الذكاء الاصطناعي «يتألق» عند العمل مع البشر لا عند استبدالهم

5 أمور يخطئ فيها كبار المسؤولين التنفيذيين بشأنه

الذكاء الاصطناعي «يتألق» عند العمل مع البشر لا عند استبدالهم
TT

الذكاء الاصطناعي «يتألق» عند العمل مع البشر لا عند استبدالهم

الذكاء الاصطناعي «يتألق» عند العمل مع البشر لا عند استبدالهم

قد يكون الذكاء الاصطناعي دافعاً لانعطافة كبرى، لكن المديرين التنفيذيين يغفلون عن عدد من الحقائق الرئيسية، كما كتبت الدكتورة كيلي موناهان (*) الخبيرة في مستقبل العمل.

إعادة تشكيل المؤسسات والأعمال

الذكاء الاصطناعي على وشك إعادة تشكيل الشركات، لكن الكثير من المديرين التنفيذيين يُبالغون في تبسيط إمكاناته، مُركزين على الأتمتة بدلاً من التعاون.

وبصفتي واحدة من الذين قضوا حياتهم المهنية في دراسة مستقبل العمل، فإنني متحمسة لإمكانات الذكاء الاصطناعي الواعدة - لكنني حذرة عندما يتم تسليط الضوء على الروايات المُتسرعة حوله.

تعزيز النشاطات أم أتمتة العمل؟

راجعتُ دراسة من شركة أنثروبيك أخيراً بعنوان: «ما المهام الاقتصادية التي تُنفذ باستخدام الذكاء الاصطناعي؟» أدلة من ملايين محادثات النظام الذكي «كلود»، ووجدتُ أن التأثير الحقيقي للذكاء الاصطناعي ليس واضحاً تماماً كما يعتقد الكثيرون. ففي حين يُحدث الذكاء الاصطناعي تحولاً في الأعمال، يتجاهل القادة حقائق رئيسية حول تأثيره وتطبيقاته في العالم الحقيقي.

تصورات خاطئة

إليكم بعض الجوانب التي لا يزال الكثيرون يُخطئون حول الذكاء الاصطناعي:

1. الذكاء الاصطناعي يتعلق بـ«التعزيز» أكثر من الأتمتة

وفقاً لنتائج «أنثروبيك»، لا يتوافق الذكاء الاصطناعي تماماً مع مفهوم المحرك الأمثل للأتمتة. وتشير البيانات باستمرار إلى وضع أكثر توازناً بين تعزيز النشاطات (57 في المائة) والأتمتة الخاصة بها (43 في المائة).

ومع ذلك، وفي بحث أجريناه مطلع العام الماضي، وجدنا أن 58 في المائة من القادة العالميين ينظرون إلى الذكاء الاصطناعي كأداة أتمتة بالأساس – أي أداة يمكنها تقليل عدد الموظفين وخفض التكاليف - بينما اعتبره 42 في المائة فقط وسيلةً لتعزيز القدرات البشرية.

الذكاء الاصطناعي يتألق في التعامل مع الإنسان

تتجاهل هذه النظرة فكرةً جوهرية: غالباً ما يتألق الذكاء الاصطناعي عند العمل مع البشر، لا عند استبدالهم. في الواقع، وجدت دراسة أنثروبيك أن ما يقرب من ربع (23.3 في المائة) المهام في تفاعلات الذكاء الاصطناعي هذه هي مهام تعلم أو اكتساب معرفة - ما يعني أن البشر يستفيدون من الذكاء الاصطناعي لجمع الرؤى، وصقل الاستراتيجيات، واتخاذ قرارات أكثر استنارة.

دور إداري وإشراف محدودان

2. الدور الإداري للذكاء الاصطناعي محدود

يتجلى هذا التحيز نحو الأتمتة أيضاً في كيفية تصور الإدارة العليا للإمكانات الإدارية للذكاء الاصطناعي. إذ يفترض أن الذكاء الاصطناعي قادر على التدخل الفوري لتنسيق المشاريع، والإشراف على الفرق، أو حتى اتخاذ قرارات رفيعة المستوى. ومع ذلك، تشير بيانات «أنثروبيك» إلى أن القدرات الإدارية لا تُظهر سوى استخدام محدود للذكاء الاصطناعي - وهو تذكير مهم بالقيود العملية لأدوات الذكاء الاصطناعي الحالية.

إن الإدارة الفعالة ليست مجرد مسألة إشراف وكفاءة، بل تتعلق بالتعاطف، والتواصل الدقيق، والقدرة على إلهام وتوجيه الأفراد خلال ظروف التحديات التنظيمية المعقدة. يستطيع الذكاء الاصطناعي اليوم غربلة البيانات، وإعداد توصيات مكتوبة، وحتى المساعدة في تقييمات الأداء، ولكنه لا يستطيع محاكاة الجوانب البشرية المتأصلة في القيادة التي تُثير التحفيز وتحافظ على الثقة.

بعبارة أخرى، بينما يمكن للذكاء الاصطناعي مساعدة المديرين على أن يكونوا مديرين أفضل - على سبيل المثال، من خلال تحديد الاتجاهات المهمة أو تقديم آليات التغذية الراجعة الفورية - إلا أنه لن يحل محلهم في أي وقت قريب.

أدوات للمهمات لا لاحتلال المناصب الوظيفية

3. تأثير الذكاء الاصطناعي على العمل يتعلق بالمهام لا بالألقاب الوظيفية

يُقيّم عدد كبير جداً من المديرين التنفيذيين تأثير الذكاء الاصطناعي كما لو كان بديلاً مباشراً لأدوار كاملة، بينما في الواقع، يتسلل الذكاء الاصطناعي إلى سير عملنا على مستوى المهام. لهذا السبب، يُقلل بعض القادة من شأن كيفية إعادة تعريف الذكاء الاصطناعي لمحتويات «الوظيفة»، إذ إن المنصب في جوهره عبارة عن مجموعة من المهام - بعضها روتيني وبعضها إبداعي.

يُعد تحليل الأدوار لعزل المهام الأكثر نضجاً لدعم الذكاء الاصطناعي أمراً بالغ الأهمية. تشير إحصائية مُذهلة من تقرير «أنثروبيك» إلى أن ٣٦ في المائة من الوظائف تُظهر استخداماً للذكاء الاصطناعي في ٢٥ في المائة على الأقل من مهامها، وفي كثير من الحالات، تتضمن هذه المهام مهارات معرفية مُتطلبة، مثل التفكير النقدي وتحليل النظم.

ويُستخدم الذكاء الاصطناعي أيضاً للاستماع النشط، وفهم القراءة، ودعم الكتابة، ولكنه لم يُسيطر على النطاق الكامل لأي «وظيفة» واحدة كما نُعرّفها تقليدياً.

والقادة الذين يفشلون في فصل المهام عن المسميات الوظيفية يُخاطرون بتجاهل القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي، ويُقلّلون من شأن مؤسساتهم وموظفيهم.

فجوات في تبني الذكاء الاصطناعي

4. معدلات تبني الذكاء الاصطناعي ليست مرتفعة كما يوحي به التهويل الإعلامي، الذي يشير إلى أن جميع القطاعات تقريباً تتجه نحو انتشار الذكاء الاصطناعي، حيث توقعت أبحاث سابقة أن 80 في المائة أو أكثر من الوظائف ستدمج الذكاء الاصطناعي بسرعة في 10 في المائة على الأقل من مهامها.

ومع ذلك، تشير بيانات المحادثات الواقعية لشركة «أنثروبيك» إلى أن هذه النسبة تبلغ 57 في المائة، وليس 80 في المائة. وهذه فجوة يجب على القادة أخذها على محمل الجد.

المؤسسات ليست جاهزة للأدوات الذكية

ليس الأمر أن الإمكانات التحويلية للذكاء الاصطناعي موضع شك، بل إن جاهزية المؤسسات - وعوائق دخول هذه التقنيات - أكبر مما يدركه الكثيرون... من القيود التنظيمية إلى البنى التحتية القديمة لتكنولوجيا المعلومات إلى نقص التدريب، هناك العديد من العوامل التي يمكن أن تعوق زخم الذكاء الاصطناعي بمجرد تجاوز المرحلة التجريبية.

وكما أُذكّر قادة الأعمال دائماً، فإن النشر الناجح للذكاء الاصطناعي يتطلب أكثر من مجرد التكنولوجيا نفسها؛ بل يتطلب تغييراً في الثقافة، وبناءً للمهارات، وخطة استراتيجية تُشرك الموظفين على جميع المستويات.

التثقيف على مختلف المستويات

5. التوعية والتثقيف. لأننا نحتاج إلى معرفة أكبر بالذكاء الاصطناعي على جميع المستويات. تشير دراسة «أنثروبيك» إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي ليس مرتفعاً بين الحاصلين على تدريب متخصص مكثف، وهو أمر قد يبدو غير بديهي. لماذا لا يكون حاملو الشهادات العليا في الطليعة؟ لأنهم غالباً ما يعملون في مجالات ذات لوائح صارمة أو أطر فكرية معقدة لم يُجهّز الذكاء الاصطناعي بعد للتعامل معها دون إشراف بشري كبير.

وبينما نُهيئ الجيل القادم من حاملي الشهادات لبيئة عمل مُشبعة بالذكاء الاصطناعي، يجب أن نُعلّمهم كيفية دمج هذه الأدوات بفاعلية في خبراتهم، وليس فقط كيفية برمجة أو تحفيز نظام الذكاء الاصطناعي.

إن «الإلمام بالذكاء الاصطناعي» يعني فهم حدوده وإمكاناته - إدراك متى يكون متعاوناً ذكياً ومتى يكون بديلاً غير كافٍ للحكم البشري الأعمق.

تحويل عقليات المديرين التنفيذيين

وعلينا تحويل العقليات من «الذكاء الاصطناعي مقابل البشر» إلى «الذكاء الاصطناعي مع البشر». وإذا كان هناك درس واحد للمديرين التنفيذيين، فهو هذا: لا تتسرعوا في الاعتقاد بأن مستقبل مؤسستكم يتمحور فقط حول استبدال البشر واستخدام الذكاء الاصطناعي. بدلاً من ذلك، ركّزوا على كيفية تعزيز الإبداع البشري.

إن عليهم تقبّل حقيقة أن ثورة الذكاء الاصطناعي تحدث على مستوى المهام الدقيقة، وليس على مستوى المسمى الوظيفي. وتذكروا أن أفضل المديرين سيكونون دائماً أولئك الذين يمتلكون التعاطف والرؤية الاستراتيجية والتواصل الدقيق - وهي سمات لا يدعمها الذكاء الاصطناعي، في الوقت الحالي، إلا بشكل طفيف. إن التحول من عقلية «الذكاء الاصطناعي مقابل الناس» إلى «الذكاء الاصطناعي مع الناس» ليس مجرد اختلاف دلالي؛ بل هو مفتاح إطلاق العنان لكامل إمكانات الذكاء الاصطناعي لتحقيق نمو وابتكار مستدامين في المؤسسات الحديثة.

إن كانت علّمتنا العقود القليلة الماضية شيئاً، فهو أن التكنولوجيا وحدها لا تُعرّف النجاح؛ بل إن كيفية تكيّفنا معها هي التي يُميّزنا. وهذا مسعى إنساني بامتياز.

* المديرة العامة في منصة Upwork وتقود برنامج أبحاث مستقبل العمل وشغلت سابقاً منصب مديرة مستقبل العمل في شركة «ميتا». مجلة «فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

خطة ترمب لمواجهة أزمة الطاقة: شركات الذكاء الاصطناعي «ستدفع الثمن»

الاقتصاد خطوط نقل طاقة تمر عبر محطة فرعية على طول شبكة الكهرباء في ميامي (أ.ف.ب)

خطة ترمب لمواجهة أزمة الطاقة: شركات الذكاء الاصطناعي «ستدفع الثمن»

أعلنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطة استراتيجية تُلزم شركات التكنولوجيا الكبرى بتحمل تكاليف بناء محطات طاقة جديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق صورة تظهر شعار «غروك» (رويترز)

والدة أحد أطفال ماسك تقاضي شركته للذكاء الاصطناعي

رفعت والدة أحد أطفال إيلون ماسك دعوى قضائية ضد شركة الذكاء الاصطناعي الخاصة به.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا شعار تطبيق «تشات جي بي تي» (رويترز)

«تشات جي بي تي» يستعد لعرض إعلانات بناءً على محادثات المستخدمين

قد يبدأ تطبيق الدردشة المدعم بالذكاء الاصطناعي «شات جي بي تي» قريباً بعرض إعلانات لمنتجات وخدمات يُرجّح أنها تهم المستخدمين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على استخراج معلومات حساسة من الصوت دون علم المتحدث (أدوبي)

بيانات الصوت البيومترية... هل تهدد الخصوصية في زمن الخوارزميات؟

الصوت يحمل بيانات شخصية حساسة تكشف الصحة والمشاعر والهوية، ومع تطور تقنيات تحليل الكلام تزداد تحديات الخصوصية والحاجة لحمايتها بوعي وتشريعات.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد من داخل معرض «سيمكون تايوان» للرقائق في تايبيه (أرشيفية - رويترز)

تايوان تطرق أبواب واشنطن بـ«سلاح» الذكاء الاصطناعي

تهدف تايوان إلى أن تصبح شريكاً استراتيجياً للولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي بعد إبرام اتفاقية لتخفيض الرسوم الجمركية وتعزيز استثماراتها في البلاد.

«الشرق الأوسط» (تايبيه)

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
TT

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية

لم يعد السؤال في الطب الحديث: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تشخيص المرض، بل أصبح السؤال الأعمق والأخطر: هل يمكنه توقّع مسار المرض قبل أن يُظهر الجسد أولى علامات التمرّد، ففي الطب ليست المشكلة دائماً في نقص المعرفة، بل في ضيق الزمن.

إشارات الأمراض المتسللة داخل الجسد

إن كثيراً من الأمراض لا تبدأ صاخبة، بل تتسلّل همساً داخل الجسد، وتترك إشارات دقيقة لا يلتقطها الفحص التقليدي، ولا ينتبه إليها الطبيب إلا حين تتحوّل إلى أعراض واضحة، وأحياناً متأخرة. وهنا تحديداً، لا يَعِد الذكاء الاصطناعي بإجابات أسرع فحسب، بل برؤية مختلفة: أن يقرأ الإشارات الصامتة قبل أن تتحوّل إلى شكوى، وأن يفهم المرض كمسارٍ زمني لا كلحظة تشخيص، وكأن الطب ينتقل من التقاط «صورة» للجسد إلى قراءة «قصته». وهذا التحوّل لا يمثّل مجرد تطوّر تقني، بل يمثل تغييراً في فلسفة الطب نفسها: من علاج ما حدث إلى محاولة فهم ما هو في طريقه إلى الحدوث.

الانتقال من «لقطة» الحالة إلى «قصة» المرض

على مدى السنوات الماضية، عمل الذكاء الاصطناعي في الطب بوصفه أداة مساعدة فورية؛ يحلّل صورة أشعة، ويقرأ نتيجة تحليل مِخبري، أو يقترح تشخيصاً في لحظة زمنية محددة. وكان أداؤه، في جوهره، أشبه بالتقاط «صورة ثابتة» للحالة الصحية، ثم التوقّف عندها. غير أنّ الطب، بطبيعته، لا يعيش في الصور، بل في الزمن. اليوم، تتقدّم نماذج ذكاء اصطناعي جديدة لا تنظر إلى المرض على أنه حدث معزول، بل كسردٍ زمني متصل، نماذج لا تكتفي بسؤال: ما الذي يعانيه المريض الآن، بل تحاول الإجابة عن أسئلة أعمق وأكثر جرأة: كيف بدأت القصة الصحية، وكيف تطوّرت خطوةً خطوة، وإلى أي اتجاه يسير هذا المسار إن تُرك دون تدخّل، وماذا يتغيّر في المستقبل لو اتُّخذ قرار علاجي مختلف اليوم. وبهذا التحوّل، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد «عدسة تشخيص» تلتقط اللحظة، بل يتحوّل إلى نظام توقّع وتخطيط يحاكي الجسد عبر الزمن، ويختبر الاحتمالات قبل أن يختبرها المريض في واقعه.

حين تُساند الخوارزميات القرار الطبي

محاكاة المستقبل الصحي... السيناريوهات الافتراضية

تعتمد هذه النماذج الذكية على قراءة سلاسل زمنية طويلة من بيانات المريض، تشمل صوراً طبية متعاقبة، ونتائج مخبرية عبر الزمن، وسِجلات الأدوية، واستجابات العلاج، وفترات التحسّن والتدهور. ومن خلال هذا التراكم، لا يكتفي النموذج بالتحليل، بل يبني تمثيلاً داخلياً يحاكي السلوك البيولوجي للجسد، كما لو كان نظاماً حياً يتعلّم من تاريخه. وبهذا التمثيل، يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على محاكاة تطوّرات مستقبلية محتملة، لا على توقّع مسار واحد فقط، بل على استكشاف عدة مسارات متوازية.

وهنا تبرز إحدى أقوى قدرات هذه النماذج: القدرة على طرح أسئلة «ماذا لو؟»، قبل أن يطرحها المرض على جسد المريض؛ ماذا لو بدأ التدخّل العلاجي قبل ظهور الأعراض السريرية، وماذا لو اختير دواء أقل شدّة لكن في توقيت أدق، وماذا لو تأخّر القرار العلاجي أسبوعين فقط.

وما كان يعتمد سابقاً على الخبرة السريرية والحدس الطبي يمكن، اليوم، محاكاته رقمياً، اعتماداً على أنماط مستخلَصة من ملايين الحالات البشرية، ليقدّم للطبيب خريطة احتمالات بدل إجابة واحدة جامدة، ويعيد القرار الطبي إلى موقعه الطبيعي: قرار إنساني... مدعوم برؤية زمنية أوسع.

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي صحتك من نومك

في مطلع عام 2026، ظهر مثال لافت يوضّح كيف يمكن لبيانات تبدو «غير طبية» في ظاهرها أن تتحوّل إلى نافذة مبكرة على المرض. ففي يناير (كانون الثاني) الحالي، أعلن فريق بحثي من معهد ستانفورد للطب «Stanford Medicine»، تطوير نموذج ذكاء اصطناعي جديد يحمل اسم «SleepFM»، بقيادة الدكتور إيمانويل مينيو، وبمشاركة الأستاذ جيمس زو. ونُشرت نتائج هذا العمل في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، مطلع العام نفسه.

وتكمن الفكرة، على بساطتها، في تحليل بيانات ليلة نوم واحدة فقط، مثل أنماط التنفّس، ونبض القلب، وإشارات الدماغ، وحركة الجسد، لا لفهم جودة النوم فحسب، بل للتنبؤ بمخاطر صحية مستقبلية قد تمتد لسنوات. ووفق ما أظهرته الدراسة، استطاع النموذج توقّع مخاطر أكثر من 130 حالة صحية مختلفة؛ من بينها أمراض القلب والكلى وبعض الاضطرابات العصبية، بدقة تفوقت على نماذج تقليدية تعتمد على فحوصات طبية متفرقة أو بيانات لحظية.

هنا يتغيّر معنى النوم نفسه، فلم يعد مجرد «استراحة للجسد»، بل تحوّل إلى لغة بيولوجية صامتة، لغة يقرأها الذكاء الاصطناعي بدقة؛ لأن كثيراً من الأمراض لا تبدأ بالألم، بل بتغيّرات فيسيولوجية دقيقة تسبق إحساس المريض بمرضه بوقتٍ طويل.

أين تتألّق هذه النماذج؟

تتجلّى القيمة الحقيقية للنماذج الزمنية للذكاء الاصطناعي في مواجهة الأمراض التي لا تُعلن عن نفسها مبكراً، بل تتقدّم ببطءٍ وصمت، وتراهن على عامل واحد: الزمن.

- السرطان إذ قد يحدّد توقيت التدخّل الفرق بين فرصة النجاة وتراجعها.

- أمراض القلب التي تتقدّم في الخفاء، قبل أن تظهر على هيئة نوبة مفاجئة.

- السكري حيث لا يكون الخطر في لحظة واحدة، بل في تراكم أضرار صغيرة على مدى سنوات.

- الأمراض العصبية التدريجية حيث لا يصبح المرض وحده التحدّي، بل يصبح الزمن نفسه العدوّ الأول.

في مثل هذه الحالات، لا يكفي أن نعرف أين يقف المريض اليوم. فالطب الحديث يحتاج إلى أدوات قادرة على رؤية المسار كاملاً: من أين بدأ الخلل، وكيف يتقدّم، وأين يمكن إيقافه، قبل أن يفرض نفسه أمراً واقعاً.

عودة إلى جذور الطب... مع قوة البيانات

المفارقة أن هذا التقدم التقني لا يبتعد بالطب عن جوهره، بل يعيده، بطريقة غير مباشرة، إلى أصوله الفلسفية الأولى. ففي الطب الكلاسيكي، لم يكن المرض حدثاً طارئاً يظهر فجأة، بل هو مسار متصل، ولم يكن العلاج وصفة ثابتة، بل هو قرار حيّ يتغيّر مع تغيّر حال المريض وزمنه.

والذكاء الاصطناعي، في صورته الناضجة، لا يناقض هذا الفهم الإنساني، بل يعيد ترجمته إلى لغة البيانات والمحاكاة الدقيقة؛ فهو لا يكتفي بالتقاط «لقطة» للجسد في لحظة واحدة، بل يسعى إلى فهم «قصة الجسد» عبر الزمن، ويضع أمام الطبيب سيناريوهات مختلفة بشأن كيف يمكن أن تتغيّر النهاية... قبل أن تُكتب. وبهذا المعنى، لا يستبدل الذكاء الاصطناعي الطبيب، بل يعيد إليه ما سلبه ضغط الزمن: الرؤية الأوسع، والمسافة التأملية، وحرية القرار.

التحدّي الفلسفي والأخلاقي: من يقرّر؟

مع هذا التطوّر المتسارع، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاهله: إذا أصبحت الخوارزميات قادرة على توقّع المسار الصحي قبل أن يتكشّف، فأين يبقى موقع حرية القرار الإنساني. يحذّر الباحثون بوضوحٍ من الانزلاق إلى وهم الحتمية الرقمية، فهذه النماذج، مهما بلغت دقّتها، يجب ألا تعمل منفردة. التنبؤ ليس قدراً محتوماً، والبيانات، مهما اتّسعت، لا تستطيع اختزال تعقيد الإنسان في معادلة، فالقرار الطبي الحقيقي لا يُبنى على الأرقام وحدها، بل يتشكّل عند تقاطع العلم مع السياق النفسي والاجتماعي والإنساني للمريض، حيث تلعب القيم والظروف والاختيارات الشخصية دوراً لا يمكن تفويضه لخوارزمية. وبهذا المعنى، يظل الذكاء الاصطناعي أداة للرؤية لا للحُكم، يساعد الطبيب على توسيع أفق القرار، لكنه لا يملك، وينبغي ألا يُمنح، حق الاختيار.

خاتمة: بوصلة أم قائد بلا ضمير؟

نقف، اليوم، أمام لحظة فاصلة في تاريخ الطب، فإمّا أن يصبح الذكاء الاصطناعي بوصلة تنير الطريق أمام الطبيب، تساعده على رؤية الصورة الكاملة قبل فوات الأوان، وإمّا في حال غياب الوعي والإشراف، أن يتحوّل إلى قائد بلا ضمير يختزل الإنسان في أرقام. فالطب، في جوهره، ليس مجرد البحث عن الإجابة الصحيحة، بل اتخاذ القرار الحكيم في اللحظة المناسبة. وحين تُستخدم هذه التقنيات بمسؤولية، قد تصبح أعظم أداة أعادت للطبيب ما كاد يفقده تحت ضغط السرعة والبيانات: القدرة على استشراف المستقبل الصحي قبل أن يتحوّل إلى ماضٍ لا يمكن تغييره.


رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
TT

رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)

أظهرت دراسة جديدة حول الآثار الصحية لرحلات الفضاء أن أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية.

وبحسب شبكة «سكاي نيوز» البريطانية، فقد فحص الباحثون صور الرنين المغناطيسي لـ26 رائد فضاء قبل وبعد رحلتهم الفضائية.

ووجدت الدراسة أن الدماغ يتحرك «إلى الأعلى والخلف داخل الجمجمة» بعد رحلة الفضاء، مع تسجيل أكبر قدر من هذا التحرك في المناطق الحسية والحركية.

وأفادت الدراسة بوجود «تشوهات معقدة وغير متساوية في شكل بعض مناطق الدماغ، تختلف بين الأجزاء العلوية والسفلية».

وقارن الباحثون أيضاً النتائج بصور الرنين المغناطيسي لـ24 مشاركاً مدنياً على الأرض، خضعوا لتجربة تحاكي انعدام الجاذبية عبر الاستلقاء لفترات طويلة مع إمالة الرأس إلى الأسفل.

ووجد العلماء تغيرات مماثلة في شكل وموضع أدمغة المشاركين المدنيين، لكن التغيرات كانت أكثر وضوحاً لدى رواد الفضاء، خاصة لدى من قضوا فترات أطول في الفضاء.

وأكد فريق الدراسة أن «آثار تشوهات الدماغ المرتبطة برحلات الفضاء على الصحة والأداء البشري تتطلب مزيداً من البحث لتمهيد الطريق لاستكشاف الفضاء بشكل أكثر أماناً»، مضيفاً أنه «على الرغم من أن معظم تشوهات الدماغ تعافت خلال ستة أشهر بعد الرحلة، لكن بعضها استمر».

وصرحت راشيل سيدلر، الأستاذة في قسم علم وظائف الأعضاء التطبيقي وعلم الحركة بجامعة فلوريدا والمشاركة في إعداد الدراسة: «نحن بحاجة إلى فهم هذه التغيرات وآثارها للحفاظ على سلامة رواد الفضاء وصحتهم وضمان طول أعمارهم».

وفي حديثها عن تأثير مدة الإقامة في الفضاء على الدماغ، قالت سيدلر: «أظهر الأشخاص الذين قضوا عاماً كاملاً في الفضاء أكبر قدر من التغيرات. مع ذلك، لوحظت بعض التغيرات لدى الأشخاص الذين قضوا أسبوعين فقط».

وسبق أن ذكرت دراسة أجريت عام 2023 أن الرحلات الفضائية التي تستمر 6 أشهر أو أكثر تؤثر سلباً على أدمغة رواد الفضاء، مشيرة إلى أن أفراد الطاقم قد يحتاجون إلى الانتظار لمدة 3 سنوات على الأقل قبل العودة إلى الفضاء مرة أخرى.

وكشفت الدراسة التي قامت بمسح أدمغة 30 رائد فضاء عن أن بطينات المخ، أو التجاويف داخل الدماغ المليئة بالسائل النخاعي، توسعت بشكل كبير داخل أدمغة رواد الفضاء الذين ذهبوا إلى محطة الفضاء الدولية في مهمات استمرت 6 أشهر على الأقل.


كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟
TT

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

في سعينا لتحديد شخصية المصاب بالاعتلال النفسي أو «السايكوباث» (Psychopath)، يمكننا ملاحظة بعض السلوكيات مبكراً، غالباً خلال الدقائق الأولى من اللقاء، كما كتب جيف هادن(*).

ميول متميزة

ووفقاً لما يطرحه العلم، فإن هؤلاء الأشخاص يميلون إلى إظهار ميول معينة تُميزهم عن غيرهم. ومع أن تشخيص الاعتلال النفسي بشكل قاطع يتطلب تقييماً دقيقاً، فإن هناك عدة علامات قد تُشير إلى أن شخصاً ما قد يكون مريضاً نفسياً، بناءً على أنماط سلوكية.

1. الهوس بالمتعة والمال والسلطة: تُشير الأبحاث إلى أن المختلين عقلياً أكثر ميلاً للحديث عن موضوعات تتعلق بالطعام والجنس والمال، وهي موضوعات تركز على المتعة الجسدية أو الثروة المادية. وهم غالباً ما يتجنبون النقاشات حول الأسرة أو الدين أو القضايا الروحانية، أي تلك المجالات التي ينخرط في الحديث عنها عادةً الأشخاص المتعاطفون. إذا كان شخص ما مهووساً بشكل مفرط بهذه الموضوعات، فقد يكون ذلك مؤشراً تحذيرياً.

النرجسية وغياب التعاطف

2. النرجسية المفرطة: غالباً ما يُظهر المختلون عقلياً شعوراً مبالغاً فيه بقيمتهم الذاتية، فقد يتباهون بأهدافهم الطموحة، لكنهم يعجزون عن تقديم خطط عملية لتحقيقها. وفي حين يركز الأشخاص الناجحون على العمليات الرئيسية للوصول إلى أهدافهم، يميل المرضى النفسيون في المقابل إلى التصرف كأنهم قد حققوا أهدافهم بالفعل، دون أدنى اعتبار للجهد المطلوب لبلوغها.

3. غياب التعاطف غير اللفظي: يُظهر التعاطف عادةً من خلال الإشارات غير اللفظية، مثل تقليد تعبيرات وجه الآخرين أو إيماءاتهم. إلا أن المرضى النفسيين يعجزون عن ذلك. على سبيل المثال، قد لا يُقلدون ابتسامتك عندما تكون سعيداً، أو لا يتجهمون عندما تروي قصة حزينة.

الركض وراء المكافآت

4. التركيز المفرط على المكافأة: يميل دماغ الشخص المريض نفسياً إلى السعي وراء المكافآت بأي ثمن تقريباً، إذ ترتفع لديه استجابة الدوبامين عند المكافآت، ما يدفعه إلى تحقيق أهدافه دون التفكير ملياً في العواقب. وفي حين يسعى الجميع إلى المكافآت، غالباً ما يتجاهل المرضى النفسيون المخاطر والأخطار المصاحبة لسعيهم وراءها. وقد يطغى هوسهم بالمكافأة على إحساسهم بالمسؤولية الأخلاقية، ما يجعلهم متهورين في تصرفاتهم.

5. الازدهار في ظل قيادة سيئة: غالباً ما يزدهر المرضى النفسيون في بيئات سامة وعالية التوتر، كما ويزدهرون تحت قيادة رؤساء صعاب المراس، ومتغطرسين، وذوي مطالب كثيرة، أو يفتقرون إلى النزاهة.

ويتميز المرضى النفسيون بهدوئهم، وشجاعتهم، وقدرتهم على التعامل مع هذه البيئات دون حصول اضطراب عاطفي، مثل الذي يصيب الآخرين. غالباً ما تدفعهم هذه القدرة إلى الأمام في حياتهم المهنية، إذ يبقون بمنأى عن التحديات التي تثبط عزيمة معظم الموظفين.

التعامل بوعي

إذا وجدت نفسك تعمل مع شخص يُشتبه في كونه مختلاً عقلياً فمن المهم التعامل مع الموقف بوعي، إذ يُجيد المرضى النفسيون التلاعب؛ لذا من الضروري التركيز على الأفعال لا الأقوال. ابحث عن سُبل لخلق مواقف مُربحة للطرفين، إذ غالباً ما يكون هؤلاء المرضى أكثر استعداداً للتعاون إذا رأوا مكاسب شخصية.

وبفهم هذه المؤشرات المبكرة والحفاظ على الذكاء العاطفي، يُمكنك التعامل مع المرضى النفسيين بفاعلية أكبر.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».