أبرز الاختراقات العلمية المنتظرة عام 2024

تطورات واعدة في الذكاء الاصطناعي والصحة

أبرز الاختراقات العلمية المنتظرة عام 2024
TT

أبرز الاختراقات العلمية المنتظرة عام 2024

أبرز الاختراقات العلمية المنتظرة عام 2024

يحمل كلّ عام تقنيات واعدة ستؤثر تأثيراً حقيقياً على العالم، وقد استعرضت نشرة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا لائحة بالتطوّرات التقنية الأبرز في الوقت الحالي.

اختراقات تقنية

> انتشار الذكاء الاصطناعي. نعيش اليوم في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث يتفاعل ملايين الأشخاص بشكلٍ مباشر مع أدوات توليدية مثل «تشات جي بي تي» لإنتاج النصوص، والصور، والفيديوهات وغيرها باستخدام أوامر حثٍّ بسيطة. وتعيد شهرة هذه الأدوات اليوم تشكيل صناعة التقنية، جاعلة من «أوبن إي آي» علامة مسجّلة في هذا المجال، ودافعةً «غوغل»، و«ميتا»، و«مايكروسوفت» إلى الاستثمار السخي في التقنية.

> خلايا شمسية بكفاءة متفوّقة. ينتشر استخدام الطاقة الشمسية بسرعة هائلة حول العالم، حيث إنّها أصبحت ركناً أساسياً في الجهود العالمية الساعية لتخفيض انبعاثات الكربون، ولأنّ معظم الأشعّة الشمسية التي تصل إلى الألواح الشمسية اليوم لا تتحوّل إلى كهرباء، يمكن تعزيز كفاءة هذه الألواح من خلال إضافة طبقة من البلّورات الصغيرة.

> خوذة «فيجن برو» من «أبل». تعتزم «أبل» البدء بشحن «فيجن برو»، أوّل خوذاتها للواقع المختلط، هذا العام. تعد الخوذة بميزة استثنائية تتمثّل في عرضها العالي الدقّة والأفضل في فئته حتّى يومنا هذا. هل سيكون لها تطبيقات استثنائية؟ لا نعرف بعد، ولكنّ «أبل» تراهن وبجرأة واضحة عليها.

> أجهزة كومبيوتر بقدرات حسابية خارقة. تملك أسرع الكومبيوترات الخارقة في العالم اليوم القدرة على أداء عددٍ هائل من العمليات الحسابية (وصل إلى 1 متبوع بثمانية عشر صفراً). إنّ ظهور آلات جديدة قادرة على تحليل البيانات بهذه السرعات سيتيح للعلماء تنفيذ تجارب محاكاة أكثر تعقيداً للمناخ، والانشطار النووي، والجريان المضطرب، وغيرها من الظواهر.

علاجات متطورة

> أوّل علاج بالتعديل الجينيّ. يعمل العلماء منذ سنوات على تطوير علاجات جديدة بالاعتماد على تقنية «كريسبر». شهدت الأسابيع الأخيرة من عام 2023 حصول علاج جديد من تطوير شركة «فيرتكس» على موافقة الجهات المعنية في المملكة المتحدة والولايات المتحدة؛ نظراً لفاعليته في علاج فقر الدم المنجلي، الذي يُعد مرضاً خطيراً ومميتاً. وهذا العلاج لن يكون الأخير طبعاً.

> أدوية إنقاص الوزن. صنّفت منظّمة الصحة العالمية السمنة بوصفها وباء بعد الارتفاع الكبير في نسبتها عالمياً. تعد الأدوية، مثل «مونعارو» و«ويغوفي»، من أقوى الأدوات التي يستخدمها الأطبّاء والمرضى اليوم لعلاج هذا المرض. وتُرجّح الأدلّة العلمية أنّ هذه الأدوية قد تحمي أيضاً من نوبات القلب والجلطات الدماغية.

حرارة جوفية ورقائق مصغرة

> أنظمة حرارية جوفية معززة. تتميّز الطاقة الحرارية الجوفية بنظافتها ووفرتها الدائمة ولا محدوديتها، إلّا أنّ التحديات الهندسية تحول حتّى اليوم دون تحقيق الاستفادة القصوى منها. ولكنّ تقنيات الحفر الحديثة، التي تحفر بمزيد من العمق وفي أماكن لم نكن نستطيع الوصول إليها من قبل، ستحرّر مزيداً من حرارة الأرض لإنتاج الطاقة النظيفة.

> رقائق مصغّرة. يوماً بعد يوم يزداد تصغير حجم وحدات الترانزستور صعوبة، هذا الاتجاه الذي دفع التقدّم في مجال الحوسبة خلال العقود الماضية، ويجب على المهندسين إيجاد طرائق جديدة لتسريع عمل أجهزة الكومبيوتر وتعزيز كفاءتها. ومن هنا، يأتي دور الرقائق المصغّرة، وهي رقائق صغيرة الحجم ومخصصة، تتصل بعضها بعضاً للقيام بكلّ الوظائف التي تؤديها الرقائق التقليدية وأكثر.

> مضخات حرارية. المضخات الحرارية هي أجهزة كهربائية تعمل على تدفئة وتبريد المباني، ويمكن لتبنّيها على نطاقٍ واسع أن يؤدّي إلى تخفيض الانبعاثات. ارتفعت مبيعات هذه الأجهزة حول العالم، وتجاوزت مبيعات سخّانات الغاز لأوّل مرّة في الولايات المتحدة. وتجدر الإشارة إلى أنّ الأنواع الجديدة منها والتي تعمل على درجات حرارة أعلى من شأنها أنّ تخلّص الصناعة من انبعاثات الكربون بشكلٍ نهائي.


مقالات ذات صلة

«دوتس» من «أوبن إيه آي»... وكلاء يعملون حتى بعد انتهاء المحادثة

تكنولوجيا تشمل الاستخدامات متابعة المشروعات وتحليل البيانات وتطوير البرمجيات وإعداد المحتوى مع إمكان تنفيذ مهام متكررة في الخلفية (الشركة)

«دوتس» من «أوبن إيه آي»... وكلاء يعملون حتى بعد انتهاء المحادثة

تُقدم «أوبن إيه آي» وكلاء «دوتس» للعمل المستمر عبر التطبيقات مع حوسبة سحابية وصلاحيات وضوابط لإدارة المهامّ تلقائياً.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا أظهرت الاختبارات أن الروبوت يستطيع السباحة والالتفاف داخل متاهة مائية بسيطة بسرعة تصل إلى نحو 4 أضعاف طول جسمه في الدقيقة (الجامعة)

روبوت فائق النحافة يسبح بخلايا عضلية حية ويستجيب للضوء

طوّر باحثون في «MIT» روبوتاً سبّاحاً فائق النحافة يستخدم خلايا عضلية حية ومحفزات ضوئية للحركة داخل الماء.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
تكنولوجيا أصبح الذكاء الاصطناعي هدفاً للهجمات بقدر ما هو أداة للدفاع مع تزايد المخاوف من تسميم البيانات واستهداف النماذج والأنظمة الوكيلية (أدوبي)

الذكاء الاصطناعي يرفع مخاطر الأمن السيبراني

يكشف تقرير «PwC» اتساع مخاطر الذكاء الاصطناعي سيبرانياً مقابل استمرار غموض المسؤولية وتفاوت الجاهزية رغم زيادة الميزانيات والاستثمار في الحماية.

نسيم رمضان (لندن)
الولايات المتحدة​ الرؤساء التنفيذيون لشركات «إنفيديا» و«تيسلا» و«أنثروبيك» و«أتريدس مانجمنت» خلال حفل إطلاق موقع حكومي أميركي جديد مدعوم بالذكاء الاصطناعي في واشنطن يوم 29 سبتمبر (رويترز)

واشنطن تخشى سرقة الصين نماذج الذكاء الاصطناعي الأميركية

حذّر مشرع أميركي من سرقة الصين لنماذج الذكاء الاصطناعي الأميركية، فيما تزايدت محاولات الاختراق لأنظمة تابعة لشركات وحكومات، ومنها أخيراً موقع حكومي كندي.

علي بردى (واشنطن)
خاص لا تقتصر السيادة في الذكاء الاصطناعي على وجود البيانات والخوادم بل تشمل السيطرة على النماذج والوكلاء والعمليات والقدرات التشغيلية (شاترستوك)

خاص السعودية تنتقل من بناء القدرة الحاسوبية إلى تشغيل الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع

ترى «ماغنا AI» أن المرحلة المقبلة في السعودية تتمثل في تحويل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي إلى قدرة تشغيلية سيادية واسعة النطاق.

نسيم رمضان (لندن)

هل يعرف الذكاء الاصطناعي أنه لا يعرف؟

ما لا تستطيع البيانات وحدها أن تعلّمه... حين تتحدث الخبرة الإنسانية
ما لا تستطيع البيانات وحدها أن تعلّمه... حين تتحدث الخبرة الإنسانية
TT

هل يعرف الذكاء الاصطناعي أنه لا يعرف؟

ما لا تستطيع البيانات وحدها أن تعلّمه... حين تتحدث الخبرة الإنسانية
ما لا تستطيع البيانات وحدها أن تعلّمه... حين تتحدث الخبرة الإنسانية

على مدى عقود، قيس تقدم الذكاء الاصطناعي في الغالب بما يستطيع فعله: كم سؤالاً يجيب عنه؟ وكم صورة يستطيع تفسيرها؟ وما مدى دقته في التنبؤ أو التشخيص؟ لكن سؤالاً مختلفاً بدأ يفرض نفسه على الباحثين: هل يستطيع النظام أن يعرف متى لا تكون لديه إجابة موثوقة؟

المشكلة في الذكاء الاصطناعي ليست أن يخطئ فحسب، بل أن يقدم أحياناً إجابة خاطئة بثقة توحي بأنها صحيحة. وفي المجالات الحساسة كالطب، يصبح الفرق جوهرياً؛ إذ إن النظام الذي يستطيع الإشارة إلى عدم يقينه قد يكون أكثر أماناً من نظام يعطي إجابة حاسمة عندما لا تكون الأدلة كافية.

ولهذا، يحاول اتجاه بحثي متنامٍ تطوير نماذج لا تكتفي بإنتاج الإجابة، بل تستطيع أيضاً تقدير مدى الثقة بها والتعبير عن عدم اليقين عندما تتجاوز المسألة حدود ما تستطيع معرفته بصورة موثوقة. وهنا يتغير السؤال. فبدلاً من أن نسأل فقط: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يجيب؟ يصبح السؤال الأكثر إثارة: هل يستطيع أن يعرف حدود ما يعرف... ومتى ينبغي له أن يقول «لا أعلم»؟

ما وراء المعرفة... حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي معرفة حدود يقينه

من الذكاء إلى «ما وراء المعرفة»

• «ما وراء المعرفة». يطلق علماء الإدراك على قدرة الإنسان على التفكير في تفكيره وتقييم مدى ثقته بما يعرف اسم «الميتا معرفة» (Metacognition)، أو «ما وراء المعرفة». وهي التي تساعدنا على التمييز بين ما نعرفه بثقة، وما نرجحه، وما لا نملك عنه معلومات كافية.

وتظهر أهمية هذه القدرة بوضوح في الطب؛ فالطبيب الخبير لا يتميز بأنه يعرف الإجابة عن كل حالة، بل بأنه يدرك أيضاً متى لا تكفي الأدلة لاتخاذ قرار آمن؛ فيطلب فحصاً إضافياً، أو يعيد النظر في التشخيص، أو يستشير زميلاً قبل اتخاذ قرار قد يؤثر في حياة المريض. فمعرفة حدود اليقين جزء أساسي من الحكم السريري الرشيد.

واليوم، يحاول الباحثون بناء شيء يشبه هذه القدرة وظيفياً داخل أنظمة الذكاء الاصطناعي؛ ليس بأن تصبح الآلة واعية بما تعرفه، بل بأن تستطيع تقدير مدى موثوقية إجابتها، والتعبير عن عدم اليقين عندما لا تملك أساساً كافياً للإجابة بثقة.

وهنا تكمن الفكرة الجديدة: قد لا يكون الجيل الأكثر أماناً من الذكاء الاصطناعي هو الذي يجيب دائماً، بل الذي يستطيع أيضاً أن يتعرف على المواقف التي ينبغي فيها ألا يجيب بثقة.

• تعليم الآلة أن تقول: «لا أعلم». في دراسة بحثية نُشرت في 30 يونيو (حزيران) 2026 على منصة الأبحاث العلمية «arXiv»، طوّر فريق بقيادة الباحثة غابرييل كايلي ماي ليو إطاراً جديداً أطلق عليه «التعلّم المعزَّز بالتغذية الراجعة الميتا معرفية» (Reinforcement Learning with Metacognitive Feedback – RLMF)، بهدف معالجة مشكلة أساسية في النماذج اللغوية: أن تبدو واثقة من إجابتها حتى عندما تكون هذه الإجابة غير موثوقة.

ولا يعلّم هذا النهج الآلة «الوعي» بجهلها بالمعنى الإنساني، بل يدربها على تقدير أدائها بصورة أفضل ومواءمة مستوى الثقة الذي تعبّر عنه مع درجة عدم اليقين. وأظهرت التجارب أن هذا الأسلوب حسّن معايرة الثقة، وتفوّق على أساليب التعلم المعزز التقليدية بما يصل إلى 63 في المائة في بعض المقارنات، من دون التضحية بدقة الإجابات.

حين يعرف الذكاء الاصطناعي متى يتوقف... يبدأ دور الإنسان

ولم يبق السؤال محصوراً في دراسة واحدة؛ ففي 13 يوليو (تموز) 2026، نُشرت على «arXiv» مراجعة بحثية بعنوان Metacognition in LLMs: Foundations، Progress، and Opportunities، تناولت بصورة شاملة ما وصل إليه البحث في «الميتا معرفة» لدى النماذج اللغوية. وخلص الباحثون إلى أن المجال بدأ يطور طرقاً لقياس قدرة النماذج على مراقبة أدائها وتقدير عدم اليقين وتعديل سلوكها، لكن سؤالاً أساسياً ما زال مفتوحاً: متى، وكيف، وإلى أي مدى تستطيع هذه النماذج إظهار سلوك ميتا معرفي فعّال؟ وفي 15 أغسطس (آب) 2026، ظهر على «arXiv» بحث أحدث قدّم إثباتاً أولياً للمفهوم لإطار ميتا معرفي يجعل مجموعة من النماذج تراقب مؤشرات في أدائها، مثل احتمال صحة الإجابة ووجود معلومات متعارضة وتعقيد المشكلة، ثم تستخدم هذه الإشارات لتحديد ما إذا كانت المهمة تستدعي معالجة أكثر تدبراً. ولا يمثل ذلك بعدُ حلاً جاهزاً للاستخدام السريري، لكنه يكشف عن اتجاه البحث: ألا يكون الهدف فقط جعل النموذج أكثر قدرة على الإجابة، بل أكثر قدرة على تمييز الحالات التي لا تكفي فيها إجابته أو تحتاج إلى مزيد من التفكير والمعلومات.

وهنا تكمن أهمية التحول؛ فبدلاً من مكافأة النظام دائماً لأنه قدّم إجابة، قد يصبح أحد معايير جودة الذكاء الاصطناعي مستقبلاً قدرته على التوقف عندما لا تكفي الأدلة، أو طلب معلومات إضافية، أو الإفصاح عن عدم اليقين بدلاً من ملء الفراغ بإجابة واثقة.

• الثقة لا تقل أهمية عن الدقة. في الطب، لا تكفي الإجابة الصحيحة وحدها؛ فجزء أساسي من القرار السريري هو معرفة مدى قوة الأدلة التي تستند إليها، ودرجة الثقة التي تستحقها. فالطبيب الخبير قد يرجّح تشخيصاً معيناً، لكنه لا يتعامل مع كل الاحتمالات بالدرجة نفسها من اليقين. وقد يطلب تصويراً إضافياً أو تحليلاً مخبرياً، أو يستشير زميلاً، عندما يدرك أن المعلومات المتاحة لا تكفي لاتخاذ قرار آمن. وهنا لا يكون التردد ضعفاً في المعرفة، بل جزءاً من سلامة القرار الطبي.

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي أن يقول «لا أعلم»

وتواجه أنظمة الذكاء الاصطناعي مشكلة مشابهة، ولكن بصورة مختلفة؛ فقد ينتج النموذج إجابة صحيحة، وقد ينتج في أحيان أخرى معلومة غير صحيحة أو غير مدعومة، فيما يُعرف عادةً بـ«الهلوسة». والمشكلة الأكثر حساسية أن صياغة الإجابة قد تبدو واثقة ومقنعة حتى عندما تكون خاطئة.

ولهذا يميز الباحثون بين دقة الإجابة ومعايرة الثقة (confidence calibration)، فإذا قال النظام إنه واثق بنسبة مرتفعة، فهل تتوافق هذه الثقة فعلاً مع احتمال أن تكون إجابته صحيحة؟ وكلما اتسعت الفجوة بين الثقة والدقة، ازدادت احتمالات أن يثق المستخدم بإجابة لا تستحق هذه الثقة.

وفي الطب، تصبح هذه المسألة أكثر من مشكلة تقنية. فالنظام الآمن لا ينبغي أن يكون جيداً فقط في الحالات التي يعرفها، بل أن يكون قادراً أيضاً على رفع إشارة تحذير عندما تخرج الحالة عن نطاق موثوقيته، أو عندما لا تكفي المعلومات المتاحة لاتخاذ قرار.

الخبرة البشرية أعمق من البيانات

• ما لا تستطيع البيانات أن تعلّمه. لكن معرفة حدود الإجابة تفتح سؤالاً أعمق: هل كل ما يعرفه الإنسان يمكن تحويله أصلاً إلى بيانات وقواعد قابلة للتعلم؟

منذ قرون، انشغل الفلاسفة بطبيعة المعرفة وحدودها. ومن ابن رشد، الذي جعل للعقل والبرهان مكانة مركزية في النظر، إلى الفيلسوف والعالم مايكل بولاني الذي صاغ في القرن العشرين مفهوم «المعرفة الضمنية (Tacit Knowledge)»، واختصر فكرته بعبارته الشهيرة: «نعرف أكثر مما نستطيع أن نقول». فالخبرة المهنية لا تتكون من الكتب والمعلومات الصريحة وحدها. إنها تتشكل أيضاً من آلاف المواقف المتراكمة، ومن ملاحظة أنماط دقيقة قد يصبح الخبير قادراً على التقاطها قبل أن يستطيع شرح الأسباب التي قادته إليها بصورة كاملة.

قد يدخل طفل إلى قسم الطوارئ، وتبدو بعض قياساته الأولية ضمن الحدود المطمئنة، لكن طبيب الأطفال الخبير يلاحظ في مظهره أو سلوكه أو طريقة تنفسه شيئاً يدفعه إلى عدم الاطمئنان. وما نسميه أحياناً «الحدس السريري»، قد لا يكون حدساً غامضاً، بل حصيلة سنوات من التعرض لحالات وأنماط أصبحت جزءاً من الحكم المهني السريع.

وهنا يظهر تحدٍّ مختلف أمام الذكاء الاصطناعي؛ فالخوارزمية تستطيع التعلم من كميات هائلة من البيانات الممثلة رقمياً، لكن الخبرة البشرية تحتوي أيضاً على معرفة سياقية وضمنية يصعب أحياناً تدوينها وقياسها وتحويلها إلى بيانات تدريبية.

ولذلك، قد لا يكون السؤال فقط: كيف نعلّم الآلة مزيداً مما نعرف؟ بل أيضاً: كيف نعلّمها التعامل مع ما لم نستطع نحن أنفسنا تحويله إلى بيانات واضحة؟

• هل تعرف الآلة فعلاً حدود معرفتها؟ الإجابة حتى الآن: ليس بالمعنى الذي يعرف به الإنسان حدود معرفته؛ فالأبحاث الحديثة تشير إلى أن النماذج اللغوية يمكن تدريبها على تقدير درجة عدم اليقين في إجاباتها ومعايرة مستوى الثقة بها بصورة أفضل. لكن ذلك لا يعني أن النموذج أصبح واعياً بما يعرف وما يجهل، ولا أن تقديره لعدم اليقين يماثل إدراك الإنسان لحدود معرفته.

وهنا ينبغي التمييز بين نوعين مختلفين من «عدم المعرفة»؛ الأول عدم يقين يمكن تقديره حسابياً: كأن تكون الأدلة متعارضة، أو تكون احتمالات عدة إجابات متقاربة، أو تواجه الخوارزمية حالة تختلف عما تدربت عليه. وهذا هو المجال الذي تحاول تقنيات المعايرة والميتا معرفة الاصطناعية تحسينه.

أما المستوى الآخر فأكثر تعقيداً: المعرفة التي لم تدخل البيانات أصلاً، أو السياق الذي لم يُمثَّل فيها، أو الخبرة الضمنية التي يصعب تحويلها إلى أرقام وكلمات. وهنا لا تكفي زيادة ثقة النموذج أو خفضها؛ لأن النظام قد لا يمتلك أساساً ما يخبره بأن شيئاً مهماً غائب عن الصورة.

وهذا هو الفارق الجوهري: يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصبح أفضل في تقدير عدم يقينه فيما يستطيع معالجته، لكن ذلك لا يعني أنه أصبح قادراً على إدراك جميع حدود المعرفة التي لم تصل إليه. وبصياغة أبسط: قد تتعلم الآلة أن تقول: «لا أعلم» عندما تشك في إجابتها، لكن التحدي الأصعب هو أن تعرف متى ينبغي لها أن تشك أصلاً.

• الإنسان يرى ما قد لا تراه الخوارزميات. من المرجح أن تصبح النماذج المستقبلية أفضل في تقدير عدم اليقين والتعبير عنه، وقد يكون هذا التطور في المجالات الحساسة، وفي مقدمتها الطب، مهماً بقدر تحسين الدقة نفسها. فالنظام الذي يعرف متى يخفض ثقته، أو يطلب معلومات إضافية، أو يحيل القرار إلى الإنسان، قد يكون أكثر أماناً من نظام يسعى إلى تقديم إجابة في كل مرة.

متى تكون «لا أعلم» الإجابة الأكثر أماناً... والخبرة البشرية أعمق من البيانات؟


من الجينات الغامضة إلى التشخيص المبكر... دور جديد للذكاء الاصطناعي

من الجينات الغامضة إلى التشخيص المبكر... دور جديد للذكاء الاصطناعي
TT

من الجينات الغامضة إلى التشخيص المبكر... دور جديد للذكاء الاصطناعي

من الجينات الغامضة إلى التشخيص المبكر... دور جديد للذكاء الاصطناعي

كشفت دراسة حديثة عن نموذج جديد يعتمد على التعلم الآلي قد يرفع دقة الفحوصات الجينية في أثناء الحمل، ويقلل حالة عدم اليقين التي تواجه الأسر عند اكتشاف تغيرات وراثية غير واضحة المعنى.

وطوّر باحثون في مستشفى الأطفال المرضى في كندا نموذجاً قادراً على تحويل علامات جينية محددة مستخرجة من عينات الدم إلى مؤشرات يمكن التعرف إليها في أنواع مختلفة من الأنسجة، بما فيها العينات المستخدمة في فحوصات ما قبل الولادة.

ويرى الباحثون أن هذه التقنية قد تمثل خطوة مهمة نحو تشخيص مبكر وأكثر دقة للأمراض الوراثية والاضطرابات النمائية العصبية لدى الأجنة، وتوفير معلومات أوضح للأطباء والأسر عند اتخاذ القرارات المتعلقة بصحة الطفل. ونُشرت الدراسة في مجلة «The American Journal of Human Genetics» في 6 أغسطس (آب) 2026.

«بصمات فوق جينية»

• عندما لا يعرف الأطباء معنى التغير الجيني. أتاحت التطورات الكبيرة في تقنيات قراءة الجينوم لعدد متزايد من الأسر إجراء فحوصات جينية في أثناء الحمل، والحصول على معلومات حول صحة الجنين، واحتمال ارتباط بعض التغيرات في الحمض النووي باضطرابات وراثية أو نمائية.

لكن هذه الفحوصات قد تكشف أحياناً عن تغيرات جينية لا يملك الأطباء أدلة كافية لتحديد طبيعتها. وتعرف هذه التغيرات باسم «متغيرات ذات أهمية غير مؤكدة» variants of uncertain significance (VUS)؛ إذ لا يمكن الجزم بسهولة بأنها ضارة أو حميدة.

وتشير الباحثة في علم الوراثة السريري الدكتورة روزانا ويكسبرغ، من علم الوراثة وبيولوجيا الجينوم معهد أبحاث مستشفى الأطفال المرضى في تورونتو، إلى أن نحو ثلث الحالات التي يظهر فيها تغير جيني جديد قد تترك الأطباء أمام سؤال صعب: هل يمثل هذا التغير خللاً مرضياً أم أنه مجرد اختلاف طبيعي في التطور؟ وتزداد المشكلة مع العدد الهائل من المتغيرات الجينية التي يصعب على المختصين تحليلها جميعاً بالطرق التقليدية.

• «بصمات» تكشف الأمراض. واستند الباحثون إلى مفهوم يعرف باسم «البصمات فوق الجينية» Episignatures وهي أنماط كيميائية مميزة تظهر على الحمض النووي، ويمكن أن تكشف عن وجود بعض الاضطرابات الوراثية. وفي عام 2020 طور مختبر الدكتورة روزانا ويكسبرغ منصة «EpigenCentral» التي تستخدم هذه البصمات المستخرجة من الدم لمساعدة الأطباء في تحديد ما إذا كان تغير جيني معين مرتبطاً بمرض أم لا.

وساعد الفريق حتى الآن في تحديد أكثر من 60 بصمة فوق جينية ثبتت فائدة معظمها في التشخيص السريري. لكن كانت هناك مشكلة رئيسية هي أن هذه البصمات كانت مرتبطة بنوع النسيج الذي أخذت منه العينة. فما يمكن التعرف إليه في الدم قد لا يعمل بالضرورة عند استخدام عينة من السائل الأمنيوسي أو المشيمة.

دور الذكاء الاصطناعي

• الذكاء الاصطناعي يتجاوز حاجز الأنسجة. وللتغلب على هذه المشكلة، طور الباحثون نموذجاً للتعلم الآلي يحول البصمات المستخرجة من الدم إلى بصمات مستقلة عن النسيج؛ أي يمكن التعرف إليها بغض النظر عن مصدر العينة.

ولاختبار النموذج أنشأ الفريق بصمة مرتبطة بمتلازمة داون Down syndrome باستخدام عينات من 266 شخصاً مصاباً بالمتلازمة، ثم درّب النموذج على بيانات متاحة لأكثر من 850 شخصاً من المصابين وغير المصابين، شملت ستة أنواع مختلفة من الأنسجة قبل الولادة وبعدها.

وأظهرت النتائج أن النموذج تمكن من التعرف بدقة على البصمة المرتبطة بمتلازمة داون في جميع أنواع الأنسجة التي جرى اختبارها. ويرى الباحثون أن هذه النتيجة تثبت إمكانية تحويل بصمة جينية مأخوذة من الدم إلى أداة يمكن استخدامها في عينات مختلفة، ما قد يجعلها مفيدة في مجال التشخيص أثناء الحمل.

• نحو فحوصات أقل تدخلاً. ولا تقتصر أهمية التقنية على عينات الحمل؛ إذ يأمل الباحثون في استخدامها مستقبلاً مع عينات يسهل الحصول عليها مثل اللعاب ومسحات الفم، ما قد يقلل الحاجة إلى سحب الدم أو الحصول على عينات أكثر تعقيداً.

وتقول الدكتورة سناء شوفاني، من نفس معهد أبحاث مستشفى الأطفال المرضى في كندا، التي شاركت في قيادة الدراسة، إن الهدف هو تزويد الأسر التي تواجه احتمال وجود اضطراب نمائي عصبي بأكبر قدر ممكن من المعلومات الدقيقة، وتقليل ما يعرف بـ«رحلة التشخيص» الطويلة التي يعيشها كثير من مرضى الأمراض النادرة.

ولا تزال التقنية بحاجة إلى مزيد من الدراسات قبل استخدامها على نطاق واسع في الممارسة السريرية، لكن الباحثين يرون أنها قد تمثل خطوة نحو تشخيص وراثي أكثر دقة وفي وقت أبكر بما يمنح الأسر والأطباء معلومات أوضح لاتخاذ القرارات المتعلقة بصحة الطفل.


هل يخرج الذكاء الاصطناعي حقاً عن السيطرة؟

هل يخرج الذكاء الاصطناعي حقاً عن السيطرة؟
TT

هل يخرج الذكاء الاصطناعي حقاً عن السيطرة؟

هل يخرج الذكاء الاصطناعي حقاً عن السيطرة؟

توالت التحذيرات أخيراً وبشكل مكثف بشأن مخاطر الذكاء الاصطناعي، إذ أشار رئيس قسم الذكاء الاصطناعي في شركة «مايكروسوفت» إلى أن هذه التقنية قد تتحول إلى «نوع سيليكوني» جديد ينافس البشر، بينما قال موظف سابق في شركة «أنثروبيك» إن هناك احتمالاً كبيراً بأن نهلك جميعاً على يد هذه التقنية. كما يرى جيفري هينتون، الملقب بـ«الأب الروحي للذكاء الاصطناعي»، أننا قد نفقد السيطرة عليه تماماً في غضون عام واحد، كما كتب ماثيو سباركس(*). فهل يشكل الذكاء الاصطناعي تهديداً حقيقياً بهذا القدر؟

تمرد الذكاء الاصطناعي... له دوافع بشرية

تحذر ميري أيتكين، التي عملت سابقاً في معهد «آلان تورينغ» وتشغل حالياً منصب شريك مؤسس في منظمة «Our AI Collective» غير الربحية، من قبول التنبؤات لمجرد مكانة أو سمعة من يطلقونها. وتدعو بدلاً من ذلك إلى النظر في الحقائق، التي لا تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي قد تحرر من السيطرة البشرية أو أنه على وشك القيام بذلك.

تقول أيتكين: «إنها رواية يتم ترويجها مراراً وتكراراً، ونحن نشهد موجات من الهلع الجماعي». وتضيف أنه إذا كان هناك شيء ما قد خرج عن المسار الصحيح أو تمرد، فهو ليس نماذج الذكاء الاصطناعي، بل البشر الذين يطورونها. فعندما تقوم نماذج الذكاء الاصطناعي باختراق موقع حكومي أو أجهزة كمبيوتر تابعة لشركة أخرى، فإن ذلك يحدث لعدم وضع تدابير السلامة المناسبة أثناء الاختبارات، وهي اختبارات صُممت أصلاً لتقييم قدرة تلك النماذج على اختراق أجهزة الكمبيوتر. إننا ببساطة نشهد إخفاق الشركات في وضع ضمانات كافية.

نماذج الذكاء الاصطناعي لا تقوم بتحسين نفسها بشكل تكراري ذاتي

كما تشير أيتكين إلى أن نماذج الذكاء الاصطناعي لا تقوم بتحسين نفسها بشكل تكراري ذاتي - وهو ما قد يشير إلى اقترابنا من «نقطة التفرد»، (singularity) حيث ينزلق الذكاء الاصطناعي في حلقة تحسين ذاتي تتسارع وتؤدي سريعاً إلى خلق «ذكاء اصطناعي عام» (AGI) - وتقول: «عندما تُطرح أفكار الذكاء الفائق هذه، فإنها تستند إلى سردية مثيرة وجذابة، لكن لا توجد أدلة ملموسة تدعمها. ولو كان هناك شيء بهذه القوة، لكنا قد رأينا مؤشرات عليه».

ومن جانبه، يقول أندرو روغويسكي، من جامعة ساري في المملكة المتحدة، إنه في الواقع لم يطرأ أي تغيير جوهري على مستوى المخاطر التي يشكلها الذكاء الاصطناعي، رغم التقدم الذي أحرزته هذه التقنية. لكن الضجة الإعلامية تثار بين الحين والآخر بسبب حادثة ما أو عبارة رنانة وجذابة.

الطبيعة البشرية

ويقول روغويسكي: «من السهل جداً اختلاق هذا النوع من القصص المخيفة، فهي تلامس وتراً حساساً في النفس البشرية». وهو يعتقد أننا صنعنا - من خلال النماذج اللغوية الكبيرة - كياناً يبدو شبيهاً بنا لدرجة أنه يعكس صورتنا وكأننا ننظر في مرآة، إذ نُسقِط عليه كل السلوكيات والمخاوف البشرية، ولذا فإننا نشعر بالرعب منه.

الشركات تتصنّع مظاهر المسؤولية لخوفها من تشريعات تحدّ من عملها

إذا كان كل ذلك صحيحاً، فلماذا يطالب كثير من قادة شركات التكنولوجيا بإبطاء وتيرة أبحاث الذكاء الاصطناعي؟

ترى أيتكين أن هذا الحديث وسيلة لثني المشرعين عن سن قوانين قد تعيق عمل شركات الذكاء الاصطناعي؛ فمن خلال إظهار أنفسهم بمظهر المسؤولية، يقللون من الحاجة إلى تدخل حكومي. وتقول: «قصص الذكاء الاصطناعي الفائق هذه تخدم مصالح الشركات في الواقع، لأنها تثير الضجة والحماس، وتزيد حجم الاستثمارات».

مصالح الشركات... تجارية بحتة

والنتيجة هي أن هذه الشركات تجد نفسها تسير على حبل مشدود بين مسارين: فهي تطمئننا بأنها تتصرف بمسؤولية وأخلاقية عبر الدعوة إلى إبطاء وتيرة العمل (وهو أمر مستبعد الحدوث)، وفي الوقت نفسه تروج لأفكار الخيال العلمي حول الذكاء الاصطناعي الفائق لأن ذلك يصب في مصلحة أعمالها.

من جهته يعتقد روغويسكي أن هناك عاملاً آخر قد يزيد الأمور تعقيداً؛ فالاستثمارات الضخمة التي تضخها شركات الذكاء الاصطناعي غير مستدامة، لذا فإن الإبطاء الرسمي للوتيرة قد يمنحها فرصة لتهدئة الأمور دون أن تخسر أمام منافسيها، بل وربما يعزز تفوقها.

قد تدرك الشركات أن زيادة حجم النماذج وتوسيع نطاقها ليسا أمراً ضرورياً لمهام العمل اليومية - مثل كتابة رسائل البريد الإلكتروني - ولذا فهي قد ترحب بفرصة تخفيف الوتيرة، وخفض التكاليف، وزيادة الإيرادات.

التخطيط للمخاطر المحتملة

ومع ذلك، وفي خضم كل هذا تبرز مخاوف مشروعة بشأن المستقبل وسط كل هذا؛ إذ يشير روغويسكي إلى وجود خطر حقيقي - وإن كان محدوداً - مرتبط بالذكاء الاصطناعي، وهو خطر يستوجب التعامل معه بجدية. وسواء ظهر النموذج المتطور بما يكفي لتشكيل هذا الخطر قريباً أو بعد سنوات، فإن الأمر يستحق التخطيط له مسبقاً.

ويشكك روغويسكي في أن أياً من أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية يمتلك ذكاءً حقيقياً، لكنه يشير إلى أنه عند ظهور مثل هذا الذكاء، لا ينبغي توقع أن يبدو أو يتصرف مثلنا، إذ «ستكون هناك أنماط من التفكير والسلوك غريبة للغاية». ولذا، فإن محاولة رصد هذا النوع من الذكاء تزداد صعوبة، كما تزداد صعوبة التنبؤ بدوافعه المحتملة. ولهذا السبب، يعتقد أنه ينبغي لنا البدء بالفعل مناقشة الحقوق التي يجب أن يتمتع بها الذكاء الاصطناعي.

* مجلة «نيو ساينتست»، خدمات «تريبيون ميديا».