الجينات المرتبطة بالتوتر والإجهاد قد تساهم في الإصابة بسرطان البروستاتا

عوامل بيئية واجتماعية تؤثر على التعبير الجيني

الجينات المرتبطة بالتوتر والإجهاد قد تساهم في الإصابة بسرطان البروستاتا
TT

الجينات المرتبطة بالتوتر والإجهاد قد تساهم في الإصابة بسرطان البروستاتا

الجينات المرتبطة بالتوتر والإجهاد قد تساهم في الإصابة بسرطان البروستاتا

وجدت دراسة حديثة أن العيش في الأحياء المحرومة يرتبط بزيادة نشاط الجينات المرتبطة بالتوتر، مما قد يساهم في ارتفاع معدلات سرطان البروستاتا العدواني لدى الرجال الأميركيين من أصل أفريقي.

عوامل بيئية مؤثرة

سلطت الدراسة الضوء على التأثير الكبير للعوامل البيئية والاجتماعية والاقتصادية على التعبير الجيني والنتائج الصحية، حيث يعاني الرجال الأميركيون من أصول أفريقية من ارتفاع معدلات الإصابة بسرطان البروستاتا. كما أنهم أكثر عرضة للوفاة بسبب هذا المرض بأكثر من الضعف، مقارنة بالرجال البيض في الولايات المتحدة، وغالباً ما يتم تشخيص إصابتهم بسرطان شرس في سن مبكرة. لكن الأسباب غير مفهومة جيداً

ونشرت الدراسة في مجلة JAMA Network Open في 12 يوليو(تموز) 2024، وأجرتها كلية الطب بجامعة ميريلاند وجامعة فرجينيا كومنولث في الولايات المتحدة برئاسة كبيرة المؤلفين الدكتورة كاثرين هيوز باري، الأستاذة المساعدة في قسم علم الأوبئة والصحة العامة وباحثة في علم وبائيات السرطان في مركز السرطان الشامل بجامعة ميريلاند.

زيادة النشاط الجيني المرتبط بالتوتر

وقامت الدراسة بتحليل أنسجة الورم لدى 218 رجلاً مصاباً بسرطان البروستاتا. وحددت 290 متغيراً جينياً مرتبطاً بالمرض بما في ذلك 115 متغيراً جديداً.

وقد ارتبطت خمسة جينات ذات تعبير أعلى في هذه الدراسة بالالتهاب، وهو أمر مرتبط بسرطان البروستاتا من بين حالات صحية أخرى. وتم ربط زيادة الالتهاب بزيادة فرصة الإصابة بسرطان البروستاتا أو زيادة احتمال تطور السرطان لدى الرجال المصابين بالمرض. ولوحظ نشاط أعلى للجينات المرتبطة بالتوتر لدى الأفراد من الأحياء المحرومة وهو أكثر شيوعاً بين الأميركيين من أصل أفريقي

وكان الجين ذو الرابط الأقوى هو HTR6 وهو جزء من مسار السيروتونين الذي يساعد على نقل الرسائل بين الدماغ وأجزاء أخرى من الجسم كما يساهم أيضاً في مسارات أخرى يُعتقد أنها تساعد في تنظيم الاستجابة المناعية للجسم. وقد تم ربط مجموعة الجينات HTR المختلفة بسرطان البروستاتا القاتل.

ويعتقد أن هذا المستقبل، أي HTR6، ينظم انتقال الخلايا العصبية في الدماغ. وهناك درجة عالية من الانجذاب لهذا المستقبل لدى العديد من مضادات الاكتئاب والأدوية المضادة للذهان.

تحليل 105 جينات

وقالت كاثرين باري إن هذه الدراسة الرصدية التي حللت 105 جينات مرتبطة بالإجهاد من أكثر من 200 رجل أميركي من أصل أفريقي ورجل أبيض مصابين بسرطان البروستاتا، هي من بين أولى الدراسات التي تشير إلى وجود صلة محتملة بين العوامل الاجتماعية والاقتصادية وتعبير الحامض النووي الريبي (RNA) في أورام البروستاتا. إذ إن هذا الحامض يأتي من الحامض النووي دي إن إيه (DNA) ويشارك في إنتاج البروتينات التي تساعد الخلية على أداء وظيفتها.

ومن بين 218 رجلاً مصاباً بسرطان البروستاتا الذين خضعوا لعملية استئصال البروستاتا الجذري لإزالتها كان 168 أي 77 في المائة عرقهم كأميركيين من أصل أفريقي بينما أفاد الـ50 مريضاً الباقين بأن عرقهم أبيض.

وقام الباحثون بتقييم الأحياء التي يعيش فيها المرضى وقت تشخيصهم بالاعتماد على مؤشرين يقيسان الحرمان في الأحياء مع الأخذ في الاعتبار الدخل والتعليم والتوظيف وجودة السكن كما نظروا في الفصل العنصري، وهو فصل الناس إلى مجموعات عرقية في الحياة اليومية، إذ يمكن أن يشمل الفصل المكاني للأعراق والاستخدام الإلزامي للمؤسسات المختلفة مثل المدارس والمستشفيات من قبل أشخاص من أعراق مختلفة والتي تم فيها حرمان بعض الأحياء بشكل منهجي من طلبات الرهن العقاري أو إعادة التمويل وغالباً ما يكون ذلك على أساس العرق.

الارتباط بمخاطر الالتهاب والسرطان

وحول ظهور خمسة جينات مرتبطة بالالتهاب ترتبط بزيادة خطر الإصابة بسرطان البروستاتا العدواني وارتباط الجين HTR6 بقوة بخطر الإصابة بسرطان البروستاتا، قالت كاثرين باري إن مستويات الحامض النووي الريبي (RNA) التي تنتجها الجينات يمكن أن تتغير استجابة للعوامل البيئية المختلفة وأضافت: «يمكن أن تتغير مستويات الحامض النووي الريبي (RNA) لدى الفرد استجابة للتوتر. ونحن وآخرون نفترض أن التأثيرات البيولوجية الناتجة مثل زيادة الالتهاب قد تساهم في زيادة خطر الإصابة بسرطان البروستاتا العدواني».

الفوارق العرقية

وتشير النتائج إلى تدخلات مستهدفة لمعالجة المسارات الوراثية المرتبطة بالتوتر في المجتمعات المحرومة مما قد يقلل من التفاوتات في السرطان كما أنها تسلط الضوء على أهمية تحسين الظروف المعيشية والعوامل الاجتماعية والاقتصادية لتعزيز النتائج الصحية للأقليات. وتدعو إلى إجراء دراسات أوسع لفهم التفاعل بين العوامل البيئية والتعبير الجيني وتوجيه الاستراتيجيات الرامية إلى التخفيف من الفوارق الصحية.

حقائق

115

متغيراً جينياً جديداً مرتبطاً بالمرض حددته الدراسة

حقائق

5

جينات ذات تعبير أعلى في هذه الدراسة ترتبط بالالتهاب وهو أمر مرتبط بدوره بسرطان البروستاتا

حقائق

105

جينات مرتبطة بالإجهاد حللتها الدراسة


مقالات ذات صلة

الشتاء أم الصيف! الزمن يعيد تشكيل النشاط الجيني البشري

صحتك الشتاء أم الصيف! الزمن يعيد تشكيل النشاط الجيني البشري

الشتاء أم الصيف! الزمن يعيد تشكيل النشاط الجيني البشري

البرد يوقظ المناعة… والحرّ يضبط الساعة البيولوجية

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم اكتشاف 3 معدّلات وراثية جديدة يعيد رسم فهم الزهايمر الوراثي

اكتشاف 3 معدّلات وراثية جديدة يعيد رسم فهم الزهايمر الوراثي

خطوة نوعية في فهم التباين الكبير بين المرضى

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم ثورة في الطب الدقيق: علاجات جينية مصممة حسب الشيفرة الوراثية لكل مريض

ثورة في الطب الدقيق: علاجات جينية مصممة حسب الشيفرة الوراثية لكل مريض

تفتح آفاقاً جديدة أمام الأطفال المصابين باضطرابات عصبية شديدة

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم دراسة عالمية ترصد عشرات الجينات المرتبطة بألزهايمر

دراسة عالمية ترصد عشرات الجينات المرتبطة بألزهايمر

تحليل بيانات نحو مليون شخص لفهم أسباب الخرف يبشّر بتشخيصات وعلاجات أكثر دقة.

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم طائر الزيبرا

دماغ الطائر المغرّد... يفسر ألغاز أصوات الموسيقى

مشروع جينومات 10500 نوع من الطيور... وآمال لعلاج الـتأتأة

جيم روبنز (نيويورك)

العمل عن بُعد لا يحقق بالضرورة مكاسب بيئية

تأثير العمل عن بعد على البيئة مرتبط بتنظيم بيئة العمل المنزلية (جامعة برونِل- لندن)
تأثير العمل عن بعد على البيئة مرتبط بتنظيم بيئة العمل المنزلية (جامعة برونِل- لندن)
TT

العمل عن بُعد لا يحقق بالضرورة مكاسب بيئية

تأثير العمل عن بعد على البيئة مرتبط بتنظيم بيئة العمل المنزلية (جامعة برونِل- لندن)
تأثير العمل عن بعد على البيئة مرتبط بتنظيم بيئة العمل المنزلية (جامعة برونِل- لندن)

مع التوسع في تبنِّي العمل عن بُعد خلال السنوات الأخيرة، بات هذا النموذج يُنظَر إليه كأحد الحلول الواعدة للحد من الانبعاثات الكربونية، كونه يقلل من التنقل اليومي بين المنزل ومقر العمل، وما يصاحبه من استهلاك للوقود وانبعاثات غازات الدفيئة. ولكن دراسة سويسرية تكشف أن الأمر أكثر تعقيداً مما يبدو عليه.

أجرى الدراسة باحثون من جامعة لوسرن للعلوم التطبيقية والفنون في سويسرا، بهدف تقييم الأثر الحقيقي للعمل عن بُعد على البصمة الكربونية، من خلال تحليل الانبعاثات المرتبطة بالتنقل، واستخدام المساحات المنزلية، وتقنيات المعلومات والاتصالات.

العمل عن بعد يقتصر على المهن التي تعتمد على الحاسوب (جامعة ريدنغ)

العمل عن بُعد

خلصت النتائج إلى أن العمل عن بُعد لا يؤدي تلقائياً إلى خفض الانبعاثات كما يُعتقد على نطاق واسع؛ إذ يمكن أن تتلاشى المكاسب البيئية الناتجة عن تقليل التنقل إذا صاحبها ارتفاع في استهلاك الطاقة والمساحات المخصصة للعمل داخل المنزل. ونُشرت النتائج في عدد 13 يوليو (تموز) الماضي من دورية «PLOS Climate».

وحسب الباحثين، يساهم تقليل التنقل اليومي فعلياً في خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، ولكن هذه الفائدة قد تُعوِّضها انبعاثات تشغيل مكتب منزلي واستخدام الأجهزة الإلكترونية؛ خصوصاً إذا خصص الموظف غرفة مستقلة للعمل.

وتتقاطع هذه النتيجة مع بحوث سابقة رصدت ما تُعرف بـ«تأثيرات الارتداد»، كانتقال الموظفين للسكن في مناطق أبعد، أو زيادة الرحلات الترفيهية، إضافة إلى «تأثيرات غير مباشرة» تتمثل في زيادة استخدام الأجهزة الإلكترونية، وتخصيص غرف مستقلة للعمل، ما يرفع استهلاك الطاقة والانبعاثات.

واعتمدت الدراسة على استبيان إلكتروني أُجري أواخر عام 2024، شمل أكثر من ألف شخص في سويسرا مارسوا العمل عن بُعد خلال الشهر السابق للاستطلاع، وجمع بيانات تفصيلية عن أيام العمل عن بُعد، ومكانه، ووجود غرفة مستقلة، ومسافات التنقل ووسائله، واستخدام تقنيات المعلومات والاتصالات، إلى جانب ظروف السكن والخصائص الاجتماعية والديموغرافية للمشاركين.

وعلى أساس هذه البيانات، حَسَب الباحثون الانبعاثات الكربونية المكافئة في 3 مجالات رئيسية: التنقل، والمساحة السكنية، وتقنيات المعلومات والاتصالات، ليقدِّروا إجمالي البصمة الكربونية لكل مشارك.

وأظهرت النتائج أن زيادة أيام العمل عن بُعد تقلل فعلاً انبعاثات التنقل، ولكن هذه المكاسب تتراجع بشكل كبير بسبب ارتفاع الانبعاثات المرتبطة باستخدام المنزل كمكان عمل؛ فالموظفون الذين خصصوا غرفة مستقلة كمكتب منزلي سجلوا انبعاثات أعلى من غيرهم، نظراً لحاجة هذه الغرفة إلى طاقة إضافية للتدفئة أو التبريد والإضاءة، فضلاً عن ارتفاع استهلاك الكهرباء المرتبط بالحواسيب والشاشات وأجهزة الاتصال والبنية الرقمية للعمل.

وبيَّنت التحليلات أن تأثير العمل عن بُعد لا يرتبط بعدد أيام العمل خارج المكتب فقط؛ بل يتأثر أيضاً بطريقة تنظيم بيئة العمل المنزلية، وأنماط التنقل، والظروف المعيشية.

فوائد ملموسة

ولتحقيق فوائد بيئية حقيقية، أوصت الدراسة بتقليل المساحات المنزلية المخصصة للعمل، أو استخدام مساحات عمل مشتركة خارج المنزل، إلى جانب عدم تخصيص غرفة كاملة للعمل إن لم يكن ذلك ضرورياً، واستخدام مساحة صغيرة متعددة الاستخدامات، وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة والأجهزة الرقمية.

وشدد الباحثون على أن مجرد تقليل التنقل لا يكفي لتحقيق انخفاض ملموس في الانبعاثات؛ بل يجب النظر إلى دورة العمل كاملة، بما فيها استهلاك الطاقة داخل المنزل. ولفتوا إلى أن الدراسة تمثل تقييماً أولياً، استند إلى تقديرات مبسطة، ولم يتضمن مجموعة مقارنة من الموظفين العاملين بالكامل من المكاتب، ما يستدعي دراسات مستقبلية أكثر شمولاً.

ويرى الدكتور تحسين شعلة، خبير البيئة والمناخ المصري، أن العمل عن بُعد لا يناسب جميع الوظائف؛ بل يقتصر أساساً على المهن التي تعتمد على الحاسوب، ويمكن إنجاز مهامها خارج مقر العمل. وأوضح -في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»- أن نجاح هذا النموذج يرتبط بوعي الموظف بترشيد استهلاك الطاقة، في حين تستفيد الدولة من تقليل الضغط على وسائل النقل وخفض الانبعاثات، إلى جانب منح الموظفين مرونة أكبر في أداء أعمالهم.

وأضاف شعلة أن تحقيق الفائدة الحقيقية من العمل عن بُعد يتطلب ربطه بمهام واضحة وأوقات محددة، على غرار الوظائف القائمة على إنجاز الأهداف، حتى يتحول إلى وسيلة لتوفير الطاقة بدلاً من زيادة استهلاكها.

ولتحقيق أقصى استفادة، يوصي شعلة بتحديد الأهداف وساعات العمل بدقة، مع تفضيل إنجاز المهام خلال الساعات الأولى من الصباح، عندما يكون الضغط على الشبكة الكهربائية أقل، ولا تكون الحاجة إلى تشغيل أجهزة التكييف كبيرة، مع تجنب ساعات الذروة قدر الإمكان.

ويرى أن هذا النموذج يحقق فوائد متوازنة للعامل، عبر توفير الوقت والجهد وتكاليف التنقل؛ وللبيئة، من خلال خفض الانبعاثات والازدحام المروري؛ وللدولة، عبر تقليل الضغط على شبكات الطاقة والمواصلات.

وأشار إلى أن مزايا العمل عن بُعد يمكن أن تمتد إلى التعليم؛ خصوصاً في المقررات النظرية، لما يوفره من خفض لتكاليف التشغيل والنقل، وإتاحة فرص أكبر للطلاب، ولا سيما في المناطق النائية، شريطة تطبيقه وفق معايير تضمن جودة العملية التعليمية.


الذكاء الاصطناعي يُسرّع وتيرة اتساع الفجوة الرقمية

الذكاء الاصطناعي يُسرّع وتيرة اتساع الفجوة الرقمية
TT

الذكاء الاصطناعي يُسرّع وتيرة اتساع الفجوة الرقمية

الذكاء الاصطناعي يُسرّع وتيرة اتساع الفجوة الرقمية

لحظة تلو الأخرى، يرسخ الذكاء الاصطناعي سريعاً وجوده بصفته جزءاً من البنية التحتية اليومية - لكن في بعض الأماكن فقط؛ فهو يساعد في كتابة الرسائل الإلكترونية ورموز البرمجيات، ويُستخدم في فرز طلبات التوظيف، ودعم أنظمة التوصية. كما يجري دمجه، على نحو متزايد، في مجالات التعليم والرعاية الصحية والتمويل والإدارة العامة. واليوم، ترفع قيادات الصناعة شعار «الذكاء الاصطناعي للجميع»، في حين تسارع الحكومات إلى نشر استراتيجيات وطنية، وبناء قدراتها السيادية بمجال الحوسبة.

غير أن التجربة على امتداد العقد الماضي، من خلال العمل على مشروعات الشمول الرقمي ومحو الأمية الرقمية في مناطق تمتد من أوروبا إلى أفريقيا جنوب الصحراء وجنوب شرق آسيا، تكشف عن نمط متكرر: فكل موجة جديدة من التكنولوجيا «التحويلية»، تصل إلى واقع قائم بالفعل على تفاوتات في الاتصال والمهارات والقدرات المؤسسية، كما كتبت دانيكا رادوفانوفيتش في مجلة «سبكترم» الصادرة عن جمعية المهندسين الكهربائيين الأميركية.

إن الموجة الحالية من الذكاء الاصطناعي ليست استثناءً، بل إنها تُفاقم هذه الانقسامات القائمة على صعيد الذكاء الاصطناعي.

ومع ذلك، تستكشف بعض الدول سبل المشاركة في تطوير الذكاء الاصطناعي، دون الدخول مباشرة في سباق النماذج المتقدمة، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين. وتكشف التطورات الأخيرة في جنوب أفريقيا وإندونيسيا، عن حجم الفرص والتحديات في آن واحد؛ فالمسألة لا تتعلق فقط بإتاحة الوصول إلى الذكاء الاصطناعي؛ إذ إن الدول التي تظل مجرد مستهلكة له، لا منتجة، تخاطر بفقدان فرص بناء منظومات ابتكار محلية، وتعزيز قدرات القطاع العام، وضمان تمثيل لغاتها وثقافاتها وأولوياتها المجتمعية داخل هذه الأنظمة. وبذلك، تتحول الفجوة على صعيد الذكاء الاصطناعي، إلى فجوة على صلة بالفرص الاقتصادية والنفوذ التكنولوجي.

تمركز القدرات وتفاوت المهارات

• تمركز قدرات الذكاء الاصطناعي. تشير تحليلات حديثة صادرة عن جامعة ستانفورد في تقرير مؤشر الذكاء الاصطناعي لعام 2026، إلى أن الولايات المتحدة وحدها تضم أكثر من 5000 مركز بيانات، أي ما يزيد على عشرة أضعاف أي دولة أخرى. ومع تزايد اعتماد أعباء العمل المرتبطة بالذكاء الاصطناعي على المنصات السحابية، بدلاً من البنية التحتية المحلية، يتحول هذا التركز إلى تركّز في التبعية كذلك. وحسب بيانات البنك الدولي، استحوذت الولايات المتحدة عام 2023 على نحو 87 في المائة من مجمل صادرات خدمات الحوسبة السحابية وتخزين البيانات عالمياً.

وفيما يخص معظم الدول، يعني ذلك أن تطوير الذكاء الاصطناعي يجري إسناده خارجياً، ليس فقط من الناحية التكنولوجية، بل كذلك من الناحيتين التجارية والجيوسياسية، بما يضعه خارج نطاق سيطرتها. وينتج من ذلك نظام بيئي يتركز فيه تشغيل المحركات الحاسوبية، التي تدعم الأنظمة العالمية، في أيدي عدد محدود من الدول والشركات.

أضف إلى ذلك، أن الأنظمة التي يجري تدريبها وتوحيد معاييرها وإدارتها ضمن بيئات مؤسسية ولغوية محدودة، قد تجابه صعوبة في خدمة جمهور عالمي حقيقي.

• تفاوت عميق في المهارات والمعرفة بالذكاء الاصطناعي. حتى في الأماكن التي تتوافر فيها خدمات الاتصال والوصول إلى الحوسبة السحابية، لا يتمتع الجميع بالقدرة نفسها على الاستفادة منها. وعلى سبيل المثال، عبر دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، لا يمتلك سوى نحو 40 في المائة من البالغين مهارات تتجاوز المستوى الأساسي في حل المشكلات الرقمية، في حين تظل الكفاءات المتقدمة في مجالات الحوسبة والذكاء الاصطناعي متركزة بين العاملين ذوي التعليم العالي، والقطاعات كثيفة الاعتماد على التكنولوجيا.

وبالتزامن مع ذلك، تتسابق الحكومات لإدماج الذكاء الاصطناعي في التعليم، وغالباً ما تبدأ من المراحل التعليمية العليا. وقد أفادت منظمة «يونيسكو» بوجود جهود متزايدة عالمياً لدمج الذكاء الاصطناعي في التعليم، في حين لا يزال دعم ثقافة الذكاء الاصطناعي في صفوف التعليم الابتدائي والإعدادي، وكذلك تدريب المعلمين على الجوانب الأخلاقية المرتبطة به، متفاوتاً بين الدول.

بوجه عام، يعدّ الأفراد الذين يتمتعون بتعليم قوي، ومهارات رقمية متقدمة، واتصال مستقر بالإنترنت، الأكثر قدرة على التعامل مع الذكاء الاصطناعي، بصفته أداة لتعزيز قدراتهم. وتُظهر بيانات حديثة صادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أن المشاركة في التدريب المرتبط بالذكاء الاصطناعي لا تزال متفاوتة بشكل واضح تبعاً للمستوى التعليمي؛ إذ أفاد 36 في المائة من الحاصلين على تعليم جامعي بمشاركتهم في تدريب متعلق بالذكاء الاصطناعي خلال العام الماضي، مقابل 18 في المائة فقط من أصحاب شهادة التعليم الثانوي.

اللحاق بركب الذكاء الاصطناعي

• الاستثمار والحوكمة: ضعف الدول النامية. تظل سلطة تحديد الأجندة الأساسية محصورة في يد مجموعة ضيقة من الفاعلين داخل قطاع الذكاء الاصطناعي، بجانب عدد محدود من الدول المتقدمة تكنولوجياً. في المقابل، تبقى معظم الدول الأخرى في حالة سعي دائم للحاق بالركب، مع حرصها المستمر على تكييف النماذج والمعايير وقوالب «الذكاء الاصطناعي الجدير بالثقة» المستوردة مع سياقاتها المحلية، في ظل محدودية قدرتها على تقييم المفاضلات أو طرح بدائل مستقلة.

وفي دول مثل إندونيسيا وجنوب أفريقيا، تُنتج المجتمعات بيانات على نطاق واسع. ومع ذلك، لا تزال تملك حضوراً محدوداً في تحديد كيفية تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي أو حوكمتها أو نشرها. كما أن لغاتها ممثلة بشكل ضعيف في بيانات التدريب، في حين تعاني مؤسساتها من نقص الموارد داخل المنتديات التنظيمية. ونادراً ما تنعكس تجاربها في مجموعات البيانات المرجعية. وفيما يتعلق بالكثير من دول الجنوب العالمي، يظل الانخراط في مجال الذكاء الاصطناعي قائماً بصورة أساسية على تكييف أنظمة مستوردة، لا على التأثير في تصميمها أو إدارتها أو توجيهها.

في جنوب أفريقيا، أطلقت وزارة الاتصالات والتكنولوجيا الرقمية مشروع سياسة وطنية للذكاء الاصطناعي، في أبريل (نيسان) هذا العام، تضمن مقترحات لإنشاء مؤسسات رقابية جديدة. غير أن المشروع سُحب بعد أيام قليلة، عقب اكتشاف صحافي أن ستة على الأقل من المراجع الأكاديمية الواردة فيه لا وجود لها، ويُرجح أنها نتاج هلوسات أفرزها الذكاء الاصطناعي. ووصف الوزير الواقعة بأنها «خطأ غير مقبول».

ويسلط هذا الحادث الضوء على الفجوة بين طموحات حوكمة الذكاء الاصطناعي والقدرات المؤسسية اللازمة لتنفيذها، رغم أن اللجنة الجديدة التي جرى تشكيلها لاحقاً قد تمثل فرصة للاستفادة من خصوصية موقع جنوب أفريقيا.

أما إندونيسيا، فتقدم نموذجاً لمحاولة واعية، وإن كانت مقيدة، لتعزيز دور القطاع العام. وفي هذا الإطار، عملت الوكالة الوطنية للبحث والابتكار، التي تقود تنفيذ استراتيجية الذكاء الاصطناعي، على تطوير أدوات عملية تستهدف المجتمعات الأقل حظاً، بدلاً من التركيز على القدرات المتقدمة، من بينها تطبيق يستخدم بيانات الأقمار الاصطناعية وتقنيات التعلم الآلي، لمساعدة الصيادين التقليديين في تحديد مواقع تجمعات الأسماك، ونماذج لغوية متعددة اللغات مدربة على اللغة الإندونيسية ولغات محلية مثل الجاوية والسوندية، إضافة إلى روبوتات محادثة تُستخدم في الخدمات الحكومية.

وفي أغسطس (آب) عام 2025، أصدرت وزارة الاتصالات والشؤون الرقمية خريطة طريق وطنية للذكاء الاصطناعي، تستهدف تدريب 100 ألف عامل سنوياً على المهارات المرتبطة بهذا المجال.

في الواقع، فإن الخيار ليس مجرد الاختيار بين «قوة عظمى في مجال الذكاء الاصطناعي» و«متلقٍ سلبي»؛ فالتعاون الإقليمي يكتسب أهمية متزايدة. وفي عام 2024، اعتمد وزراء أفارقة استراتيجية قارية للذكاء الاصطناعي وميثاقاً رقمياً أفريقياً. واستكشف المشاركون في قمة الذكاء الاصطناعي العالمية لأفريقيا، التي عُقدت في كيغالي في أبريل 2025، كيف يمكن للتنسيق الإقليمي، ونماذج الذكاء الاصطناعي باللغات المحلية، والجامعات الحكومية، وأنظمة المصادر المفتوحة، أن تُقلل من الاعتماد، على المدى الطويل، على أنظمة الذكاء الاصطناعي المطورة بالخارج.

• طريقة مختلفة للتفكير في فجوة الذكاء الاصطناعي. لا يعني أي من هذا أن على الناس إبطاء وتيرة الذكاء الاصطناعي أو التخلي عنه، ولا أن تركّز الحوسبة السحابية أو رأس المال الاستثماري أمر سيئ بطبيعته، وإنما ينبغي لنا عندما نتحدث عن «ثورة الذكاء الاصطناعي»، أن نتساءل كذلك: من يستطيع تشكيلها، ومن يستطيع التكيف معها فقط؟

فيما مضى ركزت النقاشات حول الفجوة الرقمية على الأجهزة والاتصال، ثم توسعت لاحقاً لتشمل المهارات والنتائج. إلا أن موجة الذكاء الاصطناعي الحالية تُضيف بعداً آخر: التفاوتات المتعلقة بمن يستطيع المشاركة بفاعلية في تحديد غاية الذكاء الاصطناعي، والمشاكل التي يُفترض أن يحلها، والأولويات الاجتماعية التي يخدمها في نهاية المطاف.

وفيما يتعلق بالمهندسين وصناع السياسات، يطرح هذا الأمر تساؤلات صعبة، لكنها ضرورية: هل يجب عليهم أن يصمموا أنظمة وبنى تحتية للذكاء الاصطناعي تُوسّع نطاق المشاركة في تشكيل التغيير التكنولوجي، بدلاً من تضييقه؟ وكذلك وعندما تُطلق الحكومات استراتيجيات وطنية للذكاء الاصطناعي أو تُدمجه في الخدمات العامة، فما القيود واللغات والواقع المؤسسي الذي تضعه في الحسبان؟

من جهتهم، يصور الكثير من المراقبين الوضع الحالي للذكاء الاصطناعي بوصفه منافسة، لكن في واقع الأمر لا تقتصر المنافسة التكنولوجية على السرعة فحسب، بل تتعلق كذلك بمن يستطيع التأثير على مسار التغيير.

اليوم، ينتشر الذكاء الاصطناعي بالفعل على مستوى العالم. ومع ذلك، يبقى السؤال الأعمق: هل سيضمن خبراء التكنولوجيا وصناع السياسات المسؤولون عنه، توسع رقعة المشاركة الفعّالة في صياغة المستقبل؟

كل موجة جديدة من التكنولوجيا «التحويلية» تقود إلى واقع قائم على تفاوتات في الاتصال والمهارات والقدرات المؤسسية


فقدان نسخة واحدة من جين رئيسي يسبب عيوباً خلقية في القلب

فقدان نسخة واحدة من جين رئيسي يسبب عيوباً خلقية في القلب
TT

فقدان نسخة واحدة من جين رئيسي يسبب عيوباً خلقية في القلب

فقدان نسخة واحدة من جين رئيسي يسبب عيوباً خلقية في القلب

لطالما حيّرت العلماء قدرة بعض الطفرات الوراثية على التسبب في عيوب خلقية خطيرة رغم احتفاظ المصابين بنسخة سليمة من الجين نفسه. واليوم توصل باحثون أميركيون إلى تفسير جديد قد يغيّر فهمنا لكثير من الأمراض الوراثية، مفاده أن المشكلة لا تكمن دائماً في الشفرة الجينية ذاتها، بل في الطريقة التي يُطوى بها الحمض النووي داخل الخلايا.

جين محوري لنمو القلب

وكشف باحثون من معاهد غلادستون في الولايات المتحدة، عن أن جيناً محورياً في نمو القلب يُعرف باسم TBX5 يعمل كمهندس معماري ينظم البنية ثلاثية الأبعاد للحمض النووي (دي إن إيه) DNA داخل الخلايا القلبية. وأظهرت الدراسة التي نُشرت في دورية Science في 23 يوليو (تموز) 2026 أن فقدان نسخة واحدة فقط من هذا الجين يكفي لإحداث اضطراب واسع في تنظيم الحمض النووي؛ ما يؤثر في نشاط عدد كبير من الجينات الضرورية لتطور القلب بصورة طبيعية.

وتقدم النتائج تفسيراً جديداً لأحد أكثر العيوب الخلقية شيوعاً، وهو مرض القلب الخلقي الذي يصيب نحو طفل واحد من كل مائة مولود حول العالم.

• ما وراء الشفرة الوراثية. غالباً ما يُنظر إلى الحمض النووي بوصفه مخطط الحياة أو دليل التعليمات الخاص بالجسم. لكن هذا الدليل لا يقتصر على محتواه الوراثي فحسب، بل يعتمد أيضاً على الطريقة التي يُطوى بها داخل نواة الخلية. فلو جرى فَرد الحمض النووي الموجود في خلية واحدة بالكامل لبلغ طوله نحو مترين. لذلك؛ يجب ضغطه وتنظيمه بدقة شديدة داخل حيز مجهري. غير أن هذا التنظيم ليس مجرد وسيلة لتوفير المساحة، بل إنه يحدد أيضاً أي الجينات يمكن تشغيلها وأيها يبقى خاملاً.

وتوضح الدراسة الجديدة أن جين TBX5 يؤدي دوراً أساسياً في بناء هذا التنظيم المعقد؛ إذ ينسق الروابط بين الجينات والعناصر التنظيمية التي تتحكم في نشاطها. ويقول البروفسور بينوا برونو، مدير معهد غلادستون لأمراض القلب والأوعية الدموية وأحد كبار الباحثين في الدراسة، إن جين TBX5 ليس سوى مثال واحد لفئة واسعة من الجينات التي تؤدي خسارة نسخة واحدة منها إلى عيوب خلقية. وما يثير الحماس في نتائجنا أنها تشير إلى أن كثيراً من هذه الاضطرابات قد تنشأ للسبب نفسه، أي طيّ خاطئ لدليل التعليمات ثلاثي الأبعاد داخل الخلية.

• رسم خريطة ثلاثية الأبعاد للحمض النووي. ولاختبار هذه الفرضية استخدم الباحثون خلايا جذعية بشرية تحتوي على نسختين سليمتين من الجين، أو نسخة واحدة، أو لا تحتوي عليه إطلاقاً ثم حفزوها لتتحول خلايا عضلة قلبية. وبالاستعانة بتقنيات متطورة لرسم الخرائط ثلاثية الأبعاد للحمض النووي، تمكن الفريق من تتبع كيفية تنظيم المادة الوراثية داخل آلاف الخلايا الفردية. كما استعانوا بنماذج حاسوبية متقدمة لتحليل ملايين البيانات الناتجة عن التجارب.

وأظهرت النتائج أن فقدان الجين TBX5 يؤدي إلى انهيار واسع في تنظيم الجينوم على مختلف المستويات من البنى الوراثية الكبيرة وصولاً إلى الحلقات الدقيقة التي تربط الجينات بالعناصر المسؤولة عن تشغيلها.

واكتشف الباحثون أن الجين يعمل بمثابة نظام تحديد مواقع جزيئي molecular GPS يوجه بروتيناً يُعرف باسم «كوهيسين» Cohesin إلى مواقع محددة على الحمض النووي لتشكيل هذه الحلقات التنظيمية. وعندما تنخفض مستويات الجين يفشل الحمض النووي في تكوين الروابط اللازمة فتتعطل الجينات الحيوية المسؤولة عن نمو القلب.

واللافت، أن وجود نصف الكمية الطبيعية فقط من البروتين كان كافياً لإحداث اضطراب كبير في البنية ثلاثية الأبعاد للحمض النووي.

رؤية جديدة للأمراض الوراثية

• لماذا تختلف الحالات المرضية؟ كما كشفت الدراسة عن أن تأثير فقدان الجين لا يكون متماثلاً في جميع خلايا القلب. فقد لاحظ الباحثون اختلافات واضحة بين الخلايا الأذينية والبطينية، بل وحتى بين خلايا تنتمي إلى النوع نفسه. ويرى العلماء أن هذه النتيجة قد تفسر سبب ظهور عيوب قلبية مختلفة لدى أشخاص يحملون الطفرة الوراثية ذاتها.

• رؤية جديدة للأمراض الوراثية. ولا تقتصر أهمية هذه النتائج على العيوب الخلقية في القلب، بل تمتد إلى طيف واسع من الاضطرابات النمائية. فالكثير من هذه الأمراض يرتبط بحالة تُعرف بـ«قصور الجرعة الجينية» Haploinsufficiency، حيث لا يمتلك الفرد سوى نسخة وظيفية واحدة من جين معين. وتشير النتائج الجديدة إلى أن هذه الاضطرابات قد لا تنجم فقط عن تغير نشاط بعض الجينات، بل لأن انخفاض مستويات بروتينات رئيسية يؤدي إلى اضطراب التنظيم ثلاثي الأبعاد للحمض النووي داخل الخلية. ويرى الباحثون أن هذه النتائج قد تكشف عن آلية جديدة تماماً لحدوث الأمراض الوراثية.

وبدلاً من النظر إلى الاضطرابات الوراثية بصفتها مجرد خلل في تسلسل الحمض النووي، قد يتجه العلماء إلى التركيز على كيفية طيّ الجينوم وتنظيمه داخل الخلايا. ومن شأن فهم هذه التغيرات البنيوية أن يمهد الطريق لتطوير أساليب جديدة لتشخيص الاضطرابات النمائية والوقاية منها وربما تصحيحها قبل أن تُحدث أضراراً دائمة.

ومع استمرار الباحثين في استكشاف الكيفية التي يسهم بها الجين TBX5 في تشكيل البنية المعمارية للجينوم خلال المراحل المبكرة من نمو الجنين تفتح هذه الدراسة نافذة جديدة لفهم أحد أكثر الأسئلة جوهرية في علم الأحياء هي كيف تسهم البنية ثلاثية الأبعاد للحمض النووي في تحديد صحة الإنسان قبل الولادة بوقت طويل.