام 2025.

«التحديد الدقيق والموجّه»

ومع ذلك، تتاح للجمهور، الآن، فرصة لتغيير هذا الواقع في عام 2026. ويبدأ ذلك بتوظيف مفهوم «التحديد الدقيق (specificity)» ككلمة تُعرِّف ما هو مقبل.

وفي حقيقة الأمر، فإن شركات التكنولوجيا وباحثي الذكاء الاصطناعي بالغوا في تقدير القدرات الفعلية لهذه التقنية منذ البداية، فقد ركّز هؤلاء الرواد على الإمكانات الكامنة، بدلاً من النتائج العملية. لقد صوّروا الذكاء الاصطناعي على أنه ضرورة يجب على الشركات اتباعها لمواكبة التطورات، بدلاً من كونه أداةً يمكن للمؤسسات والأفراد استخدامها لتحقيق أهداف محددة.

التكنولوجيا وسيلة وليست غاية

لتطوير هذه التقنية وتحقيق رؤيتهم لمستقبل مُحسَّن بالذكاء الاصطناعي، سيتعيّن على القادة التوقف عن مناشدة الجمهور لتغيير الخطاب حول الذكاء الاصطناعي.

إن الطريق إلى الأمام بسيط للغاية، إذ يحتاج قادة التكنولوجيا إلى العودة إلى أساسيات المنتج. عليهم أن يتقبلوا فكرة أن التكنولوجيا وسيلة لتحقيق غاية، وليست غاية في حد ذاتها، وهذا يعني إعادة تركيز استراتيجيات التطوير والتواصل على حلول للمشاكل الحقيقية.

خطوات التحديد الدقيق «الموجّه»

1. التصميم الموجَّه للأفراد لا «المستخدمين»

إن إغراء بناء أدوات عامة الأغراض مفهوم، لكن القيام بذلك باستخدام التكنولوجيا الحالية يُضعف فائدتها. وستكون أدوات الذكاء الاصطناعي، اليوم، أكثر فاعلية عندما تُصمم خصوصاً لأفراد محددين في أدوار محددة. يجب أن تُوجه هذه المعرفة عملية ابتكار المنتج، والتدريب، والتسويق، وتكتيكات المبيعات.

2. التركيز على النتائج بدلاً من القدرات

الذكاء الاصطناعي ليس مختلفاً عن أي منتج آخر. لن يستخدمه الناس إلا إذا حل مشكلة موجودة لديهم بالفعل. ويفشل كثير من أدوات الذكاء الاصطناعي في تحقيق هذا الهدف، فهي تركز على ما يمكن للنموذج فعله، بدلاً من التمعن في فهم أسباب أهمية ما يفعله.

3. التوقف عن تقديم وعود خيالية

قد يُمثل الذكاء الاصطناعي، اليوم، مستقبلاً يمكن فيه تحقيق التحسين الشامل، لكن هذا ليس صحيحاً. يجب أن تعكس خطط تطوير المنتجات هذه الحقيقة. إنّ الوضوح والمباشرة بشأن ما هو متاح الآن وما سيكون متاحاً في المستقبل يُساعدان على تخفيف الإرهاق الناتج عن الضجة الإعلامية واستعادة الثقة.

حان وقت إعادة النظر

بصفتي مديرة للمنتجات، شاهدتُ عدداً من الأمثلة على الاستخدام الأمثل للذكاء الاصطناعي، خلال السنوات القليلة الماضية.

ومع ذلك، أُدرك أن أسباب انعدام ثقة الجمهور أو عدم اهتمامه الواسع النطاق تقع في معظمها على عاتق قطاع التكنولوجيا، ذلك أن رغبة هذا القطاع في إنجاز كل شيء دفعة واحدة، خلقت بيئةً لا يثق فيها الناس بقدرة التكنولوجيا على القيام بأي شيء مفيد.

إنها حقيقةٌ يصعب تقبّلها، لكن أي قائد تقني يُنكر ذلك يُخدع نفسه. ومع ذلك، لم يفت الأوان بعدُ لتصحيح الوضع. إذا كان القادة على استعداد لتقبُّل هذه الحقيقة وإعادة توجيه استراتيجياتهم نحو «التحديد»، فسيكون هناك متسع من الوقت لإعادة النظر، وإعادة التقييم، وتحقيق رؤية مستقبلٍ مُحسَّن. يجب أن يحدث هذا قريباً، وإلا فسيضيع مستقبل الذكاء الاصطناعي هباءً.

*مجلة «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا»


مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
TT

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر

في القاعات الكبرى، حيث تُصاغ البيانات وتُعلن المبادئ بلغة تبدو مكتملة، يظهر الذكاء الاصطناعي كأنه يسير بثقة نحو مستقبل أكثر عدلاً وإنصافاً. تُرفع شعارات الشفافية، وتُكرَّر مفاهيم الحوكمة، وتُقدَّم العدالة الخوارزمية كأنها حقيقة قريبة لا جدال فيها.

لكن خلف هذا الانسجام الظاهري، يبقى سؤال أكثر إزعاجاً، وأقل حضوراً:

هل ما يُقال في هذه القاعات يعكس فعلاً ما يحدث خارجها، أم أنه يكتفي بصياغة عالمٍ مثالي لا وجود له في الواقع؟

أخلاقيات داخل حدود البيانات

تركّز معظم النقاشات العالمية حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي على قضايا تبدو مكتملة: التحيّز، والخصوصية، والشفافية، والمسؤولية. وهي دون شك قضايا حقيقية، لكنها تنطلق من افتراض خفيّ نادراً ما يُناقش: أن المشكلة تكمن في كيفية استخدام البيانات، لا في حدودها.

لكن السؤال الأكثر عمقاً، والأقل طرحاً، هو: ماذا عن أولئك الذين لا تُمثّلهم البيانات أصلاً؟ فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تعقيد، لا يرى العالم كما هو، بل كما يُقدَّم له. وما لا يدخل في بياناته، لا يدخل في حساباته... ولا في قراراته. وهنا لا يكون الخطأ في الخوارزمية، بل في العالم الذي اختُصر داخلها.

ما لا تراه الخوارزميات

عالم خارج الرؤية الخوارزمية

في مساحات واسعة من هذا العالم، لا تُقاس المعاناة ولا تُسجَّل، ولا تتحول إلى بيانات يمكن للآلة أن تفهمها. هناك أمراض لا تصل إلى مرحلة التشخيص، وصدمات لا تُوثَّق، وواقع صحي كامل يظل خارج أي نموذج تنبؤي.

في مثل هذه البيئات، لا يكون التحيّز نتيجة خلل تقني في الخوارزمية، بل نتيجة غياب الصورة من الأساس. فالمشكلة ليست في طريقة التحليل... بل فيما لم يُحلَّل أصلاً.

وهنا يتبدّل معنى العدالة نفسها. فكيف يمكن الحديث عن «عدالة خوارزمية» في عالمٍ لم يُمثَّل رقمياً بعد؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون منصفاً... إذا كان لا يرى الجميع؟

عندما لا تكفي الأخلاقيات

في القمم العالمية، يُقدَّم الذكاء الاصطناعي كأداة يمكن تهذيبها أخلاقياً، وكأن المشكلة تكمن فقط في ضبط سلوك الخوارزمية من داخل النظام الذي أنشأها. تُناقش المبادئ، وتُصاغ الأطر، ويبدو وكأن الحل يكمن في تحسين ما هو قائم. لكن هذا التصور يخفي افتراضاً أعمق: أن جميع المشكلات قابلة للحل من داخل النظام نفسه. بينما يهمس الواقع بشيء مختلف تماماً.

فهناك معاناة لا تنتظر «حوكمة» الخوارزمية... بل تنتظر أن تُرى. وهناك بشر لا يحتاجون إلى خوارزميات أكثر عدلاً، بل إلى أن يدخلوا أصلاً في مجال رؤيتها.

ما بين الخطاب والواقع: درس من قمة الهند

كما ظهر في نقاشات القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في الهند، التي رفعت شعار «الذكاء الاصطناعي المسؤول»، بدا أن التركيز ينصب على مبادئ الحوكمة، والشفافية، وتقليل التحيّز داخل الأنظمة. لكن ما تكشفه هذه النقاشات، رغم أهميتها، هو فجوة أعمق: أن الخطاب الأخلاقي العالمي يفترض وجود عالم ممثَّل بالكامل داخل البيانات... بينما الواقع مختلف تماماً. فما لا يُقال في هذه القاعات، ليس فقط حدود التقنية، بل حدود الرؤية نفسها... إذ توجد مجتمعات كاملة خارج نطاق النماذج، وتجارب إنسانية لا تصل إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي، وبالتالي لا تدخل في أي إطار أخلاقي يُناقش.

* عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية من العوامل التي لا يمكن قياسها ولا تدخل إلى الأدوات الذكية *

حدود ما يمكن قياسه

في دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، أظهرت نماذج تنبؤية طوّرها باحثون في جامعة ستانفورد قدرة متقدمة على تحليل البيانات الصحية، واستباق المخاطر قبل حدوثها. ومع ذلك، توقفت هذه النماذج عند حدود واضحة عندما يتعلق الأمر بعوامل لا تُقاس بسهولة، مثل عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية التي لا تجد طريقها إلى السجلات الطبية.

وهنا لا تنكشف حدود التقنية فحسب، بل حدود الفكرة التي تقوم عليها.

فالمشكلة ليست في دقة ما نقيس، بل في افتراضٍ أعمق: أن كل ما هو مهم... يمكن قياسه.

لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. فبعض أهم محددات الصحة لا تُكتب في البيانات، ولا تُترجم إلى أرقام، ومع ذلك تظل الأكثر تأثيراً في حياة الإنسان.

ما بعد الأخلاقيات

قد تنجح القمم في صياغة مبادئ أخلاقية للذكاء الاصطناعي، وتبدو هذه المبادئ مكتملة في نصوصها ومنطقها. لكن التحدي الحقيقي لا يبدأ داخل هذه الأطر، بل خارجها.

في تلك المساحات التي لا تصلها البيانات، ولا تلامسها النماذج، ولا تختزلها الأرقام، هناك يتغيّر السؤال نفسه. فلا يعود السؤال:

هل الذكاء الاصطناعي أخلاقي؟ بل يصبح أكثر عمقاً وإلحاحاً: هل يستطيع أن يرى ما يجب أن يكون أخلاقياً تجاهه؟


أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
TT

أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر

سترسل وكالة الطيران والفضاء الاميركية ناسا، أربعة رواد فضاء في مهمة أرتميس 2 في رحلة تستغرق 10 أيام حول القمر للتمهيد لهبوط على سطحه في المستقبل وإقامة قواعد دائمة عليه.