يُعدّ سرطان القولون والمستقيم، وهو الاسم الذي يضم سرطانَي القولون والمستقيم، السبب الرئيسي للوفيات الناجمة عن السرطان بين البالغين دون سن الخمسين. وكشف بحث جديد أن وفيات سرطان المستقيم تحديداً آخذة في الارتفاع بين البالغين في هذه الفئة العمرية، ولا سيما بين أبناء جيل الألفية. ووفقاً لتقرير شبكة «إن بي سي»، فإن سرطان المستقيم سيصبح بحلول عام 2035 السبب الأول للوفيات بالسرطان بين الأشخاص دون سن الخمسين إذا استمر هذا الاتجاه.
رغم التشابه الكبير بين سرطان المستقيم وسرطان القولون، فإن الفرق الأساسي بينهما يكمن في موقع الورم. ويوضح اختصاصي أمراض الجهاز الهضمي الدكتور جاتين روبر أن «المستقيم يُعد جزءاً من القولون، وهو نهايته قبل فتحة الشرج». وأضاف أن التشابه البيولوجي الكبير بين أنسجة المستقيم والقولون يجعل سرطان المستقيم يُصنَّف غالباً مع سرطان القولون تحت اسم سرطان القولون والمستقيم.
من جانبه، قال اختصاصي أورام الجهاز الهضمي الدكتور مايكل فوت إن «سرطان المستقيم هو ورم يبدأ في المستقيم، ويتشابه مع أورام القولون في جوانب عديدة».
أعراض سرطان المستقيم
يُعد نزيف المستقيم أكثر أعراض المرض شيوعاً، ويكون «أكثر انتشاراً بكثير» بين المصابين الأصغر سناً، وفقاً للدكتور فوت. وقد يظهر الدم في البراز أو يكون لون البراز مائلاً إلى الأحمر الداكن، حسب الدكتور جاتين روبر.
ويمكن أن يتراوح لون الدم بين الأحمر الفاتح والأحمر الداكن، وقد يظهر أثناء التبرز أو في أوقات متفرقة من اليوم. كما قد يكون الدم ممزوجاً بالبراز أو ظاهراً على ورق المرحاض بعد المسح، ما يدفع بعض الأشخاص إلى الخلط بينه وبين أعراض البواسير أو حتى نزيف الدورة الشهرية.
ويُعد ألم البطن أيضاً من الأعراض الشائعة، إلى جانب تغيّر عادات التبرز، والإمساك، ونحافة البراز، والإرهاق، وفقدان الوزن، حسب روبر، الذي أضاف أن فقر الدم قد يكون أيضاً مؤشراً على الإصابة بسرطان المستقيم.
وأوضح روبر أنه نظراً إلى أن سرطان المستقيم ينشأ في نهاية القولون، فإن المرضى يكونون أكثر عرضة لملاحظة ترقق البراز أو وجود دم فيه.
وقال: «الرسالة الأهم هي أنه لا ينبغي تجاهل أي تغير في الجهاز الهضمي. فأي تغير في وظائفه يجب أن يخضع للتقييم الطبي، وتبقى العلامة الأكثر إثارة للقلق التي تستدعي الفحص هي وجود أي أثر للدم في البراز».
وأشار روبر إلى أن بعض المصابين بسرطان المستقيم قد لا تظهر عليهم أي أعراض، وهو ما يجعل الفحوص الدورية للكشف عن سرطان القولون والمستقيم أكثر أهمية.
ارتفاع معدلات الإصابة
أظهرت دراسة حديثة نشرتها الجمعية الأميركية للسرطان أن معدلات الإصابة بسرطان القولون والمستقيم تتراجع بين الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 65 عاماً فأكثر، لكنها ترتفع بين البالغين الأصغر سناً.
وقال الدكتور فوت: «نعلم أن معظم حالات السرطان لدى الشباب تظهر في الجانب الأيسر من القولون، أو في المستقيم بشكل خاص».
من جانبه، قال الدكتور روبر إن «معدل الإصابة بسرطان المستقيم يرتفع بوتيرة أسرع من سرطان القولون، ولا نعرف السبب حتى الآن». وأضاف أن سرطان القولون والمستقيم كان يُعد تاريخياً مرضاً يصيب كبار السن، «لكن بات من الواضح الآن أن معدلات الإصابة ترتفع بشكل كبير بين الشباب، حتى أصبح تشخيص هذه السرطانات لدى أشخاص دون سن الخمسين أمراً شائعاً للأسف».
وشدد فوت على أن سرطان القولون والمستقيم لا يزال نادراً إجمالاً بين الشباب، إلا أن عدد الحالات يرتفع بوتيرة أسرع لدى الأجيال الأحدث، حسب روبر. وأوضح أن معدل الإصابة بسرطان المستقيم بين المولودين عام 2001 (جيل زد) أعلى منه لدى مواليد 1991 (جيل الألفية)، وهو بدوره أعلى من المعدل لدى مواليد 1981.
وأضاف روبر: «حتى في تقرير حديث عُرض خلال مؤتمر علمي تناول معدلات سرطان القولون والمستقيم لدى المراهقين، ورغم أن الأعداد المطلقة لا تزال منخفضة، فإن وتيرة الارتفاع لافتة للغاية».
أظهرت الأبحاث أن معدلات الإصابة بسرطان القولون والمستقيم بين البالغين دون سن الخمسين ارتفعت بنسبة 63 في المائة منذ عام 1988، وفقاً للدكتور فوت. فقد ارتفع عدد الإصابات من 8 حالات لكل 100 ألف شخص دون الخمسين عام 1988 إلى 13 حالة لكل 100 ألف حالياً.
ورغم أن المعدلات الإجمالية لا تزال منخفضة نسبياً، فإن هذا الارتفاع يثير القلق، حسب الدكتور روبر؛ لأنه «يعزز احتمال وجود عامل في بيئتنا أو نظامنا الغذائي لم نتمكن بعد من تحديده، يزيد من خطر الإصابة لدى صغار السن. وإلى أن نعرف ماهية هذا العامل، سيكون من الصعب جداً التعامل مع المشكلة».
عوامل تفسر الارتفاع
في حين لا تزال الأبحاث جارية، يعتقد الخبراء أن هناك عدداً من العوامل التي قد تفسر الارتفاع في معدلات الإصابة بسرطان المستقيم.
وأوضح الطبيبان أن السمنة تُعد عامل خطر للإصابة بسرطان القولون والمستقيم لدى الصغار والكبار على حد سواء، لكن الدكتور فوت أشار إلى أن «معظم المصابين بسرطان القولون والمستقيم في سن مبكرة ليسوا مصابين بالسمنة». وأضاف أن داء السكري يُعد أيضاً من عوامل الخطر، إلا أن معظم المرضى الأصغر سناً لا يعانون منه كذلك.
وقال فوت إن ارتفاع معدلات الإصابة بين الشباب بدأ على الأرجح في الفترة الممتدة بين خمسينات وتسعينات القرن الماضي، ثم تسارع منذ ذلك الحين.
ويرجح الخبراء أن يكون هناك تغير طرأ على البيئة أو نمط الحياة خلال تلك الفترة، ولا يعتقدون أن ارتفاع معدلات الإصابة يعود ببساطة إلى زيادة عمليات الفحص والكشف المبكر.
وأشار فوت إلى أن الأمر قد يكون مرتبطاً بالنظام الغذائي الغربي، الذي يعتمد على كميات كبيرة من الدهون الحيوانية والكربوهيدرات، مع استهلاك أقل للخضراوات، والإكثار من اللحوم الحمراء والمصنّعة، والحبوب المكررة والسكريات المصنعة.
وأضاف أنه بين عامي 1950 و1990 شهد النظام الغذائي تغيرات كبيرة، مع انتشار مطاعم الوجبات السريعة، وزيادة استخدام المواد الحافظة، وحتى شيوع العبوات البلاستيكية لحفظ الطعام، التي تحتوي على جزيئات بلاستيكية دقيقة (ميكروبلاستيك).
من جانبه، أشار الدكتور روبر إلى أن من الأسباب المحتملة أيضاً التغيرات في ميكروبيوم الأمعاء، أي البكتيريا الطبيعية التي تعيش في الجهاز الهضمي، موضحاً أن هذه التغيرات قد تكون ناجمة عن تبدل العادات الغذائية أو أنماط ممارسة الرياضة خلال العقود الأخيرة، لكنه أكد أن السبب لا يزال غير واضح حتى الآن.
